غطرسة القوة….

“الحق والأخلاق والواقع الفعلي للعدالة والحياة الأخلاقية تدرك عن طريق الأفكار”،، التي تنطوي دوماً على ما يقنع سائر العقلاء، بغض النظر عن أحكامهم القيمية عليها، لا عن طريق الآراء الشخصية والاقتناعات الذاتية والمعتقدات الخاصة (إضافة من الكاتب)، دينية كانت هذه المعتقدات أم علمانية؛ فالأفكار، بهذا المعنى، هي تجريد العناصر العقلية في الواقع المعطى، موضوعها هو الواقع وغايتها هي الإنسان، بخلاف الآراء التي موضوعها هو عين غايتها، إذ موضوعها هو المصلحة الخاصة وغايتها لا تتجاوز حدود هذه المصلحة الخاصة. “فمن خلال الأفكار يتخذ الحق والأخلاق شكلاً عقلياً، “شكل الكلَّية المتعيِّنة، وهذا الشكل هو القانون؛ وهو الذي ينظر إليه الشعور في نزوته الخاصة على أنه عدوه اللدود، وهو محق في ذلك، لأن هذا الشعور يقيم الحق على الاقتناع الذاتي، ومن هنا اعتبر الطابع الصوري الذي يتخذه الحق بوصفه واجباً وقانوناً كأنه حرف ميت وبارد وقيد من القيود. فهذا الشعور لا يتعرف على نفسه في القانون، وبالتالي لا يعرف أنه حر في مجال القانون، لأن القانون هو العلة العاقلة لكل شيء؛ ولا يسمح العقل للشعور بأن يجد لنفسه الدفء في أعماق قلبه الخاص.” (هيغل، أصول فلسفة الحق، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1996، ص 106)، فإن القانون هو كلمة السر التي تكشف زيف أصدقاء الشعب (لكم كان لينين صديقاً زائفاً للشعب؛ حين فضل منطق الثورة على منطق الدولة. راجع كتابه الدولة والثورة.) وقادة الجماهير وأبطال التاريخ الكسيح وحماقة من يعدون الجرائم في مصاف البطولات ويسمون الاستبداد “ديمقراطية شعبية”.

من الأفكار، لا من الآراء، يتخذ الحق والأخلاق شكلاً عقلياً، شكل الكلية المتعينة، التي هي القانون. صفة الكليِّة هنا هي الحاسمة. والكلية المتعينة هي الماهية الإنسانية لكل فرد من أفراد المجتمع المعني. والقانون ليس سوى هذه الماهية ذاتها وقد تعينت وعياً أخلاقياً عاماً نطلق عليه اسم الوعي الاجتماعي. ومن ثم فإن الأفكار ليست أفكار الفلاسفة والمفكرين والمنظرين، على ضرورتها وأهميتها، بل أفكار عامة الناس بصفتهم كائنات عاقلة وأخلاقية، أفكار من يضعون القانون لأنفسهم، من أجل مصلحتهم جميعاً، على أنه تجلي حريتهم، أفكار من ينتخبون المؤسسات التشريعية، في بلدانهم، ويعهدون إليها وضع القوانين أو تعديلها وتطويرها أو إلغاء ما بات منها معيقاً لتقدمهم. الكلية المتعينة هي التي تقرر الحق والأخلاق، وفق الشروط المعطاة، وتمنحهما شكلاً هو القانون. بتعبير آخر: المجتمع المدني، بصفته كلية متعينة، هو من يقرر الحق والأخلاق ويمنحها شكلاً هو القانون[1]. هذه المقاربة لا تستند على الثقة بالعقل بوصفه عقل النخبة، بل على الثقة بالعقل بوصفه أعدل الأشياء قسمة بين الناس، وذلكم هو الأساس الراسخ للديمقراطية، التي لا يزال بعضنا ينظر إليها على أنها استثمار “سياسي” في الكم، أدواته التعبئة الأيديولوجية والتحريض العرقي أو المذهبي أو الطائفي.

موضوع القانون في المجتمعات المتمدنة هو الحق، وغايته هي الحياة الأخلاقية، بقدر ما يصير القانون وازعاً داخلياً لدى الفرد والجماعة وضامناً للحقوق المدنية والسياسية ولحرية الفرد وحقوق الإنسان، لا مجرد قوة خارجية تكبح الأهواء والنزوات والمصالح الخاصة العمياء وتقيدها. وحينما يصير القانون لحمة النسيج الاجتماعي يصير الحق واجباً أخلاقياً: حقوق الأفراد تصير واجبات الدولة، وحقوق الأقلية تصير واجبات الأكثرية، وحقوق النساء تصير واجبات الرجال، وحقوق العمال تصير واجبات أرباب العمل، وحقوق الإنسان تصير واجبات الجميع. الحياة الأخلاقية، حياة الأمة، وحياة الدولة، لا تتأسس إلا على القانون، الذي هو قانون أخلاقي في نهاية التحليل. وهو ما يجعل من الأمة كائناً أخلاقياً ومن الدولة كائناً سياسياً وأخلاقياً بالتلازم.

في ظل القانون، الذي يتساوى أمامه جميع مواطني الدولة، ويسري بالفعل على الحاكم والمحكوم وعلى القوي والضعيف وعلى الغني والفقير يكتشف الفرد ذاته الإنسانية وهويته الوطنية ويتعرَّفها في الآخر المختلف والمنافس، يكتشف أو تكتشف الأنا أنه أو أنها أنا وآخر في الوقت عينه، وتصير الآخرية شرطاً لازماً للذاتية، وبعداً ضرورياً، لا غنى عنه، للهوية الوطنية. ذلك ما يحدو بكل فرد لا أن يعترف بحقوق الآخرين فقط، بل أن يدافع عنها دفاعه عن حقوقه أيضاً، لأن الظلم الذي يقع على الآخر يمكن أن يقع عليه، ولأن الاستهانة بحق الآخر هي استهانة بالحق جملة، ولأن الاعتداء على حرية الآخر هو اعتداء على حريته، لأنه اعتداء على الحرية جملة. وذلك ما ينمي في وعي الفرد شعوراً عميقاً بأن حرية الآخر هي ضمانة حريته. فلكم كان الياس مرقص مصيباً وأخلاقياً حين عرف الديمقراطية بأنها حرية الآخر أولاً.

هذه النفحة الأخلاقية لا تتأتى من التشارك في العرق أو الأصل، ولا من التشارك في اللغة ولا من التشارك في الدين ولا من التشارك في المهنة، بل من العقد الاجتماعي بوصفه عقداً أخلاقياً موضوعه هو الحق وشكله هو القانون، أي من المساواة أمام القانون، بوصفه تعبيراً عما هو عام ومشترك بين أفراد الأمة، وفي مستوى أعلى بين أفراد الجماعة الإنسانية. وليس هذا تصوراً مثالياً أو حلماً طوباوياً، بل هو واقع قائم بالقوة عندنا، وقائم بالفعل عند غيرنا، فهل يمكن أن تكون أمة من دون هذه النفحة الأخلاقية؟. الأمة عقد اجتماعي/أخلاقي بين مختلفين ومتنافسين ومتعارضين، ومتساوين مع ذلك في الوطنية ومتماثلين في الإنسانية، عقد ينسجه تطور تاريخي ليس له قرار، لا يني ولا يتوقف ولا يكتمل.

الاختلاف هو ما يوجب التعاقد، والتشابه أو التماثل هو ما يجعله ممكناً. فمن دون اختلاف وتنافس وتعارض لا تكون هناك حاجة إلى تعاقد. التشابه أو التماثل في العرق أو في اللغة أو في الدين أو في المهنة … لا يقتضي أي تعاقد، ولا يفضي من ثم إلى تشكيل أمة أو مجتمع مدني أو دولة وطنية/قومية. فإن افتراض عقد اجتماعي بين متماثلين في العرق أو اللغة أو الدين، على أساس هذا التماثل وحده، لا على أساس الحرية والإرادة ومشروعية الاختلاف ومعقوليته، هو تماماً كافتراض عقد بين أفراد قطيع من الحيوان، وكافتراض التماثل بين العقل في الإنسان والغريزة في الحيوان، ولذلك أشرنا إلى محاولات حيونة المجتمع، بتعبير الراحل ممدوح عدوان، التي قام بها القوميون والإسلاميون والاشتراكيون، ويتحدث كثيرون اليوم عن الاندفاعات الغريزية الوحشية التي تسم ممارسة الحركات التوتاليتارية وممارسة “الجماهير”، التي توصف بأنها شعبية ظلماً واستهانة بالشعب، في حين لا تعدو كونها قطعاناً بشرية متماثلة إثنياً أو مذهبياً أو طائفياً أو حزبياً.

المبادئ التي تجعل الحق والأخلاق يعتمدان على الغايات الذاتية والآراء الجزئية وعلى الشعور الذاتي أو الاقتناع الذاتي لهذا الحزب أو ذاك أو لهذه الطائفة أو تلك أو لهذه الطبقة أو تلك أو لهذه الجماعة الإثنية أو تلك، … هي المبادئ التي تؤدي إلى انهيار الحياة الأخلاقية في المجتمع، وإلى انحطاط الوعي الاجتماعي، كما تؤدي إلى تقويض أسس التواصل والتكافل والرحمة والمحبة والتسامح ومبادئ الحق القائمة بين الناس، بقدر ما تحطم النظام العام والقانون البشري (الوضعي)، وتؤدي إلى الاستبداد. ولا يغير من حقيقة هذه المبادئ في شيء وصفها بأنها مبادئ “قومية” أو “إسلامية”، أو “اشتراكية” ولا يمنحها أي مشروعية أخلاقية. إن إقامة مبادئ الحق والأخلاق على الاقتناع الذاتي والآراء الجزئية لهذه الفئة أو تلك إنما يعزز لدى هذه الفئة، طبقة كانت أم حزباً أم جماعة إثنية، ميلها إلى احتكار الحقيقة واحتكار الوطنية، والاحتكار هو أساس الاستبداد.

فليس بوسع إرادة جزئية (إرادة طبقة أو طائفة أو حزب أو طغمة …) أن تفرض اقتناعاتها الذاتية وآراءها الجزئية أو عقيدتها الخاصة على المجتمع وتجعلها موئلاً للحقيقة ومعياراً للأخلاق إلا بالقوة العارية، وهي اليوم قوة الجيش وأجهزة الأمن، أو قوة الميليشيات المسلحة؛ ما يعني أن تداول السلطة لا يكون إلا بالغلبة والقهر، وأن الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي يظلان رهناً بصراع القوى وغلبة الأقوى، وما يجعل جميع الحقوق مرتبطة بحق الأقوى ومحددة به. فإن “الأقوى لا يبقى أبدا على جانب كاف من القوة ليكون دائما هو السيد، إن لم يحوِّل قوته إلى حق، والطاعة إلى واجب”. لذلك صار “حق الأقوى” هو مبدأ تعاقب المستبدين، في المجتمعات التي لم تعرف الحرية الموضوعية على أنها القانون. وصارت الكلبية والوغدنة وغطرسة القوة، قوة السلطة وقوة المال وقوة الجاه، من جهة، والطاعة العمياء والإذعان والتسليم والخوف والطمع والمسكنة والتبعية والانقياد الأعمى والتزلف والنفاق من جهة أخرى هي أسس النظام الأخلاقي في هذه المجتمعات التي ليست أمماً بعد.

وما دامت القوة التي تصنع الحق غير ثابتة وغير دائمة لأي قوي، فإن المعلول (الحق) يتغير بتغير العلة (القوة)؛ فكل قوة جديدة تتغلب على سابقتها ترث حقها، ومن ثم فإن الحق يتلاشى بتلاشي القوة، ويتلاشى معه الخضوع الذي لا يزيد على كونه فعلاً من أفعال الضرورة، لا من أفعال الإرادة، أي إنه فعل تمليه ضرورة الحفاظ على الحياة والأمن، ويمليه الطمع في مغنم أو الخوف من مغرم.

الطاعة المفروضة بالقوة والعسف لا تمت بأي صلة إلى الواجب الأخلاقي، لذلك فإن إطاعة المستبد شيء وإطاعة القانون شيء آخر مختلف جذرياً: الأولى من قبيل الخوف والطمع والثانية من قبيل الإرادة الحرة والواجب الأخلاقي؛ فإن إطاعة القانون هي إطاعة العقل، ومن لا يطيع إلا عقله يظل حراً. “وإذا كان الأقوى على حق دوماً تصبح بغية المرء أن يعمل على أن يكون هو الأقوى، ما يؤدي إلى اضطراب الحياة العامة وإلى كثرة الدسائس والمؤامرات والانقلابات والحركات “التصحيحية”[2]، وإلى انفصال الدولة عن المجتمع، إذ تصير الدولة دولة الحزب، وانفصال السلطة عن الشعب، إذ تصير السلطة سلطة الحزب، فتتماهى الدولة والسلطة والحزب في هوية واحدة، ويصير المجتمع، من ثم، مجتمع الدولة، والشعب شعب السلطة، أي موضوعاً هامداً لإرادة الحزب الجزئية، وتنغلق دائرة الاستبداد.

لا تتجلى غطرسة القوة في شيء أكثر مما تتجلى في الاستبداد؛ فإن من طبيعة الاستبداد أنه يسوِّي بين العبيد والأحرار، بجعل الجميع عبيداً. أو بجعلهم لا شيء، بإزهاق الروح الإنساني فيهم وبإزهاق روح الشعب. ومن طبيعته أيضاً أنه يسِّوي بين الفضيلة والرذيلة، وبين الشرف والعار، وبين العلم والجهل، والتسوية غير المساواة. وينجم عن هذه التسوية أن التصورات عما هو حق، وكذلك عن قوانين الأخلاق، تصير مجرد آراء شخصية واقتناعات ذاتية للمستبدين كباراً وصغاراً، اقتناعات ذاتية تسوغها القوة العارية والأيديولوجية الثورية، القومية أو الإسلامية أو الاشتراكية، التي تقنِّع العبودية والتبعية والجهل والهوى وخواء الروح. وعلى هذا النحو يصير لأسوأ الجرائم التي يرتكبها المستبدون – ما دامت هي الأخرى اقتناعات ذاتية – قيمة كقيمة القانون ومشروعية كمشروعية الحق. فجرائم هتلر وستالين وصدام حسين وأمثالهم من العرب وغير العرب كانت ولا تزال في منزلة الحق لدى محازبيهم وأتباعهم، وفي منزلة الواجب الأخلاقي دفاعاً عن “الثورة” أو عن “الأمة”. ولا يزال الاعتقال السياسي عندنا، فضلاً عن تجويع الشعب وإفقاره وتقفير حياته وحيونته ومصادرة حقوقه وحرياته الأساسية، حقاً من حقوق السلطة الشمولية وواجباً أخلاقياً من واجباتها دفاعاً عن “أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية”. وذلكم ما جعل السلطات الشمولية في حالة حرب دائمة على شعوبها ومجتمعاتها؛ فغدت السياسة في هذه المجتمعات امتداداً للحرب بوسائل أخرى، بخلاف تعريف كلاوزوفيتز للحرب على أنها امتداد للسياسة بوسائل أخرى. وفي أثناء هذه الحرب المفتوحة على المجتمع ارتكب المستبدون جرائم لا تقل فظاعة عن جرائم هتلر وستالين.

لا بد أن نتحدث عن جرائم المستبدين بصراحة ووضوح، لا لإدانة الذين ارتكبوها والذين سوغوها وهللوا لها والذين سكتوا عليها فحسب، بل لنتطهَّر من إثم التواطؤ وعار الصمت، بوصفهما مشاركة سلبية فيها، ونعلن ذلك على الملأ، من جهة، ولنمنح أنفسنا حرية التفكير في الحقوق المدنية والسياسية وحرية الفرد وحقوق الإنسان وحكم القانون، التي لا تقوم الأمم إلا بها وعليها، من جهة أخرى. فإن الاعتراف بالحقيقة يحرر العقل والضمير. الحقوق المدنية والسياسية وحرية الفرد وحقوق الإنسان وحكم القانون هي الأسس التي تقوم عليها الأمة ليس غير.

بيد أن “حق الأقوى” الذي كان ولا يزال مبدأ تداول السلطة عندنا، لم يكن مقروناً دوماً بالكلبية والتقوية وبالغطرسة والوغدنة والحرب المفتوحة على المجتمع، فالموضوعية والإنصاف يقتضيان منا ملاحظة الفروق بين ثلاث مراحل مرت بها حركة التحرر الوطني هي: مرحلة التأسيس والدعوة والتبشير، ومرحلة الاتِّباع والاقتداء، ومرحلة اللامبالاة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والتكرار الببغاوي للشعارات. المرحلة الأخيرة، التي بدأت بعد هزيمة حزيران 1967 وانتصار “النظم التقدمية” هي المرحلة الرعاعية التي تبلورت فيها ملامح السلطة الشمولية، وكانت الكلبية والتقوية معادلها الأخلاقي.

ولعل كل واحدة من هذه المراحل تقابل المراحل الثلاث في تاريخ الدول حديثة الاستقلال، أعني المرحلة الليبرالية والمرحلة الثورية والمرحلة الشمولية الأخيرة، التي ما كان ممكناً أن تنشأ لولا الإجهاز على مكتسبات الليبرالية اقتصادياً وثقافياً وسياسياً وأخلاقياً. ويمكن وصف هذه المراحل الثلاث على التوالي بنقد المجتمع، بغية تثقيفه وتنويره وتحديثه ليتمكن من إعادة إنتاج حياته وفق مكتسبات العصر الحديث وقيمه، في المرحلة الأولى، والانفصال عنه، بغية قيادته إلى مراعي الفردوس، في المرحلة الثانية، وإعلان الحرب عليه، بغية امتصاص قوته واحتكار ثروته وقوة عمله، في المرحلة الأخيرة، التي بلغت فيها غطرسة القوة ذروتها.

ويعتقد الكاتب أن هذه الصفات علامات فارقة بين هذه المراحل الثلاث من حيث مضمون القوة في كل منها. الفكر والأخلاق والسياسة هي مضمون قوة القانون في المرحلة الأولى، والعدد والتنظيم والتعبئة الأيديولوجية هي مضمون قوة الحزب والمنظمات الشعبية التابعة له والملحقة به في المرحلة الثانية، والأيديولوجية والإرهاب (الجيش وأجهزة الأمن والميليشيات المسلحة) والإعلام هي مضمون القوة العارية في المرحلة الأخيرة، التي نأمل أن نكون على مشارف نهايتها.

لعل المثال العراقي هو المثال الأبرز على غطرسة القوة، والحرب المفتوحة على المجتمع، ويصلح أن يكون نموذجاً لنظم “القومية العربية”، التي تمخضت عنها حركة التحرر القومي، على اختلاف مشاربها، وما ذلك إلا لأنه قد اكتمل وبلغ تمامه بنهايته، ولأن “المذهب القومي العربي”، الذي تجسد في ذلك النظام، قد اكتمل أيضاً، وبلغ تمامه بنهايته؛ وهذا ما يشق على الشعور “القومي” أن يعترف به. الأمثلة الأخرى المشابهة له، في الخصائص العامة، ولا سيما المثال السوري، ذاهبة في الاتجاه نفسه، أي في اتجاه نهاية المذهب القومي العربي، الذي تمثله والذي كان كابوساً على العرب ووصمة عار على العروبة.

الانتكاس إلى وضع مبدؤه “لكل من الحق بقدر ما له من القوة” هو المعادل الموضوعي لسيرورة الانحدار والتراجع من العام الوطني إلى الخاص الحزبي أو المذهبي أو الطائفي أو العشائري أو الإثني (الأقوامي)، ثم إلى الفردي الاستبدادي، الصدامي أو الأسدي وما في حكمهما من المستبدين الكبار والصغار على السواء. وهو انتكاس إلى حكم الشعور والرغبة والهوى والاقتناع الذاتي بدلاً من حكم القانون، وإلى مقتضيات المصلحة الخاصة العمياء بدلاً من المصلحة العامة، وإلى حكم الشعب بالعسف والإكراه وبالحديد والنار بدلاً من حكم الشعب نفسه بنفسه. وهو، بوجيز القول، انتكاس من الآدمية إلى الحيوانية القطيعية. أليس واجباً علينا، في ضوء هذا الانتكاس، أن نعيد التفكير في معنى الأمة، لكي نقيم الحد على العقيدة القومية والعقيدة الإسلاموية والعقيدة الاشتراكية، التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه؟ أم نحن في حاجة إلى البرهنة على آدميتنا قبل إنسانيتنا؟!

[1] – لعل هيغل، الذي نقتبس منه ونحاول البناء على الأسس التي اقترحها في أصول فلسفة الحق، كان يفكر بمنطق الثورة الفرنسية، لا بمنطق ألمانيا المتأخرة آنذاك.

[2] – فعلى سبيل المثال، بلغ عد الانقلابات ومحاولات الانقلاب في سورية بين عامي 1949 و1984 ثلاثة عشر انقلاباً ومحاولة انقلاب، أي بمعدل انقلاب كل سنتين ونصف، عدا الاضطرابات والقلاقل، قبل أن ترتسي السلطة الشمولية على جثة المجتمع، ويبدأ عهد “الاستقرار”، أي عهد تموت الحياة السياسية والثقافية والإجهاز لا على المعارضة المنظمة فحسب، بل على المعارضة المحتملة أيضاً. وكانت الانقلابات العسكرية هي الأسلوب الوحيد لداول السلطة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This