عندما يكتشف التونسيون تاريخهم من خلال قناة الجزيرة
عبد الواحد المكني

بثّت قناة الجزيرة يوم 18 ديسمبر شريطا وثائقيا بعنوان “اغتيال حشّاد” دام قرابة الساعة، وخصص البرنامج الذي نشطّه مؤرّخون وقياديّون نقابيون تونسيون للحديث والبحث حول ملابسات اغتيال الزعيم الوطني والنقابي التونسي فرحات حشاد، وقد تمّ اغتياله صبيحة يوم الجمعة 5 ديسمبر 1952.

اخترقت سمعة البرنامج الآفاق، واهتزّت له الأركان، واكتشف التونسيون فجأة أنّ لهم تاريخا زاخرا وإشكاليّا، وأنّ لهم أبطالاٌ مقصيّين وصفحات مطوية في غياهب النسيان. وسرعان ما اشتغلت الآلة الاعلامية تلقائيا وانخرطت أبواق الصحف السيّارة في تيّار المطالبة بالاعتذار ومحاكمة القتلة، وانبثقت حميميّة وطنية لبرهة قصيرة نشّطها البرنامج، أو لنقل حفّزتها الجزيرة – تلك القناة التي يرجمها البعض علنا ويقدسها سرّا – والتي استحوذت على ألباب العامّة والخاصة منذ تصدّرها على عرش الاعلام الإخباريّ في العقد الأخير.

لقد كتبت مئات المقالات الصحفية والعلمية والتاريخية، بل ألّفت الكتب وانتظمت الندوات حول ملابسات اغتيال حشّاد. منذ 1952 دأب الساسة والمؤرخون والصحفيون والنقابيون على المطالبة بفتح الملفّ وتوضيح المخفيّ والمسكوت عنه وتحميل المسؤوليات، لكنّ ما فعله البرنامج كان سحريا واستثنائيا وقياسيا، إذ أصبح الجميع يلهج بذكر حشاد، ويؤوّل مقتله ويقارن ويناقش.

كان وقع الشريط عجيبا فقد استمدّ نجاحه من مضمونه لكن من شكله أيضا :
إخراج ناجح، صور حيّة وجميلة، كلام موزون وتعليق رخيم هو عمل إعلاميّ متقن دون شكّ.
إنّ نجاح اغتيال حشاد ورواج الخطاب التاريخيّ المقدّم ضمنها ارتبط بالتأكيد بأهمية البيداغوجيا السمعية البصرية ومدى تأثيرها، خصوصا عندما تأتي من دار إشهارية وإخبارية لها صيت رمزيّ مثل “الجزيرة”، نجحت في التوفيق بين إعلام دعائيّ ذكيّ وشعبوية متجمّلة.
لم يأت تألّق البرنامج من أهمّية الموضوع وحساسيته فقط، ولا من الحرفية والمهارة فحسب، بل أيضا من الرمزالوهّاج للقناة عند المخيال العامّ.

الجزيرة محترمة في مخيال المشاهد، خاصة لدى الفئات الشعبية. فقد عوّضت لديهم أخبار “لندرة” المشهورة بمصداقيتها، والتي طالما تعطّش أباؤنا لالتقاط ذبذباتها، والجزيرة إلى حدّ الآن بدون منافس جدّيّ، هي”الأولى”، وهي الأوسع انتشارا وتأثيرا، تعطي “الصحيح في الصحيح”، كما تقول العامّة، يتناثر صحفيوها هنا وهناك، ويتوزّع مراسلوها على غزّة والنجف وقندهار يصطادون الخبر الجديد يخرجه القارؤون والمحللون في قالب ممزوج باسلاموية وعروبية فضفاضة محتجّة أحيالنا ومعتدلة حينا آخر.

اكتسبت الجزيرة توقيرا إضافيا لا فقط من مضخّة الأموال اللامتناهية التي تجعلها تنتدب الإعلاميين المهرة والأكفاء، وتصطاد الخبر اليقين وتدفع المقابل الثمين، بل أيضا من التحالف الزائف ضدّها من قبل بعض علبات الإعلام المحلّي، والتي جمّلت صورتها عن غير قصد بالتمادي في شتمها ورجمها وتخوينها، فقام الذمّ مقام المدح بل كان بمثابة شهادة في الكمال.

كان برنامج اغتيال حشاد ناجحا بكلّ المقاييس والنجاح هو نجاح إعلاميّ دعائيّ رمزيّ قبل أن يكون وثائقيا أو علميا.
كان تحقيقا غير معهود بالنسبة للمتفرّج التونسيّ لا يمكن مقارنته بمعزوفة التحقيقات التاريخية الباردة التي كانت تخصص أكثر من ثلثي برنامج اغتيال حشاد لتمجيد خصال الزعيم بورقيبة ومناقبه، وعلى كلّ حال فتلك البرامج الممجوجة على ضعفها كانت شمعة تنير ذلك الظلام الإعلاميّ الدامس، أمّا اليوم فقد غابت في مشاهد قنواتنا، وتراجع حجم برامج التاريخ والمناسبات التاريخية، على غرار ما أصاب المادة من تهميش في التدريس الإعداديّ والثانويّ والجامعيّ.
تركت البرامج الوثائقية والتأريخية مكانها للومضات الاشهارية الداعية لاستهلاك “الهريسة الحارّة” و”الكوكاكولا” الباردة، أو لبرامج عاطفية – اجتماعية من جنس “عندي ما نقلّك و”الحقّ معاك”، وهي برامج استهلاكية تبتزّ دموع السذّج وتنشّط فقرات الإشهار والإرساليات القصيرة المربحة، وفي آخرها تثبت البنوّة أو الأبوّة، فيرجع الجميع فرحين مسرورين.

لنترك أبوّة البرامج التلفزية الممجوجة جانبا ولنعد إلى برنامج الجزيرة الوثائقيّ الذي تزعزت بعد بثّه صورة الأبوّة، وحامت الشكوك من جديد حول بورقيبة بعد إيماءات وتلميحات خاطئة من أنطوان ميلران أحد قياديي عصابة “اليد الحمراء”. لقد حاول المؤرّخون تفسير العكس ووضع الأمور في إطارها وتنسيب الأشياء، لكنّ المتقبل فهم ما أراد أن يفهمه فـ”عون اليد الحمراء اعترف وقال في الجزيرة” وكفى.

انساق الجميع في تونس وحتى في خارجها وبما فيهم من كان ينقم على التاريخ والمؤرخين في لحظات تفكير وبحث تأريخي رغم أنفه وهذا في حد ذاته مكسب جليل يغفر كل الهفوات والأخطاء التي رافقت البرنامج وأولها الصبغة الفضائحية التي ورد بها ذكر بورقيبة أو عدم الاستزادة في تفسير وتوضيح ما أصدع به ضالح بن يوسف حول قتلة حشّاد أو الرجوع إلى قائمة العناصر المورطة من البوليس الفرنسي التي ذكرها المؤرخ مصطفى كريم أو العناصر التونسية التي شاركت في العملية والتي ظلّ يرددها التونسون الذين عاصروا حادثة الاغتيال ….

{{“إكتشاف التاريخ “}}

تداول على مصدح البرنامج فاعلون مباشرون منهم زوجة الشهيد فرحات حشاد ورفاقه في العمل النقابي مثل أحمد بن صالح ومصطفى الفيلالي ( وزيران سابقان) ومحمد عزالدي وزجّ في آخر البرنامج بعبد الكريم الهاروني القيادي السابق للاتحاد العام التونسي للطلبة. ولم أفهم ما الداعي لذلك قد تكون الجماعة بحثت في إطار ” التعادلية” عن أمين غام سابق أو أسبق للاتحاد الطلابي الضديد (الاتحاد العام لطلبة تونس) ولم تجده لا في العلوي ولا في السفلي هذا إن كانت بحثت أصلا فمثل هذه البرامج تُقتنى جاهزة ولمتتجها خيار التشريك والإقصاء والتوجيه وفق ثوابت الجزيرة المعروفة وعلى كل حال فقد صادق السيد محمد محفوظ مدير الجزيرة الوثائقية على حرفية البرنامج واعتبره من خيرة ما أنتجت القناة هذه السنة .
إن الإضافة التي صمّت الآذان وأصبحت مادة إعلامية متوهجة كانت في شهادة” أنطوان ميليرو” العضو السابق لليد الحمراء ومؤلف الكتاب الجريء حول جذورها
Antoine Méléro ;La main rouge l’armée secrète de la république،Ed du Rocher،1997 .
كانت شهادة ميلران جريئة ومثيرة خصوصا عند اعترافه بإسهام شرطيين اثنين فرنسيين من ضمن أربعة في كمندوس الاغتيال وعندما اعترف بعلاقة المنظمة بأجهزة المخابرات الفرنسية، وبأن الأوامر كانت تأتي للمنظمة السرية الارهابية من أعلى هرم الحكم الفرنسي وهذا أمر غير جديد سبق أن فضحه قياديو الحركة الوطنية وتحدث عنه المؤرخون بإسهاب، الجديد هو الاعتراف الذي يقوم مقام السيادة في تراتبية الأدلّة وخاصة الاعتراف عبر شاشة الجزيرة التي يقدّسها المشاهدون.

ان الأمر المثير في اعتراف “ميليرو” هو تصريحه باستفادة بورقيبة من اغتيال فرحات حشاد بتخلصه من زعيم عنيد ومنافس، كانت هذه التلميحة الرشيقة وغير البريئة مادة تلقّفها المبسّطون للزجّ ببورقيبة في زمرة المخططين لاغتيال حشاد وهو أمر تردّد في صفوف الطلبة والحركة الشبابية سنوات الاستفراد البورقيبي بجهاز الحكم. ولا ندري هل قصد البرنامج الايحاء بذلك إمعانا في الإثارة والفضائحية خصوصا عن التعريب كان رديئا وتنقصه الدقة أم هي فلتة تأويلية جماعية أفرزها مكبوت نائم جماعوي .
طبعا يميل المخيال العام لتصديق العجيب والفريد وحكاية الزجّ ببورقيبة في حادثة اغتيال حشاد هي حكاية رومنسية خارقة وموضوع إعلامي ساخن كبقية المادة التي تروج لها القناة و”الجزيرة قالت” .
قالت “الجزيرة” قولا فصلا وحفّزت التونسيين على اكتشاف تاريخهم والتأكد من بطلان مقولة الاستقلال الهاديء والانفصال السلمي وطلاق التراضي مع فرنسا، تأكد المشاهد من وجود شهداء ودسائس وجرائم قدلا يقارن عددها بعدد الشهداء عند جيران تونس غربا أو جنوبا لكنها تؤشر على كل حال على وجود “تاريخ مجيد” فقد ترسّخت في مدونات التبسيط المتكررة مقولة التاريخ التونسي “الباهت” والحال إن العيب و”البهتان” ليس في حركة التاريخ بل في نمط إخراجه لمستهلكيه.

{{إكتشاف” المؤرخ “}}

نشّط البرنامج أربعة مؤرخين أكاديميين منهم ثلاثة جامعيين، ولقد دأبت التصنيفات على تسميتهم بالمؤرخين الشبان، والأحقّ هو أن نسمّيهم “مؤرخين مجددين”، وهم ينتمون لجيل غير محظوظ برز بعد أن فرغت المدرّجات وأفل نجم العلوم الانسانية في الجامعة وتهمّشت دراسة التاريخ وقراءة مصنفاته.
نسّب المؤرخون ملابسات الاغتيال وفحصوه بمجهر نقديّ، كانوا بعيدين عن الإثارة فاكتشفهم الشارع والرأي العامّ، وهرعت الصحف التونسية خلال الأسبوعين الأخيرين لمزيد مساءلة المؤرّخين الجامعيين والاستئناس برأيهم، وهذا مكسب حميد، فهاهو مؤرّخ تونس يخرج من الكهف الإجباريّ ويغمره وهج الإعلام بفضل فعل “الجزيرة” السحريّ.

ومع ذلك ورغم إبداعات زمرة الباحثين لم يقتنص البعض بعمق تحاليلهم، بل اصطادوا فقط بعض الجزئيات من أبرزها :

– إسهام بورقيبة في الاغتيال، وهذا وهم لم يقله الفاعلون بل ألمح إليه البرنامج.

– مشاركة أنظوان ميلرو في الإغتيال : وهذا أيضا وهمٌ، فالرجل برّر الاغتيال وألمح للفعَلة لكن فهم “الفاهمون” أنّه طرفٌ مشاركٌ.

– ضرورة فتح الملف والمطالبة بالحقيقة وما يستتبعها من تعويضات واعتذارات، وهذا أيضا مطلب وطنيّ ونقابيّ وإنساني قديم رفعته في تونس كلّ الحساسيات الثقافية والفكرية، ولكنه ظلّ بمثابة الصرخة في الوادي، لكن بفضل “الجزيرة” خرج “إتحاد الشغل” من صمته وقرّر “المطالبة” رسميا بفتح تحقيق، والحال أنّه طولب بطلب ذلك مرارا في السابق ولم يستجب، والتحقت به مجموعات وتنظيمات تطالب بالكشف والمسؤولية، والتعويض، خصوصا أننا نعيش هذه الأيام على وقع موجة المطالبة بالاعتذارات.

لم تأت الجزيرة بالجديد، ولم تضف شيئا حقيقيا يذكر على ركام ملف حشّاد، لكنها فتحت بابا مفتوحا.
ماذا بقي في ذهني كمؤرّخ بعد انتهاء البرنامج وبعد تزايد استتباعاته؟
قدّمت قناة الجزيرة عبر برنامج “اغتيال حشاد” مزيجا من الخطابات التاريخية، فيها المباشر والشعبيّ والشعبويّ والدعائيّ والعائليّ والأكاديميّ.. لكن لم يرسخ في ذهنية المتقبّل العامّ والعامّيّ إلا ما هو عجيب من نوع بقاء جسد الشهيد ضاحكا بدون تحلّل، أو اعتراف هلاميّ من أحد المشاركين عن بعد أوهم المشاهد والسامع من خلاله أنّ بورقيبة قتل حشاد.

هل تحتاج كتابة التاريخ إلى العجيب والغريب والوهم؟ إجابتي العاجلة أو الآجلة هي قطعا لا الرافضة، لكن ما قيمة رأيي أمام تمثّل المتقبلين للأمر.

نحن مدعوّون أكثر من ذي قبل للتفكير في طرق وأساليب إخراج خطابنا التاريخيّ، لا بل علينا أن نغيّر طريقة الإخراج.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This