شكراً إذا لم تنشروا هذا المقال!
سعيد ناشيد
“أرسلت إليهم نصّا بليغاً دامغاً مستوفياً لكل معايير النشر كما أعرفها وكما لا أعرفها، ومع ذلك لم ينشروه… ثم إنهم كثيراً ما ينشرون مواضيع تافهة وينشرون لكل من هبّ ودبّ… ثم إنهم ربّما يخدمون أجندة سرية… ثم إنهم فاشلون… ثم إني سأفسد الحفلة على الجميع…”.
كثيراً ما أسمع مثل هذا الاحتجاج الصاعق من أفواه كتاب ومثقفين مرموقين أو مغمورين، بعضهم أصدقاء جمعني وإياهم ردح من الزمن. ثم أتساءل : هل هي هشاشة المثقف حين يشعر بخواء الكينونة التي لا يملأ جوفها غير التراب؟ هل هو مكر الكتابة حين توهمنا بأنها تولد دفعة واحدة في تمام واكتمال في حين أن لكل كتابة إذا ما تمت نقصان؟
سمعت مرّة أحدهم يرغي ويزبد ويوزع الاتهامات طولاً وعرضاً وسماء وأرضاً فقط لأن إحدى الجهات لم تنشر له نصا “دامغاً”. سألني بماذا ستشعر لو أنهم لم ينشروا لك أحد نصوصك؟ أمام هذا السؤال أجيب في الحال : حدث هذا مراراً من قبل، وما يزال يحدث إلى اليوم، وأراه سيظل يحدث إلى آخر يوم من أيامي. ولست أرى في ذلك الأمر إلاّ حظوة لي وصوناً لاسميً. فواجب المنشورات الصديقة ليس فقط أن تمنحنا فرصة النشر، وإنما أيضاً، أن تحمينا من بعض هفواتنا حين نغفو أو نغفل أو نغترّ، وأن تحصننا من بعض أوهامنا حين نهيم على وجه الورقة البيضاء بلا هدي أو حين نتعثر.
الكاتب، مهما علا كعبه وطال باعه، فإنه قد لا يأمن من هفوات الوجدان ومن نواقص كامنة وأخطاء جارية. وكثيراً ما يقع ضحية قرار متسرع بنشر نص يرتجف ارتباكاً، فلا ترى الجهة الناشرة عيباً في نشره ما دام الاسم كبيراً وعلى صاحبه وزر ما يعلن أو ينشر. وكثيراً ما كان الوزر ثقيلاً على كتاب ومثقفين مرموقين.
وعن تجربتي في ما لم ينشر لي:
– ضمن حوالي ثلاثين مقالاً، مقالان لم تنشرهما “الأوان”. وعندما عدت إليهما وجدتهما محشوين زلات وهفوات، ما أتاح لي فرصة مراجعتهما مجدّداً وتداركت ما وسعني تداركه، وكم وددت بعدها أن أقول لرجاء بن سلامة: شكراً.
– ضمن حوالي عشرة مقالات، مقال لم تنشره يومية “السفير”. وبعد مراجعته وإعادة رص بنيانه اكتشفت ثغرات كثيرة، ثم وددت لو أقول لنصري الصايغ : شكراً.
– ضمن حوالي خمسة مقالات، مقال اشترطت مجلة “النداء” عليّ تعديلا لعنوانه بسبب بعض الحساسيات الطائفية. وبعد الإمعان بدأت أتعلم كيف أنظر إلى الواقع لا كمعطى جاهز وإنما كمواقع متنافرة وأبعد من أن تُختزل في كتلة واحدة أو كتلتين على أبعد تقدير، ثم وددت لو أقول لأحمد ديركي : شكرا.
هذا كشف حسابي أضعه أمام جميع الغاضبين من عدم نشر بعض نصوصهم.
فلم أشعر، في أي وقت مضى، بأن عدم النشر قد أساء لشخصي، بل وبخلاف ذلك كنت أشعر دائماً بأني مدين للنصوص التي لم تنشر، والتي أتعلم من مراجعتها كيف أرتقي من جديد.
وانطلاقا مما تقدّم وتأخر، فإني أعلن لـ”الأوان”، أصالة عن نفسي ونيابة عن كل من يقبل نيابتي عنه، ما يلي :
شكراً لكم على كل نص لم تنشروه، فإني أرى في ذلك صوناً لي وحفظا لسمعتي وتمكيناً للنص من انبعاث جديد وحياة أفضل.
وشكراً لكم أيضاً إذا لم تنشروا هذا النص بالذات، لأني في هذه الحالة سأعيد إحكامه بنحو جديد وربما أكثر جودة مما هو عليه الآن.
