فروقات المصاحف (4)
معضلة أخرى من معضلات القرآن التي لا يمكن الوصول إلى جواب شاف بشأنها أو حلّ لتناقضاتها، تتجلّى في بعض الحكايا الميثولوجيّة الموجودة في كتاب المسلمين المقدّس، المستمدّة بطريقة أو بأخرى من أسفار اليهود والمسيحيين المقدسة أو شبه المقدّسة. من أشهر تلك المعضلات، قصّة مريم أمّ المسيح ومريم أخت هارون وابنة عمران. تلك القصّة – المعضلة توقّف عندها بعض العارفين منذ بداية الدعوة الإسلاميّة؛ ولم يجد لها المسلمون الأوائل أية إجابة مقنعة. في تفسير القرطبي، على سبيل المثال؛ وجدنا النص التالي: “وقال كعب الأحبار بحضرة عائشة أم المؤمنين (رض) : إنّ مريم ليست بأخت هارون أخي موسى؛ فقالت له عائشة: كذبت! فقال لها: يا أمّ المؤمنين إن كان رسول الله (ص) قاله فهو أصدق وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما من المدّة ستمائة سنة. قال: فسكتت. وفي صحيح مسلم عن المغيرة بن شعبة؛ قال: لما قدمت نجران سألوني فقال: إنكم تقرؤون “يا أخت هارون” وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على رسول الله (ص) سألته عن ذلك، فقال: إنهم كانوا يسمّون بأنبيائهم والصالحين قبلهم. وقد جاء في بعض طرقه في غير الصحيح أنّ النصارى قالوا له: إنّ صاحبك يزعم أنّ مريم هي أخت هارون وبينهما في المدّة ستمائة سنة؟! قال المغيرة: فلم أدر ما أقول؛ وذكر الحديث. والمعنى أنه اسم وافق اسماً. ويستفاد من هذا جواز التسمية بأسماء الأنبياء؛ والله أعلم. قلت: فقد دلّ الحديث الصحيح أنّه كان بين موسى وعيسى وهارون زمان مديد. الزمخشري: كان بينهما وبينه ألف سنة أو أكثر فلا يتخيّل أنّ مريم كانت أخت موسى وهارون؛ وإن صحّ فكما قال السدي لأنّها كانت من نسله؛ وهذا كما تقول للرجل من قبيلة: يا أخا فلان”. ( 2179 ).
في “تاريخ الطبري” نجد نصّاً مشابهاً لنص القرطبي، يحكي عن قصّة عائشة وكعب الأحبار ذاتها: “عن محمد بن سيرين، قال: نبّئت أنّ كعباً قال: إنّ قوله : “يا أخت هارون” ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أمّ المؤمنين؛ إن كان النبي (ص) قال فهو أعلم وأخبر؛ وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة. قال: فسكتت.” (364).
بعودة سريعة إلى الكتاب المقدّس نكتشف أنّ أخت هارون وموسى وابنة عمران ويوكابد هي مريم أخرى غير مريم أمّ المسيح. مريم (بالعبريّة מִרְיָם ) هي تلك التي تصادفنا للمرّة الأولى في سفر الخروج من العهد القديم. في هذا السفر تسمّى مريم بالنبيّة: ” ثمّ أخذت مريم النبيّة، أخت هارون، الدف في يدها؛ وخرجت النساء كلّهن وراءها بالدفوف والرقص. فجاوبتهن مريم: أنشدوا للربّ فإنّه تعظّم تعظيماً. الفرس وراكبه في البحر ألقاهما” (15: 20-21). وفي سفر العدد (59:26)؛ يقال: “اسْمُ امْرَأَةِ عَمْرَان يُوكَابَدُ بِنْتُ لاوِي التِي وُلِدَتْ لِلاوِي فِي مِصْرَ. فَوَلدَتْ لِعَمْرَان هَارُونَ وَمُوسَى وَمَرْيَمَ أُخْتَهُمَا”. النسب الذي يحاول المفسّرون الإسلاميون اللعب عليه كنوع من الحلّ لهذه المعضلة لا يفيد هنا: فمريم أم المسيح، بحسب العهد الجديد، تنحدر من نسل داود من قبيلة يهوذا؛ في حين أن مريم أخت هارون وابنة عمران كانت تنحدر من قبيلة لاوي.
قصة العجل الذهبي في سورة طه معضلة أخرى تضاف إلى معضلات القرآن الكثيرة. في تلك السورة يقال إن سامريّاً صنع لبني إسرائيل عجلاً ذهبيّاً في البريّة، فعبدوه كإله لهم. والواقع أنه على افتراض وجود فعلي لموسى، فإن أبسط الحقائق التاريخيّة تقول إن الوجود السامري لم يبدأ في يهودا والسامرة إلا بعد أن أسقطت الإمبراطوريّة الآشوريّة مملكة إسرائيل الشماليّة، عام 722 ق.م.؛ أي بعد وجود موسى الافتراضي بسبعة قرون. إذن: من أين جاء محمد بقصته؟ نحن نعلم أن محمداً لم يمتلك معلومات دقيقة بالكتاب المقدّس، ونرجح أن ما وصل إليه من قصص (أغادوت) كان إما من مصادر تفسيريّة للعهد القديم، أو فولكلور شعبي لا تنقصه الأساطير. وبعودة إلى العهد القديم نجد أن محمداً خلط بين قصتين القاسم بينهما هو العجل الموثّن: الأولى في سفر الخروج ( 32: 1-5 ): ” ورأى الشعب أن موسى قد تأخر في النزول من الجبل، فاجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم فاصنع لنا آلهة تسير أمامنا، فإن موسى، ذلك الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر، لا نعلم ماذا أصابه! فقال لهم هارون: انزعوا حلقات الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وآتوني بها. فنزع كل الشعب حلقات الذهب التي في آذانهم، وأتوا بها هارون. فأخذها وصبها في قالب، وصنعها عجلاً مسبوكاً. فقالوا: هذه آلهتك، يا إسرائيل، التي أصعدتك من أرض مصر. فلما رأى هارون ذلك، بنى مذبحاً أمام العجل، ونادى قائلاً: غداً عيد الربّ”؛ والثانية من سفر هوشع ( 8: 4 -5 ): “نصبواً ملوكاً ولكن لا من قبلي؛ وأقاموا رؤساء وأنا لم أدر؛ ومن فضتهم وذهبهم، صنعوا لأنفسهم أصناماً لانقراضهم. قد نبذ عجلك أيتها السامرة، واضطرم غضبي عليهم، فإلى متى لا يمكنهم أن يعودوا أبرياء؟ “. ( نجد ذكراً للعجل الذهبي أيضاً في سفر الملوك الأول 12: 26 وما بعد، لكن الأرجح أن الخلط كان بين قصتي الخروج وهوشع ).
معضلة ميثولوجيّة قرآنية أخرى تصادفنا في سور القصص والعنكبوت والمؤمن، تتعلق بالاسم “هامان”، الذي هو، بحسب القرآن، أحد وزراء فرعون زمن موسى النبي. لكن العهد القديم يقدّم لنا حيثيات أخرى للاسم، تتناقض تماماً مع ما يقوله القرآن. ففي سفر استير، 3: 1 وما بعد؛ نقرأ عن هامان: “عظّم الملك أحشورش هامان بن همداتا الأجاجي، ورقّاه وأجلسه فوق جميع الرؤساء الذين عنده”. وإذا ما اعتبرنا النص السابق لا نتقصه الوقائع التاريخيّة، هذا يعني أن هامان كان وزير الملك الفارسي أحشوروش (486-465 ق.م.) بعد وقت موسى النبي بحوالي ألف سنة. دون أن ننسى أن إيقاع الاسم لا يحمل شيئاً من موسيقا الأسماء المصريّة القديمة، بل هو فارسي النكهة والطعم.
لقد تقصّدنا هذا الربط بين قصص العهد القديم والعهد الجديد وتفاسيرهما من جهة، وقصص القرآن المماثلة من جهة أخرى، في بداية بحثنا الحالي حول “مصحف عبد الله بن عبّاس”، لأنّ الرجل عُرف دون وجه حقّ بعمق اطلاعه على علوم “أهل الكتاب”؛ حتى استحق لقباً عبرانيّاً بارزاً: حبر الأمة. يقول جفري حول الرجل: (من المكانة الرفيعة التي حاز عليها ابن عبّاس في التفاسير الإسلاميّة، حيث يسمّى ترجمان القرآن، البحر، وحبر الأمة، يمكن لواحدنا أن يتوقع أن يكون مصحفه في الأدب القرآني بشهرة مصحف ابن مسعود. لكن ندرة ذكره في تلك الحالة تقدّم لنا دليلاً على أصالته، لأنه لو كان تلفيقاً لوجدناه يذكر بالاتساع ذاته الذي تذكر به مدرسة تفسيره المفترضة عبر التفاسير. لقد كان ابن عم النبي، الذي وضعت الأساطير لإحاطة ولادته بالمعجزات. لكن شهرته في عالم التفسير، إنما ترجع إلى مرحلة متأخرة من مسيرته العمليّة حيث ركّز اهتمامه على استخدام المواد اليهوديّة والمسيحيّة في تفسير القرآن، لكن كون تفسيره اعتمد بوضوح على النص الرسمي للتحرير العثماني، علينا أن نضع مجموعة مواده ذات العلاقة بمصحفه في أيام شبابه) جفري.
{{ اللحن في القرآن:}}
من المعضلات القرآنيّة الأخرى، التي لم تحظ بما تستأهل من الدراسة، مسألة اللحن. واللحن، هنا، يختلف في مدلوله عن اللحن كما نفهمه اليوم. وكثير من الكلمات العربيّة تغيّرت مدلولاتها بتغير الأزمنة، أو فقدت بعضاً من مدلولاتها القديمة. في “لسان العرب”؛ نقرأ:”وأَلْحَنَ في كلامه أَي أَخطأَ. وأَلْحَنه القولَ: أَفهمه إيِاه، فلَحِنَه لَحْناً: فهِمَه. ولَحَنه عن لَحْناً؛ عن كراع: فهِمَه؛ قال ابن سيده: وهي قليلة، والأَول أَعرف. ورجل لَحِنٌ: عارفٌ بعواقب الكلام ظريفٌ. وفي الحديث: أَن النبي (ص)، قال: إِنكم تَخْتصِمُون إِليَّ ولعلَّ بعضَكم أَن يكونَ أَلْحَنَ بحجَّته من بعض، أَي أَفْطنَ لها وأَجْدَل، فمن قَضَيْتُ له بشيء من حق أَخيه فإِنما أَقطعُ له قِطْعةً من النار؛ قال ابن الأَثير: اللَّحْنُ الميل عن جهة الاستقامة؛ يقال: لَحَنَ فلانٌ في كلامه إذا مال عن صحيح المَنْطِق، وأَراد أَن بعضكم يكون أَعرفَ بالحجة وأَفْطَنَ لها من غيره… قال ابن الأَعرابي: واللَّحَنُ أَيضاً، بالتحريك، اللغة. وقد روي أَن القرآن نزَل بلَحَنِ قريش أَي بلغتهم. وفي حديث عمر (رض): تعلَّمُوا الفرائضَ والسُّنَّةَ واللَّحَن، بالتحريك، أَي اللغة؛ قال الزمخشري: تعلموا الغَريبَ واللَّحَنَ لأَن في ذلك عِلْم غَرِيب القرآن ومَعانيه ومعاني الحديث والسنَّة، ومن لم يعْرِفْه لم يعرف أَكثرَ كتاب الله ومعانيه ولم يعرف أَكثر السُّنن. وقال أَبو عبيد في قول عمر (رض) : تعلَّمُوا اللَّحْنَ أَي الخطأَ في الكلام لتحترزوا منه…. وأَما قول عمر (رض) : تعلموا اللَّحْنَ والفرائضَ، فهو بتسكين الحاء وهو الخطأُ في الكلام. وفي حديث أَبي العالية؛ قال: كنتُ أَطُوفُ مع ابن عبّاس وهو يُعلِّمني لَحْنَ الكلامِ؛ قال أَبو عبيد: وإِنما سماه لَحْناً لأَنه إذا بَصَّره بالصواب فقد بَصَّره اللَّحْنَ. قال شمر: قال أَبو عدنان: سأَلت الكِلابيينَ عن قول عمر: تعلموا اللحن في القرآن كما تَعَلَّمُونه؛ فقالوا: كُتِبَ هذا عن قوم ليس لهم لَغْوٌ كلَغْوِنا، قلت: ما اللَّغْوُ؟ فقال: الفاسد من الكلام، وقال الكلابيُّون: اللَّحْنُ اللغةُ، فالمعنى في قول عمر تعلموا اللّحْنَ فيه يقول تعلموا كيف لغة العرب فيه الذين نزل القرآنُ بلغتهم ” (5172).
يبدو أنّ اللحن في القرآن كان واحداً من أهم الأسباب التي دفعت بعثمان لأن يضع نصه الرسمي، المعياري: «حدثني رجل من بني عامر يقال له أنس بن مالك؛ قال: اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلمون، فبلغ ذلك عثمان بن عفان فقال: عندي تكذبون به وتلحنون فيه، فمن نأى عني كان أشد تكذيباً وأكثر لحناً، يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماماً! فاجتمعوا فكتبوا، فكانوا إذا اختلفوا وتدارؤوا في أي آية قالوا: هذه أقرأها رسول الله (ص) فلاناً؛ فيرسل إليه وهو على رأس ثلاث من المدينة، فيقال له: كيف أقرأك رسول الله (ص) آية كذا وكذا؟ فيقول: كذا وكذا! فيكتبونها وقد تركوا لذلك مكاناً. وأخرج ابن أبي داود من طريق محمد بن سيرين عن كثير بن أفلح؛ قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار، فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها، وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا اندرؤوا في شيء أخروه. قال محمد: فظننت أنما كانوا يؤخرونه لينظروا أحدثهم عهداً بالعرضة الأخيرة فيكتبونه على قوله» ( السيوطي، الإتقان 69 ).
في محاضرات الأدباء للأصبهاني (511)؛ نقرأ: عن “ابن عروة عن أبيه؛ قال: سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله: إن هذان لساحران، وعن قوله: والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة، وعن قوله: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون، فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتّاب أخطؤوا في الكتابة ”
يفسّر القرطبي المسألة أكثر؛ فيقول: ” قرأ أبو عمرو “إن هذين لساحران”. ورويت عن عثمان وعائشة (رض) وغيرهما من الصحابة… وهذه القراءة موافقة للإعراب مخالفة للمصحف. وقرأ الزهري والخليل بن أحمد والمفضل وأبان وابن محيصن وابن كثير وعاصم في رواية حفص عنه “إن هذان” بتخفيف “إن” ” لساحران” وابن كثير يشدد نون “هذان”. وهذه القراءة سلمت من مخالفة المصحف ومن فساد الإعراب، ويكون معناها ما هذان إلا ساحران. وقرأ المدنيون والكوفيون “إن هذان” بتشديد “إن” ” لساحران” فوافقوا المصحف وخالفوا الإعراب. قال النحاس فهذه ثلاث قراءات قد رواها الجماعة عن الأئمة، وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قرأ “إن هذان إلا ساحران”؛ وقال الكسائي في قراءة عبد الله: “إن هذان ساحران” بغير لام؛ وقال الفراء في حرف أبي “إن ذان إلا ساحران” فهذه ثلاث قراءات أخرى تحمل على التفسير لا أنها جائز أن يقرأ بها لمخالفتها المصحف… قلت: وللعلماء في قراءة أهل المدينة والكوفة ستة أقوال ذكرها ابن الأنباري في آخر كتاب الرد له، والنحاس في إعرابه، والمهدوي في تفسيره، وغيرهم أدخل كلام بعضهم في بعض. وقد خطأها قوم حتى قال أبو عمرو: إني لأستحي من الله اقرأ “إن هذان “! وروى عروة عن عائشة (رض) أنها سئلت عن قوله تعالى “لكن الراسخون في العلم” ثم قال: “والمقيمين” وفي “المائدة” “إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون” (المائدة: 69) و “إن هذان لساحران” فقالت: يا بن أختي! هذا خطأ من الكاتب. وقال عثمان بن عفان (رض): في المصحف لحن وستقيمه العرب بألسنتهم. وقال أبان بن عثمان: قرأت هذه الآية عند أبي عثمان بن عفان، فقال لحن وخطأ؛ فقال له قائل: ألا تغيروه؟ فقال: دعوه فإنه لا يحرم حلالاً ولا يحلل حراماً ” ( 2242 ).
في ” تاريخ المدينة ” لابن شبّة، نجد تفاصيل أخرى هامّة: ” قال عثمان (رض): إن في القرآن لحناً ستقيمه العرب بألسنتها. .. عبد الأعلى بن عبيد اللّه بن عامر؛ قال: لما فرغ من المصحف أتى به عثمان (رض)؛ فقال: قد أحسنتم وأجملتم، أرى شيئاً من لحن سنقيمه بألسنتنا… عن هشام بن عُروة، عن أبيه؛ قال: سألت عائشة (رض) عن لحن القراَن: “إنّ هَذَانِ لَسَاحِرَان”، وقوله: “إن الذِينَ اَمَنُوا وَالّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ والنَّصَارى”، “وَالمُقيمِين الصّلاَةَ والمُؤْتُونَ الزَّكَاة”، وأشْبَاه ذلك فقالت: أيْ بُنَيّ إن الكُتَّاب يُخْطِئُون ” ( 297 ).
نعود من جديد لنص الأصبهاني، لنجد نوعاً من التلخيص للمسألة؛ فتحت عنوان ” ما في القرآن من تغيير الكتابة “؛ نقرأ: ” كان القوم الذين كتبوا المصحف لكم لم يكونوا قد حذقوا الكتابة فلذلك وضعت أحرف على غير ما يجب أن تكون عليه. وقيل: لما كتبت المصاحف وعرضت على عثمان وجد فيها حروفاً من اللحن في الكتابة؛ فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها أو ستعبر بها. ولو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم يوجد فيه هذه الحروف ” ( محاضرات الأدباء، 511 ).
بعودة إلى ” إتقان ” السيوطي نجد النص السابق مضافاً إليه أسئلة لا تخلو من بذرة نقديّة قرآنيّة: ” حدثنا أبومعاوية عن هشام بن عروة عن أبيه؛ قال: سألت عائشة عن لحن القرآن عن قوله تعالى – إن هذان لساحران – وعن قوله تعالى – والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة – وعن قوله تعالى – إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون -؟ فقالت: يا ابن أختي هذا عمل الكتّاب، أخطئوا في الكتاب! هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين… عن عكرمة؛ قال: لما كتبت المصاحف عرضت على عثمان فوجدت فيها حروفاً من اللحن، فقال: لا تغيروها فإن العرب ستغيرها؛ أو قال: ستعربها بألسنتها، لو كان الكاتب من ثقيف والمملي من هذيل لم توجد هذه الحروف… وأخرج من طريق أبي بشر عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ – والمقيمين الصلاة – ويقول هو لحن من الكتاب، وهذه الآثارات مشكلة جداً، وكيف يظن بالصحابة أولاً أنهم يلحنون في الكلام فضلاً عن القرآن وهم الفصحاء اللد، ثم كيف يظن بهم ثانياً في القرآن الذي تلقوه من النبي (ص) كما أنزل وحفظوه وضبطوه وأتقنوه، ثم كيف يظن بهم ثالثاً اجتماعهم كلهم عن الخطأ وكتابته، ثم كيف يظن بهم رابعاً عدم تنبيههم ورجوعهم عنه، ثم كيف يظن بعثمان أنه ينهي عن تغييره، ثم كيف يظن أن القراءة استمرت على مقتضى ذلك الخطأ، وهو مروي بالتواتر خلفاً عن سلف، هذا مما يستحيل عقلاً وشرعاً وعادة. وقد أجاب العلماء عن ذلك بثلاثة أجوبة. أحدها: أن ذلك لا يصح عن عثمان، فإن إسناده ضعيف مضطرب منقطع، ولأن عثمان جعل للناس إماماً يقتدون به، فكيف يرى فيه لحناً ويتركه لتقييمه العرب بألسنتها، فإذا كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيموا ذلك وهم الخيار فكيف يقيمه غيرهم؟ ” ( 210 ).
ابن عبّاس بين جمع القرآن وترتيبه:
يقول آرثر جفري في كتابه حول المصاحف: [ يرد اسم عبد الله بن عبّاس ضمن قوائم أولئك الذين جمعوا القرآن في حياة النبي ( نشر 6:1 )، لكن من غير المرجح أن يكون ذلك ممكناً لأنه كان يافعاً جداً وقت مات النبي. وقد لا يكون الأمر برمته غير تمثيل لكونه أحد الذين عرفوا بأنهم أوائل الجامعين. يذكر مصحفه من قبل السيوطي ( اتقان 154 ) وذلك باعتباره يتضمّن السورتين الإضافيتين اللتين وجدناهما في مصحف أبي، كما أنه يورد عند ابن أبي داود الذي يقتبس قراءات منه ) جفري.
نحن نعتقد، كما يتوضح لنا من أكثر من رواية، أن ابن عبّاس قرأ على أبي بن كعب؛ من تلك الروايات نورد الشاهد التالي: ” قال الشافعي: حدثنا إسماعيل بن قسطنطين، قال: قرأت على شبل، وأخبر شبل أنه قرأ على عبد الله بن كثير، وأخبر عبد الله بن كثير أنه قرأ على مجاهد، وأخبر مجاهد أنه قرأ على ابن عبّاس، وأخبر ابن عبّاس أنه قرأ على أبي، وقال ابن عبّاس: وقرأ أبي على النبي (ص) ” ( مختصر تاريخ دمشق لابن منظور 2729 )؛ راجع أيضاً: تهذيب اللغة للأزهري 1262.
ثمة روايات كثيرة أخرى تفيد على نحو غير مباشر بأن ابن عبّاس قرأ على أبي، الذي قرأ على النبي؛ بمعنى أن معرفة ابن عبّاس بالنص كانت غير مباشرة، والأرجح أن سبب ذلك يفاعته وقتها. وهكذا، نجد بشكل شبه دائم نوعاً من الربط بين ابن عبّاس وأبي فيما يتعلق ببعض الفروقات في القراءة. من ذلك، على سبيل المثال، ننقل عن السيوطي قوله: ” أنبأنا الأجلح عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه؛ قال: في مصحف ابن عبّاس قراءة أبي وأبي موسى: بسم الله الرحمن الرحيم. اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك؛ وفيه: اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نخشى عذابك ونرجو رحمتك، إن عذابك بالكفار ملحق ” ( الاتقان 77 ).
من هنا، نعتقد بصحة رفض جفري حول أخذ ابن عبّاس علومه القرآنية عن علي بن أبي طالب: ( يصعب علينا تصديق ذلك الحديث الذي يقول إن ابن عبّاس كان تلميذ علي بن أبي طالب في المسائل القرآنيّة ( الزنجاني، تاريخ القرآن 54، يستشهد من سعد السعود لأبو طاووس وأربعين ابن عمر الرازي ). والأرجح أن نصّه كان يمثّل إحدى صيغ تقليد المدينة ( يقول ابن الجزري، طبقات، 426:1، إنه قارن مواده مع مواد كل من أبي وزيد بن ثابت، ويستشهد بحديث آخر للضحاك أنه كان يقرأ بحسب قراءة زيد عدا في 18 حالة حيث تبع قراءة ابن مسعود. لكن من الواضح أن هذا الحديث المتأخر تم تلفيقه لتفسير حقيقة أن بعض قراءاته كانت تتفق مع مصحف ابن مسعود ). من علاقته الحميمة الرسمية مع عثمان وقت تحضير النص المعياري يمكن لنا أن نكون واثقين من أن نصّه كان ضمن تلك المصاحف التي تم تسليمها كي تحرق في تلك الماسبة، وهو ما قد يكون أحد الأسباب في أن مصحفه لا يلعب دوراً كبيراً في التاريخ الأولي للنص.
كان معروفاً أن ترتيب السور في مصحفه كان يختلف عن مثيله في النص العثماني، والزنجاني ص ص، 54، 55، يستشهد من مقدمة تفسير الشهرستاني غير المطبوع، الذي يقدّم لنا ترتيب السور كما يلي:
96 – 68 – 93 – 73 – 74 – 1 – 111 – 81 – 87 – 92 – 89 – 94 – 55 – 103 – 108 – 102 – 107 – 105 – 109 – 112 – 53 – 80 – 97 – 91 – 85 – 95 – 106 – 101 – 75 – 104 – 77 – 50 – 90 – 86 – 54 – 38 – 7 – 72 – 36 – 25 – 35 – 19 – 20 – 26 – 27 – 28 – 17 – 10 – 11 – 12 – 15 – 6 – 37 – 31 – 34 – 39 – 40 – 41 – 42 – 43 – 44 – 45 – 46 – 51 – 88 – 18 – 16 – 71 – 14 – 21 – 23 – 13 – 52 – 67 – 69 – 70 – 78 – 79 – 82 – 84 – 30 – 29 – 83 – 2 – 8 – 3 – 59 – 33 – 24 – 60 – 48 – 4 – 99 – 22 – 57 – 47 – 76 – 65 – 98 – 62 – 32 – 63 – 58 – 49 – 66 – 64 – 61 – 5 – 9 – 110 – 56 – 100 – 113 – 114.
ليس هذا غير محاولة لترتيب سور المصحف العثماني وفق منظومة كرونولوجيّة، ولو كان لذلك قيمة بأية حال فهو يمثّل ترتيباً لمصحف ابن عبّاس بعد قبول النص المعياري. لكن ليس من المرجح بأية درجة أن تجميعه لمواد مصحف قبل التحرير الرسمي كان له الترتيب ذاته الموجود في النص العثماني. والاحتماليات أن هذه القائمة ليست غير تلفيق لشخص عرف أن ابن عبّاس كان له مصحف يختلف بترتيب سوره عن المصحف العثماني وقدّم بالتالي اقتراحاً حول كينونة ذاك الترتيب ) جفري.
لكن التناقض يحتل صدر الصورة في الروايات المتعلقة بالقرآن في التراث الإسلامي، سواء تلك التي تعزا لابن عبّاس أو لغيره. ومن ذلك، طبعاً، الروايات التي تتحدّث عن ترتيب القرآن واختلافه من مصحف إلى آخر. أحد القواسم المشتركة بين تلك الروايات جميعاً هو أن الصحابة اختلفوا فيما بينهم حول ترتيب القرآن، وأن النبي مات قبل أن يتم تحرير القرآن بشكله النهائي. من الروايات الهامة التي وجدناها في بحثنا هذا، تلك التي أوردها العسقلاني في تفسيره للبخاري، والتي تتحدّث عن عراقي كان يأخذ بقراءة ابن مسعود. ومعروف أن مصحف ابن مسعود كان انتشاره في الكوفة: ” والذي يظهر لي أن هذا العراقي كان ممن يأخذ بقراءة ابن مسعود، وكان ابن مسعود لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يوافق على الرجوع عن قراءته ولا على إعدام مصحفه ( مصحف ابن مسعود )… فكان تأليف مصحفه مغايرا لتأليف مصحف عثمان … وهذا كله على أن السؤال إنما وقع عن ترتيب السور… وهذا يرجع إلى اختلاف عدد الآيات، وفيه اختلاف بين المدني والشامي والبصري، وقد اعتنى أئمة القراء بجمع ذلك وبيان الخلاف فيه، والأول أظهر – ويحتمل أن يكون السؤال وقع عن الأمرين والله أعلم . قال ابن بطال : لا نعلم أحداً قال بوجوب ترتيب السور في القراءة لا داخل الصلاة ولا خارجها، بل يجوز أن يقرأ الكهف قبل البقرة والحج قبل الكهف مثلا، وأما ما جاء عن السلف من النهي عن قراءة القرآن منكوساً فالمراد به أن يقرأ من آخر السورة إلى أولها، وكان جماعة يصنعون ذلك في القصيدة من الشعر مبالغة في حفظها وتذليلا للسانه في سردها، فمنع السلف ذلك في القرآن فهو حرام فيه. وقال القاضي عياض في شرح حديث حذيفة أن النبي (ص) قرأ في صلاته في الليل بسورة النساء قبل آل عمران: هو كذلك في مصحف أبي بن كعب، وفيه حجة لمن يقول إن ترتيب السور اجتهاد وليس بتوقيف من النبي (ص) وهو قول جمهور العلماء واختاره القاضي الباقلاني؛ قال: وترتيب السور ليس بواجب في التلاوة ولا في الصلاة ولا في الدرس ولا في التعليم فلذلك اختلفت المصاحف، فلما كتب مصحف عثمان رتبوه على ما هو عليه الآن، فلذلك اختلف ترتيب مصاحف الصحابة . ثم ذكر نحو كلام ابن بطال ثم قال : ولا خلاف أن ترتيب آيات كل سورة على ما هي عليه الآن في المصحف توقيف من الله تعالى وعلى ذلك نقلته الأمة عن نبيها (ص)”.
ينسب لابن عبّاس حديث مفاده أن النبي ذاته لم يكن يعرف أن سورة بعينها انتهت حتى يتنزّل عليه القول: بسم الله الرحمن الرحيم؛ حيث الإشارة إلى بداية سورة جديدة. جاء في إتقان السيوطي: ” عن ابن عبّاس قال: كان النبي (ص) لا يعرف فصل السورة حتى تنزل له بسم الله الرحمن الرحيم. زاد البزار: فإذا نزلت عرف أن السورة قد ختمت واستقبلت أو ابتدأت سورة أخرى. وأخرج الحاكم من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن ابن عبّاس قال: كان المسلمون لا يعلمون انقضاء السورة حتى تنزل بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا نزلت علموا أن السورة قد انقضت… وأخرج الحاكم أيضاً من وجه آخر عن ابن عبّاس أن النبي (ص) إذا جاءه جبريل فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم علم أنها سورة. ” ( 93 ). وفي نص آخر من المرجع ذاته؛ نقرأ أن النبي كان ” يقرأ في السورة إلى أن يأمره جبريل بالتسمية فيعلم أن السورة قد انقضت، وعبر (ص) بلفظ النزول إشعاراً بأنها قرآن في جميع أوائل السور، ويحتمل أن يكون المراد أن جميع آيات كل سورة كانت تنزل قبل نزول البسملة، فإذا كملت آياتها نزل جبريل بالبسملة واستعرض السورة فيعلم النبي (ص) أنها قد ختمت ولا يلحق بها شيئاً. وأخرج ابن خزيمة والبيهقي عن ابن عبّاس قال: السبع المثاني فاتحة الكتاب، قيل فأين السابعة؟ ” ( اتقان 93 ).
يبدو أن ابن عبّاس كان يتساءل عن السبب الذي حذا بعثمان لأن يرتب سور مصحفه بالطريقة التي نعرفها اليوم؛ يقول ” المتقي الهندي ” إن ” ابن عبّاس؛ قال: قلت لعثمان ابن عفان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر “بسم الله الرحمن الرحيم” ووضعتموهما في السبع الطوال – ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: إن رسول الله (ص) كان مما يأتي عليه الزمان تنزل عليه السور ذوات العدد، وكان إذا نزل عليه الشيء يدعو بعض من يكتب عنده، فيقول ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآيات فيقول ضعوا هذه في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أول ما أنزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها وقبض رسول الله (ص) ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر “بسم الله الرحمن الرحيم” ووضعتهما في السبع الطوال ” ( كنز العمال 287 ).
من الواضح، كما يقول الباقلاني في ” إعجاز القرآن “، أن الصحابة اختلفوا فيما بينهم ” أيضاً في آخر ما أنزل؛ فقال ابن عبّاس: “إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ”؛ وقالت عائشة: سورة المائدة؛ وقال البراء بن عازب: آخر ما أنزل: سورة براءة؛ وقال سعيد بن جبير: آخر ما أنزل قوله تعالى: “واتَّقُواْ يَومَاً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلى اللَّهِ”. وقال السدي آخر ما أنزل: “فَإِنْ تَوَلَّوا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ”! ويجوز أن يكون في مثل هذا خلاف، وأن يكون كل واحد ذكر آخر ما سمع “. وهذا يعني، برأينا، أن سورة الفتح يجب أن تكون الأخيرة في مصحف ابن عبّاس إن وجد.
من ناحيته، يعلّق ابن كثير في ” البداية والنهاية ” على الأمر؛ فيقول: “عن ابن عبّاس قال: آخر سورة نزلت من القرآن جميعاً: ” إذا جاء نصر الله والفتح ” فيه نكارة أيضاً، وفي إسناده نظر أيضاً، ويحتمل أن يكون أنها آخر سورة نزلت جميعها كما قال ” ( 2093 ).
{{ ابن عبّاس وأسفار أهل الكتاب:}}
ليس ابن عبّاس شخصاً عاديّاً في تاريخ فجر الاسلام؛ فهو ابن عم النبي وأحد أهم المفسّرين للقرآن، والذين ينسب إليهم إدخال كثير من النصوص المسماة ” بالاسرائيليّات ” إلى التفاسير. يقول المتقي الهندي في كنز العمال حول أهميّة الرجل: ” عن يعقوب بن يزيد؛ قال: كان عمر بن الخطاب يستشير عبد الله بن عبّاس في الأمر إذا أهمه ويقول: غص غواص. ابن سعد. عن طاووس؛ قال: أشهد لسمعت ابن عبّاس يقول: أشهد لسمعت عمر يهل وإنا لواقفون في الموقف فقال له رجل: أرأيت حين دفع؟ فقال ابن عبّاس: لا أدري! فعجب الناس من ورع ابن عبّاس. عن عطاء بن يسار أن عمر وعثمان كانا يدعوان ابن عبّاس فيشير مع أهل بدر وكان يفتي في عهد عمر وعثمان إلى يوم مات. عن أبي الزناد أن عمر بن الخطاب دخل على ابن عبّاس يعوده وهو يحم فقال له عمر: أخل بنا مرضك والله المستعان. عن سعد بن أبي وقاص قال: ما رأيت أحداً أحضر فهما ولا ألب لباً ولا أكثر علماً ولا أوسع حلماً من ابن عبّاس! ولقد رأيت عمر بن الخطاب يدعوه للمعضلات ثم يقول: عندك قد جاءتك معضلة ثم لا يجاوز قوله وإن وله لأهل بدر من المهاجرين والأنصار.ابن سعد. عن ابن عبّاس قال: دخلت على عمر بن الخطاب يوما فسألني عن مسألة كتب إليه بها يعلى بن أمية من اليمن فأجبته فيها فقال عمر: أشهد أنك تنطق عن بيت نبوة. عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال للعبّاس: فيكم النبوة والمملكة- وفي لفظ: الخلافة فيكم والنبوة. عن ابن عبّاس عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): اللهم اغفر للعبّاس ولولد العبّاس ولمن أحبهم. مسند عمر عن معمر قال: عامة علم ابن عبّاس من ثلاثة: عمر وعلي وأبي بن كعب. أيضاً عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: ما رأيت أحداً أعلم بالسنة ولا أجلد رأياً ولا أثقب نظراً حين ينظر من عبد الله بن عبّاس وإن كان عمر بن الخطاب ليقول له: قد طرأت علينا عضل أقضية أنت لها ولأمثالها. المروزي في العلم. مسند حذيفة بن اليمان (رض) عن ابن عبّاس؛ قال: قال لي حذيفة بن اليمان وكعب الأحبار: إذا ملك الخلافة بنوك لم تزل الخلافة فيهم حتى يدفعوها إلى عيسى ابن مريم. عن ميمون بن مهران عن ابن عبّاس؛ قال: مررت بالنبي (ص) وقد انصرف من صلاة الظهر وعلي ثياب بياض وهو يناجي دحية الكلبي فيما ظننت وكان جبريل ولا أدري فقال جبريل للنبي (ص): يا رسول الله! هذا ابن عبّاس أما إنه لو سلم علينا لرددنا عليه أما إنه شديد وضح الثياب، ولتلبس ذريته من بعده السواد، فلما عرج جبريل وانصرف النبي (ص) قال: ما منعك أن تسلم إذ مررت آنفا؟ فقلت: يا رسول الله! مررت بك وأنت تناجي دحية الكلبي فكرهت أن أقطع نجواكما بردكما علي السلام! قال: لقد أثبت النظر ذلك جبريل وليس أحد رآه غير نبي إلا ذهب بصره وبصرك ذاهب وهو مردود عليك يوم وفاتك؛ قال: فلما مات ابن عبّاس وأدرج في أكفانه انقض طائر أبيض فأتى بين أكفانه وطلب فلم يوجد فقال عكرمة مولى ابن عبّاس: أحمقى أنتم؟ هذا بصر الذي وعده رسول الله (ص) أن يرد عليه يوم وفاته، فلما أتوا به القبر ووضع في لحده تلقى بكلمة سمعها من كان على شفير القبر ( يا أيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضية مرضية. فادخلي في عبادي وادخلي جنتي). عن ابن عبّاس قال: قال لي رسول الله (ص): اللهم! علمه الكتاب وفقه في الدين ” ( 2011 ). كالعادة، لا يمكن تلمس الحدود الفاصلة هنا بين الأسطورة والحقيقة.
تحاول المصادر الإسلاميّة إظهار ابن عبّاس وكأنه بالفعل ” حبر الأمة “. لذلك تنسب إليه أخباراً كثيرة يمكن أن تجعل منه لغير الخبير أحد العالمين بأسفار اليهود وربما المسيحيين. والواقع أن تلك المصادر تورد أن ثمة علاقة غير واضحة المعالم بين الحبر اليهودي كعب الأحبار، الذي لا نعرف دوره بدقة في الإسلام الأولي، وعبد الله بن عبّاس، المفسّر الشهير. من ذلك ما قاله المزي في ” تهذيب الكمال في أسماء الرجال ” حول أسطورة إسلام كعب: ” عن سعيد بن المسيب: قال العبّاس لكعب: ما منعك أن تسلم على عهد النبي (ص) وأبي بكر حتى أسلمت الآن على عهد عمر؟ فقال كعب: إن أبي كتب لي كتاباً من التوراة ودفعه إلي؛ وقال: اعمل بهذا! وختم على سائر كتبه وأخذ علي بحق الوالد على ولده ألا أفض الخاتم. فلما كان الآن ورأيت الإسلام يظهر ولم أر بأساً قالت لي نفسي: لعل أباك غيب عنك علماً كتمك فلو قرأته ففضضت الخاتم فقرأته فوجدت فيه صفة محمد (ص) وأمته فجئت الآن مسلماً؛ فوالى العبّاس ” ( 2766 ). ورغم خرافيّة النص السابق، ثمة جملة هامة واحدة فيه تقول إن كعب الأحبار “والى العبّاس”. وهكذا، كثيراً ما نصادف حوارات في المصادر الإسلاميّة بين ابن العبّاس وكعب، لا تخلو من أساطير لا أساس لها من الصحة.
من ذلك، ما يحكيه الذهبي في ” تاريخ الإسلام “، ” عن ابن عبّاس أنّه سأل كعباً: كيف تجد نعت رسول الله (ص) في التّوراة؟ قال: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وليس بفحّاش ولا سخّاب في الأسواق، ولا يكافئ بالسّيّئة السّيّئة، ولكن يعفو ويغفر أمته الحمادون، يحمدون الله في كل سراء ويكبرون الله على كل نجدٍ، يوضّئون أطرافهم، ويأتزرون في أوساطهم، يصفّون في صلاتهم كما يصفّون في قتالهم، دويّهم في مساجدهم كدويّ النّحل، يسمع مناديهم في جوّ السّماء. قلت: يعني الأذان ” ( 20؛ النص بتبديل طفيف نجده في ” هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى، ابن قيم الجوزية، 77 ).
من الأساطير التي تنسب لكل من كعب وابن عبّاس؛ ما ذكره القرطبي في تفسيره: ” قال ربيع بن خيثم لجليس له: أيسرك أن تؤتى بصحيفة من النبي (ص) لم يفك خاتمها؟ قال نعم. قال: فاقرأ: “قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم”! فقرأ إلى آخر الثلاث الآيات. وقال كعب الأحبار: هذه الآية مفتتح التوراة: ” بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ” الآية. وقال ابن عبّاس: هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة “آل عمران” أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ملة. وقد قيل: إنها العشر كلمات المنزلة على موسى. لإحسان إلى الوالدين برهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما وإزالة الرق عنهما وترك السلطنة عليهما ” ( 1384 ).
على هذا الأساس غير المنطقي، تقدّم لنا المصادر الإسلاميّة ركاماً من الأحاديث التي تفتقد إلى أي أساس منطقي والتي تعزا لابن عبّاس، يربط فيها بين القرآن وما قبله من أسفار، لخلق انطباع زائف حول معرفة عميقة للرجل بأسفار الأولين. حول سورة الإسراء؛ نقرأ: ” من حديث ابن عبّاس مرفوعاً أنها تدعى في التوراة الماثلة، تحول بين قارئها وبين النار… اقتربت تسمى القمر. وأخرج البيهقي عن ابن عبّاس أنها تدعى في التوراة المبيضة … وأخرج الحاكم وغيره عن ابن مسعود قال: هي في التوراة سورة الملك، وهي المانعة، تمنع من عذاب القبر. وأخرج الترمذي من حديث ابن عبّاس مرفوعاً: هي المانعة هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر ” ( الاتقان 63 ).
حول الأسماء العبرانيّة- الآرامية التي تسللت إلى القرآن؛ ينسب إلى ابن عبّاس قوله: ” ومعنى جبريل: عبد الرحمن أو عبد العزيز، هكذا جاء عن ابن عبّاس (رض) موقوفا ومرفوعا أيضاً والوقف أصح… عن ابن عبّاس (رض)…: اسم جبريل عبد الله وميكائيل عبيد الله، وكل شيء راجع إلى “إيل” فهو معبد لله عز وجل، زاد علي بن الحسين وإسرافيل عبد الرحمن، زاد عكرمة: “والإيل”: الله. قال الماوردي: “ولا يعلم لابن عبّاس مخالف في ذلك”، وقال السهيلي: “إنه قول الأكثر” “( سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد لشمس الدين الشامي 1282 ).
آمين، التعبير العبراني الذي يختم به أهل السنة والجماعة قراءتهم للفاتحة، يجد تفسيراً له غير دقيق المعنى عند ابن عبّاس، ينسبه الأخير إلى النبي: ” عن ابن عبّاس؛ قال سألت رسول الله (ص) ما معنى آمين؟ قال: ” رب افعل “. وقال مقاتل: هو قوة للدعاء، واستنزال للبركة. وقال الترمذي: معناه لا تخيب رجاءنا. الخامسة وفي آمين لغتان المد على وزن فاعيل كياسين. والقصر على وزن يمين ” ( القرطبي 13 ).
{{ نقص القرآن عند ابن عبّاس وقراءاته المخالفة لمصحف عثمان:}}
لقد قال جفري إنه جمع في عمله كل فروقات قراءات ابن عبّاس؛ لكننا مع ذلك وجدنا قراءات إضافيّة نذكر بعضاً منها هنا: في كشاف الزمخشري؛ نجد: ” وقرأ ابن عبّاس مذبذبين بكسر الذال، بمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم. أو بمعنى يتذبذبون ” ( 290 ). وفي العمل ذاته؛ نقرأ: ” وقرأ ابن عبّاس: أألهاكم؟ على الاستفهام الذي معناه التقرير كردع وتنبيه على أنه لا ينبغي للناظر لنفسه أن تكون الدنيا جميع همه ولا يهتم بدينه سوف تعلمون إنذار ليخافوا فيتنبهوا من غفلتهم. والتكرير: تأكيد للردع والإنذار عليهم ” ( 1381 ).
مسألتا نقص القرآن في زواج المتعة وزواج المتعة ذاته، المنسوبتان لابن عبّاس وغيره من أكابر الصحابة، ما تزالان تثيران الجدل بين الأطراف الإسلاميّة، بحسب الانتماء المذهبي. وقد اشتهر عن ابن عبّاس أنه قرأ الآية من سورة النساء التي تقول: ” فما استمتعتم به منهن فأتوهن أجورهن فريضة “، على النحو التالي: ” فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فأتوهن أجورهن فريضة “. جاء في مستدرك الحاكم، كتاب التفسير، تفسير سورة النساء؛ الحديث رقم: 3192 : ” سمعت أبا نضرة يقول : قرأت على إبن عبّاس (رض) فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة؛ قال ابن عبّاس : فما استمعتم به منهن إلى أجل مسمى ، قال أبو نضرة : فقلت ما نقرأها كذلك؟ فقال إبن عبّاس : والله لأنزلها الله كذلك ، قال النيسابوري هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه “. ويكمل الزمخشري في كشّافه: ” وعن ابن عبّاس: هي محكمة يعني لم تنسخ، وكان يقرأ: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى. ويروى أنه رجع عن ذلك عند موته وقال: اللهم إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقولي في الصرف ” ( 248 ).
في تفسير القرطبي ما يدعم قراءة ابن عبّاس المخالفة لقراءة مصحف زيد؛ وقد أضيف هنا إلى اسم ابن عبّاس، اسما أبي بن كعب وابن جبير: ” وقرأ ابن عبّاس وأبي وابن جبير ” فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن؛ “ثم نهى عنها النبي (ص)” ( 924 )؛ والحقيقة أن نهي النبي عن المتعة مطعون في صحته؛ يقول القرطبي أيضاً نقلاً عن ابن عبّاس: ” عن ابن عبّاس؛ قال: ما كانت المتعة إلا رحمة من الله تعالى رحم بها عباده ولولا نهي عمر عنها ما زنى إلا شقي ” ( 924 ).
في لسان العرب، تنسب كالعادة تلك الأحاديث للشيعة (الروافض): ” فإِن احتج محتج من الروافض بما يروى عن ابن عبّاس أَنه كان يرها حلالاً وأَنه كان يقرؤها فما استمتعتم به منهن إِلى أَجل مسمى، فالثابت عندنا أَن ابن عبّاس كان يراها حلالاً، ثم لما وقف على نهي النبي، (ص)، رجع عن إِحلالها ” ( 5315 ). والرأي ذاته نحده عند الزبيدي في تاج العروس: ” قالَ الأزْهَرِيُّ: فإن احتجَّ مُحْتَجٌ من الرَّوافِضِ بما يُرْوَى عن ابْنِ عبّاس أنّه كانَ يَرَاها حَلالاً، وأنَّه كانَ يَقْرَؤُها: فما اسْتَمْتَعتم بهِ منْهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمَّى فالثّابتُ عِنْدَنا أنَّ ابنَ عبّاس كانَ يرَاها حلالاً، ثُمَّ لمّا وقَفَ على نَهْي النبيِّ (ص) رَجَع عنْ إحلالِها” ( 5538 ). – نلاحظ هنا أن رفض بعض المفسرين لقناعة ابن عبّاس النهائية بالمتعة لا يعني رفضهم لتلك الكلمات التي أضافها ابن عبّاس وغيره إلى الآية: إلى أجل مسمّى.
في فتح الباري نجد أحاديث كثيرة تضعنا في جو الجدل الذي كان قائماً بين علي وابن عبّاس في مسألة المتعة: ” ” أن عليا قيل له أن ابن عبّاس لا يرى بمتعة النساء بأسا “؛ وفي رواية الثوري ويحيى بن سعيد كلاهما عن مالك عند الدارقطني ” أن عليا سمع ابن عبّاس وهو يفتي في متعة النساء؛ فقال : أما علمت! ” وأخرجه سعيد بن منصور عن هشيم ” عن يحيى بن سعيد عن الزهري بدون ذكر مالك ولفظه ” أن عليا مر بابن عبّاس وهو يفتي في متعة النساء أنه لا بأس بها ” ، ولمسلم من طريق جويرية عن مالك يسنده أنه ” سمع علي بن أبي طالب يقول لفلان إنك رجل تائه! ” وفي رواية الدارقطني من طريق الثوري أيضا ” تكلم علي وابن عبّاس في متعة النساء؛ فقال له علي : إنك امرؤ تائه !” ولمسلم من وجه آخر أنه ” سمع ابن عبّاس يلين في متعة النساء؛ فقال له : مهلا يا ابن عبّاس ” ولأحمد من طريق معمر ” رخص في متعة النساء ” “.
في تعليقات ابن قيم الجوزية على سنن أبي داود، نكاح، نكاح المتعة؛ نقرأ التالي: ” حدثنا موسى بن عبيدة سمعت محمد بن كعب القرظي يحدث عن ابن عبّاس؛ قال : ” كانت المتعة في أول الإسلام، متعة النساء، فكان الرجل يقدم بسلعته البلد، ليس له من يحفظ عليه شيئه ويضم إليه متاعه، فيتزوج المرأة إلى قدر ما يرى أنه يقضي حاجته، وقد كانت تقرأ: ” فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن “؛ حتى نزلت: ” حرمت عليكم أمهاتكم – إلى قوله – محصنين غير مسافحين “! فتركت المتعة! وكان الإحصان، إذا شاء طلق، وإذا شاء أمسك، ويتوارثان، وليس لهما من الأمر شيء ” . وقد اشتهر أمر المتعة عن ابن عبّاس، وبالتالي نقص القرآن؛ حتى تحدّث به الشعراء ونظموا في ذلك الأشعار. في عون المعبود في شرح سنن أبي داود؛ نقرأ: ” وكان ابن عبّاس يتأول في إباحته( زواج المتعة ) للمضطر إليه بطول العزبة وقلة اليسار والجدة ثم توقف عنه وأمسك عن الفتوى به!… عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عبّاس: هل تدري ما صنعت وبم أفتيت وقد سارت بفتياك الركبان وقالت فيه الشعراء؟ قال: وما قالت؟ قلت: قالوا :
قد قلت للشيخ لما طال مجلسه يا صاح هل لك في فتيا ابن عبّاس
هل لك في رخصة الأطراف آنسة تكون مثواك حتى مصدر الناس
فقال ابن عبّاس : إنا لله وإنا إليه راجعون، والله ما بهذا أفتيت ولا هذا أردت ولا أحللت إلا مثل ما أحل الله سبحانه وتعالى من الميتة والدم ولحم الخنزير وما يحل للمضطر، وما هي إلا كالميتة والدم ولحم الخنزير”.
غير نص آية المتعة من ” النساء “، تنسب لابن عبّاس فروقات أخرى؛ منها ما أورده ابن حزم في محلاه، 411: ” سمعت ابن عبّاس يقول: “حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر”؛ وهذا ما قرأناه عند كثيرين غيره.
جمع السيوطي في إتقانه ( 213 ) مجموعة بارزة من قراءات لابن عبّاس، يخالف فيها قراءات المصحف العثماني الرسمي، يؤيّد بعضها، كما سنرى، القرطبي في تفسيره: “وما أخرجه ابن جرير وسعيد بن منصور في سننه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عبّاس في قوله: حتى تستأنسوا وتسلموا – قال: إنما هي خطأ من الكاتب – حتى تستأذنوا وتسلموا – أخرجه ابن أبي حاتم بلفظ: هو فيما أحسب مما أخطأت به الكتاب. وما أخرجه ابن الأنباري من طريق عكرمة عن ابن عبّاس أنه قرأ – أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً – فقيل له إنها في المصحف: أفلم ييأس، فقال: أظن الكاتب كتبها وهو ناعس. وما أخرجه سعيد بن منصور من طريق سعيد بن جبير عن ابن عبّاس أنه كان يقول في قوله تعالى – وقضى ربك – إنما هي ووصى ربك، التزقت الواو بالصاد. وأخرجه ابن أشتة بلفظ: استمد الكاتب مداداً كثيراً فالتزقت الواو بالصاد. وأخرجه من طريق الضحاك عن ابن عبّاس أنه كان يقرأ – ووصى ربك – ويقول: أمر ربك أنهما واوان التصقت إحداهما بالصاد. وأخرجه من طريق أخرى عن الضحاك أنه قال: كيف تقرأ هذا الحرف؟ قال: – وقضى ربك – قال: ليس كذلك نقرؤها نحن ولا ابن عبّاس إنما هي – ووصى ربك – وكذلك كانت تقرأ وتكتب، فاستمد كاتبكم فاحتمل القلم مداداً كثيراً فالتزقت الواو بالصاد، ثم قرأ – ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله – ولو كانت قضى من الرب لم يستطع أحد رد قضاء الرب ولكنه وصية أوصى بها العباد. وما أخرجه سعيد بن منصور وغيره من طريق عمرو ابن دينار عن عكرمة عن ابن عبّاس أنه كان يقرأ – ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء – ويقول: خذوا هذه الواو واجعلوها ها هنا – والذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم! الآية. وأخرجه ابن أبي حاتم من طريق الزبير بن حريث عن عكرمة عن ابن عبّاس قال: انزعوا هذه الواو فاجعلوها في – الذين يحملون العرش ومن حوله – وما أخرجه ابن أشتة وابن أبي حاتم من طريق عطاء عن ابن عبّاس في قوله تعالى – مثل نوره كمشكاة – قال: هي خطأ من الكاتب هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة، إنما هي مثل نور المؤمن كمشكاة. وقد أجاب ابن أشتة عن هذه الآثار كلها بأن المراد أخطئوا في الاختيار وما هو الأولى لجمع الناس عليه من الأحرف السبعة، لا أن الذي كتب خطأ خارج عن القرآن. قال: فمعنى قول عائشة حرف الهجاء ألقى إلى الكاتب هجاء غير ما كان الأولى أن يلقى إليه من الأحرف السبعة. قال: وكذا معنى قول ابن عبّاس: كتبها وهو ناعس: يعني فلم يتدبر الوجه الذي هو أولى من الآخر، وكذا سائرها. وأما ابن الأنباري فإن جنح إلى تضعيف الروايات ومعارضتها بروايات أخرى عن ابن عبّاس وغيره بثبوت هذه الأحرف في القراءة، والجواب الأول أولى وأقعد”.
مثل ابن مسعود وأبي، ينقل القرطبي في فقرة أخرى ما أورده سابقاً حول قراءة ابن عبّاس ” ووصى ربّك “: ” قال ابن عبّاس والحسن وقتادة: وليس هذا قضاء حكم بل هو قضاء أمر. وفي مصحف ابن مسعود “ووصى” وهي قراءة أصحابه وقراءة ابن عبّاس أيضا وعلي وغيرهما، وكذلك عند أبي بن كعب. قال ابن عبّاس: إنما هو “ووصى ربك” فالتصقت إحدى الواوين فقرئت “وقضى ربك” إذ لو كان على القضاء ما عصى الله أحد “؛ لكن أبا حاتم يرفض ” أن يكون ابن عبّاس قال ذلك؛ وقال: لو قلنا هذا لطعن الزنادقة في مصحفنا ” ( 2039 ). والواقع أن كل الشواهد تسير بعكس رغبة أبي حاتم.
نعود من جديد إلى تفسير القرطبي الذي تضمّن كثيراً من قراءات ابن عبّاس المخالفة للنص العثماني المعياري: ” وظنوا أنهم قد كذبوا” بالتشديد؛ أي أيقنوا أن قومهم كذبوهم. وقيل المعنى: حسبوا أن من آمن بهم من قومهم كذبوهم، لا أن القوم كذبوا، ولكن الأنبياء ظنوا و حسبوا أنهم يكذبونهم؛ أي خافوا أن يدخل قلوب أتباعهم شك؛ فيكون “وظنوا” على بابه في هذا التأويل. وقرأ ابن عبّاس وابن مسعود وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو جعفر بن القعقاع والحسن وقتادة وأبو رجاء العطاردي وعاصم وحمزة والكسائي ويحيى بن وثاب والأعمش وخلف “كذبوا” بالتخفيف؛ أي ظن القوم أن الرسل كذبوهم فيما أخبروا به من العذاب، ولم يصدقوا. وقيل: المعنى ظن الأمم أن الرسل قد كذبوا فيما وعدوا به من نصرهم ” ( 1856 ) .
” و “حبطت” قراءة الجمهور بكسر الباء. وقرأ ابن عبّاس “حبطت” بفتحها ” ( 2163 ).
” وقرأ ابن عبّاس “عسيا” ” ( 2171 )؛ ” وعن ابن عبّاس أيضا: لا تبطئا ” ( 2233 ).
” “النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم”، وهذا يشمل الرجال والنساء ضرورة. ويدل على ذلك حديث أبي هريرة وجابر؛ فيكون قوله: “وأزواجه أمهاتهم” عائدا إلى الجميع. ثم إن في مصحف أبي بن كعب “وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم”. وقرأ ابن عبّاس: “من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه أمهاتهم” ” ( 2730 ).
يبدو أن عمر بن الخطّاب اصطدم أيضاً مع ابن عبّاس في مسألة فروقات النص؛ مثلما كان الحال مع أبي بن كعب: ” وقرأ ابن عبّاس: “من أنفسهم وهو أب لهم وأزواجه”. وسمع عمر هذه القراءة فأنكرها وقال: حكمها يا غلام؟ فقال: إنها في مصحف أبي؛ فذهب إليه فسأله؛ فقال له أبي: إنه كان يلهيني القرآن ويلهيك الصفق بالأسواق؟ وأغلظ لعمر ” ( 2731 ).
نعود مجدداً إلى القرطبي وبعض فروقاته المنسوبة إلى ابن عبّاس؛ لنجد: ” وقرأ ابن عبّاس: “حم. سق” بغير عين. وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود؛ حكاه الطبري. وروى نافع عن ابن عبّاس: “الحاء” حلمه، و”الميم” مجده، و”العين” علمه، و”السين” سناه، و”القاف” قدرته؛ أقسم الله بها ” ( 3037 ).
نص آخر هام نجده أيضاً عند القرطبي، ونتلمس فيه بوضوح مسألة تباين القراءات بين مقرئ وآخر؛ وكيف كان واحدهم يستخدم ما في جعبته من نصوص لدعم هذه القراءة أو تلك: ” وعن ابن عبّاس أنه قرأ “عباد الرحمن”، فقال سعيد بن جبير: إن في مصحفي “عبد الرحمن”! فقال: امحها واكتبها “عباد الرحمن”. وتصديق هذه القراءة قوله تعالى: “بل عباد مكرمون” (الأنبياء: 26). وقوله تعالى: ” أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء” [الكهف: 102). وقوله تعالى: “إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم” (الأعراف: 194) وقرأ الباقون “عند الرحمن” بنون ساكنة واختاره أبو حاتم. وتصديق هذه القراءة قوله تعالى: “إن الذين عند ربك” وقوله: “وله من في السموات والأرض ومن عنده” (الأنبياء: 19) ” ( 3071 ).
قراءة أخرى أوردها القرطبي تنسب لابن عبّاس: ” ابن عبّاس وكان يقرأ ” وإذا الموءودة سألت ” وكذلك هو في مصحف أبي ” ( 3619 ).
الهيثمي في مجمع الزوائد؛ يقول فيما يتعلّق بالقراءات: ” وعن ابن عبّاس ان النبي (ص) قرأ “في عين حمئة”…. عن ابن عبّاس قال: قد حفظت السنة كلها ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف “وقد بلغت من الكبر عتيا أو عسيا” ” (1241 ).
الراغب الأصبهاني، من ناحية أخرى، يقول في محاضراته: ” ذكر بعض العلماء أن ابن عبّاس كان يجوز أن يقرأ القرآن بمعناه، واستدل بما روي عنه أنه كان يعلم رجلاً طعام الأثيم فلم يكن يحسن الأثيم. فقال: قل الفاجر… وقرئ بدل والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما: فاقطعوا أيمانهم ” ( 510 ).
أما الرافعي فيقول في التدوين، فيما يخص مسألة القراءات: ” وروى عن ابن عبّاس ننشزها بالزاي، قال أبو حاتم: وكذلك، روى في مصحف أبي مريم الحنفي قاضي عمر بن الخطاب (رض) على البصرة ” ( 381). في إتقان السيوطي؛ نقرأ : ” وقراءة ابن عبّاس: ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم في مواسم الحج، أخرجها البخاري ” ( 91 ).
يذكر القرطبي فرقاً آخر في سورة النجم، التي سنقف عدها مطولاً في حديثنا عن مصحف أبي موسى الأشعري والآيات الشيطانيّة: ” وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وحميد وأبو صالح “اللات” بتشديد التاء؛ وقالوا: كان رجلا يلت السويق للحاج. ذكر البخاري عن ابن عباس – فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. ابن عباس: كان يبيع السويق والسمن عند صخرة ويصبه عليها، فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما لصاحب السويق ” ( 3244 ).
كما سبق وأشرنا، كان ابن عبّاس يقرأ على أبي بن كعب؛ وكما لاحظنا في بحثنا حول مصحف أبي، كان لأبي نصوصه الخاصّة التي احتفظت لنا المصادر الإسلاميّة ببعض منها. لذلك لا نستغرب أن نجد ابن عبّاس وعمر وأبي يتجادلون بشأن المصحف في أكثر من مناسبة؛ في تاريخ ابن شبّة، على سبيل المثال لا الحصر، يطالعنا النص التالي: ” قال ابن عبّاس (رض)، قلت لعمر (رض) : يا أمير المؤمنين إِن أُبيًا يزعم أَنكم تركتم آيةً من كتاب اللّه لم تكتبوها. قال: أَما والله لأَسأَلن فإن أَنكر لتنْكِرَنيِّ. فلما أَصبح غدا على أبيّ، فقال له ابن عبّاس (رض): أُبيًا تريد؟ قال: نعم، فانطلق معه فَدَخَلا على أبيّ فقال: إِن هذا يزعم أنك تزعم أنا تركنا آيةً من كتاب اللّه لم نكتبها. فقال: إِني سمعتُ رسول الله (ص) يقول: “لو أَن لابن آدم ملء وادٍ ذهباً ابتغى إِليه مِثْلَه، ولا يملأُ جوفَ ابن آدم إِلا التراب، واللّه يتُوب على من تاب… قال عمر (رض) : أَفتكتبها؟ قال: لا آمرك، قال أَفتدعها؟ قال: لا أَنهاك، قال: كان إِثباتك أَولى من رسول الله (ص)، أَم قرآن منزل؟! حدثنا معاذ بن شبة بن عبيدة قال حدثني أَبي عن أَبيه عن الحسن: قرأ عمر (رض): “والسَّابِقُونَ الأوَلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والَذِينَ اتبَعُوهُمْ بإِحْسَان” فقال أبيّ: “والسَابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ” التوبة:100 فقال عمر (رض): “والسَّابقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بإحسَان” وقال عمر (رض) : أَشهد أَن الله أَنزلها هكذا، فقال أُبيّ (رض) : أَشهد أن الله أنزلها هكذا، ولم يؤامر فيه الخطاب ولا ابنه ” ( 202 ).
يجب أن نلاحظ هنا أن ابن عبّاس من آل هاشم؛ والهاشميون عموماً، في ظل الصراع الأموي الهاشمي الشهير، يقرّون أن عثمان بن عفان الأموي، بعد أن أشرف على تحرير القرآن، شطب من كتاب المسلمين المقدّس كل العبارات النابية بحق الذين عادوا الدعوة المحمدية من قريش بعامة، والأمويين بشكل خاص. وكما لاحظنا في بحثنا المتعلّق بمصحف علي بن أبي طالب، ابن عم ابن العبّاس، فإن كمّاً من الروايات المنقولة عن آل البيت، التي تتحدّث عن آيات حذفها عثمان من مصحفه، كانت تنتقد بشكل أو بآخر أعداء الدعوة المحمدية وبالتالي أعداء آل هاشم. يقول القرطبي في تفسيره: ” قال ابن عبّاس: أنزل الله أسماء المنافقين وكانوا سبعين رجلا، ثم نسخ تلك الأسماء من القرآن رأفة منه ورحمة، لأن أولادهم كانوا مسلمين والناس يعير بعضهم بعضا. فعلى هذا قد أنجز الله وعده بإظهاره ذلك إذ قال: “إن الله مخرج ما تحذرون”. وقيل: إخراج الله أنه عرف نبيه عليه السلام أحوالهم وأسماءهم لا أنها نزلت في القرآن، ولقد قال الله تعالى: “ولتعرفنهم في لحن القول” (محمد: 30) وهو نوع إلهام. وكان من المنافقين من يتردد ولا يقطع بتكذيب محمد عليه السلام ولا بصدقه. وكان فيهم من يعرف صدقه ومعاند ” ( 1640 ).
في كنز العمال تطالعنا رواية عن ابن عبّاس حول آية الرجم: ” عن ابن عبّاس؛ قال: أمر عمر بن الخطاب مناديا فنادى أن الصلاة جامعة، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس لا تخدعن عن آية الرجم، فإنها أنزلت في كتاب الله، وقرأناها، ولكنها ذهبت في قرآن كثير ذهب مع محمد، وآية ذلك أن النبي (ص) قد رجم وأن أبا بكر قد رجم ورجمت بعدهما وأنه سيجيء قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها ويكذبون بالشفاعة ويكذبون بالحوض، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بعذاب القبر ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعد ما أدخلوها ” ( 695 ).
{{ابن عبّاس والمصاحف الثانوية:}}
سوف نصل في بحوثنا المتسلسلة هذه إلى سلسلة المصاحف الثانويّة، بعد أن ننتهي من البحوث المتعلّقة بالمصاحف الأوليّة. وتمهيداً للمصاحف الثانويّة، يمكن أن نستل من جفري نصّه التالي: [ولأنه يقال إن كلاً من عكرمة وعطاء وسعيد بن جبير أخذوا قراءاتهم القرآنيّة من ابن عبّاس، يمكن النظر إلى قراءاتهم بمعنى ما على أنها استمرارية لتقليده النصي لكن في مصاحف ثانوية، مع أنه يتضح لنا في كل حالة أن نصّهم اختلط مع مواد مستمدة من مصادر أخرى ) جفري. والواقع أن كلاً من عطاء وعكرمة وسعيد بن جبير كانت لهم مصاحفهم التي نصفها الآن بالثانويّة، مقارنة مع تلك الأوليّة، التي أخذها أصحابها من فم النبي المؤسس مباشرة. فمن هم هؤلاء، وماذا كانوا بالنسبة لابن عبّاس؟
يقول ابن تيميّة : ” أعلم الناس بالتفسير أهل مكة لأنهم أصحاب ابن عبّاس كمجاهد وعطاء بن أبي رباح وعكرمة مولى ابن عبّاس وسعيد بن جبير وطاووس وغيرهم… قال الفضل بن ميمون: سمعت مجاهداً يقول: عرضت القرآن على ابن عبّاس ثلاثين مرة. وعنه أيضاً قال: عرضت المصحف على ابن عبّاس ثلاث عرضات أقف عند كل آية منه وأسأله عنها فيما نزلت وكيف كانت. وقال خصيف: كان أعلمهم بالتفسير مجاهد. وقال النووي: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. قال ابن تيمية: ولهذا يعتمد على تفسيره الشافعي والبخاري وغيرهما من أهل العلم… قال سفيان الثوري: خذوا التفسير عن أربعة: عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك. وقال قتادة: كان اعلم التابعين أربعة: كان عطاء بن أبي رباح أعلمهم بالمناسك، وكان سعيد بن جبير أعلمهم بالتفسير، وكان عكرمة أعلمهم بالسير، وكان الحسن أعلمهم بالحلال والحرام. ومنهم عكرمة مولى ابن عبّاس. قال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. وقال سماك بن حرب: سمعت عكرمة يقول: لقد فسرت ما بين اللوحين. وقال عكرمة: كان ابن عبّاس يجعل في رجلي الكبل ويعلمني القرآن والسنن. وأخرج ابن أبي حاتم عن سماك قال: قال عكرمة: كل شيء أحدثكم في القرآن فهو عن ابن عبّاس ” ( الإتقان للسيوطي 454 ).
يبدو أن عكرمة احتل مكانة خاصّة في جيل ما بعد الصحابة في مسائل القرآن وتفسيره، نقلاً عن ابن عبّاس؛ فمن هو عكرمة؟ هو ” مولى عبد الله بن عبّاس، يكنى أبا عبد الله: توفي ابن عبّاس وهو عبد، فاشتراه خالد بن يزيد بن معاوية من علي بن عبد الله بن عبّاس بأربعة آلاف دينار، فراح علي إلى خالد فاستقاله فأقاله فأعتقه.
وكان يروي عن ابن عبّاس، وأبي هريرة، والحسن بن علي، وعائشة.
…عن عكرمة، قال: كان ابن عبّاس يجعل في رجلي الكبل يعلمني القرآن والسنن. وكان الشعبي يقول: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة.
وقال جابر: عكرمة أعلم الناس. وقال قتادة: “أعلمهم بالتفسير عكرمة ” ( منتظم ابن الجوزي 865 )
في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور، نجد تفاصيل إضافيّة تتعلّق بعكرمة: ” كان عكرمة مولى ابن عبّاس لحصين بن أبي الحر العنبري جد عبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة، فوهبه لابن عبّاس حين جاء والياً على البصرة لعلي بن أبي طالب.
وكان عكرمة كثير الحديث والعلم، بحراً من البحور، وليس يحتج بحديثه، ويتكلم الناس فيه. قالوا: واحتج بحديثه عامة الأئمة القدماء، لكن بعض المتأخرين أخرج حديثه من خبر الصحاح. وروى ابن عيينة عن عمرو: أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل، قال: سل عكرمة، فجعلت كأني أتباطأ، فانتزعها من يدي، فقال: هذا عكرمة مولى ابن عبّاس، هذا أعلم الناس. كان عكرمة من سكان المدينة، وكان سكن مكة، وقدم مصر، وصار إلى إفريقية، وبالمغرب إلى وقتنا هذا قوم على مذهب الإباضيّة يعرفون بالصّفريّة، يزعمون أنهم أخذوا مذهبهم عن عكرمة مولى ابن عبّاس.
… قال عكرمة: كان ابن عبّاس يضع في رجلي الكبل ويعلمني القرآن والسّنن. وقيل: الفرائض. قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة، وكنت أفتي بالباب، وابن عبّاس في الدار. وعن عكرمة قال: قرأ ابن عبّاس هذه الآية: “لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذّبهم عذاباً شديداً”. قال: قال ابن عبّاس: لم أدر، أنجا القوم أم هلكوا! فما زلت أبيّن له، أبصّره حتى عرف أنهم قد نجوا، قال: فكساني حلّةً.
قال عكرمة: قال ابن عبّاس: انطلق فأفت الناس، وأنا لك عون. قال: قلت: لو أن هذا الناس مثلهم مرتين لأفتيتهم. قال: انطلق فأفت الناس، فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرح على نفسك ثلثي مؤنة الناس.
قال عثمان بن حكيم: كنت جالساً مع أبي أمامة بن سهل بن حنيف، إذ جاء عكرمة فقال: يا أبا أمامة، أذكرك الله، هل سمعت ابن عبّاس يقول: ما حدثكم عني عكرمة فصدقوه، فإنه لم يكذب عليّ؟ وفي رواية: فإنه لم يكذب على الله؟ فقال أبو أمامة: نعم.
قال عكرمة: قال لي ابن عبّاس: لتأبقنّ ولتغرقنّ، قال عكرمة: فأبقت وغرقت فأخرجت.
وما ابن عبّاس وعكرمة عبد لم يعتقه، وباعه علي بن عبد الله بن عبّاس من خالد بن يزيد بن معاوية بأربعة آلاف دينار. فقال عكرمة: ما خير لك، بعت علم أبيك بأربعة آلاف دينار! فاستقاله، فأقاله وأعتقه. وكان عكرمة يرى رأي الخوارج، وادعى على عبد الله بن عبّاس أنه كان يرى رأي الخوارج. قال عمرو بن دينار: أعطاني جابر بن زيد صحيفة فيها مسائل، أسأل عنها عكرمة، وجعل يقول: هذا عكرمة مولى ابن عبّاس، هذا البحر فسلوه. وفي رواية: هذا أعلم الناس. قال الفرزدق بن جواس الحمّاني: كنا مع شهر بن حوشب بجرجان، فقدم علينا عكرمة، فقلنا لشهر: ألا نأتيه؟ فقال: ائتوه، فإنه لم يكن أمة إلا كان لها حبر، وإن مولى ابن عبّاس حبر هذه الأمة. قال مغيرة: قيل لسعيد بن جبير: تعلم أحداً أعلم منك؟ قال: نعم، عكرمة. وكان مصعب بن عبد الله يقول: تزوج عكرمة أم سعيد بن جبير. قال الشعبي: ما بقي أحد أعلم بكتاب الله عزّ وجلّ من عكرمة. وقال قتادة: أعلم الناس بالحلال والحرام الحسن، وأعلمهم بالمناسك عطاء بن أبي رباح، وأعلمهم بالتفسير عكرمة. وفي رواية: أعلمهم بسيرة سيدنا رسول الله (ص) عكرمة. وقال قتادة: لا تسألوا هذا العبد إلا عن القرآن، وكان عكرمة يقول: لقد فسرت ما بين اللوحين. قال أيوب: اجتمع حفاظ ابن عبّاس: سعيد بن جبير وعطاء وطاووس على عكرمة فأقعدوه، فجعلوا يسألونه عن حديث ابن عبّاس، قال: فكلما حدثهم حديثاً قال سعيد بن جبير بيده هكذا، فعقد ثلاثين، حتى سئل عن الحوت، فقال عكرمة: كان يسايرهما في ضحضاح من الماء، فقال سعيد: أشهد على ابن عبّاس أنه قال: كانا يحملانه في مكتل. فقال أيوب: أراه كان يقول القولين جميعاً.
قال سفيان بن عيينة: لما قدم عكرمة البصرة أمسك الحسن عن التفسير.
وعن سفيان الثوري أنه قال بالكوفة: خذوا التفسير عن أربعة: عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة والضحاك. قال عكرمة: إني لأخرج إلى السوق فأسمع الرجل يتكلم بالكلمة فينفتح لي خمسون باباً من العلم ( 2319 ).
{{ فروقات سورة البقرة في مصحف ابن عبّاس:}}
إن ما قام به جفري من عمل بحثي لا يمكن إلا أن نقف مندهشين أمام دقته؛ ومن ذلك ما أورده من فروقات بين المصاحف، خاصة في تلك الأولية. من فروقات جفري المتعلقّة بقراءة سورة البقرة، نقدّم المقطع التالي:
||فروقات سورة البقرة في مصحف ابن عبّاس|||
|{{الآية}}|{{قراءة المصحف العثماني}}|{{قراءة مصحف عثمان}}|
|97|جبريل | جبرائل أو جبرائيل |
|106|ننسها | ننسأها |
|124|الظلمين | الظلمون|
|133|آبائك | أبيك |
|137|بمثل ما |بما أو بالذي |
|158|أن يطوّف |أن لا يطوّف أو يطوّف أو إلا أن يطوّف|
|184|يطيقونه |يطوقونه أو يطيّقونه أو يِطيّقونه أو يطوقونه أو يتطوقونه|
|196|وأتموا الحجة والعمرة لله |وأقيموا الحجة والعمرة للبيت|
|198|ليس عليكم جناح | ليس جناح عليكم أو لا جناح عليكم|
|198|من ربكم |من ربكم في مواسم الحج|
|199|الناس | الناسي|
|202|كسبوا | اكتسبوا|
|204|يشهد الله |والله يشهد|
|217|قتال | عن قتال|
|226|يؤلون | يقسمون أو الوا|
|227|الطلق |السراح|
|233|يتم الرضاعة |يكمل الرضاعة|
|233|تُضار | تضارر|
|238|والصلوة الوسطى |والصلوة الوسطى وصلوة العصر |
|279|فأذنوا |فأيقنوا|
|280|ذو |ذا|
|282|يضار |يضرر أو يضارر أو يضارَر|
|283|ولم تجدوا كتاباً | فإن لم تجدوا كتاباً أو كُتاباً أو كتباً أو كاتباً( جفري.|
