عبقرية بوشنر … بين “موت دانتون” و”فويتسك”

 لا يوازي الحذر من التطرق لهذه المقارنة سوى الثقة من أن البحث المقتضب عاجزٌ بكل تأكيد عن تقديم مقاربةٍ وافية لرائعتي العبقري الألماني جورج بوشنر (1813-1838). بخاصة ونحن بصدد التطرق لعملين يمكن وصفهما حقاً: بالمؤسسَين لدراماتورجيا المسرح الحديث برمته.

بوشنر الذي تأخر تقديره، قبل أن يُمنح المكانة التي يستحق، ككاتبٍ مسرحي فذ سبق بكل تأكيد عصره متسلحاً بروحٍ طموحة لم تعترف بحدودٍ أو عوائق، روح متمردة رفضت الواقع السياسي والاجتماعي المهيمن في ألمانيا وأوروبا عموماً آنذاك ليحاول النهوض بواقعٍ جديد، ولم يكن في محاولته تلك بعيداً عن خلق شكلٍ فني ومسرحي متمردٍ أيضاً على السائد آنذاك، لتمنح الأكاديمية الألمانية للغة والشعر منذ العام 1951 جائزة “جورج بوشنر” والتي تعتبر من أرقى الجوائز التى تمنح للعاملين في حقل الأدب في ألمانيا تقديراًً لأعمالهم الفنية.

وبالعودة إلى نصي بوشنر “موت دانتون” 1835 و”فويتسك” 1836، فإن الجزم بتأثير كلا العملين على العديد من كتاب ومخرجي المسرح اللاحقين لبوشنر هو في حكم اليقين، إلا أن التحليل المقارن للنصين لا بد أن يتوقف عند تباينات دقيقة على مستوى البنية المسرحية تلخص تطور الكاتب ضمن سعيه (والذي لم يكتسب شكل المنهج المنظم) لخلق شكلٍ مسرحي جديد يستجيب لروح عصرٍ مضطرب شهد مخاضاتٍ فكرية عسيرة وتحولاتٍ سياسية واقتصادية مفصلية سيكون لها الدور الأكبر في رسم خارطة أوروبا الحديثة.

وتجب الإشارة أولاً إلى التباس مفهوم البنية أحياناً، وانزلاقها عن أطر التعريفات المحددة والجامدة، فالبنية كما ورد تعريفها في المعجم الفلسفي : “أسلوب ثابت نسبياً لترتيب عناصر المنظومة، إنه مفهومٌ يُبرز في المقام الأول جانب الثبات والاستقرار الذي بفضله يحافظ الموضوع على كيفيته أثناء تغير الظروف الداخلية أو الخارجية، والمنظومة تتغير جوهرياً حين تنحل البنية أو تتغير”.

انطلاقاً من التعريف السابق واعتماداً عليه باعتبار النص المسرحي منظومة (نسق) يتألف من جملة من العناصر. يمكن تلمس التقاطعات ومن ثم التباينات في النصين (المنظومتين) وكيف يمكن لتغير البنية (المسؤولة حسب التعريف السابق عن ترتيب عناصر المنظومة) أن يؤدي إلى استنتاجات هامة على صعيد تتبع التطور الفكري والفني عند مبدعهما.

“موت دانتون” و التي “تعتبر من المسرحيات التي انطلقت من المسرح التاريخي ومهدت الطريق لظهور المسرح الوثائقي “(1) ،تتألف من أربعة فصول، تحوي فيما بينها انقطاعات على مستوى الزمان والحدث، لكنها تسير ضمن سياق زمني تاريخي واقع. فعلى الرغم من أن بوشنر في تناوله للأيام الأخيرة في حياة بطل الثورة الفرنسية وشهيدها “دانتون” ، لم يكن معنياً – رغم استعانته بخطب ووثائق تعود إلى تلك المرحلة التاريخية القريبة – برصد الحدث من وجهة نظر السيرورة الزمنية، إلا أنه لم يكن ليتجاهل تلك السيرورة (وهي بالمناسبة إشكالية حقيقية تواجه الكاتب عند التعرض للتاريخ) فجاء ترتيب الأحداث متناسباً والسياق التاريخي المذكور، رغم حرص التقسيم الفصلي للنص على عدم تقديم تصاعد للحدث بالمعنى التقليدي إذا صح التعبير، بل جاءت الفصول لترسخ الانقطاعات المذكورة، كذلك فعل تعدد المشاهد والانتقالات (الزمنية والمكانية) السريعة داخل الفصل الواحد، الأمر الذي رافقه تعدد في محاور الحكاية عبر تعدد الحوارات واختلاف مستوى الخطاب.

في “فويتسك”، وصل التمرد (الذي ابتدأ مع “موت دانتون”) على شكل التقسيم الفصلي والتسلسل والتصاعد المنطقي للحدث ذروته، فغابت الفصول على حساب حضور مكثف للمشاهد الخاطفة والسريعة، والتي تركت مجالاً أكبر للتقطيع على مستوى الزمن والحدث، الأمر الذي أدى بدوره إلى تخلخل أكبر في شكل البنية الخاضع عادةً إلى ترتيب زمني أو وفقاً لتطور الحكاية، مما سيتيح في بعض الأحيان إمكانية تغير ترتيب بعض المشاهد دون إحداث فروق تُذكر.

لكن ملاحظة التطور هذه يجب أن تضع في الحسبان الفرق (الذي أفاد منه بوشنر بكل تأكيد) بين تناول الوثيقة التاريخية القريبة جداً من الذاكرة (الثورة الفرنسية) و بين تناول خبرٍ صحفي عابر لفت نظره مرة في إحدى الجرائد (ملابسات حادثة إعدام المجنون فويتسك بسبب جريمة قتل غريبة).

وإن كنتُ قد تحدثت في موضعٍ سابق، عن وجود تعدد في مستويات الخطاب في “موت دانتون” فإن ذلك ما هو إلا دليل على المنحى المغاير والذي سلكه بوشنر خلافاً لمعاصريه وسابقيه من كبار كتاب المسرح الألماني (وعلى رأسهم شيللر) في استخدام اللغة والحوار وصولاً إلى المونولوجات .

فبوشنر يميل إلى لغة الحياة اليومية، بعيداً عن الشعرية والخطابة، والأخيرة إن كانت موجودة في نص “موت دانتون” إنما لأنها كانت جزءاً من خُطب تاريخية موثقة لبعض رواد وفصحاء الثورة الفرنسية. بينما يصل تشظي اللغة حدوده القصوى في “فويتسك”، الأمر الشديد الصلة طبعاً بشكل الحوار، والذي كان لبوشنر قصب السبق في تحقيق انزياحه عند دوره التقليدي والقاضي بخلق التواصل، إلى دورٍ مغايرٍ تماماً حيث يخلق الحوار عند بوشنر إحساساً بصعوبة التواصل وعزلة الإنسان وعجزه.

حتى المونولوجات في “موت دانتون” أسست لدورٍ جديد، دور لا يقوم على التوصيف والإخبار، وإنما على الغوص عميقاً داخل الشخصية وتصوير معاناتها وأزماتها وعزلتها ، “وعبر المونولوجات المتقطعة لا يتحاور دانتون وروبسبير وإنما يتكلمان دون أن يستمعا لبعضهما البعض” (2)

وبالانتقال إلى التراجيدي (المأساوي) عند بوشنر، سنرى للوهلة الأولى أنفسنا أمام تقابل تراجيديا البطل الثوري/الثورة (دانتون رمز الثورة الفرنسية وضحيتها) مع التراجيديا البروليتارية الأولى (فويتسك المجند الصغير المغلوب على أمره في مواجهة النظام المؤسساتي الصارم).

إن “دانتون” بوشنر هو الشخصية التاريخية المعروفة والمحكومة بوقائع محددة، هو ابن الثورة الذي احترق بنارها ولم يعد قادراً على رؤية صنيع يديه يلتهم مزيداً من الأرواح تحت أي غطاء ولأي سبب، إنها: ” إحدى أهم تراجيديات الثورات البرجوازية، هذه التراجيديات التي بدأت تظهر مع مطلع القرن التاسع عشر” (3)، والتي تتمحور كما يرى ماركس حول رصد مفارقة تباعد الغلاف الأيديولوجي للثورة عن أهدافها الحقيقية، وحيث لا يتمكن صناع الثورة غالباً من توقع نتائج أعمالهم.

فيما فويتسك (الفرد المسحوق) يختزل عموم الناس الذين يرزحون تحت وطأة تشيؤ العالم الحديث، إنه الإنسان وقد تحول إلى فأرٍ للتجارب، حاملاً الحنين إلى الطبيعة والانعتاق.

لكننا في ذات الوقت سنلحظ تقاطعات حقيقية في مفهوم المأساوي عند شخصيات بوشنر «حيث يتجلى المأساوي في غياب المنظور المستقبلي وغياب الأفق أمام الشخصية التي تقف في مواجهة قوة مسيطرة” (4).

دانتون من جهتة، يعيش تحت وطأة الأرق وتأنيب الضمير، نشعر به عاجزاً متردداً، مكبلاً بالأفكار عن الفعل، وكأنه منساقٌ نحو مصيره بل وراضٍ به، وكأنه قبلَ أن يكون ضحية ثورته لربما يطهر روحه المتألمة؟ ويدفع ثمن سبتمبر الدامي.

فيما فويتسك، ينقاد نحو الجنون، بفعل قسوة الحياة واغترابه المضطرد عن حداثتها المتوحشة، وفي تخبطه وعدم اتزانه، لا يستطيع شيئاً، سوى قتل زوجته المنهكة والمنتهكة أصلاً ومن ثم الانتحار والتواري بعيداً عن عالم بات فاقداً لأي صلة به.

يقف كل من “دانتون” و”فويتسك” كشخصيتين مسرحيتين عملاقتين، وإن كان الثاني لا يتعدى كونه في الحقيقة مجندا مضطربا عقلياً نُفذ فيه حكم الإعدام. وينجح بوشنر بالنسج حول هاتين الشخصيتين الواقعيتين أصلاً بخلق عملين يتلمس فيهما الباحثون حتى اليوم إبداعاً مسرحياً مدهشاً، وإرهاصاً لولادة المسرح الحديث في أوروبا قاطبةً.

ويبقى التساؤل الممزوج بالحسرة حاضراً دوماً: ماذا لو لم يفتك مرض التيفوس ببوشنر وهو في ربيعه الرابع والعشرين؟ وأي تقاليد في الكتابة المسرحية كان بإمكانه أن يرسي لو قدر له أن يعمر طويلاً؟ وإن كانت الإجابة معلقة بالطبع، فإن العودة لأعمال بوشنر على قلتها تبقى تحديا أساسيا يرغب بخوضه كل من عشق المسرح ودخل عوالمه الفسيحة.

هوامش :
(1): المعجم المسرحي، ص522

(2): المعجم المسرحي، ص 495

(3): تاريخ دراسة الدراما “نظرية الدراما من هيغل إلى ماركس”، ص356
(4): المعجم المسرحي، ص404

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This