عمق التأثيرات الإسرائيلية على جدلية المحيط العربي
من الليبرالية إلى القومية – الاشتراكية إلى الإسلاموية. ثلاث نقلات إستراتيجية أنجزت بعض مجتمعات المنطقة العربية اثنتين منها. وتوشك على الثالثة ..ليست النقلات الثلاث، وليدة ديناميات محلية محضة.. صحيح أن الليبرالية كانت مأزومة بعقدة مدّ العلاقات الرأسمالية إلى الريف. وصحيح أيضا أن القومية ـ الاشتراكية مأزومةٌ الآن بعقدة التحول إلى اقتصاد السوق. إلا أن الأزمتين مفتوحتان على حل مازال يجري إغلاقه بالتعاون مع العامل الإسرائيلي .. النقلة إلى القومية- الاشتراكية قام بها الجيش. ولم يكن الجيش ليستطيع ذلك لولا تضخم دوره بفعل العامل الإسرائيلي..
في الأزمة الراهنة لأنظمة رأسمالية الدولة والمفتوحة على الحل، باستعادة الليبرالية في الإيديولوجيا والاقتصاد والسياسة، يعود العامل الإسرائيلي للمساهمة في حرف المسار، نحو برهة “إسلامية ” حبلى بأزمتها القادمة كما كان قد ساهم في توليد البرهة القومية ـ الاشتراكية قبل نصف قرن..
يشاطر المدّ الإسلامي الراهن سلفه القومي-الاشتراكي استفادته من العامل الإسرائيلي في منافسته الليبرالية على احتلال موقع الهيمنة الأيديولوجية. ومضيعا الفرصة للمرة الثانية على مجتمعات المنطقة.فرصة التحول إلى الرأسمالية تحت راية وعي مطابق. لا أُشيطنُ إسرائيل، بتحويل تأثيراتها على جدليات المنطقة إلى وظائف مرسومة داخل عقل يهودي، استمتعت الأدبيات القومية والإسلامية بتقصي آثار قدميه في الأرشيف الديني للمنطقة.بل ما أودّ إزاحة الستار عنه: حصة العوامل الخارجية في صناعة خيارات المنطقة العربية..
منحت إسرائيل” كعامل خارجي” للإيديولوجيا القومية – الاشتراكية عدة نقاط تفوق، في صراعها مع الليبرالية على تصفية العلاقات الإقطاعية في الريف. فقفزت الأولى إلى قيادة العربة. وهاهي ثانية تمنح النقاط إياها للإسلاميين في مواجهة الليبرالية العائدة لترافق كإيديولوجيا عملية التحول إلى اقتصاد السوق: الاستحقاق الذي تقف أمامه الآن أنظمة رأسمالية الدولة”القومية –الاشتراكية”..
إذا اتفقنا على أن الليبرالية بأفقها المفتوح على العلمنة والدمقرطة والتصنيع، أو بتعبير آخر إعادة إطلاق سيرورة الحداثة الرأسمالية من عقالها “الاشتراكي “هي الخيار الذي راكمت مجتمعات المنطقة شروطه في المستوى الاقتصادي من بنيتها، فإن إسرائيل تلعب – عن حماقة أو تبصر؟– على إعاقة مراكمة هذه الشروط في المستويين الإيديولوجي والسياسي .. لقد احتلت إسرائيل قطاع غزة منذ العام 1967 ورفضت الانسحاب منه حتى أصبحت حماس الإسلامية قوة على الأرض لا تستطيع إسرائيل تحّمل فواتير حرب استنزاف معها.. وهكذا تصرفت في الجنوب اللبناني الذي احتلته منذ العام 1978.. هل كانت إسرائيل في مماطلتها الانسحاب من كليهما “غزة، أو جنوب لبنان ” تخطط لزج الاجتماعين الفلسطيني واللبناني في المأزق الأصولي الراهن؟
في المعلن من الخطاب السياسي الإسرائيلي لا شيء يوحي بذلك.. مع هذا إن جاملنا ميلنا الفطري لأبلسة العدو. وافترضنا أن الإسرائيلي يراهن استراتيجيا على دوامة الانقسامات العمودية التي تدور بها مجتمعات المنطقة. وهو لذلك يغذي هذه الدوامة بدعمه هذا الخيار على ذاك في لعبة تأجيل يراد لها أن لا تنتهي لما يسميه محمد جابر الأنصاري ” الحلقة من التطور التي ينبغي التمسك بها لمواصل المسيرة على نهج واضح وبرؤية واقعية” إذا افترضنا أن الإسرائيلي قد انحاز عن وعي (وأنا أرجح ذلك) إلى إدارة إشكالية بقائه في المنطقة، بإدارة أزمة الحداثة فيها ؟ ألا تكون مجتمعات المنطقة التي تميل الآن إلى الخيار الإسلاموي تبرهن للمرة الثانية خلال نصف قرن على أنها لا تملك أن تخرج من دائرة ردّ الفعل إلى الفعل الواعي بما يفعل ؟
الفعل الذي يسترد زمام المبادرة التاريخية من العوامل الخارجية، والإسرائيلي بعدٌ إقليميٌ فيها ؟
هذا يفتح على السؤال المربك:أيهما له الأولوية ؟ ترتيب البيت أم طرد العدو؟
..والسؤال بصيغته هذه يوحي بأن المهمتين مفصولتان إلى المستوى الذي يسمح بترتيبهما. فهل هما واقعيا كذلك ؟
..لنتفحص ذلك :
.إذا كان ترتيب البيت يهدف إلى خلق إمكانية أفضل لطرد العدو. وإذا افترضنا أن العدو ليس بالمستوى المطلوب من الحماقة التي تسمح بإنجاز مهمة ترتيب البيت وهو نائم. فالفرضية الأكثر واقعية أنه سيتدخل ليمنع ترتيب البيت ما أمكنه ذلك..وهذا بالفعل ما مارسه و يمارسه الخارج كسياسة معلنة. منذ قمعه محاولة محمد علي في مصر القرن التاسع عشر، وصولا إلى انتهاجه في العقود الأخيرة، سياسات ذات طابع استراتيجي أفضت إلى تضخم التيارات الأصولية في لعبة تحفيز تمزج بين الدعم المباشر تارة والاستفزاز تارة أخرى. يكفي تتبع علاقة الولايات المتحدة الأمريكية مع تنظيمات الإسلام السياسي في نصف القرن المنصرم لتلمس الخطوط الإستراتيجية التي ضبطت إيقاع تكتيكاتها في المنطقة ..
ليست مهمة ترتيب البيت مفصولة عن مواجهة الحضور الخارجي داخل البيت بالأشكال والأساليب المتنوعة. أما الأسئلة فيجب أن تذهب إلى أي الطبقات؟ وتحت أي الرايات الأيديولوجية ينبغي أن تتحشد كتلة تاريخية- بالمعنى الغرامشي للمصطلح- قادرة على إنجاز مهمتين لهما كل هذا التداخل في الشرط السوسيولوجي الراهن لمجتمعات العالم العربي ؟.. تنعقد هذه الأسئلة في سماء النخب الثقافية العربية الحديثة الموزعة على عدة تيارات أيديولوجية..لم تدوّم هذه الأسئلة بهذا الإلحاح لو لم تتوافر شروط طرحها في المستوى الاقتصادي للبنى الاجتماعية العربية..
من تقليبي في ملفات القرن الماضي أميل إلى هذا الاستنتاج :
تجنح الفئات المحافظة أكانت في السلطة أو خارجها إلى توظيف التحديات الخارجية لامتصاص حرارة الجدلية الداخلية. ويتناغم مع هذا التوجه خارجٌ يرى في استنقاع الجدلية الداخلية تفاديا للأسوإ ” الإخلال بالصيغة الراهنة لعلاقاته مع المنطقة التي يفتح عليها إعادة ترتيب البيت بتشغيل الجدلية الداخلية”يجيب هذا التحليل من جهة على سؤال أين تستقر القابلية للتوظيف في الخارجي؟
ومن جهة ثانية يفتح على الشروط المولدة للتوظيف في الخارجي. العجز عن توليد شروط الصعود أو البقاء على رأس الهرم السياسي أو الاقتصادي أو الأيديولوجي.
عجز تتسع دائرته كلما راكم التحول الرأسمالي في المستوى الاقتصادي للبنية شروط التحول في المستويين الأيديولوجي والسياسي، ليطال فئات حاكمة وأخرى تتحفز لاحتلال مكانها من خارج الآلية التي يضبط إيقاعها التحول إياه. ليست خارج هذا القوس تيارات الإسلام السياسي وإن مهرت في تمويه مواقعها ..
