عصر الافتراضي وأفول الواقع
اختلفت التحديدات الفلسفية ونظريات المعرفة في تناولها لمفاهيم الحقيقة والواقع. لقد حدّدت الحقيقة بأنها وجود واقع ثابت، مفارق للواقع الحسّي، أو هي وجود حقيقيّ محايث للواقع الحسّيّ وحامل له. ونصادف من ينفي أصلا الحقيقة عن الواقع ويجعلها متضمّنة في الفكر وحده، ومن ينكر إمكانية وجود الحقيقة وبلوغها على نحو مطلق، ومن يعتبرها نسبية ومتغيّرة.
إنّ إشكالية الحقيقة كما أفكّر فيها اليوم لم تعد مسنودة على أطروحة مطابقة الفكر للواقع أو هي مرتبطة ارتباطا وطيدا بالإحساسات، ولا هي متواجدة في عالم مفارق خارج عن التاريخ الزمنيّ، الدنيويّ، بل الحقيقة التي تفرض ذاتها بإلحاح هي حقيقة الافتراضيّle virtuel.
ليس الافتراضيّ صورة مشوّهة للواقع سيمولاكر simulacres، بل هو نسف للواقع ذاته وتخليصه من الهالة التي كان يحظى بها في السابق، على أساس أنّ الواقع لم يعد مبدءا للتحقق باعتباره إحالة مرجعية يتمّ على إثرها التحقق من صدق القضية من القضايا. وبالتالي غدت الإحالة معطاة للافتراضي بما هو منبع جديد للحقيقة. إنّ الواقع، كمبدأ للإحالة وكمادّة خام وكحدث خاص، تلاشت هيمنته بفعل التدخل المفاجئ لعالم الافتراضي. ويمكننا توضيح هذه المسالة بالمثال التالي: الجريمة في حدّ ذاتها لا تحمل مضمونا ذا جدوى، لماذا؟ لأنّ في غمار التحقيقات يمكن الكشف عن الفاعل الذي يجبر على تمثيل الجريمة. في كنه عملية التمثيل تتجّسد الأهمية. يغدو التمثيل ـ في هذه الحالة ـ إتلافا جذريّا للجريمة كحدث وكواقعة ملموسة أنجزت في مكان وزمان معينين. وعبر سيناريوهات تمثيل الجريمة، تُلتقط الصور وتُضاء الأنوار وتشدّ أنفاس الرأي العام لمتابعة كل أجزائها، وتجيش لهذا التمثيل الأجهزة المختصّة والإعلام. نرى أنّ الحدث ملغى بالمرّة، في حين أنّ تمثيل الحدث حاضر بقوّة غير مسبوقة. يتمّ استدعاء التمثيل كمركز للحقيقة، مع نسيانٍ كلّيٍ للحدث كمصدر للوهم والخطأ.
وهو نفس الوضع الذي يشمل الوجود المعاصر برمّته. لم يعد للواقع حضور بقدر ما صار الافتراضيّ أكثر حضورا. الحقيقي هو ما يخبر عنه الافتراضي في جميع تمظهراته سواء الإعلام أو الشبكة العنكبوتية أو التلفزيون، يكون المرء أكثر قابلية للتصديق والثقة التي يقدّمها بسخاء في الصور المتلاحقة التي تعطى أمام ناظريه، أكثر مما يصدّقها لو كانت تجربة حيّة ممارسة في حيز الواقع. هنا مرحلة جديدة ترمي بظلالها على أفقنا الوجودي، وهي أنّ العالم انتقل من بنية تقليدية كان يهيمن عليها منطق الواقع إلى بنية تلفّ وجودنا المعاصر وهي بنية الافتراضي.
لا تعي عقول الأفراد بما يطرح أمامها في السوق أو السوبر ماركت من منتجات، بمعنى أنّهم لا يعون واقعيتها الآنية، أي في مظهرها الخارجي، شكلها، حجمها، لونها، وانتظامها وترتيبها في حيز الواقعي؛ حيث عين المستهلك لا تتركّز في هذه المنتجات الحيّة شريطة قدرتها على مضاعفة ذاتها في الإشهار. هنا تكمن عملية نقل واقع المنتوج من واقع خام، غير مهمّ، إلى واقع الإشهار الذي يقدّم
ويظهر. يتخذ المنتوج قيمته ليس انطلاقا من ذاته وبشكل عفوي، بل يمتح قيمته من عرضه في الإعلان. في بنية الافتراضي يتحقّق نظام الأشياء وتتعين موجوديتها.
انطلاقا من هذا الكلام، غدا العالم اليوم صورة بأحداثه وحروبه ونزاعاته وفواجعه. الصورة تمتصّ مفعولات الواقع المادية بإضافة لمسات فنية ورتوشات وتوسيمات وتوليفات. وتغدو قابلة للتكرار مما يجعلها حقيقة لذاتها، وليست مرجعا أصيلا للواقع. وتصير عمليات الإبادة الجماعية والقتل والدماء والأشلاء المتناثرة مجرّد بقايا لكائنات لم تعد تحظى بأهمية بفعل النقل والتكرار في النقل؛ والقتلى كأرقام وليسوا كائنات إنسانية. إذن لم يسلم القتل من سطوة الصورة ولا يثير قلقا، ألفته العيون ولا يحرّك إحساسا. الصورة نجحت في امتصاص عنفوان وقائع الواقع وأحداثه المؤلمة، وجعلت منه مركبا يخضع لترسانة لغوية ولقطات مثيرة تشدّ العيون ولكن بدون إحساس. الافتراضي سلب للواقعي وإفراغ جذري لمحتوياته. ينتقل الواقع كمادة خام إلى الافتراضي الذي يضعه تحت رحمة عمليات الترميم والتجميل، وإخراجٍ متقنٍ بأدوات عالية في الدقة. متى يكون الافتراضي على علاقة بالواقع علما أن الافتراضي طمس نهائي له؟ يكون الافتراضي متواجدا على أرض الواقع في اللحظة التي تكون فيها السلطة طرفا آخر. كيف ذلك؟ السلطة تخشى الافتراضي. ما يتشكّل كحدث ملموس في أرض الواقع لا يثير قلاقل أو خوف بالنسبة إليها، لكن حينما ينتقل الحدث من ميدانه ومن وقائعيته(ما يحمل صبغة ما هو واقعي) إلى مجال الافتراضي يتغيّر الموقف ويزداد التأثير والتأثّر. السلطة مرتبكة بأجهزتها متعدّدة الفروع، بات مجال تحرّكها ضيقا ولا يتسع بفعل عين الافتراضي المتربصة التي تطاولت على تحركاتها وامتصت كل حيويتها في الفعل والممارسة مطلقة العنان غير المحدودة.
قد يغدو الافتراضي نقلا أمينا لواقع موضوعي؛ وإخبارا عن تفاصيله الدقيقة والجزئية التي تستحيل على الذات معرفتها عن كتب، لأن الافتراضي لا يكتفي باقتناص الوقائع بمحض الصدفة، وقائع غير جديرة بالاهتمام والمتابعة، بل بالعكس هو اقتناص تحدوه الرغبة في جعل المستور معلنا، والمحتجب منكشفا، والجوهري في هذا الاقتناص هو قدرته على خلق الحدث الذي ينتشله من الصمت إلى واضحة النهار. الافتراضي هو القدرة على خلق الحدث في فوريته وفي نوعيته من حيث هو حدث يثير ضجة ويخلخل مفاهيم وتصورات وأحكاما مسبقة للأفراد حول موضوع معين. ويشكل “اليوتوب” “youtube” حقلا خصبا لانتشار الحدث الذي لم يعد مكتفيا بنفسه بل غدا كونيا.
رغم أن الافتراضي هو ما يُفقِد مبدأ الواقع صلابته فيضحى ميّالا إلى الهشاشة، إلا أنه في هذه الحالة يعزّز من تدخل الواقع وعنفه. وتكون السلطة في هذا السياق هي العنصر الذي يسعى إلى تفريغ الافتراضي من حقيقته المقتنصة إلى حيز الواقع وبراءته! مدّعية أنّ الواقع يخالف من كلّ الوجوه ما يقدّمه الافتراضي من وقائع وأحداث.
السلطة تهاب الافتراضي عاملة بذلك على تكريس حقيقة مؤدّاها أن الافتراضي ليس إلا كذبة عابرة ستؤول إلى الانهيار من تلقاء نفسها. هاهو قنّاص تارجيست (تارجيست مدينة تقع شمال المغرب) يجبر الواقع على الكلام والكفّ عن الاختباء والمماطلة؛ يجبره على منح نفسه متجسّدا في صور حيّة ذات مدلولات لا متناهية، يخبرنا عن واقع يتآكل بفعل الرشوة التي تنخره وتصدّعه من الداخل. ناهيك عن أحدات مدينة “سيدي إيفني” كمعقل لحدث ما فتئت السلطة ترغمه على الخمود. السلطة تعلي من شأن الواقع القابل للضبط وتعمل على تدمير الافتراضي، وفي أحسن الأحوال تكذيبه. إنّ الافتراضي يمارس نوعا من الإخلال بنظام الواقع بالذات، وتعجز السلطة بالتالي عن مواجهة الاصطناع، لأنّ النظام يختار الواقع وليس الافتراضي . كيف يتأتّى للسلطة، التي ترجع في إطلاق حكمها على مبدإ الواقع، أن تحاكم من يخالف الواقع ويستنطقه من خلال صور حيّة منتشرة في المجال العمومي الافتراضي. وهو نفس الشيء الذي يحدث مع عمليات الاصطناع أو التصنّع التي تزعزع مسارات الواقع وتقلب علامات الدلالة من خلال استنساخ الواقع. حيث يختلط مبدأ التصنّع مع مبدإ الواقع ليصيرا شيئا واحدا. تعجز السلطة عن رفع تحدّي التصنّع، لأن استراتيجية التصنع هي جعل الواقع والوهم وجهين لعملة واحدة. يحدد لنا جان بودريار هذه المسالة في التظاهر بالقيام بعملية سطو مسلح وهمية لمعرفة ردّ جهاز القمع عليها.” السطو الحقيقي لا يشوّش سوى على نظام الأشياء (حقّ الملكية …) ، في حين أنّ السطو الوهمي يضرب مبدأ الواقع ذاته. بعبارة أخرى، يعتبر العنف الواقعي أقل خطورة من العنف الوهمي لأنه لا يحتجّ سوى على تقسيم الواقع، في حين سيفتح العنف الوهمي المجال للافتراض باحتمال أن يكون النظام والقانون مجرّد عملية، إيهام مثلها مثل عملية السطو الوهمي. من هنا خطورته اللامحدودة”. [جان بودريار. الفكر الجذري أطروحة موت الواقع ، ترجمة: منير الحجوجي وأحمد القصوار. الطبعة الأولى 2006 ،دار توبقال للنشر، صفحة 39].
السلطة هنا تشكّك في ذاتها، لأن مرجعها هو الواقع. أما في حالة الافتراضي فهو نزع الثقة من السلطة لإجبارها على الظهور بمظهر ما فتئت تتستّر عليه. الافتراضي لا يشوش على مسارات الواقع، ولكنه ينقض الواقع ويدمّره، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يظهر الواقع عندما تكون السلطة طرفا في المعادلة، تدافع عن الواقع كابنها المدلّل والبارّ.
ذابت هيمنة الواقع وغابت عنه القدرة على إنتاج الحقيقة وفرضها. نعلم جيدا أنّ الحرب هي صراع بين دول تجري رحاها في الميدان؛ تتمّ فيها تعبئة كلّ القوى المادية والبشرية، من أسلحة متطوّرة وجنود مدرّبين. لكن من ملامح موت الواقع وانهياره التام هو أنّ مفهوم الحرب ذاته قد تغيّر بانتقاله إلى العالم الافتراضي الذي امتصّ كلّ ما في جعبة الواقع، إنها حروب المواقع التي لها مقصديات في تدمير المواقع المعادية، حتى بتنا نسمع أن دولا كبرى تخلق جيشا من المدوّنين غائيتهم منصبّة أساسا إمّا على تدمير مواقع العدوّ أو تلميع صورة دولة ما كاستراتيجية للتملّص من التنديدات المحتملة.
إننا نعاين حربا ضروسا بمفاعيل عسكرية دعائية تدميرية. حيث تغدو الانترنيت كمجال لاشتغال الافتراضي منطقة حرب واسعة النطاق. إذن، حقيقة الحرب التي تجري وقائعها في الميدان المحسوسة، بضحاياها العديدين، وجرحاها المغلوبين على أمرهم والمنكوبين، منهم من أصيب بعاهة مستديمة أو اقتطع عضو من أعضاء جسده، أو من أصيب بِخبلٍ أو خلل وظيفي في جسمه. هي كلها لم تعد ذات مضمون حقيقي، بل الحرب الحقيقية هي الحرب الإعلامية، وحرب الصور والخطابات التي تميل في عمقها إلى التأثير في الخصم. والجندي ككائن إنساني يغامر بحياته من أجل وطنه لم يعد واردا في سياق الافتراضي، حيث انتقل مفهوم الجندي ذاته من حقل الواقع إلى حقل الافتراضي لكن بمسمّى آخر هو “الهاكر” “hacker” .
خطاب الافتراضي بما هو اليوم إرادة قوة وإرادة للحقيقة فيه تتعزّز وتتأصّل، وما هو خارج عن إطاره فهو في عداد الوهم والخطأ. إن تصديق الافتراضي كمنبع للحقيقة تكرّس عبر تدخل السينما الهوليودية التي تشدنا إلى موضوع الافتراضي بامتياز من خلال كشفها عن الوضع الذي بات الإنسان المعاصر مخترقا بمفعولاته. وماذا عساه أن يكون فيلم سيمون simone سوى الإجابة الممكنة عن هذا الوضع. هو فيلم للمخرج أندريه بيكول، يحكي قصة مخرج سينمائي فيكتور ترانسكي ويمثل شخصيته الممثل الباتشينوalpacino الذي يخلق شخصية امرأة من خلال الكومبيوتر لتصبح نجمة ساطعة في فيلمه الذي عكف على إخراجه بعدما تخلّت عنه الممثلة الأصلية ووضعته في ورطة. ويعتقد الجمهور المتتبع أنّ هذه المرأة هي إنسان حقيقي، لتضحي النسخة أكثر شعبية وتروق بأدائها وجمالها الأخّاذ الجمهور. هنا يتعيّن لنا بالملموس قدرة الافتراضي على تفوّقه وإثبات لجدارته واستحقاقه على الواقعي. يبدو لي أنّ عودة الوضع إلى ما كان عليه، كما لو لم يحدث أيّ شيء مستحيل. لقد دخلنا مجال اللاعودة. الافتراضي هو عالم الحقيقة، وما عداه فهو ليس إلا نسخة مشوّهة لواقع افتراضيّ لا يكفّ عن التوسّع والشمول.
“في فيلم (أن تكون هناك) للممثل بيتر سيلرز الكوميدي البريطاني، يظهر بيتر في دور جنائني يعمل في قصر، وكان يعيش متوحّدا في عزلته، لم تكن له علاقة بأهل القصر وكلّ علاقته مع الكون كانت تتمّ عبر التلفزيون. نشأت بينه وبين جهاز التحكم علاقة وثيقة. كان يساعده على التنقل ببصره في القنوات، ويحميه من وحشية الصورة، كلما أزعجته صورة تخلّص منها بهذا الجهاز. حينما توفّي سيّد القصر، بيع القصر من طرف الورثة. تحتّم عليه المغادرة وأخذ معه من القصر شيئا واحدا هو جهاز التحكم. أثناء تجواله في أحد أحياء نيويورك قابله السكارى وراحوا يتحرّشون به، وأحسّ أنّ ذلك منظر من مناظر الرعب التي مرّت عليه من قبل في مشاهداته المعتادة في التلفزيون. فأخرج جهاز التحكّم وبدأ يضغط موجّها رأس الجهاز إلى الأولاد منتظرا تغيير الصورة”[ عبد الله الغذامي.الثقافة التلفزيونية سقوط النخبة و بروز الشعبي، الناشر: المركز الثقافي العربي، الطبعة التانية 2005 صفحة 5-6].
ما حكاية الصورة التي استعمرت وجودنا وأراضينا؟ ما هذه الأسطورة التي لم نجد بعد حيلة لردعها؟ أسطورة ما تنفكّ تعرّي هشاشة وضع إنسانيّ منذور أصلا للتناهي؛ تضرب بمفعولاتها الإكراهية نحو تقسيم المجتمعات ودياناتها المبجّلة والمقدّسة التي هي بشكل قبليّ صور ذهنية قبل أن تكون مرئية! (خلفية الرسومات الكاريكاتورية).
الافتراضي لا يستسيغ فكرة الإنسان الحيّ الذي يهب مرحا، يحمل اسما، لتجعله مجرّد فكرة، صورة، ملغية الفوارق بين النوع الإنساني، بحمل الجميع على تقمص اسم واحد هو اسم الأفاتارAvatar كنموذج إنساني جديد.عندما ينخرط الإنسان في دهاليز الافتراضي والأنترنيت على وجه التحديد بغرفه اللامتناهية لا يعدو أن يكون سوى أفاتار، شخصية تجبرك على العيش في كنف الافتراضي ونعمه وتحت إمرته.
لا يمكن إنكار أنّ سلطة الواقع تلاشت وانهارت مراكزها وتبخّرت أنظمتها بشكل غير مسبوق في التاريخ البشري. إرادة الافتراضي إرادة قوة، تدمّر كل الكليشيهات والتماثيل القديمة وجبروت الأصنام التي كانت مسيطرة على مجريات العالم. إرادة لا تنتظر الضوء الأخضر لتباشر عملها، بل هي منفلتة من التحديد والضبط،، وهنا في هذه النقطة بالذات تتجسد قوتها القووية.
مسألة الحقيقة كموضوع أساسي بالنسبة للإنسان، هي دائما موضع سؤال وتساؤل، على اعتبار أنّ لكلّ عصر حقيقته الخاصة. والحقيقة كما حدّدتها وهي أنها لا تحوز أهميتها من مضمونها الإخباري وخضوعها لمبدأ التحقق كما حللته الفلسفات السابقة كالفلسفة الوضعية المنطقية مع لودفيج فيتجنشتينwittgenstein و رودولف كارنابcarnap ..ولا تحوز معناها من منطوقها ولا حتى من المؤسسة التي تسهر على إنتاجها، ولا من الشخص الذي ينطق باسمها، ولا من المقام الاجتماعي والاعتباري الذي يحظى به الشخص الناطق بلسانها محليا أو كونيا، لكن تحوز مفاعيلها المباشرة من خلال مرورها عبر قتوات وفضاء/مجال الافتراضي الذي تجد فيه معقلا أخيرا وناضجا لتبليغ مراميها وما هو حقّ.
تكمن الخطورة إذن في قدرة الافتراضي على إنتاج الحقيقة وما يتّصف في هذه الحالة بالحقيقي هو ما يقدمه الافتراضي ويدعمه. صارت البشرية في الوجود المعاصر لا تقدم ولاءها وقربانها واعترافها إلا لما هو صورة بما هي تجاوز لمبدأ الواقع. لم يعد هذا الأخير بأحداثه ومعاناته ووقائعه الفارقة ذات شأن أو قيمة، بل الافتراضي هو الأساس الذي تنبثق منه الحقيقة وتنتشر. نحن شهود عيان أحياء على عصر جديد، بحقيقة جديدة، تشكّلَ ونَمَا: هو عصر الافتراضي في مقابل أفول مفجع وكارثي للواقع.
