عن ثقافة الاعتذار
لوحة تشخص ما يعرف بإبادة
الأتراك للأرمن
إننا نعتذر أخلاقيّا عما سبّبه الاستعمار الإيطاليّ للشعب الليبيّ من آلامٍ وأضرار، ونتطلّعُ لطيّ صفحة الماضي وفَتحِ صفحة ٍ جديدة … فبالمحبّةِ والصداقةِ لا بالاستعمار والكراهية ، يتحقق الرخاء ويعمّ السلام بين شَعبينا )
الأتراك للأرمن
إننا نعتذر أخلاقيّا عما سبّبه الاستعمار الإيطاليّ للشعب الليبيّ من آلامٍ وأضرار، ونتطلّعُ لطيّ صفحة الماضي وفَتحِ صفحة ٍ جديدة … فبالمحبّةِ والصداقةِ لا بالاستعمار والكراهية ، يتحقق الرخاء ويعمّ السلام بين شَعبينا )
سيلفيو برلسكوني رئيس الحكومة الايطالية
***
(إنّ ضميري يرفض انعدام الشعور بالمسؤولية إزاء الكارثة الكبيرة التي تعرّض لها الأرمن من التابعية العثمانية، في العام 1915، كما يرفض إنكار وقوع الكارثة المذكورة. أرفض هذا الجور، وأشارك بقسطي إخوتي الأرمن في مشاعرهم المريرة، وأقدّم لهم اعتذاري).
بيان المثقفين الأتراك
***
***
يمثّل المقطعان السابقان حالة جديرة بالتأمّل، لأنهما ينتميان-ظاهرا- إلى ثقافة واحدة تجعل من الحوار والتسامح والتطلع للمستقبل وسيلة وحيدة لحلّ الخلافات المستعصية والمقيتة التي لوّثت التاريخ ولطخت جبين البشر ، وذلك بعد الاعتراف بمساوئ الماضي- من قبل الجلاد أو أحفاده- ومجازره والاعتذار عنها، لا لنكئ الجراح كما يصف البعض، ولكن لتصفية القلوب وإعادة الاعتبار لجراح الضحايا وأحفادهم .
ولكن التدقيق في المقطعين السابقين وحيثياتهما، ومن أصدرهما؟ وطريقة تعامل المجتمعين التركي والإيطالي معهما، يعكس الفرق الهائل بين ثقافة مجتمعات ودول وسلطات وصلت حالة النضج المعرفي والسياسي، وحالة مجتمعات ودول وسلطات مازالت تعيش حالة من الجمود والمكابرة وعدم القدرة على تجاوز الأخطاء .
في الحالة الأولى : أقدمت السلطة الإيطالية ممثلة برئيس وزرائها على الاعتذار من دولة أخرى أقدمت على احتلالها لمدة ثلاثة عقود، ليتمّ بعدها توقيع اتفاقية بين إيطاليا وليبيا، يتمّ بموجبها التعهّد بعدم استخدام أراضي أي من الدولتين – من قبلهما أو من قبل الغير- للاعتداء على الأخرى. إذن كان الاعتذار مقدمة لتصفية الخلافات التاريخية والدخول في علاقات جديدة تتطلع نحو المستقبل، موّدعة بذلك ماضي القتل والدم والاستعمار نحو مستقبل الحرية والتوافق والوئام.
ترافق الاعتذار في الحالة الإيطالية مع قبول مجتمعيّ ورضا عامّ عن هذا الفعل من قبل المجتمع والأحزاب وتجمّعات المجتمع المدني، الأمر الذي يعكس ثقافة مجتمع وسلطة تجاوزا وعيهما الاستعماري السابق نحو وعي نقيض قوامه الحرية والاعتراف بحقّ الشعوب في العيش الحرّ العادل والكريم.
أما في الحالة الثانية: أطلق البيان ثلاثة من المثقفين الليبراليين هم أحمد إنسل، كاتب وناشر، وباسكن أوران، أستاذ جامعي وباحث وكاتب، وجنكيز آكتار، اعتذروا فيه من إخوانهم الأرمن عن المجزرة التي تمّت بحقهم، ووقع البيان عدد كبير من المثقفين الأتراك بينهم علي نيسن (ابن الكاتب الكبير عزيز نيسن ). ولكن ما نلاحظه هنا أنّ اعتذار المثقفين الأتراك يحمل أكثر من رسالة ودلالة وقراءة:
* في قراءة أولى : هو اعتذار من الأرمن، وإعادة الاعتبار لمآسيهم، ومحاولة جديرة بالاحترام لطيّ صفحات الخلاف بين مكوّنين أساسيين من مكوّنات المجتمع التركي الكثيرة، هذا المجتمع الذي لن يتقدم ويتطور دون طرح هذه المشاكل وحلها علنا عبر الاعتراف بها أولا، ومناقشتها ثانيا، والاعتذار عنها ثالثا.
* في قراءة ثانية: هو ضغط على الحكومة والسلطة في تركيا التي مازالت تعيش حالة أوهام قومية وإسلامية، تجعلها تغفل الواقع القائم، وتتغاضى عن الأمراض والمشاكل الموجودة في المجتمع التركي.
* في قراءة ثالثة: توجيه رسالة إلى ” مثقفي” السلطة ومؤرّخيها الذين يقدمون المبرّرات المعرفية لاستمرار ذلك الظلم والتجاهل الكبير لواحدة من أشنع مجازر التاريخ البشري.
* في قراءة رابعة: إعادة الاعتبار للمثقف ودوره التنويري، حيث يشكّل المثقف ضمير الأمة وصوتها الحرّ الذي ينتمي للحقّ أينما كان، مندّدا بسياسات الإنكار وشاجبا لها حتى لو اضطرّه الأمر للوقوف في وجه قومه وأهله لإدراكه التام أنه بذلك ينقذ قومه وأهله ويفتح أمامهم طريق المستقبل.
* في قراءة ثانية: هو ضغط على الحكومة والسلطة في تركيا التي مازالت تعيش حالة أوهام قومية وإسلامية، تجعلها تغفل الواقع القائم، وتتغاضى عن الأمراض والمشاكل الموجودة في المجتمع التركي.
* في قراءة ثالثة: توجيه رسالة إلى ” مثقفي” السلطة ومؤرّخيها الذين يقدمون المبرّرات المعرفية لاستمرار ذلك الظلم والتجاهل الكبير لواحدة من أشنع مجازر التاريخ البشري.
* في قراءة رابعة: إعادة الاعتبار للمثقف ودوره التنويري، حيث يشكّل المثقف ضمير الأمة وصوتها الحرّ الذي ينتمي للحقّ أينما كان، مندّدا بسياسات الإنكار وشاجبا لها حتى لو اضطرّه الأمر للوقوف في وجه قومه وأهله لإدراكه التام أنه بذلك ينقذ قومه وأهله ويفتح أمامهم طريق المستقبل.
ولكن كيف تعامل المجتمع التركي والسلطة التركية مع هذا الأمر؟
لاحظنا انقسام المجتمع التركي بين كثرة مستنكرة ورافضة لتقديم الاعتذار، وبين قلّة معترفة بما ارتكب بحقّ الأرمن من مجازر وإبادة. وبالتالي مستعدة لتقديم اعتذار أخلاقيّ يعيد للضحية شيئا من كرامتها المهدورة، يعيد لنفسها الاحترام، لأنّ الشخص القادر على تقديم اعتذار هو شخص يكسب احترام نفسه بالدرجة الأولى قبل أن يعيد الاعتبار لعذاب ضحاياه.
ولكن تعامل السلطة التركية كان مفاجئا جدا: حيث صرّح رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي:
(يبدو أنّ هؤلاء المثقفين هم الذين قاموا بـالتطهير العرقي للأرمن، فشعروا بضرورة الاعتذار عما ارتكبوه… أما الجمهورية التركية فلم تفعل ما يستوجب الاعتذار من أحد)
أما الرئيس التركي عبد الله غول الذي اتهمه النائب كنان أريتمان بمحاباة الأرمن لأنّ أمّه أرمنية، فقد ردّ بطريقة مخجلة مؤكدا على أنّ جذوره إسلامية مئة بالمئة، وكأنّ أرمنية أمه “سبّة” له، إذ كان ردّ فعله لإثبات ” إسلامية أمّه وعائلتها ” غير أخلاقيّ وغير عادل لكونه يصدر عن رئيس دولة. حيث قام برفع دعوى على النائب المذكور مفنّدا( ادعاءاته العنصرية التي تضرّ بالرئيس وسمعته وسمعة عائلته وشرفها وقيمها التركية والمسلمة، من النواحي الحقوقية والمعنوية».
وجاء في البيان أيضا :(من المستحيل أن يعوّض أيّ شيء أو أيّ مبلغ من المال عن الضرر والإهانة اللذين لحقا بالرئيس من جراء هذه الادعاءات الكاذبة)
نستغرب هنا أين الإهانة؟ هل قول النائب أنّ أمّه ذات جذور أرمنية إهانة!
أليس هذا كلام عنصريّا يصدر عن رأس الدولة التركية بحقّ مكوّن أساسيّ من مكونات المجتمع التركي !
إذن، نلاحظ هنا الفرق الهائل بين تعامل السلطة التركية مع الاعتذار الذي تبناه المثقفون الأحرار، وبين تعامل السلطة الايطالية، الأمر الذي يحيلنا إلى ثقافة شرقية مازالت ترى في الاعتراف بالخطأ ضعف وجرم وتهاون وقلة رجولة، رغم أنّ المثل الشرقيّ يقول ” الاعتراف بالخطأ فضيلة”.
مما يؤكد أن مجتمعاتنا ما تزال قاصرة وغير قادرة على التعامل مع مشاكلها، الأمر الذي يفسّر تراكم المشاكل وتعقّدها وتعفّنها دون أن نعترف بها، حيث يؤدي تراكمها الطويل إلى احتقان سياسي واقتصادي واجتماعي ينتهي بانفجارات وتصفيات دموية.
في الحالة الإيطالية تعتذر الحكومة من دولة وشعب آخر تصحيحا لخلل قديم، بينما في الحالة التركية ترفض السلطة الاعتذار لشعبها نفسه عما حلّ به من مآسي، أي ترفض العمل على تنقية رواسب الحقد الكامنة في مجتمعها، عن طريق التغاضي والإنكار وعدم الاعتراف بالمشكلة.
ولكن ماذا عنا نحن العرب؟
إن تدقيقا ما في بنى مجتمعاتنا العربية يؤكد أننا أبعد ما نكون عن ثقافة الاعتذار ومشتقاتها: فالأب لا يعتذر من ابنه في حال أخطأ بحقه، والأستاذ لا يتراجع عن خطأه أمام طلابه، والمسؤول الحزبي لا يعتذر من قاعدته ، والقائد لا يعتذر من شعبه في حال ارتكب خطأ تاريخيا، والسلطة لا تعتذر من سجنائها عن سنوات سجنهم الطويلة ولا تعيد لهم حقوقهم المسلوبة، والقاضي لا يعتذر عن حكم راح ضحيته مواطن لمدة عشرين سنة سجن ظلما وبهتانا..
هذا على صعيد علاقاتنا الداخلية، أما على صعيد العلاقات الخارجية وعلاقة الدول ببعضها البعض، فهل تعتذر العراق من الكويت عن احتلالها؟ وهل نعتذر نحن العرب من الإسبانيين عن سنوات احتلالنا التي نسميها “فتحا إسلاميا مباركا”؟ هل نقدر على الاعتذار عن كل الضحايا الذين سقطوا خلال تاريخ “الفتوحات الإسلامية”؟
بالتأكيد، لن نقدر لأنّ الاعتذار في ثقافة مجتمعاتنا ضعف ورخاوة بينما القوة كبرياء واعتزاز وفخر.
ما سبق يؤكد أن الاعتذار لا يمكن أن ينتج عن أمة أو مجتمع لا تترعرع في خلاياه ثقافة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والوعي المجتمعي بضرورة حل الخلافات عبر العقل القادر على تفكيك الأوهام الإيديولوجية والقومية. حيث يشكل الاعتذار مرحلة متقدمة من الوعي الإنساني، وموقفا أخلاقيا متعاليا على الحساسيات التاريخية، وبلسما لجراح الضحايا التي لن يقدّم لها الاعتذار أي شيء مادي ملموس، ولكنه سيقدّم لها الكثير على الصعيد المعنويّ، وسيشكل فاتحة ونقطة بداية لعلاقات جديدة قوامها المساواة والعدالة والاعتراف المتبادل.
