في أهمّيّة ما لا أهمّيّة له وفي المعرفة بالضّئيل وما لا يكاد يُرى

هناك ولوع تقليديّ ومتأصّل لدى الإنسان بالصّروح العظيمة وبكلّ جليل وشاهق ومنتصب. تدلّ على ذلك النّصب والأهرامات والقصور والمعابد الشّامخة في كلّ مكان من المعمورة. وهناك في الوقت نفسه ولوع بالواضح وضوح الشّمس، وبالسّاطع، وبالنّور الذي يخطف الأبصار.

ما يغذّي هذا الولوع نزعات يمكن أن نقول عنها إنّها قضيبيّة فحوليّة، ولكن يمكن أن نقول عنها بكلّ بساطة إنّها بشريّة، أساسها الخوف من الإخصاء، ومن الموت والعدم والمجهول، ومن الظّلام الذي يبدو مرادفا لكلّ السّلبيّات. ترجمة هذا الولوع في مستوى المعايير البلاغيّة والأدبيّة في التّراث العربيّ ربّما تكون نظريّة البيان، في نشدانها النّصّ الواضح المباشر الذي لا غبار عليه، والخطبة التي تقرع الآذان وتأخذ بمجامع القلوب، والمطوّلات الشّعريّة الفخمة الجزلة، وفي تمجيدها الرّجل البليغ الذي يعدّ لسانه نظيرا للعضو الذّكوريّ الممتلئ بدفق الحياة، في مقابل العييّ الذي لا يطيعه لسانه فيتمتم ويمهمه ويتعثّر.

وربّما بقي في البنيويّة بتطبيقاتها النّصّيّة صدى لهذا النّزوع البشريّ إلى الاهتمام بالمعمار وبالمعلم والنّور السّاطع، رغم أنّ مفهوم البنية باعتبارها مجموعة من العلاقات بين العناصر، لا مجموعة من العناصر المادّيّة، يمكّن من تجريد لا غنى عنه في كلّ محاولة فهم وعقلنة.

يحيّي جاك درّيدا البنيويّة في تطبيقاتها على النّصوص، لأنّها ابتعدت عن التّقليد، ومن أهمّ مظاهره في هذا المجال مفهوم التّعبير الذي يفترض وجود معان مسبقة يلتقطها الكاتب أو يوظّفها، أو “يهدف إلى إبرازها”، أو غير ذلك من العبارات المسطّحة للفعل الإبداعيّ.. إلاّ أنّه، وهو النّافر من مفهوم “القطيعة الأبستمولوجيّة”، ينتبه إلى توتّر داخليّ يجعل البنيويّة مسكونة بالمسلّمات التّقليديّة التي جاءت بديلا عنها. فالبنيويّة تهتمّ بالكلّ ولا تقصي أيّ عنصر، ولا تأخذ بثنائيّة الجوهر والعرض، ولكنّها في الوقت نفسه، ومن خلال حرصها على الكلّ تترك أشياء هامّة خارج مجال الدّراسة. تترك كلّ ما لا يخضع إلى هندسة ونظام وعقلنة وتجريد. ومن خلال حبّها للكلّ تعود إليها مسلّمات القصديّة، بما أنّ الكلّ بنيان يشدّه مبدأ موحّد يسري داخل النّصّ ويخدم مقصدا أو غاية محدّدة. ومن خلال حبّ البنيويّة للكلّ، تعود إليها المسلّمات المثاليّة، بما أنّ تحليل النّصوص يصبح بحثا داخلها عن بنى وثوابت شكليّة أو وظائف سرديّة، تكاد تكون موجودة خارج النّصوص أو قبلها.

إنّها إذ تريد الكلّ لا تحصل إلاّ على كلّ من نوع خاصّ، تنتفي منه الجزئيّات والتّفاصيل التي لا يأبه بها من يبتعد أو يرتفع ليرى كلّ شيء، ومن يسلّط النّظر، ولا يرى إلاّ ما يَفرض رؤيتَه على الأنظار. إنّها في نهاية المطاف تعرّي النّصوص من إشاراتها وفراغات صمتها، ومن عثراتها وبوحها بما لا تريد البوح به، أي من كتابتها. ولهذا السّبب اعتبرها درّيدا “ماليخوليّة” في تعلّقها بوهم الكلّ، الذي يفضي بها إلى أن لا ترى في النّصّ إلاّ “هندسة مدينة مقفرة، أو معصوف بها، لم تترك منها كارثة من كوارث الطبيعة أو الفنّ سوى هيكل عظميّ”. (الكتابة والاختلاف، ص 13 من النّصّ الفرنسيّ)

أكاد أشبّه هذه البنيويّة بغراب البين، يأتي لينعق بعد تحوّل الدّيار العامرة بالحركة والشّوق إلى رسوم شاخصة ساكنة باهتة. ولكنّ المحلّل البنيويّ، في بحثه عن الكلّ وعن الهندسة العامّة لا يرى الأطلال والرّسوم والآثار، بل يرى ما بناه وهْمه من صروح قضيبيّة منتصبة. وعلى جدران هذه الصّروح، ولأنّه يعوّض ما يعتمل داخلها من شوق بما يعتمل داخله من وهم الكلّ والبنيان المرصوص، لا يريد أن يرى البصمة التي خطّتها يد مرتعشة، ولا يرى ما لا يكاد يُرى من شروخ، أو من نشاز داخل الانسجام، ومن لامعقولات صغيرة تنبثق من هنا وهناك في غير ترتيب. فالبنيويّة ظلّت في جهازها المفهوميّ أسيرة لدالّ البنية المرئيّ والفضائيّ. إنّها معرفة تريد السّيطرة بالبصر وتبقى محكومة باستعارة النّور الكاشف “المسلّط” على الأشياء.

هذا صدى لجزء من تفكيك درّيدا للبنيويّة في تطبيقاتها النّصّيّة يعود إلى سنة 1967، أذكّر به وأنا أتذكّر عبارة لفرويد علقت بذهني منذ سنوات دراستي الأولى ولا أملّ تكرارها، مفادها أنّ لون منقار الطّائر في الحلم وفي تفسير الحلم قد يكون أهمّ ما في الحلم، وأهمّ من هندسة الحلم أو”بنيته العامّة” كما نقول اليوم. لم يكن درّيدا محلّلا نفسيّا، ولم يقبل على تجربة شخصيّة في التّحليل النّفسيّ، إلاّ أنّه في تقديري الفيلسوف-الكاتب الذي تبنّى التّحليل النّفسيّ في أهمّ مكتشفاته، ورعاه رعايته للكتابة وللأثر، ولمبدإ حدوث المسافة بين الدّال ومدلوله.

وكنت أبحث عن العبارة الفرويديّة التي لهجت بها ونسيت مصدرها، عندما عثرت على هذا النّص الذي يعود إلى سنة 1916، والذي يردّ فيه فرويد على خصوم التّحليل النّفسيّ، إذ يعيبون عليه اهتمامه بصغائر الأمور وبالهنات. هذه الصّغائر والهنات هي التي تعرض عنها العلوم الأخرى حسب فرويد وينصبّ عليها اهتمام التّحليل النّفسيّ. يقول فرويد في مجادلة خصومه :

“… ألستم تخلطون في نقدكم بين أهمّيّة المسائل ومدى ظهور العلامات؟ ألا توجد أمور هامّة لا تظهر، في بعض الظّروف وبعض اللّحظات، إلاّ من خلال علامات ضئيلة جدّا؟ من اليسير عليّ أن أقدّم لكم أكثر من وضعيّة من هذا القبيل. أيّها الشّبّان، ألا تهتدون إلى حصولكم على مودّة هذه الفتاة أو تلك من خلال علامات غير ظاهرة للعيان؟ هل تنتظرون لمعرفة هذا من الفتاة إعلانا صريحا عن الحبّ، أو تنتظرون منها أن تلقي بنفسها في أحضانكم؟ ألا تكتفون بالأحرى بنظرة عابرة أو حركة غير ظاهرة للعيان، أو مصافحة تكاد لا تكون أطول من المصافحة العاديّة؟ وإذا كنتم قضاة، تقومون بالتحقيق في جريمة قتل، هل تنتظرون من القاتل أن يترك صورته وعنوانه، أم أنّكم تكتفون لمعرفة هويّة المجرم بآثار تكون في الغالب ضئيلة ولا يؤبه بها؟ لا تحتقرنّ إذن العلامات الصّغيرة، فإنّها تجعلنا نقتصّ أثر أشياء أكثر أهمّيّة.” (مقدّمة في التّحليل النّفسيّ، ص 17، وقد ترجمت الفقرة من الفرنسيّة).

لا شكّ أنّ فرويد في هذا الخطاب السّجاليّ، فاته أو تجنّب أن يقول إنّ بعض القتلة يتركون في مكان الجريمة بطاقة هويّتهم أو عنوانهم، رغبة منهم، لاشعوريّة، في أن يقتصّوا من أنفسهم، وفي أن يعاقبهم القانون الذي انتكهوه.. ولكنّ هذا المعطى لا يغيّر شيئا من أهمّيّة العابر والضّئيل وما لا يكاد يرى رؤي العين.
ملاحظات فرويد وتفكيك درّيدا للبنيويّة، وهو يتعقّب آثار فرويد ولا شكّ، تقدّم لنا درسا في التّواضع، وفي الإقلاع عن “تسليط الأضواء” على ما يُرى، لتلمّس ما لا يكاد يُرى.

تستهوي المناهج البنيويّة والسّيميائيّة والسّرديّة الوظائفيّة الأكاديميّين وتمكّنهم من الطمأنينة التي يبحثون عنها إذ ينفرون من الضّئيل ومن المظلم وممّا لا يكاد يُرى ولا يكاد يُعقلن بيسر، نفورهم من التّفكير في حدود النّظر والمنهج. فتبقى معرفتهم محكومة بقواعد أبستمولوجيا غير مؤهّلة لدراسة الخاصّ، ولدراسة الكتابة، وتبقى مسكونة بحداثة ديكارتيّة لا تتجاوز مفهوم ذات الكوجيتو الواعية بذاتها والمتطابقة مع ذاتها. نعم الكاتب يكتب بيدين لا بيد واحدة (كما ذكر ذلك عبد السلام بنعبد العالي في شذرته “الكتابة بيدين”، موقع الأوان بتاريخ 30/3/ 2008). ولنفترض، من باب التّفكير الأسطوريّ، أنّ إحدى اليدين تبني بوثوق صرحا مجيدا باديا للعيان، والأخرى تثقب ما بنته الأولى، أو تخدشه خدوشا صغيرة، وكأنّها ترسم عليه رغبة في عدم البناء، أو تكتب عليه جرحا يسبّبه البناء، أو تبصمه حتّى لا يضيع في بحر الأبديّة…

تحضرني صورة نساء كنت أراهنّ يصنعن الرّغيف أو الكعكعة، بكلّ ما أوتين من حذق وقوّة عضليّة. ولكنّهنّ عندما يفرغن من العجن والعرك والقطع كنّ ينمّقن مصنوعاتهنّ برموز وخطوط لم أكن أفهمها، إنّما كنت أقدّر أنّها شبيهة بالوشم على الأيدي. لم تكن من حاجة إلى هذه العلامات المبهمة لصنع الرّغيف أو أكله. لا سيّما أنّ النّار إذ تلتهم الرّغيف تطمس معالم الوشم عليه. ما أراه اليوم هو أنّ اليد التي كانت تثقب الرّغيف هي التي كانت تضع بصمة تصارع ألسنة اللّهب ثمّ الأفواه.

إلاّ أنّ تفكيرنا محكوم بالخطّيّة والفضائيّة، فاليدان اللتان تكتبان هما بالأحرى يد واحدة، تشتغل في الوقت نفسه بطريقتين مختلفتين حسب كيمياء لا نفقهها. درس التّواضع المعرفيّ والأخلاقيّ الذي يمليه علينا تفكيك البنيويّة لدى درّيدا، وتنبيهات فرويد قبله، والخبز الذي كانت تصنعه النّساء، هو أهمّيّة الوسم الضّئيل على الهرم المتعاظم، والخطّ الدّقيق اليائس على المعلم الجليل الجالب للأنظار.

فالرّغيف ليس فحسب ما تقبل عليه الأنظار والألسنة، بل ما تخطّه عليه أصابع النّساء ممّا لا يكاد يُرى وممّا يمكن أن نراه مع ذلك.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This