شعوذات ألمانيّة !


طوى كتاب المونديال آخر صفحاته، وانقضت الدورة على تقدّم إسبانيا إلى صدارة العالم، و"تراجع" أوروبّا إلى القرون الوسطى. لمثل هذا  القول، على تشاؤمه وغلوّه، حظّ من الوجاهة بعد أن غطّت أخبار الأخطبوط الألماني المشهور "بول" على ما دونه من الأخبار القادمة من "جنوب إفريقيا" على مدار الشهر المنقضي. ولعلّ "بول"، لهذا ولغيره، استحقّ أنْ يكون هو النجم الحقيقيّ لكأس العالم لا "الماتادور" الإسبانيّ.


"بول"، كما تناقلت الصور والأخبار، مخلوق مائيّ له من العمر سنتان، طوله خمسون صنتيمترا، ومهنته عرّاف يمارس "الكهانة" من داخل حوض مائيّ في حديقة الحياة البحريّة في "أبرهوزن" غربيّ ألمانيا.
نجوميّة الظاهرة "بول" يفسّرها نجاحه القياسيّ في التنبّؤ بنتائج المنتخب الألمانيّ في الدورة الأخيرة وبنتائج المقابلة النهائيّة بين إسبانيا وهولندا. 

العرّاف الذي ملأ الدنيا وشغل الناس لوى أعناق عشّاق الرهان الرياضيّ، وصرف إليه القنوات الفضائيّة والمواقع والصحف الألمانيّة خاصّة، بل وقطعت تلفزات ألمانيّة وإسبانيّة وهولنديّة برامجها لتبثّ، على الهواء، هذه التوقّعات لحظة بلحظة. وتابع المشاهدون الأخطبوط العجيب وهو يتحرّك ببطء بأرجله الثماني نحو الصندوق المحظوظ.


لمن فاته متابعة "بول" وفتوحاته، نذكّر، مع بعض التبسيط المخلّ لا محالة، بأنّ معجزته تجري على النحو التالي:
داخل حوض المياه الزجاجيّ، يوضع "بول" أمام صندوقين شفّافيْن يحتويان على طعامه المفضّل. وفي داخل كلّ منهما عَلم أحد الفريقين المتنافسين. تحتبس الأنفاس، وتتسمّر العيون نحو الأخطبوط، وهو يتّجه إلى صندوق الحظّ. يفتحه ويتكوّر فيه بعد أنْ يغلق الباب عليه، ليستمتع بوجبة لذيذة من بَلح البحر.

لا يشكّ "العارفون"، لحظة، أنّ فتحه لأحد الصندوقين يعني نصرا مؤزّرا لحاملي ألوان ذلك العلم.

وكما هو معلوم، فلا نبيّ في قومه، حتّى أنّي ألمح الهزء والسخرية في عيون تزعم العلم الوضعيّ وتجحد صِنْوَه اللّدنّيّ ! ينسى المستهزئون أنّ اللّه قد يضع سرّه في أضعف خلقه، فما ظنّكَ بأخطبوط يكرّ بأربع ويفرّ بأربع؟ !
ودعك من قول علمائهم إنّ الأخطبوط، كأسماك الحبار، معروف بالغباء مصاب بعمى الألوان، وإنّما يسعى إلى حاجته بالغريزة. ودعك من تكذيب أحد هؤلاء النفاة الجاحدين ( وهو يدّعي أنّه خبير أسماك دانماركيّ ) لمعجزة "بول"، واصفا تكهّناته بأنّها مجرّد ضربة حظّ. كلّ تلك المعجزات مجرّد ضربة حظ؟ ما أيسر معرفة المتعالمين بشيء من حطام الدنيا !

ولأنّ نسل "مُسيلمة" و"سجاح" لم ينقطع على طول الدهر، فقد نجم، هنا وهناك، طائفة من "المتنبّئين" يريدون أن ينسبوا إلى أنفسهم القدرة على الإتيان بمثل معجزة "بول" وأكثر. فهذا تمساح أستراليّ يُدْعى «هاري»، يصدّق على توقّعات «بول»، ويختار  دجاجة تدلّت من تحت علم إسبانيّ، بدلا من تلك المتدلّية من عَلم هولندا !
وهذا ببّغاء سنغافورة ( وهو من مواليد الهند على وجه التحديد ) ببّغاء مشهود له بمعرفة الغيوب، غير أنّه – وعملا بقاعدة خالف تعرف ! – يرفض توقّعات "بول" ويتكهّن بفوز هولندا. وحين ظهر الحقّ وزهق الباطل اُفْتُضِح أمرُه، وخاب فألُه.

ثمّ إنّ أمّة الحيوان تداعت إلى لعبة التنجيم وقد أغرتها بالتجربة معجزة "بول"، وراجت أخبار المتكهّنين بنتائج المباريات من النمل والكلاب والقطط والفئران إلى الخنازير والتيوس..

صديق لي من المؤمنين بعظمة الأمّة الألمانيّة، ولا يشكّ، قطّ، بأنّ إسهامات الألمان في الفلسفة والفنون والآداب لا تُضاهى كان حزينا لما آل إليه ورثة كانط وهيغل وماركس من حال الانشغال بخرافة "بول" و"منطق" الكُهّان والعرّافين على حساب معطيات العلم والتدريب والأداء على الميدان إلى الحدّ الذي حقّ فيه القول: كلّنا في الهمّ شرق وغرب !
غير أنّي، وإن كنت أشاطره جزعه المبرّر لا محالة، أفزع، دونه، إلى شيء من التعلّل. أريد أن أقنع نفسي بأنّ شغف الناس بهذا الأخطبوط هو صناعة إخباريّة بامتياز. العالم، اليوم، قرية كونيّة صغيرة لا يحتاج فيها الخبر إلى أن يطوي الأرض طيّا ليدرك كلّ نازح وبعيد. الخبر، بفعل عولمة الاتّصال، انقلب صنيعة يشترك فيها صانع الخبر ومروّجه والمستفيد منه.


صحيح، يمكن أن نحمل توقّعات "بول" على الدعابة والإدهاش والصدفة، ولكنّ الفكرة الجهنّمية التي برقت في ذهن أحد القائمين على الحديقة المائيّة في "أوبرهوزن" ربّما صارت، وقد دخل الناس أفواجا في دين "بول"،  من النوع الذي أوّله هزل وآخره جدّ. لقد تحوّل الأخطبوط  المحظوظ، أيّام المونديال، إلى تميمة في نحور الحِسان، وقِداح للاعبي الرّهان، واستخارة لذوي الإيمان. وشارك بعضٌ من عقلاء العالم ومشعوذيه، ومن ساستِه ومَسُوسيه في النفخ في حديث "خرافة" الألمانيّ، ليكون ذلك الحديث من تمام متعة اللّعب والإثارة والتعليب والدعاية والإشهار في "جنوب إفريقيا".


حدّث العاقلَ بما لا يُعْقَل فإنْ صَدَّق فلا عقل له !

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This