ظَلامِيّةُ السّادَة وظَلاميةُ العَبِيد

الظّلامية أشدّ ضرراً على المعرفة من ضرر الجهل والأمّية، لأنّ مجتمعاً جاهلاً، هو مُجتمع حيث الناس لا يعرفون، لكن مُجتمعاً ظلامياً فإنّه مجتمع حيث النّاس يتوهّمون امتلاك المعرفة المطلقة، ومن ثمّة لا تعود لهم أيّة حاجة إلى المعرفة. الجهل هو عدم المعرفة، لكنّ الظلامية هي استحالتها. وإذا كان سقراط حريصاً على ترديد “أنّ كلّ ما أعرفه هو أنّني لا أعرف شيئاً”، فلأنّ هذا الاعتراف يعدّ القاعدة الذّهبية لمجتمع المعرفة، إنّه الشرط الأساس لإرادة المعرفة.

مُجتمع الظلامية، مُجتمع يَحجر على مغامرة السّؤال، يستبدل كلّ سؤال مفتوح بسؤال مغلق، ويراهن على أسئلة الزّمن الدائري، هذا الذي لا يعلن عن نفسه سؤالاً إلاّ حيثما يكون مشفوعاً بنيّة مباركة الجواب الذي يباركه الجميع، وقد يحظى برضا وإعجاب الجميع. ثمّة إذن ما هو أسوأ من عدم المعرفة، وهو وهم المعرفة.

الظلامية هي أيضاً، أشد خطراً وضرراً على الحرية من خطر الاستبداد وضرره، لأنّ الاستبداد يعني أنّ الدّولة تراقب الناس وتتسلط على رقابتهم، لكنّ النّاس في مجتمع ظلاميّ هم من يتكفّلون بالتسلط على رقاب بعضهم البعض، وحين يفعلون، فإنّهم يخالون أنفسهم في أقصى مظاهر الحرية ومباهج السيادة.

في مجتمع الاستبداد، قلّة من الناس من يفوّض لهم الحاكم “الحقّ في الجريمة”، أما في مُجتمع ظلاميّ فإنّ الله يفوّض لأيّ كان ومن دون سبب، واجب “الجريمة المقدّسة”.

لقد اغتال متطرف يهودي اسحق رابين بتفويض إلهيّ، وبدعوى نفس التّفويض، اغتال مُتطرف إسلاميّ السيدة الأولى للعالم الإسلامي، بنظير بوتو، وهو نفس التفويض الذي حمل محكمة مصرية على تطليق حامد أبو زيد من زوجته، وقد استباح الخميني دم سلمان رشدي بادّعاء نفس التفويض، ويبدو وكأنّ المسيح دخل مؤخّرا حلبة المنافسة على التفويض بالجريمة المُقدسة، هذا المسيح الذي غيّبته الثورة الفرنسية منذ أزيد من قرنين، وحسنا فعلت، بدأ يستعيد مشروعيته الجهادية في زمن الردّة عن مُثل التنوير، وهكذا فوّضت روح القدس للإنجيلي الأمريكي بات روبرتسون أمر إصدار فتوى شرعية، يوم 22 غشت 2005، خلال أحد برامجه التلفزيونية، فتوى تقضي باستباحة دم الرئيس الفنزويلي هوغوشافير1.

الظلامية، هي أيضاً أشد ضرراً على الأخلاق العامّة من فساد الأخلاق، لأن مجتمعاً فاسداً لن يمنعه فساده من أن يصبو إلى الإصلاح الأخلاقي، متى استطاع إليه سبيلاً، والذي هو سبيل قيم التنوير وأخلاق الحداثة السياسية، وأمّا الظلامية فإنها تلف الفساد بلفافة من النفاق عند الاقتضاء والتستر عند الابتلاء، إنه حال المجتمعات والجماعات والمؤسسات المحافظة سواء تعلق الأمر بالعالم الإسلامي والنماذج كثيرة ومتداولة، أو بالعالم الغربي.

ماذا تفعل النزعة الظلامية سوى أنها تقتل المعرفة وتستعيض عنها بالإيمان، تقتل الحرية وتترك مكانها العصاب الجماعي، وتقتل الأخلاق فلا تبقي سوى على الحِيَل الفقهية وتدبير النفاق، هل هناك شيء آخر غير النفاق الديني حين تقوم معظم أنظمة الضمان الصحي الخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية بتغطية مصاريف الفياغرا دون تغطية مصاريف الإجهاض، الذي تحرمه القوانين الأصولية هناك؟

منشورات دينية لطوائف وجماعات من كافة الديانات السماوية والأرضية، تعرض خدماتها الاستشفائية لليائسين أو العاجزين عن الشفاء: العلاج بالقرآن والطبّ النبوي، في حين أن الفاتكان وبرعاية من البابا نفسه يشرف على دورات تكوينية لرجال الدين في مجال صرع الجنّ والشيطان.

ليس المُشعوذون التقليديون في المجتمعات الشرقية، وحدهم من يدّعون القدرة على علاج الناس بالطلاسم وبالتعويذات من شر النفاثات في العقد، وإنما البابا الحالي للفاتكان، بندكتوس السادس عشر، والذي قدم نفسه منذ الوهلة الأولى لانتخابه وكأنه تتويج لمسيحية أكثر عقلانية من الإسلام، لم يتردّد في القيام بتوجيه رسالة تشجيعية إلى عدد من رجال الدين الذين أكملوا تكوينهم في مجال طرد الجن والشيطان من الأجسام البشرية، بحسب ما أوردته يومية لوفيغارو الفرنسية (عدد 12/10/2005)!

وبإعجاب باد للعيان، تتبادل الطوائف الدينية الخبرات بينها، ويرى البعض في ذلك إنجازاً يخدم قيم التسامح والحوار بين الأديان، في عالم قدر له أن يصير دينياً ومرة إلى الأبد.

وأما حين يتعلق الأمر بالتطبيب بالرّوحانيات والتّداوي بالشعوذة، فإن الليبرالية الجديدة والعولمة الرّأسمالية ينظران إلى تلك الظواهر بعين العطف والرضا، فهي تخفف من أعباء الضمان الصحي والخدمات الاجتماعية للدولة.

النزعة الظلامية هي آفة العصر تسري في أوصال كافة المجتمعات بلا استثناء، وتضعها فوق براميل من بارود الثورة الدينية المحافظة، وفوق البارود تنظم ملتقيات حوار الأديان ومهرجانات التصوف والروحانيات، أملاً في ترويض الأفاعي وتحويل لدغاتها السامة إلى دواء، ومع كل دواء جديد، يزداد الدّاء استفحالاً، تتهاوى الأجساد ويتحول المرض إلى وباء لا يبقى ولا يذر؛ وباء يصيب جهاز المناعة داخل الخطاب السياسي المُعاصر، ينذر بانكسار غير مسبوق لقيم الحداثة والعقل، أمام صناديق الاقتراع ومدافع الحرية.

قد تصمد الظلامية أمام قوة العقل وصرامة العلم، وهي فعلاً صمدت، قد تطحن من حاول اختراقها وتنبذ من سعى إلى احتوائها، وهي كثيراً ما فعلت، في أجواء المُساجلات تنتعش، ولا تزيدها المُلاسنات سوى عمراً مديداً، ولعلها عمرت. معارك خاضها نساء ورجال شجعان استرخصوا الثمن يوم كان الثمن من غريزة حفظ الذات، لكن فرسان النهار خسروا هذه المرة القضية وانحسروا، ضاقت بهم الدنيا بما رحبت وعاد اليأس ليدبّ في أوصال الحالمين برسالة التنوير، أو ما بقي من الرسالة في زمن الردّة.

تحولت رسالة التنوير من معركة ضد خصوم نبلاء، يُحاوِرون ويُحاوَرون، يُناظِرون ويَنظرون، يُحدثون ويَتحادثون، إلى معركة ضدّ قطاع الطرق، قراصنة الجوّ، ومفجّري أنفسهم، انحدرت المعركة ومعها تلاشى الحلم، وهوى سقف التاريخ إلى أدنى مستوى ممّا كانت تتوقعه حتى أكثر العقول واقعية.

ليس الإنسان مجرّد كائن، وإلاّ لكان مُجرّد وعاء فارغ يمتلئ بأيّ شيء، إنه الكائن والمُمكن على السواء، إنه ذلك الذي لا يمكن لأصبع أن تشير إلى كافة أبعاده لأنه صيرورة مفتوحة، إنه كائن من أجل المُمكن، لكن الذي يحدث أمامنا اليوم، هو تراجع المُمكن إلى مستوى الكائن أو أقل من الكائن، حيث لم يعد مواطن القرن الواحد والعشرين يجد بدّاً من اختزال هواجس المرحلة في شعار يتكرّر لماماً إلى حد يعسر معه على الهضم، شعار يقول: إنقاذ ما يمكننا إنقاذه.

فهل بوسعنا أن نجد داخل أكثر البرامج السياسية تفاؤلاً في عالم اليوم، أيّ اعتراف بالمُمكن، عدا شعار يقول؛ علينا أن ننقذ ما يمكننا إنقاذه!؟ ولننظر في أهم وعود الخطاب السياسي اليوم، فماذا عسانا نجد غير خطاب يدعو إلى المحافظة على التوازنات، والمحافظة على الأمن والاستقرار، المحافظة على البيئة… هكذا صرنا جميعا محافظين؛ إننا محافظون بمعنى الوجودي قبل أن نكون كذلك وبالمعنى السياسي.

لم يَعُد ما هو واقعي يشترط أن يكون معقولاً، بحسب توصيف هيجل وإنّما أمسى ما هو واقعي لا يحتمل التبرير ولا التفسير.

ليس بوسع أيّ إنسان أن يُبرر بمقاييس التاريخ والصيرورة، الانتحار المجاني للعبيد اليائسين، انتحارهم العبثي داخل الأسواق، المستشفيات، محطات القطار، وأحياناً داخل المقابر نفسها.

لقد استقال العبيد فجأة، عن الصراع الذي يصنع التاريخ وانسحبوا عن خط النار، وصار العبد مقذوفاً به يَنتحب على خواء نهاية التاريخ، لا باب في العتبة يطرقه، ولا دليل يسوقه إلى المستقبل الذي طالما حلم به، خرج من التاريخ خاوي الوفاض بلا قضية، لا وظيفة له ولا مهمّة، لا شيء يصنعه، ولا شيء بإمكانه أن يفعله، لا شيء سوى أن يفجر أي شيء أو ينفجر بأي شيء، يحيى بلا غاية ثم يموت بلا غاية، يوجد بلا هدف ثم يفنى بلا هدف، لا شيء يبرر وجوده أو يبرر به وجوده، هو مجرّد صيرورة من أجل لاشيء، وهكذا تأتي جرائمه، ميتاته وانتحاراته، هي الأخرى مجانية، على مقاسه، أليس هذا ما أدركه أندريه جيد، حين جعل جرائم أبطال رواياته، جرائم مجانية، أو هكذا جعلها تبدو؟

لسنا نقصد بأي حال، أن نبرّئ ذمة الأسياد من هذا الانزياح عن التاريخ نحو لحظة مخيفة من الخواء المعتم، فمن ذا الذي بوسعه، ولو باستحضار أبسط بداهات التاريخ، أن يُبرر بأن الوعي بصيرورة أحد الممكنات كان يستدعي التخلّص من القائد الفلسطيني ياسر عرفات!؟ أية المُمكنات كانت قادرة على تبرير تدمير دولة العراق!؟ أية صيرورة كانت تبرر الحاجة إلى تمزيق الاتفاقيات السلام العربي الإسرائيلي!؟

للأسياد إذن نصيب، هو الأوفر، في انزياح التاريخ عن أفق المعنى، انزياح الواقع عن المعقول وانزياح الكائن عن الممكن، إلى الحدّ الذي أصبحت فيه الصيرورة العمياء مسوغاً لفعل، ولتبرير فعل أي شيء، ذلك أن الظلام الذي يشل الحركة، هو نفسه الذي يبعثها في كل اتجاه.

بين عدمية الأسياد وظلامية العبيد، يجري اليوم فصل جديد من فصول جدل العبد والسيد، حيث يُخاطر السيد دون أن يعلم من أجل ماذا يخاطر، وينتحر العبد من غير أن يدري من أجل ماذا ينتحر، إننا إذن أمام مرحلة جديدة من جدل العبد والسيد، جدل لا ينتج ظاهرة التقدم بقدر ما يقود فقط، إلى العدمية والانتحار على عتبة نهاية مأساويّة للتاريخ.

كنا دائماً نقتدي بوجود نساء ورجال شجعان، واجهوا الظلامية باستماتة، لاحقها بعضهم إلى الجُحر الذي نشأت فيه وترعرعت، لكننا اكتشفنا، بعد حين، أن الظلامية مثل الظلال قد لا يزيدها شحذ السيوف إلا انتشاراً، ولا يزيدها رمي الرماح إلا اتساعاً.

ليست الظلامية موقفاً سياسياً كما يقال أحياناً، لأن الموقف السياسي يستدعي الإرادة ويتطلب القدرة على الاختيار، أمّا داخل الظلاميات فإننا نتعلم شيئاً واحداً، وهو كيف لا نريد أيّ شيء، ولا نختار أيّ شيء، وبذلك نكون قادرين على فعل كل شيء وتبرير فعل أيّ شيء.

الظلامية هي الحالة القصوى لانتفاء القدرة على امتلاك الإرادة، وانحدار القدرة على الاختيار، وتلاشي القدرة على اتخاذ القرار. ثم من قال أن الانتحار قرار!؟ ذلك أن وراء مظهر البطولة الزائفة توجد قيم الطاعة المطلقة والعمياء.

الظلامية نزوع أكثر ما هي نزعة، وانسياب أكثر ما هي حركة أصلية؛ استسلام للارتخاء، للسقوط والنسيان؛ إرهاق وجودي يصيب قدرة العبد على امتلاك الوعي بالذات وينتهي به إلى الاندحار إلى مستوى الأشياء والأشلاء، ليمسي شيئاً بين الأشياء، وجسداً بين الأشلاء.

الظلامية ليست حضوراً وإنما هي نزوع إلى الغياب، ليست وجوداً وإنما هي نزوع إلى العدم، ليست امتلاءً وإنما هي نزوع إلى الخواء، ولذلك كانت الصيغة القصوى لظلامية العبد، هي أن تلتقي مع ظلامية الأسياد، فتصبوا إلى النفي المطلق للوجود، تدمير الحضور، وتفجير الجسد المُلغم منذ الولادة.

على ضوء هذا الجدل المأساوي، يمكن للباحث في ظاهرة الإرهاب العالمي اليوم، أن يَرى في الظاهرة، لحظة قوية من لحظات الصدام بين ظلامية العبيد وظلامية السادة؛ صدام الأصوليات، كما يقول طارق علي، أو صدام الهمجيات، كما يُردد جلبير الأشقر، بإمكانه أن ينظر إلى الظاهرة باعتبارها تؤشر على النهاية القاتمة لجدل العبد والسيد، وأنها تعبير عن الانتقال من مرحلة مطالبة العبد بالاعتراف بالحق في المساواة والكرامة، وهو المطلب التاريخي للعبد، إلى رغبة العبد، هذه المرة، ليس في تحقيق الاعتراف، وإنما رغبته في التفوق على أسياده في حلبة القدرة على تدمير الذات وتدمير الوجود والحضارة، إنه التحول من جدل بين غرائز الحياة لدى السادة والعبيد، إلى تنافس بين غرائز الموت، أي من الجدل المنتج للتاريخ وللحضارة، إلى العنف المنتج لخراب العمران وفناء الأوطان.

يستطيع العبد اليوم أن يتفوق على سيده، ليس فقط في مَجال تدمير الذات، وإنما في تدميرها من دون حتى الرغبة في نيل اعتراف الآخرين بتلك القدرة على التدمير المجاني للذات، هذا العنف إذن، هو عنف بلا غاية؛ طموحه أن تندثر الذات ولا تترك النار أي أثر للاعتراف بهذا الإنجاز التدميري، وبقدرة الذات على التلاشي الفوري، وإلا فمن هو هذا الانتحاري الذي لا يزال يحرص على إعلان اسمه، أو كتابة وصيته قبل أن يقدم على تفجير نفسه، سواء أمام الملأ أو في الخلاء!؟

منذ سنين خلت، لم يعد أيّ أحد من الانتحاريين في العراق، في باكستان، في أفغانستان، أو في غيرها من الدّول، يحرص على تسجيل شريط يخلّد الاعتراف به، أو يكتب وصية أو رسالة، تتضمن الاعتراف بالاسم بعد أن يتلاشى الجسد ويندثر بين ثنايا الأشلاء والأشياء.

ليس الاعتراف هو ما تطمح إليه ظلامية العبيد؛ فلقد انتهى جدل هيجل إلى نهاية مأساوية، وبدل أن يتحرّر العبد من غريزة الخوف من الموت، والتي هي أصل عبوديته، قام العبد بتحويل مصدر الخوف إلى موضوع للرغبة، وجعل الموت غاية قصوى وفورية للإرادة؛ إنها الإرادة التي تبتلع نفسها، مثلما تفعل بعض الإجرام السماوية حين تختفي، فلا تترك من أثر سوى ثقوب سوداء في الفضاء؛ ثقوب تعود لتبتلع بدورها كل ما يحوم حولها.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This