صدقة الحسن والجمال
قرأت مؤخّراً واحدة من الفتاوى الطريفة المرويّة عن أبي العبّاس السبتي، وهو من مشايخ التصوّف في بلاد المغرب في القرن السادس الهجري/الثاني عشر الميلادي، ومؤدّى تلك الفتوى الطريفة هو أنّ صاحبها "أوجب الصدقة على كلّ أنثى ذات جمال فائق وحسن بديع، لكون ذلك نعمة من اللـه، وحتى لا تكون فتنة للرجال والشباب منهم على الأخص".
وهذه الفتوى "السبتية" طريفة، كما ترون، ليس فقط بسبب مضمونها الفريد الذي يدعو للتبسّم والضحك للوهلة الأولى، ويبرز فيه شيء من التمييز "العنصريّ" (بين الجميلات والقبيحات) في الوهلة الثانية. بل إنّ منبع طرافتها كذلك، ولعلّ هذا هو الأهمّ، يتجلّى في ما يمكن أن تثيره تلك الفتوى في النفس من تداعيات وتوحي به من أفكار تتعلّق بكيفية تطبيقها، وبمدى نجاعتها، وبما يمكن أن يقاس عليها من مواضيع أخرى.
ففي مجال تطبيق الفتوى ينبثق مباشرة السؤال المركزيّ : من هو الشخص المخوّل، أو من هي الجهة المخوّلة، فرز النساء بين حسناء فاتنة فائقة الحسن والجمال، ينطبق عليها تنفيذ هذه الفتوى، وبين قبيحة دميمة بشعة معفاة من الصدقة ومن تبعات الفتوى؟ فالحسن والجمال درجات، وهما أيضاً أذواق وأمزجة وطبائع، بمعنى أنّ ما يراه الشيخ الفلاني حسناً وجمالاً، يمكن أن يراه شيخ آخر قبحاً وبشاعة ودمامة، أو على الأقل شيئاً عادياً لا يقدّم ولا يؤخّر. وللتغلّب على هذه المعضلة العويصة نقترح من باب الجدّ الذي يختلط بالهزل أن يترك الأمر للنساء أنفسهنّ، ومن الطبيعي أنّ معظمهنّ، أو كلّهنّ، إلا المفرطات منهنّ في البخل والحرص، سيَرَيْن أنّهن جميلات وفاتنات وساحرات، وبالتالي تستحقّ عليهنّ الصدقات، وهكذا يربح الفقراء والمساكين وأصحاب السبيل مزيداً من الصدقات، هذا على افتراض أن منطوق آية الصدقات في القرآن ـ من جهة توزيعها ـ ينطبق على هذه الصدقة "المبتدعة" أيضاً، كما تغدو نسبة النساء اللواتي يمكن أن يفتتن بهن الرجال قليلة ومحدودة الأثر (ألم تغفل الفتوى النساء اللواتي يمكن أن تفتتن بهنّ نساء؟!)، لأن الغالبية منهن يفترض أن يتصدّقن حسب نص الفتوى، وهذا يجعلهنّ غير "فاتنات" ـ حسب الغاية المرجوّة من الصدقة/الفتوى ـ رغم كلّ فتنتهنّ!. ولعلّ بعض المشائخ من باب النيّة الحسنة والتحريض على المزيد من التصدّق يخاطبون أتباعهم من النساء بالقول : من تصدّقت منكنّ فهي جميلة وفاتنة، ومن لم تتصدّق فهي قبيحة وبشعة. ولا تستغربوا أن تأتي زوجة قبيحة إلى زوجها الذي اتهمها بالدمامة في أحد جدالاتهما الروتينية، فتدافع عن نفسها بأنها تؤدّي ما عليها من صدقات، بما فيها صدقة الحسن والجمال، وبأنّ الشيخ الذي أشرف على دفعها للصدقات قد مدح تصرفها وأثنى على حسنها وجمالها، مما يمكن أن يسبب الكثير من الخلافات الزوجية ويؤجّج المزيد من الصراعات العائلية.
النقطة الثانية التي تتعلق بكيفية تطبيق الفتوى، تتّصل بدرجات الحسن والجمال، فهل ستكون الصدقات المفروضة على جميع الجميلات والحسناوات متساوية، أم إنها ستتفاوت تبعاً لدرجة الحسن والجمال والفتنة؟ وهل يقتصر الأمر على حسن الوجه وجمال الجسد أم يتصل كذلك باللباس والأزياء والصوت والحركات والغمزات وطريقة المشية التي يمكن أن تكون فاتنة ومغرية ومثيرة حتى ولو صدرت عن امرأة قليلة الحظ من الحسن والجمال؟.
النقطة الأخيرة تتعلق بالجهة أو بالجهات التي تستحقّ الصدقات، من هي؟ من يحدّدها؟ وماذا لو وزّعت صدقات الحسن والجمال على غير مستحقّيها؟ هل تظل فعّالة وناجعة؟ أم تفقد فائدتها المتوخّاة في منع الفتنة؟ وكيف تعلم صاحبة الصدقة التي قامت بما عليها إن كانت صدقتها فعالة أم لا؟ وهل بمجرد دفعها للصدقة يمكنها أن تطمئن إلى أنها لن تفتن أحداً / رجلاً / امرأة؟ أم إن عليها اللجوء إلى شيخ ما أو جهة ما، لتعلم إن كانت صدقتها مقبولة ونافذة المفعول أم لا؟ ويصبح للأمر بالتالي سلاسل وملاحق ودوائر مفرغة ومتاهات، شأنها شأن جميع الفتاوى التي تتسلسل منها فتاوى فرعية وفتاوى توضيحية وربما فتاوى معاكسة، تحاصر بمجملها الإنسان في حياته وراحته واستقراره النفسي والروحي.. والمادي أيضاً!.
أما عن مدى نجاعة هذه الفتوى الطريفة في منع وقوع الفتنة كما يتوخى منها مُطلقها، فأمر فيه نظر، بل فيه الكثير من النظر، فحتى الحديث (داووا مرضاكم بالصدقات) ـ على سبيل المثال ـ لم يقل إن الصدقات تقي من الأمراض وتمنع حدوثها، بل هي، وفق منطوقه، تعالجها بعد وقوعها. فلماذا لم يتواضع صاحب الفتوى ويجعل الصدقات، على منوال الحديث، تفيد في معالجة الفتنة بعد وقوعها وليس في منعها من الوقوع والوقاية منها، على حدّ زعمه؟. على أنه يبقى من المشكوك فيه أن تنجح الصدقات حتى في معالجة الفتن بعد وقوعها، خاصة وأننا نرى الكثير من أموال الصدقات بالذات تستخدم في إشعال الفتن وإذكائها وتغذيتها في مناطق مختلفة من العالم العربي والإسلامي، أم إن الفتنة الأنثوية هي الخطر الوحيد على الأمّة في رأي صاحب الفتوى ومقلّديه ومن يوافقون على رأيه وينسجون على منواله؟ وما رأيهم دام فضلهم في الفتن الأخرى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والمذهبية والطائفية؟ وحتى بالنسبة للفتنة الأنثوية ـ إذا اقتصر الأمر عليها ـ يمكن السؤال بجدّية : كيف ستفيد فيها الصدقات بعد أن يكون قد حدث الاحتكاك الكهربائي ويكون من ضرب قد ضرب، ومن هرب قد هرب؟. إلا إذا كان صاحب الفتوى يقصد أنّ الصدقة تمنع العين والأذن من الافتتان بجمال المرأة وحديثها، وهنا يكون التصدّق واجباً على الناظر لا على المنظور إليه، وتكون فتواه أيضاً خاطئة أو على الأقل معكوسة، وتحتاج في الحالتين إلى تعديل أو تقويم أو تصحيح… أو إلغاء!.
ولو كانت صدقات الحسن والجمال تفيد حقاً في منع الفتنة، كما تتوخى الفتوى وصاحبها، لأمكن قياس العديد من الأمور عليها، ولأمكن البشر أن يتجنبوا جميع أنواع الفتن والحروب، ولعاشوا في سلام ووئام على صعيد الأفراد وعلى صعيد المذاهب وعلى صعيد الطوائف وعلى صعيد الدول، ولتحقّقت المدينة الفاضلة التي طالما حلم بها الفلاسفة والشعراء، والتي سيبقى يتردّد في أنحائها هذا السؤال : ما حاجتنا إلى فتاوى من هذا النوع وإلى مفتين من هذا الطراز؟!.
على أنّ الفتوى "السبتية" الطريفة والمضحكة تبقى ـ والحق يقال ـ أقلّ سوءاً بكثير من سيل الفتاوى المعاصرة التي يطالعنا بها أشباه المتعلّمين والتي لا تثير فينا إلا الحاجة إلى البكاء!.
