في خلفيات القرار التركي بعمل عسكري محتمل نحو شمال العراق

لا يخفى على مراقب أن اندفاع تركيا نحو عملية عسكرية موجهة إلى شمال العراق، لا يستهدف القضاء على مقاتلي حزب العمال الكردستاني المتمركزين في معسكرات هناك، بقدر ما يستهدف مستقبل الكيان الكردي في العراق. عبر عن ذلك بوضوح عدد من الجنرالات في قيادة أركان الجيش التركي في الآونة الأخيرة. وازدادت مخاوف قيادات الجيش بعد تبني الكونغرس الأميركي للقرار بشأن تقسيم العراق إلى ثلاثة كيانات فيدرالية، الأمر الذي تعده تهديداً لوحدة تركيا وأمنها القومي. وتدرك تركيا، على أية حال، استحالة القضاء على حزب العمال الكردستاني بالوسائل العسكرية، بعد فشلها في تحقيق هذا الهدف لأكثر من ربع قرن من الحرب، وبعد مضي ثماني سنوات على اعتقال زعيم الحزب عبد الله أوج آلان، وبالأخص بعد خمس وعشرين عملية توغل عسكري في شمال العراق إبان حكم صدام حسين؛ فضلاً عن أن الجسم الأساسي للحزب المسلح موجود في جبل قنديل داخل الحدود التركية، وعجز الجيش عن القضاء عليه.

وقد وصلت الحكومات التركية المتعاقبة إلى قناعة مفادها أن وجود حزب العمال الكردستاني مرتبط بوجود مشكلة كردية في البلاد، الأمر الذي دأبت الأوساط القومية المتشددة، بما في ذلك الجيش، على إنكاره منذ قيام الجمهورية. وفي العام الماضي تحدث رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، أثناء زيارة له إلى ديار بكر، عن وجود مشكلة كردية. وكانت المرة الأولى التي يتحدث فيها مسؤول تركي عن ذلك. لكن أردوغان لم يتجاوز إقراره بوجود المشكلة إلى اقتراح حلول، ويقتصر الحل إذا وجد، كما يمكن الاستنتاج من تصريحات حكومية، على كلام غائم عن ضرورة تنمية منطقة جنوب شرقي الأناضول، حيث الأغلبية الكردية، والقضاء على الفقر وتأمين فرص العمل.

وإذا كان التهميش الاقتصادي للمنطقة يشكل بعداً هاماً من أبعاد المشكلة، فهو لا يستغرقها بالكامل. وتأتي في مقدمة تلك الأبعاد مطالب الهوية، أي حق الأكراد في التعبير عن انتمائهم الثقافي بحرية، وما يترتب على ذلك من إجراءات قانونية ودستورية. لكن القوى الفاعلة في النظام (الجيش والحكومة والرأي العام) تصم آذانها عن تلك المطالب، وتختزل المشكلة إلى بعدها الأمني – العسكري بإطلاق صفة الإرهاب على حزب العمال الكردستاني وعملياته العسكرية.

في هذا الإطار، شكل دخول حزب المجتمع الديموقراطي (الكردي) البرلمان، في أعقاب الانتخابات العامة في يوليو الماضي، فرصةً للطرفين الكردي والتركي للبحث عن حلول واقعية للمشكلة الكردية التي لا يمكن فصلها عن مشكلة وجود الحزب المسلح. لكن الأشهر الثلاثة المنقضية، منذ ذلك الوقت، لا تعطي الانطباع بجدية الطرفين في البحث عن حل. فمن جهة الحكومة، أطلق أردوغان نداءه الشهير مخاطباً نواب حزب المجتمع الديموقراطي: “قبل الدخول في أي حوار، عليكم أن تعلنوا حزب العمال الكردستاني منظمة إرهابية”. وقد رد عليه أحمد ترك، رئيس الكتلة البرلمانية الكردية، بالقول: “لن نعلن ذلك مجاناً. إذا فعلنا أصبحنا مثلكم”.

معروف أن الحزب الكردي المذكور قد تم تأسيسه بأوامر من أوج آلان، وهو الذي يحدد الخط السياسي للحزب، ويعين قيادته ويسمي مرشحيه إلى الانتخابات. من العبث، والحال هذه، مطالبة الحزب بما طالبه به أردوغان، فضلاً عن أنه لا يقدم أي فائدة سياسية. فقيمة وجود الحزب في البرلمان هي بالضبط في تمثيله الشرعي للحزب المسلح. فقط بهذه الصفة سيكون بوسع الحكومة التركية التفاوض مع الحزب المسلح بصورة غير مباشرة، ما دامت ترفض، من حيث المبدأ التفاوض المباشر مع من تسميهم إرهابيين. موقف الحكومة، إذن، من حزب المجتمع الديموقراطي، يجعلها تفقد فرصة ثمينة للبحث عن حل سلمي لمشكلة مزمنة تسمم الحياة في تركيا، ولا يبدو لها أفق.

لكن الحزب الكردي بدوره، لا يبدو أنه يولي أي اهتمام للبحث عن حل سياسي للمشكلة الكردية. ويرى الكثير من المراقبين، أتراكاً وأكراداً، أن الحزب منشغل بمشكلة تخصه، وهي فقدانه لقسم كبير من قاعدته الاجتماعية في مناطق نفوذه التقليدية. فقد مني بهزيمة انتخابية (أو نصف هزيمة، في أحسن الأحوال) أمام حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي تمكن من الحصول على 53 في المئة من أصوات الناخبين الأكراد، الأمر الذي يشكل سبباً للقلق بالنسبة للقيادة الحقيقية للحزب، أي عبد الله أوج آلان المعتقل في جزيرة إيمرالي. إلى هذا إنما يعزو الكثير من المحللين تصاعد العمليات العسكرية لحزب العمال في الأشهر الأخيرة. وفقاً لهذه التحليلات، يريد أوج آلان، من خلال العمليات العسكرية المؤلمة، استدراج الجيش التركي إلى حرب جديدة، لا مفر، بالقياس إلى التجربة السابقة، من أن ترافقها أعمال قمع وتنكيل بحق المدنيين، كما كان يحدث في تسعينيات القرن الماضي، مما يعيد النفوذ الاجتماعي للحزب إلى سابق عهده، ويمده بالمزيد من المقاتلين الجدد.

لكن ما لا يستقيم اليوم، في هذا التوجه، هو أن حزب العمال الكردستاني، سبق وتخلى عن هدفه المعلن في إقامة الدولة الكردية بعد انفصال المناطق الكردية عن الدولة التركية، وخفض سقف مطالبه إلى دولة تركية ديموقراطية موحدة تتعايش فيها مختلف القوميات. وكان بديهياً أن يترافق ذلك مع التخلي عن العمل العسكري لصالح العمل السياسي. لكن الحزب أراد أن يقايض تخليه عن السلاح بإطلاق سراح زعيمه المسجون، الأمر الذي رفضته السلطات التركية. إن العودة إلى العمل العسكري، بهذا المعنى، يفقد كل مبرراته، ويؤدي إلى نتائج عكسية. فمع مراسم دفن كل مجموعة من جنود الجيش التركي، ضحايا العمليات العسكرية للحزب، يسود الرأي العام التركي جو هستيري من العداء، لا لحزب أوج آلان فقط، بل للأكراد بوصفهم كذلك. وعلى سبيل المثال، تعرّض مقران رسميان لحزب المجتمع الديموقراطي، في أنقرة واسطنبول على التوالي، لاعتداءين بالسلاح، في غضون أقل من أسبوع، أوائل الشهر الحالي. هذا الجو العدائي الهستيري بلغ ذروته بعد مقتل 13 جندياً دفعة واحدة، أوائل هذا الشهر، وشكل نقطة التحول في سياسة الحكومة التي بادرت إلى منح الجيش صلاحيات تخوله اجتياز الحدود إلى المنطقة الكردية في شمال العراق “إذا اقتضت الحاجة”. ومعروف أن أردوغان رفض مراراً طلباً من الجيش بهذا الخصوص، لكنه رضخ أخيراً أمام الضغط الهائل الذي تمارسه المعارضة البرلمانية والجيش والإعلام لاتخاذ هذه الخطوة.

ويعود رفض أردوغان، سابقاً، للعمل العسكري وراء الحدود، إلى أسباب براغماتية، من شأن أية حكومة عقلانية أن تنطلق منها لتحديد سياساتها. ذلك أن التوغل العسكري التركي في شمال العراق، لا يتمتع بأية شعبية خارج تركيا (فضلاً عن معارضة قسم مهم من الرأي العام التركي نفسه). ومن شأن سياسة مغامرة من هذا النوع أن تضع تركيا في عزلة دولية تامة. فالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي أعلنا معارضتهما بوضوح. ولم تدعم أية دولة في العالم “حق تركيا في الدفاع عن نفسها”، باستثناء سوريا، على لسان رئيسها في زيارته الأخيرة لأنقرة.

إن دفع تركيا إلى العزلة الدولية، كحال مؤيدتها الوحيدة، يتناقض مع السياسة الانفتاحية لحكومة حزب العدالة والتنمية. ذلك أن حجر الزاوية في برنامج هذا الحزب إنما هو تسريع خطوات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، كما تشكل الولايات المتحدة المورد الرئيسي للسلاح إلى الجيش التركي.

يبدو حزب العدالة والتنمية، في الموقف الحالي الذي وضعت نفسها فيه (بفتح الباب، من جهة أولى، أمام احتمال الاجتياح العسكري لشمال العراق؛ وبمواجهتها الصاخبة، من جهة ثانية، للولايات المتحدة، بصدد قرار الكونغرس الذي يتحدث عن إبادة جماعية للأرمن)، كما لو كان يدفع ثمن انتصاره الانتخابي الكبير، بدلاً من العمل على جني ثماره. ذلك أن خصومه في المعارضة (حزب الشعب الجمهوري وحزب الحركة القومية) وفي قيادة الأركان، يدقون طبول الحرب منذ أشهر، رغبة منهم في توريط الحكومة في مواجهة مباشرة مع الاحتلال الأمريكي في العراق، الأمر الذي يضعفها بالحد الأدنى، ويفقدها ما يميزها عن السياسات التقليدية للنظام، فتكون نهايتها بالمعنى الأعمق. أما قيادة الجيش، فإن الأمر يتعدى لديها مجرد الصراع السياسي مع حكومة تعدها إسلامية، أي فاقدة الشرعية من وجهة نظرها الكمالية المتشددة؛ إلى البحث الفعلي عن توجهات استراتيجية جديدة، تطول دور تركيا وموقعها في العالم وعلاقاتها الخارجية، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فقد كثر، في ما مضى من العام الحالي، ظهور مؤشرات ودية، لدى قيادة الأركان، نحو روسيا، كنشر خطاب للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على موقع قيادة الأركان على الإنترنت، يهاجم فيه بشدة الولايات المتحدة، وذلك في توقيت لافت، أثناء زيارة قام بها رئيس هيئة الأركان يشار بويوك أنت إلى الولايات المتحدة، قبل أشهر.

نحن إذن أمام تواطؤ موضوعي بين سلوك حزب العمال الكردستاني، بتصعيد عملياته العسكرية، وقوى فاعلة داخل المؤسسة العسكرية التركية. الطرفان يشعران بأن مواقعهما مهددة بصورة جدية، ويتحركان بدوافع ذاتية ضيقة، على الضد من المصلحة الوطنية الأوسع لكل منهما. هذا إذا صرفنا النظر عن معطيات كثيرة تشير إلى أن التواطؤ المذكور يتجاوز صفته “الموضوعية”.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This