فروقات المصاحف (5)

هنالك سورتان في القرآن لا تخلوان من مشاكل، تعددت فيهما الآراء حتى زمننا المعاصر : النجم والحج. ونبدأ بالنجم. حول بعض آيات من السورة الأخيرة؛ يقول الطبري في تاريخه: " كان رسول الله (ص) حريصاً على صلاح قومه، محباً مقاربتهم بما وجد إليه السبيل… (و) لما رأى رسول الله (ص) تولي قومه عنه، وشقّ عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله، تمنّى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وكان يسره مع حبه لقومه، وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم؛ حتى حدث بذلك نفسه، وتمناه وأحبه، فأنزل الله عز وجل: " والنجم إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى "، فلما انتهى إلى قوله: " أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى "، ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدث به نفسه، ويتمنى أن يأتي به قومه: " تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى"؛ فلما سمعت ذلك قريش فرحوا، وسرّهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخوا له – والمؤمنون مصدّقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربّهم، ولا يتّهمونه على خطأ ولا وهم زلل – فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقاً لما جاء به، واتباعاً لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم، لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، إلا الوليد بن المغيرة، فإنه كان شيخاً كبيراً، فلم يستطع السجود، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها، ثم تفرّق الناس من المسجد، وخرجت قريش، وقد سرّهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، قد زعم فيما يتلو: "أنها الغرانيق العلا، وأنّ شفاعتهن ترتضى" وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله (ص)؛ وقيل: أسلمت قريش، فنهض منهم رجال، وتخلف آخرون، وأتى جبريل رسول الله (ص)، فقال: يا محمد، ماذا صنعت؟! لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عز وجل، وقلت ما لم يقل لك! فحزن رسول الله (ص) عند ذلك حزناً شديداً، وخاف من الله خوفاً كثيراً، فأنزل الله عز وجل – وكان به رحيماً – يعزيه ويخفض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يك قبله نبي ولا رسول تمنى كما تمنى، ولا أحبّ كما أحبّ، إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته، كما ألقى على لسانه (ص)، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته؛ أي فإنما أنت كبعض الأنبياء والرسل، فأنزل الله عز وجل: "وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبيٍ إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم آياته والله عليمٌ حكيمٌ "، فأذهب الله عز وجل عن نبيه الحزن، وآمنه من الذي كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم: أنها "الغرانيق العلا وأنّ شفاعتهن ترتضى"، بقول الله عز وجل حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى: "ألكم الذكر وله الأنثى، تلك إذاً قسمة ضيزى " أي عوجاء، "إن هي إلا أسماء سمّيتموها أنتم وآباؤكم" – إلى قوله – "لمن يشاء ويرضى"، أي فكيف تنفع شفاعة آلهتكم عنده! فلما جاء من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه، قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره؛ وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله (ص) قد وقعا في فم كل مشرك، فازدادوا شراً إلى ما كانوا عليه، وشدةً على من أسلم واتبع رسول الله (ص) منهم، وأقبل أولئك النفر من أصحاب رسول الله (ص) منهم الذين خرجوا من أرض الحبشة لما بلغهم من إسلام أهل مكة، حين سجدوا مع رسول الله (ص)؛ حتى إذا دنوا من مكة، بلغهم أن الذي كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة كان باطلاً، فلم يدخل منهم أحد إلا بجوار، أو مستخفياً، فكان ممن قدم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر إلى المدينة، فشهد معه بدراً من بني عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، عثمان بن عفان ابن أبي العاص بن أمية، معه امرأته رقية بنت رسول الله (ص) منهم، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بنت سهيل، وجماعة أخر معهم، عددهم ثلاثة وثلاثون رجلاً " ( 407 ).

 

في رواية أخرى للطبري نقرأ: "فلما أمسى أتاه جبرئيل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتك بهاتين! فقال رسول الله (ص): افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله إليه: "وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره"؛ إلى قوله: "ثم لا تجد لك علينا نصيراً"؛ فما زال مغموماً مهموماً، حتى نزلت: "وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبيٍ" – إلى قوله: "والله عليمٌ حكيمٌ" (تاريخ، 408 ).

 

في سيرة محمد بن اسحق نجد نصاً قريباً من السابق: "عن ابن اسحق؛ قال: فأقاموا ( المهاجرون إلى الحبشة) حتى بلغهم أنّ أهل مكة قد أسلموا وسجدوا، وذلك أنّ سورة النجم أنزلت على رسول الله (ص)، فقرأها رسول الله (ص)، فأنصت لها كلّ مسلم ومشرك، حتّى انتهى إلى قوله: "أفرأيتم اللات والعزّى" فأصاخوا له والمؤمنون يتصدّقون وارتدّ ناس حين سمعوا سجع الشيطان، فقال: والله لنعبدهن ليقربونا إلى الله زلفا، وعلم الشيطان بتينك الآيتين كل مشرك وذلت بها ألسنتهم، وكبر ذلك على رسول الله (ص) حتى أتاه جبريل عليه السلام، فشكا إليه هاتين الآيتين وما لقي من الناس فيهما، فتبرّأ جبريل عليه السلام منهما وقال: لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عزّ وجل، وقلت ما لم يقل لك، فحزن رسول الله (ص) حزناً شديداً، وخاف، فأنزل الله عز وجل تعزية له: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيته" إلى قوله "عليم حكيم"… عن ابن اسحق؛ قال: فلما بلغ من بالحبشة من المسلمين سجود أهل مكة مع رسول الله (ص) أقبلوا، أو من شاء الله عز وجل منهم، وهم يرون أنهم قد تابعوا رسول الله (ص)؛ فلما دنوا من مكة بلغهم الأمر فثقل عليهم أن يرجعوا إلى أرض الحبشة، وتخوّفوا أن يدخلوا مكّة بغير جوار، فمكثوا على ذلك حتى دخل كلّ رجل منهم بجوار من بعض أهل مكة، وقدم عثمان بن مظعون بجوار من الوليد بن المغيرة " (60).

 

يذكر الذهبي في تاريخه بعض التفاصيل الهامّة الإضافيّة فيما يتعلّق بالآيات الشيطانيّة: " ولما دخل رسول الله (ص) شعب بني عبد المطّلب، أمر أصحابه بالخروج إلى الحبشة فخرجوا مرّتين؛ رجع الذين خرجوا في المرّة الأولى حين أنزلت سورة النّجم، وكان المشركون يقولون: لو كان محمد يذكر آلهتنا بخير قررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر من حالفه من اليهود والنّصارى بمثل ما يذكر به آلهتنا من الشتم والشرّ. وكان رسول الله (ص) يتمنّى هداهم، فأنزلت " أفرأيتم اللّات والعزّى ومناة الثّالثة الأخرى"، فألقى الشيطان عندها كلمات "وإنّهنّ الغرانيق العلا، وإنّ شفاعتهنّ لترتجى"؛ فوقعت في قلب كلّ مشرك بمكة، ودالت بها ألسنتهم وتباشروا بها. وقالوا: إنّ محمداً قد رجع إلى ديننا! فلمّا بلغ آخر النّجم سجد النّبيّ (ص) وسجد كلّ من حضر من مسلم أو مشرك، غير أنّ الوليد بن المغيرة كان شيخاً كبيراً رفع ملء كفيّه تراباً فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السّجود، بسجود رسول الله (ص)، عجب المسلمون بسجود المشركين معهم، ولم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان، وأمّا المشركون فاطمأنّوا إلى رسول الله (ص) وأصحابه، لما ألقى الشيطان، وأمّا المشركون فاطمأنّوا إلى رسول الله (ص) وأصحابه، لما ألقي في أمنية رسول الله (ص)؛ وحدّثهم الشيطان أنّ رسول الله قد قرأها في السّجدة، فسجدوا تعظيماً لآلهتهم. وفشت تلك الكلمة في النّاس، وأظهرها الشّيطان، حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين عثمان بن مظعون وأصحابه، وحدّثوا أنّ أهل مكة قد أسلموا كلّهم وصلّوا، وأنّ المسلمين قد أمنوا بمكة، فأقبلوا سراعاً، وقد نسخ الله ما ألقى الشيطان، وأنزلت "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبيّ إلاّ إذا تمنّى ألقى الشّيطان في أمنيته" الآيات. فلما بيّن الله قضاءه وبرّأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم. وكان عثمان ين مظعون وأصحابه، فيمن رجع، فلم يستطيعوا أن يدخلوا مكة إلاّ بجوار " (47 ).

 

في مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، نجد التفاصيل ذاتها: "تسمية الذين خرجوا إلى أرض الحبشة المرة الأولى قبل خروج جعفر… بن أبي طالب وأصحابه؛ حين أنزل الله السورة التي يذكر فيها: "والنجم إذا هَوى"! فقال المشركون: لو كان هذا الرجل بذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه فإنه لا يذكر أحداً ممن خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر به آلهتنا من الشتم والشر! فلما أنزل الله السورة التي يذكر فيها والنجم وقرأ "أفرأيتُمُ اللاتِ والعزّى ومناةَ الثالثةَ الأخرى"، ألقى الشيطان فيها عند ذلك ذكر الطواغيت؛ فقال: وأنهم من الغرانيق العلى وإن شفاعتهم لترتجى، وذلك من سجع الشيطان وفتنته!! فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك وذلت بها ألسنتهم واستبشروا بها؛ وقالوا: إنّ محمداً قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه! فلما بلغ رسول الله (ص) آخر السورة التي فيها النجم، سجد وسجد معه كل من حضره من مسلم ومشرك؛ غير أن الوليد بن المغيرة كان رجلاً كبيراً فرفع ملء كفه تراباً فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السجود لسجود رسول الله (ص)؛ فأما المسلمون فعجبوا من سجود المشركين" ( 1189).

 

وفيه: " حين أنزل الله السورة التي يذكر فيها "والنجم إذا هوى"؛ فقال المشركون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه فإنه لا يذكر أحداً ممن خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر به آلهتنا من الشر والشتم! فلما أنزل الله السورة الذي يذكر فيها: والنجم؛ وقرأ: "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى"! ألقى الشيطان فيها عند ذلك ذكر الطواغيت؛ فقال: وإنهن من الغرانيق العلا وإن شفاعتهم لترتجى! وذلك من سجع الشيطان وفتنته! " (960)؛ وفيه أيضاً: " قوله تعالى " أفرأيتمُ اللاتَ والعزى "، عن ابن عباس فيما يحسب سعيد بن جبير أن النبي (ص) كان بمكة فقرأ سورة والنجم حتى انتهى إلى " أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى"؛ فجرى على لسانه تلك الغرانيق العلى الشافعة منهم ترتجى؛ قال: فسمع بذلك مشركو أهل مكة فسروا بذلك فاشتد على رسول الله (ص) فأنزل الله تبارك وتعالى: "وما أرسلنا من قبلكَ من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطانُ في أمنيتهِ فينسخُ اللهُ ما يُلقي الشيطانُ ثم يُحكمُ اللهُ آياته" (مجمع الزوائد 1217).

 

ثم يحاول الهيثمي تقديم تفسير ميثولوجي للمسألة المربكة، حين يقول: "لم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان على ألسنة المشركين؛ وأما المشركون فاطمأنت أنفسهم إلى النبي (ص) وحدثهم الشيطان أن النبي (ص) قد قرأها في السجدة فسجدوا لتعظيم آلهتهم ففشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت الحبشة؛ فلما سمع عثمان بن مظعون وعبد الله بن مسعود ومن كان معهم من أهل مكة أن الناس أسلموا وصاروا مع رسول الله (ص) وبلغهم سجود الوليد بن المغيرة على التراب على كفه أقبلوا سِراعاً؛ فكبر ذلك على رسول الله (ص)؛ فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام، فشكا إليه فأمره؛ فقرأ عليه! فلما بلغها تبرأ منها جبريل؛ وقال: معاذ الله من هاتين ما أنزلهما ربي ولا أمرني بهما ربك! فلما رأى ذلك رسول الله (ص) شق عليه؛ وقال: أطعت الشيطان وتكلمتُ بكلامه وشركني في أمر الله؛ فنسخ الله ما يلقي الشيطان وأنزل عليه: "وما أرسلنا من قبلكَ من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطانُ في أمنيته فينسخُ الله ما يلقي الشيطانُ ثم يُحُكم الله آياته والله عليمٌ حكيمٌ ليجعلَ ما يُلقي الشيطانُ فتنةً للذين في قلوبهم مرضٌ والقاسيةُ قُلوبهمْ وإن الظالمين لفي شقاق بعيد". ( مجمع الزوائد 1190).

 

الغريب هنا، أن المسلمين في مكة لم يسمعوا الآيات الشيطانية في حين سمع بها مسلمو الحبشة. في سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد لشمس الدين الشامي؛ نقرأ تفاصيل مطابقة أخرى: " وكان رسول الله (ص) قد اشتد عليه ما نال أصحابه من أذاهم (المشركون) وتكذبيهم وأحزنته ضلالتهم، وكان يتمنى هداهم، فاتفق أنه قرأ يوما سورة النجم وكان يرتل قراءته فلما بلغ: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى (النجم 19، 20) ارتصده الشيطان في سكتة من سكتاته فألقى عندها: وإنهن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قول النبي (ص) وأشاعها فوقعت في قلب كل مشرك بمكة وزلت بها ألسنتهم وتباشروا بها؛ وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى ديننا. فلما بلغ رسول الله (ص) آخر النجم سجد وسجد معه كل مشرك غير الوليد بن المغيرة…وعجب المسلمون لسجود المشركين معهم ولم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان كما قاله موسى بن عقبة، وأما المشركون فاطمأنوا إلى رسول الله (ص) وأصحابه. وفشت تلك الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة ومن بها من المسلمين. ولما بلغ رسول الله (ص) ذلك ساءه فأنزل الله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى) قرأ (ألقى الشيطان في أمنيته) أي في قراءاته كما قال الفراء؛ ويؤيده ما رواه ابن جرير وعلقه البخاري في صحيحه عن ابن عباس في قوله تعالى: (إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته)؛ قال: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه (فينسخ الله) يبطل (ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته) يثبتها (والله عليم) بإلقاء الشيطان ما ذكر (حكيم) (الحج: 52 ) في تمكينه منه يفعل ما يشاء إلى آخر الآية" ( 1176).

 

ننتقل الآن إلى واحد من أهم المراجع في الإسلام: طبقات ابن سعد، لنقرأ:" عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قالا: رأى رسول الله (ص) من قومه كفا عنه فجلس خالياً فتمنى! فقال: ليته لا ينزل علي شيء ينفرهم عني!! وقارب رسول الله (ص) قومه ودنا منهم ودنوا منه فجلس يوما مجلساً في ناد من تلك الأندية حول الكعبة؛ فقرأ عليهم: والنجم إذا هوى… حتى إذا بلغ أرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى؛ ألقى الشيطان كلمتين على لسانه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى!! فتكلم رسول الله (ص) بهما ثم مضى فقرأ السورة كلها؛ وسجد وسجد القوم جميعاً، ورفع الوليد بن المغيرة تراباً إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود؛ ويقال إن أبا أحيحة سعيد بن العاص أخذ تراباً فسجد عليه رفعه إلى جبهته وكان شيخاً كبيراً!… فرضوا بما تكلم به رسول الله (ص)؛ وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، وأما إذ جعلت لها نصيباٍ فنحن معك! فكبر ذلك على رسول الله (ص) من قولهم حتى جلس في البيت، فلما أمسى أتاه جبريل ( ع ) فعرض عليه السورة فقال جبريل: جئتك بهاتين الكلمتين؟ فقال رسول الله (ص): قلت على الله ما لم يقل!! فأوحى الله إليه: وان كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا إلى قوله ثم لا تجد لك علينا نصيرا!… عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؛ قال: فشت تلك السجدة في الناس حتى بلغت أرض الحبشة…" ( 91 ).

 

في أهم تفسير عند أهل السنة والجماعة، القرطبي، نجد بعض تفاصيل هامة: " وقيل: إنما سجد معه المشركون لأنهم سمعوا أصوات الشياطين في أثناء قراءة رسول الله (ص) عند قوله: "أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى" (النجم: 19) وأنه قال: تلك الغرانيق العلا وشفاعتهن ترتجى. كذا في رواية سعيد بن جبير ترتجى. وفي رواية أبي العالية وشفاعتهن ترتضى، ومثلهن لا ينسى. ففرح المشركون وظنوا أنه من قول محمد (ص) على ما تقدم بيانه في "الحج". فلما بلغ الخبر بالحبشة من كان بها من أصحاب النبي (ص) رجعوا ظنا منهم أن أهل مكة آمنوا؛ فكان أهل مكة أشد عليهم وأخذوا في تعذيبهم إلى أن كشف الله عنهم " ( 3256 ).

 

في الناسخ والمنسوخ لابن سلامة؛ نقرأ: "تحتوي من المنسوخ على ثلاث آيات: الآية الأولى: قوله تعالى: (وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ مِن رَسولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذا تَمَنّى أَلقى الشَيطانُ في أُمنِيَّتِهِ) . وذلك: أن رسول الله (ص) صلى بأصحابه بمكة، وقرأ بهم سورة والنجم، حتى انتهت قراءته إلى قوله: أَفَرَأَيتُم اللاتَ وَالعُزى. وَمَناتَ الثَالِثَةَ الأُخرى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنثى) وقال النبي (ص): تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترتجى. فجاء جبريل عليه السلام وقال: ما هكذا نزلت عليك، فنسخها الله تعالى بقوله: (سَنُقرِئُك فَلا تَنسى). وقد بينا شرحها في سورة طه " ( 20 ).

 

تؤكّد السيرة الحلبيّة الرواية السابقة، فتقول: " الأصنام وان شفاعتهن لترتجى وفى لفظ لهى التي ترتجى شبهت الأصنام بالغرانيق التي هي طير الماء جمع غرنوق بكسر الغين المعجمة وإسكان الراء ثم نون مفتوحة أو غرنوق بضم الغين والنون أيضا أو غرنوق بضم الغين وفتح النون وهو طير طويل العنق وهو الكركى أو يشبهه ووجه الشبه بين الأصنام وتلك الطيور أن تلك الطيور تعلو وترتفع في السماء فالأصنام شبهت بها فى علو القدر وارتفاعه! ثم مضى يقرأ السورة حتى بلغ السجدة فسجد وسجد القوم جميعا أي المسلمون والمشركون… قال بعضهم: ولم يكن المسلمون سمعوا الذي ألقى الشيطان وإنما سمع ذلك المشركون فسجدوا لتعظيم آلهتهم ومن ثم عجب المسلمون من سجود المشركين معهم من غير إيمان! قال بعضهم: والنجم هي أول سورة نزل فيها سجدة أي أول سورة نزلت جملة كاملة فيها سجدة فلا ينافى أن اقرأ باسم ربك سورة نزلت فيها سجدة لان النازل منها أوائلها كما علمت! وقد جاء أنه (ص) قرأ يوما اقرأ باسم ربك فسجد في آخرها وسجد معه المؤمنون فقام المشركون على رؤوسهم يصفقون! وقد روى أبو هريرة ( رض ) أنه (ص) سجد في النجم أي غير سجدته المتقدمة التي سجد معه المشركون.. وذكر الحافظ الدمياطى أن رسول الله (ص) كان رأى من قومه كفا عنه أي تركا وعدم تعرض له فجلس خاليا فتمنى؛ فقال: ليته لم ينزل علي شيء ينفرهم عنى! وفى رواية تمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه وبينهم حرصا على إسلامهم! وقارب رسول الله (ص) قومه ودنا منهم ودنوا منه فجلس يوماً مجلساً في ناد من تلك الأندية حول الكعبة؛ فقرأ عليهم: والنجم إذا هوى إلى آخر ما تقدم… ومن جملة من كان مع المشركين حينئذ الوليد بن المغيرة لكنه رفع تراباً إلى جبهته فسجد عليه لأنه كان شيخاً كبيراً لا يقدر على السجود وقيل الذي فعل ذلك سعيد بن العاص ويقال كلاهما فعل ذلك وقيل الفاعل لذلك أمية بن خلف وصحح وقيل عتبة بن ربيعة وقيل أبو لهب وقيل المطلب؛ وقد يقال لا مانع أن يكونوا فعلوا ذلك جميعاً بعضهم فعل ذلك تكبرا وبعضهم فعل ذلك عجزاً؛ وممن فعل ذلك تكبرا أبو لهب: فقد جاء: وفيها سجد رسول الله (ص) وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والإنس غير أبي لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته؛ وقال: يكفى هذا!…فعند ذلك قال المشركون له: (ص) قد عرفنا أن الله تعالى يحيي ويميت ويخلق ويرزق ولكن آلهتنا هذه تشفع لنا عنده، فأما إذا جعلت لنا نصيبا فنحن معك! فكبر ذلك على رسول الله (ص) وجلس في البيت وفيه أنه كيف يكبر عليه (ص) ذلك مع أنه موافق لما تمناه من أن الله ينزل عليه ما يقارب بينه وبين المشركين حرصاً على إسلامهم المتقدم ذلك… فلما أمسى (ص) أتاه جبريل فعرض عليه السورة وذكر الكلمتين فيها! فقال له جبريل: ما جئتك بهاتين الكلمتين؟! فقال رسول الله (ص): قلت على الله ما لم يقل؛ أي فكبر عليه ذلك فأوحى الله تعالى إليه ما في سورة الإسراء: وان كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره بموافقتك لهم على مدح آلهتهم بما لم نرسل به إليك؛ وإذا لو فعلت أي دمت عليه لاتخذوك خليلا إلى قوله ثم لا تجد لك علينا نصيرا" ( 303 ). يقول ابن سيّد الناس: "وفي رواية أبي بكير لعمارة بن الوليد ذكر: فأقام المهاجرون بأرض الحبشة عند النجاشي في أحسن جوار، فلما سمعوا بمهاجر رسول الله (ص) إلى المدينة، رجع منهم ثلاثة وثلاثون رجلاً ومن النساء ثماني نسوة… وكان سبب رجوع الأولين الاثني عشر رجلاً ومن ذكر معهم من النساء فيما روى أن رسول الله (ص) قرأ يوماً على المشركين "والنجم إذا هوى" حتى بلغ "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى" ألقى الشيطان كلمتين على لسانه "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى" فتكلم رسول الله (ص) بهما ثم مضى فقرأ السورة كلها فسجد وسجد القوم جميعا" (عيون الأثر في المغازي والسير، 75 ).

 

بعودة إلى ابن الأثير، نقرأ بعض تفاصيل غير ضروريّة: "فخرج المسلمون إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة … وقدموا في شوال سنة خمس من النبوة، وكان سبب قدومهم إلى النبي، (ص)، أنه لما رأي مباعدة قومه له شق عليه وتمنى أن يأتيه الله بشيء يقاربهم به، وحدث نفسه بذلك، فأنزل الله: (وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى) النجم: 20؛ فلما وصل إلى قوله: (أفَرَأيْتُمُ اللاّتَ والعُزّى وَمَنَاةَ الثّالِثَةَ الأخْرَى)؛ ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى " ( الكامل 265 ). نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري يذكر بعض تفاصيل أخرى: "لما رأي رسول الله (ص) من قومه كفا عنه، جلس خاليا فتمنى فقال: ليته لا ينزل على شيء ينفرهم عني، وقارب رسول الله (ص) قومه ودنا منهم ودنوا منه، فجلس يوماً مجلساً في ناد من تلك الأندية حول الكعبة، فقرأ عليهم: والنجم إذا هوى حتى بلغ: أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى. ألقى الشيطان على لسانه كلمتين: تلك الغرانيق العلا وأن شفاعتهن لترتجى… وفي أخرى: والغرانقة العلا أن تلك الشفاعة ترتجى " ( 1795). ننتقل الآن إلى سورة الحج، التي نكتشف أن بعض آياتها مرتبط عضويّاً بآيات النجم آنفة الذكر. يقول أحد الأعمال التفسيريّة، أسباب نزول القرآن للواحدي، في إشارة إلى آيات من تلك السورة: " قوله تعالى (وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ مِن رَّسولٍ وَلا نَبِيٍّ) الآية. قال المفسرون: لما رأى رسول الله (ص) تولي قومه عنه وشق عليه ما رأي من مباعدتهم عما جاءهم به، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله تعالى ما يقارب به بينه وبين قومه، وذلك لحرصه على إيمانهم، فجلس ذات يوم في ناد من أندية قريش كثير أهله، وأحب يومئذ أن يأتيه من الله تعالى شيء ينفر عنه، وتمنى ذلك، فأنزل الله تعالى (وَالنَجمِ إِذا هَوى) فقرأها رسول الله (ص) حتى بلغ (أَفَرَأَيتُمُ اللاتَ وَالعُزّى وَمَناتَ الثالِثَةَ الأُخرى) ألقى الشيطان على لسانه لما كان يحدث به نفسه وتمناه: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى … عن سعيد بن جبير؛ قال: قرأ رسول الله (ص) (أَفَرَأَيتُمُ اللاتَ وَالعُزَّى وَمَناتَ الثالِثَةَ الأُخرى)؛ فألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترتجى، ففرح بذلك المشركون وقالوا: قد ذكر آلهتنا، فجاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله (ص) وقال: اعرض علي كلام الله، فلما عرض عليه؛ فقال: أما هذا فلم آتك به هذا من الشيطان، فأنزل الله تعالى (وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ مِن رَّسولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذا تَمَنّى أَلقى الشَيطانُ في أُمنِيَّتِهِ)" ( 111 ).

 

الربط ذاته نجده في مراجع عديدة: " ثم ذكر ابن إسحاق من عاد من مهاجرة الحبشة إلى مكة وذلك حين بلغهم إسلام أهل مكة وكان النقل ليس بصحيح، ولكن كان له سبب، وهو ما ثبت في "الصحيح" وغيره أن رسول الله (ص): جلس يوماً مع المشركين، وأنزل الله عليه: (والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم) يقرؤها عليهم حتى ختمها وسجد. فسجد من هناك من المسلمين والمشركين والجن والإنس، وكان لذلك سبب ذكره كثير من المفسرين عند قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)….قال: سجد النبي (ص) بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس انفرد به البخاري دون مسلم. وقال البخاري: قرأ النبي (ص) والنجم بمكة، فسجد فيها وسجد من معه غير شيخ أخذ كفاً من حصا – أو تراب – فرفعه إلى جبهته وقال: يكفيني هذا… عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة عن أبيه؛ قال: قرأ رسول الله (ص) بمكة سورة النجم، فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد ولم يكن أسلم يومئذ المطلب، فكان بعد ذلك لا يسمع أحداً يقرأها إلا سجد معه " ( البداية والنهاية لابن كثير 1699).

 

شمس الدين الشامي، يقدّم لنا ربطاً مماثلاً: "وكان المشركون يقولون: لو ذكر محمد آلهتنا بخير قررناه وأصحابه ولكنه لا يذكر من خالفه من اليهود والنصارى بمثل ما يذكر به آلهتنا من الشتم. وكان رسول الله (ص) قد اشتد عليه ما نال أصحابه من أذاهم وتكذبيهم وأحزنته ضلالتهم، وكان يتمنى هداهم، فاتفق أنه قرأ يوما سورة النجم وكان يرتل قراءته فلما بلغ: (أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) ( النجم 19، 20) ارتصده الشيطان في سكتة من سكتاته فألقى عندها: وإنهن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجي. محاكياً نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قول النبي (ص) وأشاعها فوقعت في قلب كل مشرك بمكة وزلت بها ألسنتهم وتباشروا بها وقالوا: إن محمداً قد رجع إلى ديننا…ولما بلغ رسول الله (ص) ذلك ساءه؛ فأنزل الله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى) قرأ (ألقى الشيطان في أمنيته)؛ أي في قراءاته كما قال الفراء ويؤيده ما رواه ابن جرير وعلقه البخاري في صحيحه عن ابن عباس في قوله تعالى: (إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته)؛ قال: إذا حدّث ألقى الشيطان في حديثه (فينسخ الله) يبطل (ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته) يثبتها (والله عليم) بإلقاء الشيطان ما ذكر (حكيم) ( الحج: 52) في تمكينه منه يفعل ما يشاء إلى آخر الآية " ( سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، 1176 ). {{ معركة الآيات الشيطانيّة:}} يبدو أن الآيات الشيطانية كانت خلف جدل فقهي استمر قروناً وما تزال معركته أوارها مستعرة، كما حصل قبل سنوات مع روائي عالمي. هنالك من رفض القصّة جملة وتفصيلاً: يقول ابن حزم في الفصل: " وبالحديث الكاذب الذي لم يصح قط في قراءته عليه السلام في: والنجم إذا هوى! وذكروا تلك الزيادة المفتراة التي تشبه من وضعها من قولهم: وإنها لهي الغرانيق العلى وإن شفاعتها لترتجى؛ وذكروا قول الله تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته" ( الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم 40 )؛ وفي رواية أخرى من المصدر ذاته؛ نقرأ: " وأما الحديث الذي فيه: وأنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتها لترتجى! فكذب بحت موضوع لأنه لم يصح قط من طريق النقل ولا معنى للاشتغال به إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد؛ وأما قوله تعالى " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمني ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان" الآية فلا حجة لهم فيها لأن الأماني الواقعة في النفس لا معنى لها" ( الفصل 408 ).

 

ابن تيميّة، كمثال آخر على التيار الأصولي، يقول في أحد أعمال حول الآيات الشيطانيّة إياها: " وقد قال تعالى: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم"؛ فقد ضمن الله وللرسول وللنبي أن ينسخ ما يلقي الشيطان في أمنيته ولم يضمن ذلك للمحدث ولهذا كان في الحرف الآخر الذي كان يقرأ به ابن عباس وغيره: وما أرسلنا من قبلك رسولاً ولا نبي ولا محدث إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته. ويحتمل والله أعلم أن يكون هذا الحرف متلواً حيث لم يضمن نسخ ما ألقى الشيطان فأما نسخ ما ألقى الشيطان فليس إلا للأنبياء والمرسلين إذ هم معصومون فيما يبلغون عن الله تعالى أن يستقر فيه شيء من إلقاء الشيطان، وغيرهم لا يجب عصمته من ذلك وإن كان من أولياء الله المتقين، فليس من شرط أولياء الله المتقين أن لا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأً مغفوراً لهم بل ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقاً، بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه التوبة " ( جامع الرسائل لابن تيمية 22 ).

 

المعتزلة، من ناحية أخرى، ساهموا بدورهم في المعركة؛ يقول ابن أبي الحديد في شرح النهج: " وقد أخطأ رسول الله (ص) في التبليغ، حيث قال: "تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى". وقال قوم منهم: يجوز الغلط على الأنبياء …وقال قوم منهم: إن الأنبياء يجوز أن يخطئوا في أقوالهم وأفعالهم…كما روي من خبر ذي اليدين حين سها النبي (ص) في الصلاة، وكذلك ما يكون منه من تبليغ وحي، فإنه لا يجوز عليه أن يخطئ فيه، لأنه حجة الله على عباده. فأما في أقواله الخارجة عن التبليغ، فيجوز أن يخطئ كما روي عنه (ص) في نهيه لأهل المدينة عن تأبير النخل، فأما أصحابنا المعتزلة، فإنهم اختلفوا في الخبر المروي عنه عليه الصلاة والسلام في سورة النجم، فمنهم من دفع الخبر أصلاً ولم يقبله، وطعن في رواته، ومنهم من اعترف بكونه قرآناً منزلاً، وهم فريقان: أحدهما القائلون بأنه كان وصفاً للملائكة، فلما ظن المشركون أنه وصف آلهتهم، رفع ونهي عن تلاوته. وثانيهما القائلون إنه خارج على وجه الاستفهام بمعنى الإنكار، فتوهم سامعوه أنه بمعنى التحقيق، فنسخه الله تعالى ونهى عن تلاوته. ومنهم من قال: ليس بقرآن منزل، بل هو كلام تكلم به رسول الله (ص) من قبل نفسه على طريق الإنكار والهزء بقريش، فظنوا أنه يريد التحقيق، فنسخه الله بأن بين خطأ ظنهم، وهذا معنى قوله: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله أياته". قالوا: فإلقاء الشيطان ههنا هو إلقاء الشبهة في قلوب المشركين، وإنما أضافه إلى أمنيته، وهي تلاوته القرآن، لأن بغرور الشيطان ووسوسته أضاف المشركون إلى تلاوته (رض) لم يرده بها. وأنكر أصحابنا الأخبار الواردة التي تقتضي الطعن على الرسول (ص) قالوا: وكيف يجوز أن تصدق هذه الأخبار الآحاد على من قد قال تعالى له: "كذلك لنثبت به فؤادك" وقال له: "سنقرئك فلا تنسى"، وقال عنه: "ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين" ثئم لقطعنا منه الوتين" ( 701 ).

 

وفي موضع آخر من العمل الموسوعي ذاته؛ نقرأ: " أجاب قاضي القضاة؛ فقال: إن شيخنا أبا علي؛ قال: لو كان ذلك نقص فيه لكان قول الله في آدم وحواء: "فوسوس لهما الشيطان"، وقوله: "فأزلهما الشيطان". وقوله: "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته"، يوجب النقص في الأنبياء " ( شرح النهج 1820). المعتزلي الآخر، الزمخشري، يوافق في " كشافه " على أن النبي سها وأخطأ:" أن رسول الله (ص) لما أعرض عنه قومه وشاقوه وخالفه عشيرته ولم يشايعوه على ما جاء به: تمنى لفرط ضجره من إعراضهم ولحرصه وتهالكه على إسلامهم أن لا ينزل عليه ما ينفرهم، لعله يتخذ ذلك طريقاً إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة "والنجم" وهو في نادي قومه، وذلك التمني في نفسه، فأخذ يقرؤها فلما بلغ قوله: "ومناة الثالثة الأخرى" النجم: 20: "! ألقى الشيطان في أمنيته" التي تمناها، أي: وسوس إليه بما شيعها به، فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط إلى أن قال: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى. وروي: الغرانقة، ولم يفطن له حتى أدركته العصمة فتنبه عليه، وقيل: نبهه جبريل عليه السلام " ( 807 ).

 

" بعودة إلى الطرف الأصولي، نقرأ في تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، ما جاء في السجدة والنجم: " قال القاضي ( عياض) : وأما ما يرويه الإخباريون والمفسرون أن سبب ذلك ما جرى على لسان رسول الله (ص) من الثناء على آلهة المشركين في سورة النجم فباطل لا يصح فيه شيء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل لأن مدح إله غير الله تعالى كفر ولا يصح نسبة ذلك إلى لسان رسول الله (ص) ولا أن يقوله الشيطان على لسانه ، ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك انتهى … و‏ يخالفه سياق ابن مسعود… قال الكرماني : وما قيل من أن ذلك بسبب إلقاء الشيطان في أثناء قراءة رسول الله (ص) لا صحة له عقلا ولا نقلا انتهى كلام الكرماني …. قرأ رسول الله (ص) بمكة " والنجم "، فلما بلغ " أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى "، ألقى الشيطان على لسانه : تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ، فقال المشركون : ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم ، فسجد وسجدوا فنزلت هذه الآية . ثم ذكر الحافظ طرقا عديدة لهذا الحديث؛ ثم قال : وكلها سوى طريق سعيد بن جبير إما ضعيف وإما منقطع، لكن كثرة الطرق تدل على أن للقصة أصلا…ثم ذكر تأويلات للعلماء ورد على كل واحد منها إلا تأويلا واحدا فأقره وجعله أحسن الوجوه… ( وهو): كان (ص) يرتل القرآن فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات ونطق بتلك الكلمات محاكيا نغمته بحيث سمعه من دنا إليه فظنها من قوله وأشاعها … ( و) عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ "وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث" قال أبو بكر: فهذا حديث لا يؤخذ به على أن ذلك قرآن. والمحدث هو الذي يوحي إليه في نومه؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي " ( راجع أيضاً: تفسير القرطبي 2349 ).

 

وفي تفسير القرطبي، نقرأ أيضاً: " ما حكاه قوم أن الشيطان أكرهه حتى قال كذا فهو محال؛ إذ ليس للشيطان قدرة على سلب الإنسان الاختيار…لا يبعد أنه كان سمع الكلمتين من المشركين وكانتا على حفظه فجرى عند قراءة السورة ما كان في حفظه سهوا… وقد قال ابن عباس: (إن شيطانا يقال له الأبيض كان قد أتى رسول الله (ص) في صورة جبريل عليه السلام وألقى في قراءة النبي (ص): تلك الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن لترتجى)" ( 2352 ).

ثم يضيف المرجع ذاته: " حتى نزل جبريل عليه السلام فقرأ عليه النبي (ص)؛ فقال: (ما جئتك به)! وأنزل الله "لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا" (الإسراء: 74)… ثم اختلف الناس في صورة هذا الإلقاء، فالذي في التفاسير وهو مشهور القول أن النبي (ص) تكلم بتلك الألفاظ على لسانه. وحدثني أبي (رض) أنه لقي بالشرق من شيوخ العلماء والمتكلمين من قال: هذا لا يجوز على النبي (ص) وهو المعصوم في التبليغ، وإنما الأمر أن الشيطان نطق بلفظ أسمعه الكفار عند قول النبي (ص): "أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى" (النجم: 19-20) وقرب صوته من صوت النبي (ص) حتى التبس الأمر على المشركين، وقالوا: محمد قرأها. ..وقيل: الذي ألقى شيطان الإنس؛ كقوله عز وجل: "وألغوا فيه" ( فصلت: 26). قتادة: هو ما تلاه ناعساً " ( القرطبي 2350 ). يقول النويري مقدّماً أحد التفاسير للقصّة-الأزمة: " قال القاضي عياض: ويكون ما روى من حزن النبي (ص) لهذه الإشاعة والشبهة…ومما يظهر في تأويله أيضاً أن مجاهداً روى هذه القصة: والغرانقة العلا… لا يبعد أن هذا كان قرآناً؛ والمراد بالغرانقة العلا وأن شفاعتهن لترتجى: الملائكة؛ ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح، فلما تأوله المشركون على ان المراد بهذا الذكر آلهتهم، ولبس عليهم الشيطان ذلك، وزينه في قلوبهم، وألقاه إليهم؛ نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما للتلبيس سبيلاً…وقيل: إن النبي (ص) لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى ذكر اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، خاف الكفار أن يأتي بشيء من ذمها فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين؛ ليخلطوا تلاوة النبي (ص) ويشغبوا عليه على عادتهم… وأشاعوا ذلك وأذاعوه، وأن النبي (ص) حزن لذلك من كذبهم وافترائهم عيه، فسلاه الله تعالى بقوله: "وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ" الآية، وبين للناس الحق" ( نهاية الأرب في فنون الأدب 1798 ) راجع: حياة الحيوان للدميري 542. في "أصنام" ابن الكلبي، ثمة نص مغرق في أهميته؛ فيه إشارة إلى العزّى؛ يقول: "وكانت أعظم الأصنام عند قريش. وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح. وقد بلغنا أن رسول الله (ص) ذكرها يوماً، فقال: لقد أهديت للعزى شاةً عفراء، وأنا على دين قومي. وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول: واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى! فإنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى! كانوا يقولون: بنات الله "عزّ وجلّ عن ذلك!" وهن يشفعن إليه " ( 3 ).

 

ويضيف القرطبي ( 3244 ):" وقال ابن جبير: العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه. قتادة: نبت كان ببطن نخلة. ومناة: صنم لخزاعة. وقيل: إن اللات فيما ذكر بعض المفسرين أخذه المشركون من لفظ الله، والعزى من العزيز، ومناة من منى الله الشيء إذا قدره". ثم يفسّر المسعودي المسألة؛ فيقول في "مروج الذهب": "وقد كان صنف من العرب يعبدون الملائكة، ويزعمون أنها بنات اللّه؛ فكانوا يعبدونها لتشفع لهم إلى اللهّ، وهم الذين أخبر اللّه عز وجل عنهم بقوله تعالى: "ويجعلونَ للّهِ البَنَاتِ، سبحانه، ولهم ما يشتهون" وقوله تعالى: " أفَرَأْيْتُمُ اللاَّتَ والعُزَّى، وَمَنَاةَ الثالثة الأخرى؛ ألكم الذكر وله الأنثى؛ تلك إذاً قِسْمَة ضِيزَى" " ( 216 ). ويقول عبد القادر البغدادي في خزانة الأدب: " العزى… وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانت (قريش) تطوف بالكعبة، وتقول: "واللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، فإنهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى". وكانوا يقولون: بنات الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وهن يشفعن إليه. فلما بعث الله رسوله أنزل عليه: "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى" الآية… وكانت ثقيف تخص اللات، وكانت الأوس والخزرج تخص مناة، وكلهم كان معظماً للعزى" ( 1010).

 

هذا يعني، ضمن أشياء أخرى كثيرة، أن آيات من القرآن كانت تتناقلها أصوات المشركين قبل "نزول" الوحي، مادحة بها أوثانها. راجع أيضاً: المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، ابن الأثير الكاتب، 196؛ درة الغواص في أوهام الخواص، الحريري، 41؛ تصحيح التصحيف وتحرير التحريف، 17؛ سلوة الأحزان للاجتناب عن مجالسة الأحداث والنسوان، المشتولي، 37؛ البداية والنهاية، ابن كثير، 2129؛ الكشاف، الزمخشري، 111؛ القرطبي 1603، 2353. {{أبو موسى الأشعري!}} اشتهر عن أبي موسى الأشعري جمال الصوت. هذا يعني أنه كان من أوائل حفظة القرآن. ينسب للنبي قوله: " ‏إن ‏ ‏عبد الله بن قيس‏ ‏أو ‏‏الأشعري ‏ ‏أعطي مزمارا من مزامير آل ‏ ‏داود ‏" ( صحيح مسلم، صلاة المسافرين وقسرها، استحباب تحسين الصوت بالقرآن ). في رياض الصالحين للنووي، يقال: " وعن أبي موسى الأشعري (رض) أن رسول الله (ص) قال له: لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود متفقٌ عليه. وفي روايةٍ لمسلمٍ: أن رسول الله (ص) قال له: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة " ( 122 ). "روى عنه (ص) أنه سمع قراءة أبي موسى ذات ليلة؛ فقال: أبو موسى مزمار من مزامير داود ومعلوم أنه شبه حسن صوته بالقراءة بالمزمار، لا كلام الله القديم الذي لا يشبهه شيء من أصوات الخلق ولا نغماتهم. وروى أن النبي (ص) مر في ليلة هو وعائشة ( رض )، وأبو موسى يقرأ، فقاما فاستمعا لقراءته، ثم إنهما مضيا، فلما أصبح لقى رسول الله (ص)، فقال لأبي موسى: يا أبا موسى مررت بك البارحة ومعي عائشة فاستمعنا لقراءتك! فقال أبو موسى: يا نبي الله، أما إني لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيراً. قال: لقد أعطيت مزماراً من مزامير آل داود" (الأنصاف للباقلاني 52 ).

و"عن عائشة أن النبي (ص) سمع صوت أبي موسى الأشعري وهو يقرأ قال: لقد أوتي أبو موسى من مزامير آل داوود " ( فضائل القرآن للنسائي 9 ). في مقدمته لمصحف أبي موسى الأشعري؛ يقول آرثر جفري: (أبو موسى بن قيس الأشعري كان يمنيّاً والذي عيّنه عمر بن الخطّاب عام 17 للهجرة والياً للبصرة، حيث بقي في موقعه حتى خلافة عثمان، عدا فترة قصيرة غير ناجحة أمضاهاً والياً للكوفة عام 22 للهجرة. أقاله عثمان من منصبه في البصرة حيث تقاعد في الكوفة حيث أضفى عليه الحليفة من ثم منصباً رسميّاً. أما علاقته القصيرة مع علي بعد معركة صفين عام 37 للهجرة فمشهورة. يبدو أنه كان مهتماً منذ البداية بتلاوة القرآن حيث أشهره في ذلك صوته الجميل (البخاري 407:3؛ حيث ينسب للنبي قوله: يا أبا موسى لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود. أنظر أيضاً: ابن سعد2:2؛ والمسند 2: 354: 369). ويمكن لنا الافتراض أن جمعه لمواد القرآن بدأ وقت كان النبي على قيد الحياة، لكن مصحفه لم يأخذ شكلاً إلا أثناء حقبته الأولى في البصرة كوال وقد قبل به البصريون كمصحف رسمي خاص بهم (ابن الأثير، الكامل 86:3؛ الرافعي، الاعجاز، 19).

 

ويبدو أنه كان مصحفاً ضخماً وقد عرف عموماً باسم لباب القلوب) جفري. بتوثيق لما قاله جفري حول مصحف مستقل يحمل اسم أبي موسى الأشعري، ننقل عن ابن الأثير: "وأهل البصرة يقولون مثل ذلك وإنهم قرؤوا على أبي موسى ويسمون مصحفه لباب القلوب. فلما وصلوا إلى الكوفة أخبر حذيفة الناس بذلك وحذرهم ما يخاف، فوافقه أصحاب رسول الله (ص) وكثير من التابعين. وقال له أصحاب ابن مسعود: ما تنكر؟ ألسنا نقرأه على قراءة ابن مسعود؟ فغضب حذيفة ومن وافقه، وقالوا: إنما أنتم أعراب فاسكتوا فإنكم على خطأ. وقال حذيفة: والله لئن عشت لآتين أمير المؤمنين، ولأشيرن عليه أن يحول بين الناس وبين ذلك. فأغلظ له ابن مسعود، فغضب سعيد وقام وتفرق الناس، وغضب حذيفة وسار إلى عثمان فاخبره بالذي رأى، وقال: أنا النذير العريان فأدركوا الأمة. فجمع عثمان الصحابة وأخبرهم الخبر، فأعظموه ورأوا جميعاً ما رأى حذيفة " ( الكامل في التاريخ، 492 ). يؤكّد ذلك الرافعي، حين يقول: "فأهل دمشق وحمص أخذوا عن المقداد بن الأسود، وأهل الكوفة عن أبي مسعود، وأهل البصرة عن أبي موسى الأشعري – وكانوا يسمون مصحفه "لباب القلوب"- وقرأ كثيراً من أهل الشام بقراءة أبي بن كعب، وكانت وجوه القراءة التي يؤدى بها القرآن مختلفة باختلاف الأحرف التي نزل عليها " ( تاريخ آداب العرب 144 ).

 

يقول ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق عن الأشعري: "وفي سنة تسع وعشرين عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة، وكان عامله عليها سبع سنين، وولى عبد الله بن عامر بن كريز. قال خليفة: وفيها- يعني سنة تسع وعشرين- عزل عثمان أبا موسى الأشعري عن البصرة، وفيها- يعني سنة أربع وثلاثين- أخرج أهل الكوفة سعيد بن العاص، وولوا أبا موسى، وكتبوا إلى عثمان يسألونه أن يولي أبا موسى، فولاه، وأقر عثمان أبا موسى الأشعري على البصرة أربع سنين". عن أبي مجلز قال: صلى أبو موسى بأصحابه، وهو مرتحل من مكة إلى المدينة، فصلى العشاء ركعتين، وسلم، ثم قام، فقرأ مائة آية من سورة النساء في ركعة، فأُنكر ذلك عليه، فقال: ما ألوت أن أضع قدمي حيث وضع رسول الله (ص)، وأن أصنع مثل الذي صنع رسول الله (ص). كان عمر إذا جلس عنده أبو موسى ربما قال له: ذكرنا يا أبا موسى، فيقرأ. وكان يقرأ بين يدي عثمان بن عفان في غير صلاة. وكان أبو موسى إذا قرأ: "يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم" قال: يعني الجهل، ويبكي. وإذا قرأ: "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني، وهم لكم عدو"بكى" ( 1846 ).

 

بالنسبة لقصّة حذيفة بن اليمان التي أشار إليها ابن الأثير، يقول جفري: (عند ابن أبي داود ثلاث عبارات هامّة تؤكّد حكمنا بأن مصحف أبي موسى هذا كان مستقلاً في الحقبة ما قبل المصحف العثماني. في العبارة الأولى (ص 12) يخبرنا يزيد بن معاوية (قد يكون هذا يزيد بن معاوية النخعي الذي قتل لاحقاً في غارة على بلاد فارس، تهذيب التهذيب 360:11) كيف كان يوماً في مسجد في أيام الوليد بن عقبة (أثناء فترة حكمه للكوفة قطعاً 25-30) حيث انضمّ إلى دائرة كان فيها حذيفة بن اليمان، لأنه في تلك الأيام لم يكن ثمة موظفون في المساجد، فصرخ صارخ: "ادعوا الذين يتلون بحسب قراءة أبي موسى يأتون إلى الزاوية قرب باب كندة، وأولئك الذين يتلون بحسب ابن مسعود يأتون إلى الزاوية قرب بيت عبد الله". حين سمع حذيفة باختلاف الجماعتين في قراءتيهما احمر وجهه من الغضب، وشق ثوبه في المسجد، وأقسم أن لا بدّ لأحدهم أن يجعل الخليفة يأخذ إجراءات ضد هذا الوضع. العبارة الثانية (ص 13) هي تلك التي تنسب لأبي الشعثاء وتتحدّث عن كيفيّة أن حذيفة هذا ذاته تذمّر من أن البصريين كانوا يقرأون بحسب أبي موسى والكوفيون بحسب ابن مسعود، وهو ما يمكن اعتباره قراءة مختلفة لرواية الأولى. العبارة الثالثة تنسب لعبد الله بن حكم الكلبي الذي يخبرنا كيف دخل إلى بيت أبي موسى عندما كان رسولاً يحمل من عثمان نسخة من المصحف الجديد الذي كان عليهم اتباعه. وما أن أخذوا المصحف الجديد قال أبو موسى: "لا تحذف من مصحفي ما تجده زيادة عن هذا المصحف، لكن كل ما لا تجده في مصحفي من هذا المصحف اكتبه فيه) جفري. {{مصحف أبي موسى الأشعري:}} بعد إشارات نادرة إلى وجود مصحف يحمل اسم الأشعري، نقرأ إشارات نادرة أيضاً إلى فروقات هذا المصحف. يقول السيوطي في الإتقان: "عن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة نحو براءة ثم رفعت وحفظ منها: إن الله سيؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم، ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى واديا ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب! وأخرج ابن أبى حاتم عن أبي موسى الأشعري؛ قال: كنا نقرأ سورة نشبهها بإحدى المسبحات ما نسناها، غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ما لا تفعلون: فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة" ( 258 ).

 

وفي مرجع آخر نقرأ: "جمع أبو موسى القرآن، فقال: لا تدخلوا علي إلا من جمع القرآن، قال: فدخلنا عليه زهاء ثلاثمائة فوعظنا، وقال: أنتم قراء أهل البلد، فلا يطولن عليكم الأمد، فتقسو قلوبكم كما قست قلوب أهل الكتاب، ثم قال: لقد أنزلت سورة كنا نشبهها ببراءة طولاً وتشديداً حفظت منها آية: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لالتمس إليهما وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف بن آدم إلا التراب. وأنزلت سورة كنا نشبهها بالمسبحات أولها سبح الله حفظت آية كانت فيها: "يأيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم ثم تسألون عنها يوم القيامة" ( حلية الأولياء، الأصبهاني، 137). في سمط اللآليء للميمني، نجد شيئاً مشابهاً: "عن أبي موسى الأشعري قال: نزلت سورة كنا نشبّهها في الطول ببراءة فرفعت وحفظ منها "لو أن لابن آدم واديين من مال لابتغى إليهما ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلاّ التراب، ويتوب الله على من تاب" ( 2 ).

 

يمكن أن نستنتج من إفتاء الأشعري بجواز المتعة أنه ربما كان يقرأ آية المتعة كما قرأها ابن عبّاس. ورد في أحد المراجع: " وذكر بعد هذا من رواية أبي موسى الأشعري (رض) أنه كان يفتي بالمتعة ، ويحتج بأمر النبي (ص) بذلك" (صحيح مسلم بشرح النووي، الحج، المتعة بالحج والعمرة). نعود الآن إلى نص جفري لإجمال الموضوع: (يقال إن مصحفه احتوى سورتين قصيرتين إضافيتين زيادة عن المصحف العثماني واللتين نجدهما في مصحف أبي بن كعب (اتقان، 154)، وبين أيدينا مراجع لهما وقد تضمنتا حديثاً عن جشع الإنسان (صحيح مسلم 1، 285، 286)، وهما موجودتان كما قلنا في مصحف أبي. في المقطع الذي يدوّن فيه هذه الآية يحدثنا مسلم كيف جمع أبو موسى ثلاثمائة من القرّاء في البصرة وكيف ذكر لهم أنهم اعتادوا قراءة سورة تعادل في طولها وصعوبتها السورة الرابعة والتي لا يمكنه أن يتذكّر منها غير هذه الآية حول جشع الإنسان، وأنهم اعتادوا قراءة سورة تشبه المسبّحات ( أي السور 57، 59، 61، 62، 64، والتي تبدأ إما بسبّح أو يسبّح )، لكنه لا يتذكّر منها غير الآية: "يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم ثم تسألون عنها يوم القيامة ".

 

وهذه دون شك بقيّة مواد كانت في مصحفه قبل تدميره نتيجة لقوننة النص العثماني ) جفري. نوثق الحديث السابق، فنورد من صحيح مسلم: "‏بعث ‏ ‏أبو موسى الأشعري ‏ ‏إلى قرّاء أهل ‏ ‏البصرة ‏ ‏فدخل عليه ‏ ‏ثلاث مائة رجل قد قرءوا القرآن؛ فقال: أنتم خيار أهل ‏البصرة ‏ ‏وقراؤهم فاتلوه ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم كما قست قلوب من كان قبلكم. وإنا كنا نقرأ سورة كنا نشبهها في الطول والشدة ‏ ‏ببراءة ‏ ‏فأنسيتها غير أني قد حفظت منها ‏ ‏لو كان لابن ‏ آدم ‏واديان من مال لابتغى واديا ثالثا ولا يملأ جوف ابنى ‏آدم إلا التراب ! وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى ‏ ‏المسبحات ‏فأنسيتها غير أني حفظت منها: يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة" ( صحيح مسلم، الزكاة، لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثاً ). {{ فروقات مصحف أبي موسى الأشعري:}} (لم يحفظ لنا الأدب القرآني فعليّاً غير قراءات قليلة للغاية من مصحف أبي موسى الأشعري. والرأي القائل إن أبو رجاء ( مات عام 105 ) ( طبقات ابن الجزري 604:1 )، أبو شيخ ( مات عام 100 تقريباً ) وحطّان بن عبد الله ( مات عام 73؟ ) تلقّوا كلهم قراءاتهم منه هو محاولة للإيحاء أن القراءات غير القانونيّة العديدة المسجّلة من هؤلاء القرّاء الثلاثة إضافة إلى تلك القراءات المأخوذة عن الحسن البصري ( مات 110 ) الذي كان تلميذاً لحطّان، حيث أنهم كلهم استمرار لتقليد قراءات مدرسة البصرة غير القانونيّة، إنما ترجع إلى مصحف أبي موسى. لكن لا بدّ من أن نحسب في كل حالة حساب جداول أخرى من التأثير، وهكذا ففي حالاتهم لا يمكن أن نثق أن القراءات المحفوظة لنا والتي تنسب لهم يمكن أن تعزا بالفعل إلى مصحف أبي موسى. ثمة دليل على أن قراءاته استمرت في الذاكرة لعض الوقت في البصرة تقدّمه لنا حقيقة أن شدّاد ( ابن الجزري، طبقات 324:1 ) كانت لديه منه رواية في حروف، وبين الفينة والأخرى يتم الاستشهاد بقراءات لأبي طالوت ( مات عام 130؛ ابن الجزري، طبقات 385:2 ) بن شدّاد.

 

من المرجح أن محمد بن أبي موسى الذي يستشهد ابن أبي داود بمصحفه ( ص 90 ) في قراءة " لا يفقهون " بدل " لا يعقلون " في السورة 103:5، هو ابن أبي موسى الأشعري وبالتالي فالقراءة مستمدة من مصحف أبي موسى ) جفري. لا يوجد غير بضع قراءات نادرة حفظتها لنا المصادر الإسلاميّة، يقال إنها كانت في مصحف أبي موسى الأشعري؛ وهذه هي: 124:2: إبراهيم قرأها إبراهام؛ وكانت تلك قراءته حيثما ورد الاسم في القرآن، كما هي الحال في مصحف ابن الزبير. 103:5: لا يعقلون قرأها لا يفقهون. وهنا القراءة مستمدة من ابنه كما يفترض. 36:22: صواف قرأها صوافى مثل أبي والحسن البصري. 9:69: من قبله قرأها من تلقاءه، مثل أبي وابن مسعود.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This