صَرْمَالُوجيا: عيّنة سريريّة من جائحة عامة
منع الالتباس : العنوان لعبٌ على القرابة اللفظية بين مفهوم : الصرامة العقلية (1 ) وتعريفها بحسب المفكر بولونيّ الأصل –ميلتون روكيش –” عدم قدرة الشخص على تغيير جهازه الفكريّ أو العقليّ عندما تتطلّب الشروط الموضوعية ذلك، وعدم القدرة على إعادة ترتيب أو تركيب حقل ما، تتواجد فيه عدّة حلول لمشكلة واحدة، وذلك بهدف حلّ المشكلة بفاعلية أكبر ” وبين الصرماية، وهي حذاء حلبيّ أبا عن جدّ والله أعلم . وتذييل ما تقدّم بـ “لوجيا” أي علم بالإفرنجيّ..
غايتي من هذا القصّ واللّصق توسيع قدرة العربية، على تتبّع الحالات السريريّة ” للمرض ” الذي ضرب فكرنا السياسيّ. ويتمدّد على بقية نتاجنا العقليّ.. وتحديدا النقد الأدبيّ.
أمّا مناسبة هذا الحديث : فهو كتاب النقد الأدبيّ الصادر عن دار قدموس للنشر تحت عنوان ” إميل حبيبي: الوهم والحقيقة” لصاحبه خضر محجز .. وهو بالمناسبة رسالة حاز صاحبها على شهادة دكتوراه –أظنّها – على مهارته” الأمنيّة ” في النقد الأدبيّ ..إذ ألقى القبض – ببراعة يحسده عليها طيّب الذكر ” ميلتس” – على إميل حبيبي متلبّسا بجرم التعاون مع الصهاينة على إنشاء دولة إسرائيل..
.. ولعدم الالتباس ولقطع الطريق على من قد يصطادون في الماء العكر، يتحصّن الدكتور خضر محجز “بالموضوعية “..ولعين الحسود كي لا تصيبه بأذى، يعرّف الموضوعية بما يلي: عدم الإيمان بالماركسية أو العولمة أو الليبرالية أو الإسلام السياسيّ.. .والابتعاد تنظيميّا عن فتح وحماس(2) ..لكأنّه يقول ( والعهدة على قدرتنا على فهم أيّ شيء من هذا التخبيص ): أنّ وجهة نظره (موضوعية ) لأنّه يقدّمها: بيضاء لوجه الله، لا تشوبها بإذنه شائبة من شوائب دنيانا الفانية .. وهي” أي الموضوعية ” تضعه على مسافة أمان كافية عن المدارس الفكرية السائدة في المنطقة والعالم، وتقيه الانزلاق عن الحقيقة في صرامة تخومها، وتجانس عناصرها، ودهرية انطوائها على ما هي عليه.
بداية: لا أظن أنّ مجتمعات تموضعت إشكالية دخولها إلى العصر في الطوابق العليا من عمارتها، كما هو حال مجتمعاتنا العربية- الإسلامية ..ولعلّ هذا لم يعد كما كان قبل عقود مبعث تفاؤل بعض صنوف اليسار الماركسيّ الذي نام قرير العين على مخدّة الحتميات التاريخية.. غافلة عن أنّ أعقد الأمراض هي أمراض المخّ. وأنّ أكثرها استعصاء على المعالجة: تلك التي يتعايش معها أصحابها دون أن يعترفوا بها.
لقد شكّلت القضية الفلسطينية لهذا العقل أطول الدوّامات المعاصرة عمرا، ليدور فيها حول نفسه إلى ما شاء الله ..
القضية الفلسطينية: بيمارستانٍ العقل الجمعيّ العربيّ – الإسلاميّ
—
«آه ما أصعب الفراق، وما أصعب اللقاء بعد فراق طال ستين عاماً. أرأيت؟! لو كُتب لنا أن نلتقي – هل كنّا سنخرج من مجلسنا ونحن على وئام واتفاق؟ لقد باعدت بيني وبينك الأيام. أنا طوّفت العالم من أجل أن أعود إلى فلسطين، ففقدتُ فلسطين إلى الأبد. وأنت بقيت مقيماً في وطنك متمسّكاً بترابه، ونلت ما لم ينله فلسطينيّ قبلك: أن تُدفن في تراب وطنك(…) كنت أتمنّى أن ألقاك ولكني كنت على يقين أنه لم يبقَ لنا من العمر مدّة تسعف على استعادة كل الذكريات. ومع ذلك فإنه لا يعزّيني عنك شيء. لقد عرفتَ كيف تسخر من نفسك ومنّا ومن أعدائنا. إنّ السخرية أو المفارقة، خلّدتك أديباً كبيراً وروائياً عظيماً، وفي هذا القدر خلود حقيقيّ تستحقه».هذا ما كتبه الدكتور إحسان عباس إلى إميل حبيبي معترفا بالمياه الضحلة التي تخبّطت فيها خيارات النخب الوطنية الفلسطينية ..ولقد ولّد هذا التخبط أدوات تصويره: السخرية والمفارقة .فمن التشاؤل كمناخ فكريّ – نفسيّ خيّم على المقلب الفلسطينيّ من المعادلة : الفلسطينية / الإسرائيلية-ووجد تعبيره السياسيّ الشهير في : “لَعَمْ” الراحل ياسر عرفات -ولدت أدبيا شخصية سعيد أبي النحس”المتشائل”، رغم كلّ ما جرى على رأسه ورأس شعبه ..تشير الدراما الفلسطينية المستمرة إلى السياقات- التي لا يمكن التعبير عنها بغير الفكاهة السوداء كما فعل إميل حبيبي – التي يمكن أن تذهب إليها الأمور عند الانهيار ” قبل الأوان” للصيغ الإمبراطورية للاجتماع السياسيّ. وأقصد بقبل الأوان : تبلور الشرط الداخلي المنتج للبديل التاريخيّ: الدولة الأمة القادرة على إبعاد “تنوّع” مكوّناتها عن مهبّ الرياح الخارجية ..
في الحالة العثمانية وهي التي تهمّنا لعلاقتها بما جرى ويجري للاجتماع السياسيّ في هذه المنطقة، شكّل نظام الملّة العثماني صيغة التعايش تحت السيطرة للعصبيات القبلية والدينية والإثنية الملحومة بالقبضة القوية للعصبية التركية بالنواة الصلبة فيها “الأتراك السنّة الأحناف “..لقد رسن نظام الملّة العثمانيّ على مدار أربعة قرون الرعيّة المكوّنة من عصبيّات عمودية” إثنية ومذهبية..الخ ” متصارعة في إطار صيغة يسمّيها محمد جابر الأنصاري “حرب الكلّ على الكلّ ” بواسطة جمعه ” أي الرسن ” لميزتين مهمتين: المتانة بحيث يصعب على عصبية أن تقطعه من رقبتها، والطول المناسب الذي يسمح للعصبيات المتجاورة في المكان أن تستنزف في حروبها مع بعضها البعض نزعاتها الاستقلالية ..
لقد عجّل التدخل الأوربيّ في شؤون الإمبراطورية العثمانية .والذي جرى على خلفية الميل للهيمنة التي أنضجت ظروفها الطفرة في المعنى” بتعبير محمد أركون” المنجزة في سياق التحوّل المبكر إلى نمط إنتاج أرقى”نمط الإنتاج الرأسماليّ “. لقد عجّل هذا التدخّل في الانهيار قبل الأوان لآخر الإمبراطوريات الخراجية في المنطقة ..ولعلّه من التزيّد القول: إنّ نظام الملّة العثمانيّ الذي شكّل نقطة تفوّق سياسيّ على فوضى الحروب الدينية التي شهدتها القارة الأوربية قبل الانقلاب الرأسماليّ، لم يعد كذلك بعده ..أصبح المشهد حول “متوسط فرنان بروديل “حالة من التناغم بين ميل رأسمالية أوربية بلغت طورها الإمبرياليّ للتلاعب بعناصر الأزمة المركبة لإمبراطورية خراجية من جهة ،ومن جهة ثانية : تململ ملل ونحل الإمبراطورية المتواقت مع تفاوت التبلور الطبقيّ بين المركز الإمبراطوريّ “تركيا الراهنة “وباقي أطراف الإمبراطورية.
يمكن التقاط ذلك بإجراء قراءة ” سوسيولوجية” مقارنة بين رواية “اورهان باموق”: “جودة بيك وأولاده”، وثلاثية نجيب محفوظ: “قصر الشوق، بين القصرين، السكّرية ” على سبيل المثال لا الحصر. لقد امتلأ القرن التاسع عشر بالوقائع والمجريات المتوالدة من رحم هذا التناغم المشار إليه ..
على خلفية هذه الإطلالة البصرية على المشهد يمكن رؤية الدراما الفلسطينية، لا مقلوبها في الوعيين القوميّ والإسلاميّ السائدين ..ليست المعضلة الفلسطينية سوى حالة متقدمة من المعضلات التي تمخّضت عنها” جدلية مرتبكة ” بالتطور المتفاوت وبالانهيارات” قبل الأوان” للكيانات السياسية لتشكيلات : اقتصادية- اجتماعية ما قبل رأسمالية ..الأوان الذي يسمح للوعي المحلّي للأزمة” الوعي الذي تنتجه النخب المحلية” أن يتشكل ويعثر على حامله الاجتماعي القادر على مواجهة عشوائية القوى التي تطلقها الأزمة من عقالها ..ولعل التمعن في الطور الحالي للأزمة اللبنانية بالتشابك الراهن لأبعادها المحلية والعربية والدولية، يكشف بتطابقه مع مقطع من الأزمة الفلسطينية في “ثلاثينات القرن الماضي ” كم يستطيع التاريخ أن يعيد نفسه في المنطقة ..لقد فتح انهيار التعايش الإسلاميّ –اليهوديّ في فلسطين على ما قد يفتح عليه انهيار التعايش الإسلاميّ – المسيحيّ، أو السنّيّ – الشيعيّ في الطور الأخير من الأزمة اللبنانية: إنشاء كيان سياسيّ معادٍ لمحيطه
—
“في آخر حوار أُجري معه قبل رحيله (1996)، على صفحات “مشارف”.يعترف إميل حبيبي : “كنت أكذب وأقول، في الماضي، إنّ شخصية سعيد أبي النحس هي عكس شخصيتي. لكنني صرت في عمر لا أحتاج فيه إلى الكذب. كنت أتحدث في المتشائل، إلى حدّ كبير، عن نفسي. أتحدّث عن نفسي بمعنى العقلانية. وعقلانيته هي عقلانيتي إلى حدّ ما”.
كيف يقرأ الدكتور خضر محجز هذا البوح ؟
أقلّ ما يقال في قراءته إنّها قراءة (مُخبِر) ..حيث سوء النية ضوء يُسلط على ما تنتجه الضحية بدءاً من الشعر وانتهاءً بالبراز ..أما الضربة القاضية : فهي الاعتراف كسيّدٍ للأدلة.. إميل حبيبي يعترف بعظْمة لسانه أنه سعيد أبي النحس ..ويفرش للمدّعي العامّ: السيّد محجز الطريق ليسوق ما خلفه إميل حبيبي” من خلود حقيقيّ” بتعبير إحسان عباس، إلى حبل المشنقة بتهمة الخيانة الوطنية العظمى.
(في باب «الثقافة العبرية»- مجلة مشارف –حيفا- خُصّص للشاعر اليهودي حاييم غوري، الذي ترجمه وقدّم له الشاعر الفلسطيني سلمان مصالحة. يكتب مصالحة أنّ قصائد غوري المبكرة «تعكس تجربة جماعية أكثر منها فردية» بينما «في أشعار غوري المتأخرة عزوف عن الحديث الجماعيّ وجنوح إلى البوح الذاتيّ». في قصيدة «هؤلاء الشيوعيون» نقرأ: «غالبية الوعود ذهبت هباءً، بقيت من ورائنا/ كما بقايا عتاد تشير إلى طريق الهزيمة/(…)/ فقط الأغاني التي غنّيناها، التي لا أحلى ولا أجمل منها،/ استمرّت من دوننا تداوي أسى العالم»)..
لم يكن للصراع الطبقيّ في فلسطين النصف الأول من القرن العشرين، والذي عوّلت عليه حفنة من الشيوعيين في فلسطين الثلاثينات من القرن الماضي”مسلمين ومسيحيين ويهودا “القوّة الكافية ليشقّ مسارا مختلفا عن الذي أفلحت في شقّه العصبيات الدينية الفالتة من عقالها بعيد انهيار الإمبراطورية العثمانية ..والتي سبق أن فتحت باب التوظيفات للغرب الأوربي المتنافس على تركة الرجل المريض “الإمبراطورية العثمانية ” منذ منتصف القرن التاسع عشر ..أنظر في هذا السياق الصّراع الدرزيّ/ المارونيّ في جبل لبنان”1840-1860″ والذي تتابع بتنويعات طوائفية مختلفة حتى تاريخه. مشكّلا أطول حالة استعصاء على بناء الدولة في المنطقة ..
في قلب هذا المستقبل” الافتراضيّ” للاجتماع الفلسطينيّ الذي تصوّرته النخبة الشيوعية الفلسطينية آنذاك، ينبغي زرع السلوكيات “الخيانية “لأميل حبيبي وباقي الحالمين بوعود خلفوها وراءهم “كبقايا عتاد يشير إلى طريق الهزيمة” كما ينوح بشجن حاييم غوري ..ولكن كيف لعقلية ” صرمالوجية ” نبتت على ضفة مسار شقه سيل الهجرة اليهودية إلى فلسطين. ونظفت له الطريق التوظيفات الاستعمارية من جهة والإدارة البدوية للصراع بعقلية “فزعة عرب ” والتي أدت في طورها الأول إلى تحويله من فتنة دينية تدرب الاجتماع السياسي في المنطقة على هضمها وإعادة إنتاجها حتى مطلع القرن الماضي، إلى صراع قوميّ :عربيّ /إسرائيليّ.. وتوشك في طورها الثاني على تحويله إلى صراع دينيّ :إسلامي /يهوديّ ..كيف لعقلية نبتت على هذا المسار للأحداث أن تنصف إميل حبيبي؟
{{هوامش:}}
1- محمد أركون – الفكر الإسلامي، قراءة علمية –المركز الثقافي العربي –ص-5-
2- راجع مقدمة المؤلف.
