في التاريخ المجهري : حادثة خصومة الطاهر الحداد مع شيخ الإسلام سنة 1919 مثالا ( 1/3 )

اشتهر المصلح الطاهر الحداد ( 1899- 1935) بأفكار التحديث العصري ومقاومة الجهل والتَزمت وبرز بمساندته للفكر النقابي الوطني فألّف سنة 1927 كتاب :” العمال التونسيون وظهور الحركة النقابية” ثم ألّف سنة 1930 كتابه المشهور : “امرأتنا في الشريعة والمجتمع” والذي خصصه للدفاع عن حرية المرأة وقد جلب له الكتاب نقمة المتزمتين وغضب المحافظين الذين كفروه ونبذوه وألّبوا العامة عليه فمات كمدا بعد أربع سنوات من العزلة والمكابدة.

لم تنطلق مصادمات الطاهر الحداد ونضالاته ضد حرّاس معبد المحافظة والتحجّر سنة 1930 بل برزت منذ فترة شبابه عندما كان طالبا زيتونيا مستنيرا فقد شارك رفاقه سنة 1919 حركة احتجاج سلمي ضد بعض إجراءات إدارة الجامع التي رأوا فيها غبنا لحقوقهم وانتهت هذه الهبّة الاحتجاجية العابرة إلى خلاف بل خصومة حادة بين الطاهر الحداد وشيخ الإسلام ناظر جامع الزيتونة .

لم تكن تلك المشاجرة هي الأولى ولا الأخيرة في مسيرة الحداد وفي تاريخ مشيخة الجامع الزيتوني فهي من الأحداث الدورية بالنسبة للعارفين بتاريخ الحركة الطالبية والثقافية الزيتونية وسنحاول تسليط منهاج التحليل المجهري على الحدث لفهم أبعاده ودلالاته .

لكننا سنترك الطاهر الحداد وعالمه على حين للتعريج على مفهوم المقاربة المجهرية في التاريخ بوصفها أداة من أدوات المعرفة التاريخية.

” في ايطاليا بداية من ثمانينات القرن العشرين برز تيار “الميكروستوريا” Microstoria وتحول ذلك التيار تدريجيا إلى حقل من حقول البحث التاريخي ثم مدرسة بأكملها اكتسبت إشعاعها وصيتها العالمي اليوم و هناك من يعرّب المصطلح بالتاريخ المجهري وأحيانا التاريخ المصغّر وهناك من يستعمل مصطلح ” الميكروتاريخ “.

انطلقت المقاربة المجهرية في التاريخ مع جيل من المؤرخين الماركسيين الايطاليين الذين قاموا بعملية نقد ذاتي لتجديد تحاليلهم ومواكبة الواقع المأزوم خلال ما يعرف بـ” سنوات الجمر” التي تراجع فيها دور الحزب الشيوعي الايطالي وبرزت الحركات اليسارية المتطرفة وخصوصا منظمتا “الألوية الحمراء” و” العمل المباشر”.

واقتنع هؤلاء المؤرخون منذ منعطف السبعينات بعقم الدراسات الهيكلية والكمّية التي أفرطت في الاهتمام بتاريخ الطبقات والفئات الاجتماعية وأهملت دور الفرد في صنع الحدث وما له من هامش في حرية الفعل كما انتقدوا مبالغات التعميم والنمذجة الاقتصادوية التي أهملت دراسة ذهنيات الفاعلين العاديين وثقافة البسطاء وغيّبت الحدث وتفاصيله فحوّلت الكتابة التاريخية إلى قالب يبرز الفاعلين في شكل آلات آدمية أو دمى متحركة.

طرح رواد ” الميكروستوريا” في ايطاليا بعد منعطف 68 وبعد “رفع الحظر” على أفكار غرامشي مسألة الاهتمام بذهنيات الفاعلين المباشرين وثقافتهم وخيّروا تكشّف تاريخ الجماعات من الأسفل وفق منهج مجهري يدقّق تفاصيل الفعل أو الأثر ويهتمّ بالنسق العاديّ وغير الاستثنائي لحياة الفاعلين.

كانت القناعة سائدة بضرورة الاهتمام بالفاعل العاديّ في إطار محلّي مصغّر(القرية و الحي ، الورشة، المزرعة…) وعدم التركيز على الفوقي سواء كان مؤسسة أو نظرية وقد كان الرهان على كتابة تاريخ الإنسان العادي في نسقه السائر بأسلوب أدبي واضح وبديع وتجنب صنميّة اللغة العلمية الصعبة والتقليل من التطوح في الإحالات وهو نوع من الإدانة لاستمرار مراهنة المؤرخين العصريين على مُثل أكاديمية عتيقة موروثة من العصر” السنيوريالي – السكولاتستيكي” وعلى التمسك بكتابة لتاريخ الأبطال الخارقين والرجال العظام في أزمان الشدائد الاستثنائية ومراحل الكر والفر.

Small is beautiful

تخير رواد التاريخ المجهري المراهنة على كتابة سلسة ورقيقة في شكلها، ومضمونها تنطلق من الوصف ثم تعمد إلى التركيب والتأويل واستنتاج المؤشرات في شكل وقتي ونسبي دون إدعاء كشف الحقائق النهائية.

تكمن مجهرية التحليل في تصغير السلّم وتغييره فيكون الانطلاق بمحاولة تفحّص الحدث بصفة مدققة وفهمه في سياقه الخصوصي ثم تأتي عملية التركيب والتكبير والاستنتاج . فالعملية في لبّها هي مراوحة بين ” الميكرو” و”الماكرو” في شكل انتقال من المجهري إلى المكبّر والتصغير في هذه الحالة هو وسيلة لا غاية . وسيلة يراد بها تكشّف العالم السفلي للأفراد الفاعلين واستخراج ملاحظات “مرفولوجية” أو مجرد دلالات و إيحاءات رمزية تتحول إلى مؤشرات وتفضي ربما إلى ” براديغمات”.

برز في صلب التيار الميكروستوري خطان. الأول ركّز على المقاربة الاجتماعية والثاني على المقاربة الثقافية ومن أشهر رواد الميكروستوريا مجموعة من المؤرخين اللامعين من كارلو بوني وصابينا لوريقا وكارلو قينزبورغGiovanni Lévi أبرزهم جيوفاني ليفي وهو أشهرهم على الإطلاق وقد ولد بمدينة تورينو سنة 1939 .Carlo Ginzburg وقد اهتم بالتاريخ الثقافي وتحديدا بعالم الذهنيات والسحر والشعوذة في العصر الحديث وذاع صيته بداية من ثمانينات القرن العشرين بالتدريس في الجامعات الأمريكية خاصة في كاليفورنيا ولوس أنجلس وقد اكتسب شهرته من كتابه الموسوم ” الجبنة والديدان” والذي أصدره سنة 1976 ثم ترجم بداية من سنة 1980 إلى عدة لغات .

والكتاب هو عبارة عن درس منهجي شيق في التأريخ ” بالمجهري” فقد انطلق كارلو قينزبورغ من وثائق الأبرشيات بمنطقة أودينة الايطالية لدراسة حالة مينوكيو وهو مجرد طحان حبوب فقير في منطقة الفريول الايطالية لكنه زاغ عن طريق التسليم الإيماني وتجرّأ على التفكير بانتقاده صكوك الغفران وبتشكيكه في بعض الطقوس الكنسية وفي قداسة اللغة اللاتينية المستعملة في العبادات فاتُّهم بالزندقة والهرطقة وقُدّمَ إلى المحاكمة سنة 1583 ونال عقاب النفي ثم تمت إدانته ثانية بعد 15 سنة وقرر المجمع الكنسي في آخر الأمر إرساله إلى المحرقة لتطهير روحة المسكونة بالشرور فمات مشويا مثل الملايين من عَبَدة العقل .

لم يركّز المؤلف على دراما التكفير والمحارق بقدر ما انطلق من أفكار طحّان الحبوب الذي جادت قريحته بتصور طريف للعلاقة بين المادة و الروح اختزلها في علاقة الجبنة بالديدان الذي استنبط منه عنوان الكتاب فمادة الأجبان المليحة هي التي تجود في حالة صفائها ونقاوتها بالديدان تلك الأرواح المتحركة والملائكة المنبعثة من صلب مادة معتّقة.

انطلق قينزبورغ من مسلّمة مفادها ضرورة الاستعاضة عن كتابة ملاحم الملوك بكتابة تاريخ العاديين من البسطاء فقد حدثتنا أسفار التأريخ الكلاسيكي عن الأباطرة الذين ظهرت في عصرهم الحدائق المعلقة و الأهرامات أو أبواب طيبة و لم تحدثنا عن المشيدين الحقيقيين لتلك المعالم .تنطلق الميكروستوريا بتساؤلات قد لا تتعقبها إجابات مباشرة لكنها تمهّد السبل منهجيا للنظر في الحدث من زاويا جديدة والتأمل فيه بصفة مجهرية تفصيلية.

قام قينزبورغ في كتابه بعملية تبويب وتركيب وانطلق من عالم طحّان الحبوب لفهم علاقة الأنساق الثقافية المجتمعية من الأسفل إلى الأعلى واستنجد بتحاليل قرامشي حول الطبقات التابعة Les classes subalternes ليستنتج في الأخير بأن الحديث عن” الـ” ثقافة أو ثقافة المجتمع هو تسطيح تضليلي والأصح هو الحديث عن ثقافات المجتمع وبأن ثقافة الطبقات الشعبية أو ما يعرف بالفلكلور ليست دوما نتاجا لثقافة الطبقة المهيمنة .

واجه قينزبورغ مشكلا منهجيا يتمثل في صعوبة النّفاذ لتاريخ الفئات التابعة التي أرخ لها أعداؤها و لم تخلّف في الغالب تراثا مكتوبا بل مجرد مآثر شفوية دوّنها القلم العدلي أو الفقهي الرسمي .

قام قينزبورغ بعملية استنطاق وثائقي لفك رموز الثقافة الشعبية وانطلق من المثال المصغر والمجهري لمثقف قطاعي امتهن طحن الحبوب و لم يرضخ للتسليم بالأفكار الكنسية الجامدة. وراح كارلو قينزبورغ من خلال تلك الصغائر يؤرخ للكبائر، فخاض في تاريخ أفكار الإصلاح الديني اللوثري لا من عالم مارتين لوثر الذي أشبع بحثا بل انطلاقا من عالم طحان الحبوب البسيط كما راح يؤرخ للطباعة والمطبعة ولتحليل الخطاب و للمبادلات الثقافية و لتاريخ المؤسسات من خلال عالم مينوكيو الذي اعترف في أواخر القرن السادس عشر بتجاسره على قراءة كتب مطبوعة و ممنوعة خاضت في مسائل الإيمان و فلسفة التديّن من بينها حسب تخمين قينزبورغ نسخة للقرآن مترجمة إلى الايطالية .

نترك هذا الحدث المجهري المستوحى من تراث الجمود الكنسي المسيحي للعودة إلى حادثة خصومة الحداد مع الشيخ حميدة بيرم ناظر جامع الزيتونة و شيخ الإسلام بتونس سنة 1919.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This