في الصفع وما فيه من الفوائد والنفع !
مختار الخلفاوي

كان المقتدر باللّه العبّاسيّ ( تـ 320 هـ ) يستعذب صفع جلاّسه في أوقات سروره وغمّه، وفي طربه وأدبه، حتّى أُثِر عنه قوله الظريف الذي عدّ فيه الصفعَ إحدى اللّذّات الأربع: حلق اللّحى الطويلة العريضة، وصفع الأقفية الّلحميّة، وشتم الأرواح الثقيلة البغيضة، والنظر إلى الوجوه الصبيحة المليحة !

ولئن كنت أوافق المقتدر في لذّتيْن، هما شتمُ الثقلاء والنظرُ إلى وجوه الملاح، فإنّني أخالفه في الثنتيْن الباقيتيْن. أوّلا فإنّ من السنّة إعفاء اللّحى لا حلقها، إلاّ إذا كان الحلق على سبيل التأديب، وثانيا، فإنّ صفع الأقفية لا تطلب لِذاتِها اللّحميّة بقدر ما تنصرف إلى من يستأهل الصفع كالتيّاه الذي ورد عنه الخبر في الحديث. ثمّ، إنّنا لن نعدم من يسارع، اليوم، إلى دفع هذه الخطّة السلطانيّة والملوكيّة التي تقتضي وجود فريق من المنصفعة الجاهزين للصفع في حاليْ الطرب أو الأدب أو في حاليْ الفرح والغمّ، بحجّة أنّها لا تليق بكرامة الجسد البشريّ، وأنّها تدخل في منظومة قمعيّة تقوم على نزعات سادو – مازوشيّة: كفّ تصفع مبسوطةً أو مضمومة وقفًا تستعذب الضرب على أنّه من حبيب يذكّر بأكل الزبيب !

ولأنّني ممّن يؤمن، صاغرا، بأنّ سُكر السلطان أشدّ من سكر الشراب، فإنّ الشكّ لم يساورني قطّ في أنّ من تمام الولاية الحلوة الرضاعة والمرّة الفطام توفّر ديوان للمنصفعة يُؤتى بهم عند الحاجة للتنفيس من غضب الأمير حتّى يتفرّغ لسياسة الرعيّة وتدبير شؤونها. كان ذلك إيماني حتّى شهدتُ، كما شهد العالم كلّه، أحد أشراط الساعة: عقب اجتماع سياسيّ حاشد في ميلانو، كان رئيس الورزاء الإيطاليّ سيلفيو برلسكوني يمضي على بعض الأتوغرافات من المعجبين والمعجبات حين اندفع أحد من “العامّة” ليصفعه بمضمومة قضقضت فكّيه وثلمت شفتيْه وأسقطت سنّيْه ! ( يقال إنّ الصافع استعمل مجسّما صغيرا لكاتدرائيّة ميلانو الشهيرة، وقد حقّق المجسّم طفرة في المبيعات بعد الحادثة ).

ما الذي يحدث في البرّ الغربيّ؟ أهان عليهم أولياء أمورهم وظلال اللّه على الأرض لديهم حتّى صاروا يُقْذفون بالبيض الفاسد والطماطم، وصاروا هزءا للعامّة والداصّة والدهماء، ثمّ وصلوا إلى الضرب على الوجه والصفع على الأقفية. تبّا لديمقراطيّة تختلّ فيها المكاييل. ألم يروا إلينا نحن خيرَ أمّة أخرجت للناس، كيف نعامل أولياء أمورنا، ونودّهم، ونحبّهم، ونعشقهم، ونَضْنَى في هواهم ونُفَدّيهم بالمهج والأرواح، وكيف ابتدعنا للناس طبقة منّا: طبقة المنصفعة، رجال من حاشية السلطان أو صاحب النفوذ، وظيفتهم أن يتقدّموا صفّا صفّا ليصفعهم الحاكم بأمره واحدا واحدا حتّى يطيب خاطره، وينفّس عن غضبه، ويعتدل مزاجه، وتهدأ الأخلاط في سويداء نفسه !

كان ذلك على عهد بني العبّاس، حين تمارى الناس للفوز بوظيفة منصفع يتلقّى ضرب “الحبيب”، أو وظيفة صافع إذا كلّ متن الأمير نابه في المهمّة الجليلة. على أنّ دون الفوز بهذه المرتبة السنيّة شروطا أهمّها أنْ يكون المترشّح منهم “حادّ المزاج، عذب الخطاب، رقيق الطبع، صحيح الجسم، خفيف الروح، واسع الخلق، ظاهر الحلم، كريم الاحتمال، قليل القسط، أصيل الرأي، نافذ التدبير..”

وأُجريت للمُنْصَفِعة والصفاعنة رواتب من الدولة. وتنافس الإسكافيّون في بغداد على صنع خفافٍ ونعال تصلح للصفع ( أين منها مجسّم كاتدرائيّة ميلانو؟ )، وانتشرت في الأسواق النعال والخفاف المعمولة لهذه الخطّة، فهذا نعل رأسيّ وذاك ظهريّ وذلك قفويّ، وهكذا..
ومن عبث الأقدار، أنّ مَن أسقط “أرزاق” الصفاعنة، كما تذكر كتب التاريخ، كان وزير المقتدر باللّه نفسه أبو الحسين علي بن عيسى سنة 314 هجريّة.

نحن الذين فُقنا الناسَ في الضرب بالكفّ، أعني كفّا بكفّ في حضرة القائد المعلّم الواحد الأحد. لا، بل نحن الذين ابتدعنا الصفع وجعلناه تحفة “المؤمن” الصالح، وبلغ بنا الوَلَه بأن نكون من المصفوعين حتّى ألّف بعضنا، وهو هازل لا جادّ على كلّ حال، ( في الصفع وما فيه من الفوائد والنفع ) !

كان ذلك صنيع القاضي شهاب الدين أحمد التيفاشي ( 651 هـ القرن السادس الهجريّ ) أصيل “تيفاش” من قُرى “قفصة” التونسيّة التي صارت تتبع “قسنطينة” الجزائريّة الآن، حين وضع، كتابه البديع (نزهة الألباب فيما لا يوجد في كتاب)، ثمّ، عمد إلى تصديره بأمّ الكتاب وهو باب (في الصفع وما فيه من الفوائد والنفع)، لما للصفع من خطر ونفع على الصافع والمصفوع، ولما اشتمل عليه من حِكم ظاهرة ونِعَم غامرة !

يقول التيفاشيّ: “وإنّي امرؤ استنبطتُ العلوم، وحذقت النجوم، وطالعت جميع الكتب بأسرها على اختلاف أجناسها وأصنافها، فلم أجد شيئاً يبقى صلاحه على مرّ الأزمان وتقلّب الأيّام، ومتى اُسْتُعمل كان حاضر النفع ظاهر الحقوق والرفع، لا يؤدّي إلى الفساد في دين، ولا يتعقّبه نَقص في دنيا، ولا على الأنفس منه ثقلة، ولا على الأجسام منه أذى. يدخل في أبواب الخير، ويخرج من أبواب الشر. تقوم عليه الأدلّة، وتشهد له البراهين، لا يقدر طاعن يطعن فيه، ولا مزدرٍ يزدريه، ولا واقع يقع فيه إلا الصفع !..”

أنْ يتجرّأ شخص على النيل من وجه رئيس الوزراء الإيطاليّ الوسيم، فذلك يعني أنّنا إزاء انقلاب ملحوظ للقيم والتقاليد ! وأنْ ينقلب المنصفع إلى صفعان والصفعان إلى منصفع، فذلك من أشراط الساعة تأتينا من البرّ الغربيّ، حيث ينقلب الراعي إلى رعيّة والآكل إلى مأكول والصافع إلى مصفوع.
واللّه وارثٌ الأرضَ ومَن عليها !

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This