فرويد وخصومه

بين سنتي 1911، 1913 وقعت في أوروبا حركتان انفصليّتان عن التّحليل النّفسيّ، قادهما رجلان كان لهما من قبل دور معتبر في العلم الجديد، هما ألفرد أدلر ويونغ. وقد أنذرتْ كلتا الحركتين بأكبر الخطر، وسرعان ما التفّ حولهما الكثير من الأتباع.


على أنّ قوّتهما لم تأت من فحواهما الخاصّ، بل ممّا كانتا تنطويان عليه من إغراء بالتّبرّؤ من الأمور المنفّرة في التّحليل النّفسيّ دون حاجة إلى نبذ مادّته الفعليّة. حاول يونغ أن يأتي لحقائق التّحليل النّفسيّ بتأويل جديد يتّصف بأنّه تأويل مجرّد لا يُستمدّ من خبرات الشّخص ذاته أو من تاريخه، آملا من وراء ذلك أن يتخطّى الحاجة إلى الاعتراف بأهمّيّة الجنسيّة الطّفليّة وعقدة أوديب، فضلا عن ضرورة أيّ تحليل للطّفولة. أمّا أدلر، فقد بدا أكثر ابتعادا عن التّحليل النّفسيّ. أنكر إنكارا باتّا أهمّيّة الجنسيّة، وردّ تكوين الخُلق وأمراض العصاب إلى مبدإ واحد هو رغبة النّاس في القوّة، وحاجتهم إلى تعويض ما بهم من نقص جبلّيّ، وألقى بكلّ الكشوف السّيكولوجيّة التي توصّل إليها التّحليل النّفسيّ أدراج الرّياح. بيد أنّ ما نبذه عاد رغما عنه إلى مذهبه المغلق متّخذا أسماء جديدة، فهذا "احتجاج الذّكورة" ما هو إلاّ الكبت متّسما بالجنسيّة دون مبرّر.
كان نقدي للخارجين نقدا رفيقا، ولم أزد على أن أصررت على أن يعْدل كلّ من أدلر ويونغ عن تسمية نظريّتهما "تحليلا نفسيّا". والآن، بعد مضيّ عشرة أعوام يمكننا أن نقرّر أنّ هاتين المحاولتين ضدّ التّحليل النّفسيّ مرّتا دون أن تنالاه بسوء.

لو أنّ مجتمعا قام على اتّفاق على بعض النّقاط الرّئيسيّة، ثمّ خرج أناس على ذلك الأساس المشترك، فمن الواضح ألاّ يصبحوا بعد ذلك منتسبين إلى ذلك المجتمع. بيد أنّ انشقاق تلاميذ قدماء عنّي، غالبا ما اتّخذ ضدّي دليلا على تعصّبي لرأيي أو اعتبر نذيرا بقدر ما معلّق فوق رأسي. ويكفي ردّا على ذلك أنّه في مقابل أولئك الذين هجروني من أمثال يونغ وأدلر وشتيكل، وقليل معهم، ظلّ عدد كبير من الرّجال شأن أبراهام وأيتنجتون وفرنتزي ورانك وجونس وبريل وساكس وبفيستر وفان إمن ورايك، وغيرهم يعملون معي حوالي خمسة عشر عاما في تعاون مخلص وصداقة لا تنفصم عراها. على أنّني لم أشر إلاّ إلى أقدم تلامذتي، أولئك الذين كوّنوا لأنفسهم فعلا اسما لامعا في مؤلّفات التّحليل النّفسيّ. وإذا كنت قد أغفلت ذكر غيرهم، فلا يؤخذنّ ذلك على أنّه استهانة بهم، فالواقع أنّنا نجد بين أولئك النّاشئين والذين انضمّوا إليّ أخيرا مواهب نعلّق عليها أكبر الآمال.


ولكن أظنّ أنّ بوسعي أن أقول دفاعا عن نفسي إنّ رجلا متعصّبا لرأيه، يتملّكه اعتداد مكابر بأنّه معصوم من الخطإ، ما كان بوسعه مطلقا أن يحتفظ بوفاء ذلك العدد الكبير من أذكياء القوم، وبخاصّة وإن كان مثلي لا يحظى إلاّ بالنّزر اليسير من المغريات العمليّة
.

سيغموند فرويد

حياتي والتّحليل النّفسيّ

1925

ترجمة مصطفى زيور وعبد المنعم الملّيجي

دار المعارف، القاهرة، الطّبعة الرابعة، 1994 ، ص ص 80-81. (الطّبعة الأولى 1954)

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This