صورُ المرأة في رواية «عزازيل» لـ: يوسف زيدان
يغوص يوسف زيدان في روايته “عزازيل” الفائزة بجائزة البوكر العربيّة 2009، في قلب الصراعات التي تناهبت المسيحيّة لعدّة قرون، ويركّز على مرحلة تاريخيّة احتدمت فيها النزاعات واشتدّت حتّى أودت بالكثيرين، ارتكبت على إثرها المجازر، مُورست التصفيات وكثرت الانتهاكات التي طالت بنية الديانة بالتشويه، أرّضت المسيحيّة واستعاض بعض الكبار المتحكّمين فيها باليوم المَعيش في دنياهم عن دينونتهم، إذ سعوا وراء الامتيازات والمكاسب، انساقوا للمجد الدنيويّ والسلطة والمكاسب التي كانت سبباً لتأجيج التناحرات التي صارت تطاحنات ومعارك لم تنتهِ بعدُ، ألقت بظلالها على القرون اللاحقة والأجيال التابعة.. كلّ ذلك يرد سرداً على لسان الراهب هيبا الذي يؤرّخ المرحلة التي يفترض أنّه عاصرها وعايش أحداثها ورآها.. يلجأ زيدان إلى التاريخ ليثير أسئلة الحاضر والمستقبل، يرهّن الماضي، يدخل أغوار الكنائس في ذاك الوقت، يسبرها روائيّاً، وسيكون من الخطأ النظر إلى الرواية وهي عمل فنّيّ إبداعيّ بالدرجة الأولى على أنّها توثيق تاريخيّ، أو تأريخ للأحداث التاريخيّة المتعاقبة طيلة فترة معيّنة من الزمن، لتُحاكَم على هذا الأساس الذي لا يمتّ إلى الرواية بصلة، حتّى إن زعم الروائيّ أنّه يدوّن أو يعيد تدوين التاريخ فإنّه يستكمل لعبته الروائيّة، بجعل الرواية سفراً معترفاً به، بممارسة كلّ وسائل الإقناع المتوفّرة لديه حتّى يكون مقنعاً ببراءة محكَمة. اعتمد ذلك ببراعة دان براون في روايته “شيفرة دافنشي”، وسعت الكنيسة إلى إصدار كتاب يحاول دحض ما ورد في الرواية من مزاعم.. كأنّها بذلك تعترف أنّ الرواية هي التي تكتب التاريخ الحقيقيّ الذي تسعى الكنائس إلى تكذيبه وإتلاف ما يقول به أو ما يتّكئ عليه. كما أنّ هنالك تقاطعاً في بعض الجوانب مع رواية “المسيح يُصلَب من جديد” لنيكوس كازنتزاكيس، لاسيما من جهة الممارسات الشائنة التي تتمّ باسم الدين، وتستغلّه لتحقيق غايات ومآرب دنيويّة..
ترد في رواية “عزازيل” كثير من الأمور والمواقف التي يمكن التوقّف عندها ومناقشتها، سواء ما يتعلّق بأمور الدين أو الدنيا، أو ما يناقش أمور الأديان بشكل عامّ، كأنّه يرمي إلى إجراء محاورة للأديان، على أرضيّة جوهرها إسلاميّ غير معلَن عنه ولا مُصرَّح به في الرواية، إلاّ بالاستهلال الذي استهلّ به الروائيّ روايته، حيث استشهد بحديث للنبيّ محمّد: “لكلِّ امرئ شيطانه، حتّى أنا، غير أنّ الله أعانني عليه فأسلم”. وسوى ذلك ينطلق أحياناً من رؤية إسلاميّة للمعتقدات المسيحيّة ويقوّلها راويه؛ الراهب هيبا، ويوهم أنّه المترجم للنصّ المعثور عليه، ويوقّع المقدَّمة باسم المترجم فقط من دون أيّة تسمية إضافيّة أو تعريف آخر، كما يستكمل لعبته الإيهاميّة عند تذييل الحواشي بتوضيحات عائدة للمترجم غير المعروف، وبذا قد يغالط القارئ نفسه وهو يقرأ الرواية أنّه إنّما يقرأ تاريخاً مُوثّقاً، يرويه مؤرّخ ثقة معاصر..
تُظهَّر صور المرأة في الرواية بعدّة حالات، وتقدَّم بنماذج تنصبّ في جانب واحد: هيباتيا، أوكتافيا، مرتا…إلخ. فهيباتا تكون أستاذة الزمان بحسب ما يعرف عنها وتعرَّف به، تكون عالمة في الفكر والفلسفة والرياضيّات، تكون مقرَّبة من حاكم الإسكندريّة، تسيطر على الجميع بطلاوة كلامها وحلاوة لسانها، تبرع في أيّ موضوع تتحدّث فيه، يتجمهر حولها حشد كبير من الناس أيّام الآحاد حيث كانت تلقي محاضراتها، بالتزامن مع القدّاس في الكنيسة، ما كان يدفع بالكثيرين إلى مجلسها والابتعاد عن الصلاة في الكنيسة، كما أنّ آراءها كانت “علمانيّة” بالمفهوم الحديث للكلمة، إذ كانت تدعو إلى اعتماد العلم وهجر الخرافة والأساطير، وكانت تعتبر الدين نقيض العلم، إذ أنّ الدين يحتاج إيماناً بينما العلم يستلزم يقيناً ترسّخه التجارب، وكانت لها آراء خطيرة تهدّد نفوذ رجال الدين، الذين ألّبوا الناس عليها، ومارسوا غسيل دماغ على أتباعهم الجهلة الذين سعوا إلى قتلها، هاتفين بحياة الأسقف، منتصرين للدين وحرمته من العالمة التي نعتوها بأقذر النعوت، ومثّلوا بجثّتها، سحلوها خلفهم في شوارع الإسكندريّة، أخذوها إلى الشاطئ وأحرقوا جثّتها بعدما أرهبوا بها أتباعها وجعلوها عبرة لكلّ متطاول متواطئ.. “سحبها بطرس من شعرها إلى وسط الشارع، وحوله أتباعه من جند الربّ يهلّلون. حاولت هيباتيا أن تقوم، فرفسها أحدهم في جنبها، فتكوّمت، ولم تقوَ على الصراخ، أعادها بطرس إلى تمدّدها على الأرض، بجذبة قوية من يده الممسكة بشعرها الطويل..”. ص156.
هناك كذلك أوكتافيا؛ الأرملة الإسكندرانيّة الوثنيّة، ذات الثلاثين سنة، التي عاش معها هيبا ثلاثة أيّام في بيت سيّدها التاجر الصقليّ، ومارس معها كلّ ما يمكن أن يمارسه، غرق في لذائذ لم تكن لتخطر له على بال.. حيث كانت أوكتافيا مؤمنة بنبوءة عرّافة كانت قد تنبّأت لها أنّها ستلتقي بحبيبها بعد: إمّا يومين أو.. شهرين أو سنتين، وكانت تنتظره كلّ يوم، حتّى آخر يوم في السنتين، إذ ظهر لها على الشاطئ، بينما كان يسبح، ويكاد أن يغرق، وكان جائعاً أنهكه التجوال في المدينة التي لم يهتدِ إلى مُستراح فيها.. ثمّ نادته فور رؤيتها له بحبيبي، واستغرب مناداتها ومناجاتها له، ولم يملك إلاّ الانسياق وراءها، لكنّه لم يتمكّن من الاحتفاظ بسرّه، حيث كان ضميره “عزازيلـ:ـه” يؤنّبه ويحرّضه على ما يتقنّع هو نفسه خلفه.. تكون نهايتها أيضاً مأسويّة مشابهة لنهاية هيباتيا ومشتركة معها، إذ أنّها تُقتَل على أيدي جنود الربّ الذين قادهم بطرس عند قبضه على هيباتيا وتمثيله بجثّتها، فقد اندفعت أوكتافيا في محاولة منها لحماية أستاذة الزمان التي كانت مقرَّبة منها، بحكم زيارتها لمجلس السيّد الصقليّ الذي كانت أوكتافيا عنده بمثابة ابنته، ولأنّها كانت تكنّ لها الاحترام والتقدير لعلمها علاوة على المحبّة والصداقة التي كانت تربطهما.. يختار الكاتب ثلاث نهايات معاً، مقتل هيباتيا، مقتل أوكتافيا، هجرته للإسكندريّة.. كأنّه يقول إنّ المصائب تأتي مجتمعة، وإنّ المصائر مرسومة وما علينا – نحن البشر – إلاّ أداء الأدوار..
المرأة الثالثة التي تلعب دوراً رئيساً في حياة الراهب هيبا، هي مرتاح الفتاة التي تأتي مع قريبة عجوز لها إلى الدير الذي يسكن فيه، وهي تعود بأصولها إلى عائلة تدمريّة عريقة نالت منها صروف الدهر، انتقلت عائلتها إلى دمشق حيث عمل والدها الوثنيّ حدّاداً، ثمّ اضطرّ إلى الانتقال إلى حلب التي لفظته لأنّه شوهد وهو يوقد الشموع لإله وثنيّ.. وابنته مرتا معه تعاني مشقّات الارتحال، إلى أن زُوِّجت إلى أحد التجّار، كان يسيء معاملتها، ويحطّ من شأنها، يحاول إرواء شذوذه النفسيّ باعتباره كان عنّيناً، ولم يكن لها الزوج المناسب، فهجرته إلى حلب لتقيم مع قريبة لها، ثمّ تحترف الغناء في أماسيها، حتّى غدت مطمعاً للكثير من الرجال الذين بدؤوا يحومون حولها، يطلبون ودّها ليفتكوا بها.. ما يدفعها وقريبتها العجوز إلى الالتجاء إلى الدير الذي يقيم فيه هيبا، وتنضمّ إلى فرقة الغناء التي يفترض أن تنشد أيّام الآحاد في الصلوات والقداديس.. تنشأ بينها وبين الراهب هيبا علاقة ودّ تتطوّر إلى عشق، ثمّ تتطوّر إلى علاقة حميمة.. لكن لا يكتب لها الاستمرار لأنّ الظروف تحول دون ذلك، فهيبا يتعرّض لنوبات حمّى تكاد أن تودي به، في ذلك الحين تهاجر مرتا مع قريبتها بعد أن تتعرّض لمضايقات بعض عناصر الحامية الرومانيّة، وبعد أن تضيق بهم سبل العيش بجانب الدير حيث تمّ ترميم الكوخ الصغير، تهاجر إلى حلب مرّة أخرى لتغنّي هناك وتكسب قوتها.. ومن الصور التي تقدَّم فيها المرأة صورة الواشية، فأمّ هيبا هي التي وشت بزوجها الذي كان يساعد جماعة من الهاربين من بطش رجال الدين، فقتلته عصابة، ثمّ تزوّجها أحد قتلة زوجها..
تستحضر صور أخرى للمرأة، ومعظمها تصوّرها على أنّها خائنة أو قرين الشيطان، أو هو الشيطان بعينه، وذلك بحسب ما يقدّمه الكاتب في روايته، ويرد بوضوح ومباشرة على لسان “فرّيسي الأقنوم”؛ أحد رهبان الدير. كأنّ الكاتب يطرح المقولات والمزاعم المعروفة التي تلقي باللوم على المرأة ليفنّدها، ويتملّص أصحابها من مسؤوليّاتهم. كأنّ المرأة ما تزال “تجرّ ذيولها، مخفيةً دماءها النازفة دافعة ضريبة” لعنة الجدة الأولى” المتكرّرة حتى اليوم”. بتعبير الدكتورة رجاء بن سلامة. فالشهوة التي تستبدّ بالمرء رغبة في افتراس الأنثى لا دخل للمرأة فيها، حتّى إن كانت هي المرغوبة المُشتهاة.. ولا دخل للشيطان فيها، بل هي تفجّر مكبوت الإنسان الذي يبتدع في إطلاق تسميات عليها، أو البحث عن إيجاد تبريرات يخفّف عن نفسه بها، يتعزّر بها، ولا يهمّ مدى قدرتها على الإقناع لأنّها تكون كافية ليوهم نفسه بها.. ويلقي بثقل الإثم على قوى أخرى خفيّة..
بحسب ما يرد في الرواية، عزازيل، المتعدّد الأسماء، الملتبس الصفات، هو “إبليس، الشيطان، أهريمان، بعلزبوب، بعلزبول”.. أين يسكن ومن أين ينبع..؟! هل حقيقة كما يقال: “إنّ مولده في وهم الناس، كان في زمن سومر القديمة، أو كان أيّام الفرس الذين يعبدون النور والظلام معاً، أمّا في ديانة المسيح فالمذاهب كلّها تؤكّده، ولا تقبل الشكّ فيه، فهو دوماً في مقام عدوّ الله، وعدوّ المسيح، ولا يعرف مقامه من الروح القدس..!”. ص349. هل عزازيل هو الذي يوسوس للإنسان أم أنّ الإنسان يستدعيه من داخله ويخلقه من رغباته التي يبحث لها عن إرواء..؟! هل هو من خلق الإنسان الذي يبحث دوماً عمّن يعلّق عليه خطاياه وينسبها إليه..؟! هل هو الشرّ المطلق حقّاً..؟! أم هو حمّال خطايا البشر..؟! لو لم يكن عزازيل هل كان بالإمكان البحث عن إله..؟! هل يخلق الإنسان في كلّ عصر إلهاً له على هواه..؟! هل إلهه دوماً رؤاه وأحلامه المستحيلة ومناه..؟! ألن يكون الشيطان موجوداً ومذكوراً مادام الإله موجوداً ومذكوراً..؟!
رواية “عزازيل” هي رواية الأسئلة الإشكاليّة، والارتحال الدائم.. تدخل المناطق الأشدّ ظلاماً وإظلاماً مثيرة الأسئلة من دون فرض الإجابات اليقينيّة، كي لا تستلب القارئ حقّه في السؤال والتشكيك والتنقيب.. هي رواية تنتصر للعقل بداية ونهاية في مواجهة البدع والخرافات والأساطير…
