عن الأسرة المقيمة في مرحاض عموميّ: إدارة البؤس والرّقاب

يحكى أنّ، وهذه الحكاية ليست من خرافات الماضي ومُلحه ونوادره ومآسيه بل هي من حكايات واقعنا السّوداء، يحكى أنّ عائلة من بلد عربيّ تكاثرت عليها الدّيون فأجبرت بحكم القانون على إخلاء منزلها المتواضع وأقامت في مرحاض عموميّ، حيث يعمل الأب منظّفا، لمدّة سبع سنوات كاملة (نشر الخبر في موقع BBC ARABIC.com بتاريخ 11 يوليو 2007). ولم تُجدِ محاولات العائلة نفعا في إقناع السّلطات المحلّية بمعالجة وضعها وتوفير مسكن لائق لها. بل دفعت هذه السّلطات منطق السّخرية البيروقراطيّة البارد إلى حدوده القصوى فاستخرجت للعائلة شهادة تنصّ على أنّ مقرّ إقامتها الدّائم هو المرحاض العموميّ.

تكاد تذكّرنا حكاية هذه العائلة التي أرادت لها السّلطة أن تعيش بين “الفضلات العموميّة” بوضع” الدّاليت”، هذه الفئة الاجتماعيّة الهنديّة التي حكمت عليها علاقات الهيمنة المراتبيّة بأن تكون فئة منبوذة تقدّم للآخرين كلّ الخدمات الشّاقة والمهينة والحاطّة من الكرامة. وتحتوي فئة “الدّاليت” على فئات فرعيّة منها فئة تعمل ليلا نهارا على تنظيف مجاري الصّرف الصّحيّ، بحيث يغطس أفراد هذه الفئة بين الفضلات البشريّة لإصلاح ما فسد من المجاري.

إنّ مثال “الدّاليت” مثال ضارب في قدم ثقافة الهيمنة في المجتمع الهندي. ولكنّ يبدو أنّنا نتّجه نحو تعميم مثال “الدّاليت” برمزيّته المرعبة على مجتمعات عالمنا. إنّ اللّحظة التاّريخيّة الرّاهنة هي لحظة إقصاء وتهميش فئات اجتماعيّة بأكملها وعودة إلى البروليتاريا الرثّة التي تتعايش مع بؤس لا مثيل له وتؤدّي كلّ أنواع الخدمات المهينة لصالح فئات يتقلّص عدد أفرادها وتتزايد امكانيّاتها الماديّة. هذه البروليتاريا التي يتكاثر عددها تحرم من أبسط مقوّمات الحياة الكريمة كالصّحة والتّعليم والسّكن اللاّئق ولكنّها تقيم في قلب مدننا وتبني أحياءها البائسة داخل فضاءات نعيمنا البائس.

لقد جاء في أحد تقارير الأمم المتّحدة الأخيرة أنّ عدد سكّان المدن قد تجاوز للمرّة الأولى في تاريخ البشريّة عدد سكّان المناطق الرّيفيّة وأنّ أكثر من مليار نسمة، وهو ما يمثّل ثلث سكّان المدن، يعيشون في العشوائيّات. وتعرّف الأمم المتّحدة العشوائيّات بأنّها المناطق الحضريّة التي يعيش سكّانها في مساكن مكتظّة، وغير قانونيّة، ومحرومة من الماء الصّالح للشّرب، ومحرومة من الصّرف الصّحي المناسب. إنّه “تسونامي” صامت من الموت والمرض يجتاح عشوائيّات العالم حسب تعبير مجلّة National Geographic (عدد شهرمايو 2007). ويزداد الوضع سوءا مع تنصّل عديد الدّول من مسؤوليّتها في حماية مواطنيها واقتصار رؤيتها لإدارة الحكم على الإكراه الأمنيّ في المجال السّياسيّ وإدارة البؤس في الفضاء الاجتماعيّ.

إنّ تخلّي السّلطات المحلّية عن مسؤوليّتها في حماية كرامة هذه العائلة التي أجبرت على الإقامة في المرحاض العموميّ هو أحد الأمثلة على نهاية أسطورة الدّولة التي تحمي مواطنيها وترعى مصالحهم، وهي أسطورة بشّرت بها تنظيرات معاصرة عديدة بعد نهاية الحرب العالميّة الثّانية خاصّة وجعلت منها حكومات ما بعد الاستقلال في بلداننا أداة لإقامة هيمنتها على فضاءات الحياة الاجتماعيّة. لقد انتقلنا في السّنوات الأخيرة من نظريّة الدّولة الحامية إلى واقع الدّولة التي تكتفي بإدارة بؤس الفئات الاجتماعيّة. فالحقّ في العمل مثلا يختفي تدريجيّا أمام سياسة إدارة البطالة وسجن العاملات والعاملين في أقسى شروط العمل إجحافا. ويتحوّل الحقّ في التّعليم إلى إدارة لمشكلات التّعليم وإقصاء للفئات الاجتماعيّة الضّعيفة والمهمّشة من المعرفة. أمّا الحق في الصّحة فقد أصبح في حقيقة الأمر إدارة للموت في مؤسّسات صحّية تفتقر إلى أبسط امكانات مواجهة المرض ومعالجته. ولقد تحوّل التّبشير بالإدارة الرّشيدة للحكم والموارد إلى إدارة للفساد وتعميم لثقافته.

وتمتزج إدارة البؤس مع هيمنة دور الدّولة/الرّقابة التي تسعى إلى تصنيف جميع الأفراد والمجموعات البشريّة في إطار هويّات منغلقة تسهّل التّحكّم فيها من خلال تعميق إحساسها بخصوصيّاتها وتحطيم قنوات التّضامن.

فلقد أصبحت لساكن العشوائيّات مثلا هويّته التي يصنّف من خلالها وتحدّد مسار حياته من يوم ميلاده إلى لحظة مماته. فلا يمكنه بالتّالي التّخلّص من وضعه عن طريق المطالبة الفرديّة والجماعيّة بالحريّة والكرامة بل يجب أن يحلم بمعجزة تخرجه من وضعه أو أن يستسلم لقدره.

وتسهر دولة إدارة البؤس والرّقابة على إدامة هذه الهويّة ومنع تفكيك أسسها. بل تحوّلها إلى “ظاهرة” أو أزمة دائمة عن طريق وسائل الإعلام والمراكز البحثيّة التي تسهب في وصف وتحليل مظاهر الإجرام والدّعارة والتّفكّك الأسريّ والإرهاب، باعتبارها تنبع من العشوائيّات. وإذا تصدّت الدّولة أحيانا لمشكلة إحدى العشوائيّات، فإنّها لا تقوم بذلك انطلاقا من رغبة في إصلاح وضع لا إنسانيّ، بل تستجيب لظرف أمنيّ طارئ أو مصلحة اقتصاديّة فتهجّر السكّان وتضعهم في معازل أعدّت للغرض، وتنقلهم من عزلتهم الخاصّة إلى عزلة أخرى أشدّ بؤسا.

عمّق تحوّل دور الدّولة من مفهوم حماية المواطنين ورعايتهم إلى واقع إدارة البؤس ومراقبة الذّوات والمجموعات في عزلة هويّاتها المخصوصة البؤس والتّهميش وأدّى إلى تزايد أعداد البروليتاريا الرثّة. لقد حلّت هذه الفئة الاجتماعيّة محلّ الطّبقة الوسطى التي حملت في لحظة تاريخيّة معيّنة أملا في تحقيق الرّفاهيّة وتطوير المطالبة بحقوق الإنسان والدّيمقراطيّة. ويمكّن تفاقم عدد البروليتاريا الرثّة الدّولة من سجن أكبر عدد ممكن من فئات المجتمع في الحاجة البيولوجيّة والسّعي المحموم لضمان البقاء بدل المطالبة بالحرّيات. كما يمكّن هذا الوضع الدّولة من التّحكّم في مصير المجتمع بأكمله بإشاعة الخوف من البؤس الزّاحف وزرع الشّعور لدى الأفراد بضرورة الحفاظ على مواقعهم الاجتماعيّة و”امتيازاتهم” بكلّ الطّرق، وضرورة الابتعاد عن الفئات الأكثر بؤسا.

كلّ المقبورين في مراحيض فضلاتنا العامّة والعشوائيّات، وكلّ الذين أقصتهم دولة إدارة البؤس والرّقابة عن عيش الكرامة هم فئران التّجارب التي تحاول من خلالها أدوات الهيمنة المتجدّدة على الدّوام تدمير أسس العيش الإنسانيّ المشترك والتّدرّب المتواصل عليه.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This