في ذمّ أغلاط الكتّاب
رغبت في أنْ أشرككم في قراءة هذه السطور التي وقعت عليها في ” مقالة ” منشورة على جريدة ” وطن ” بالمهجر الأمريكيّ بعنوان ( غيرة الأفغاني وصمت السيستاني ) لشخص وصف بأنّه كاتب ومفكّر عراقيّ (واللّحن من المصدر ):
” رحم الله شاعرنا أبو القاسم الشابي الذي وافاه الأجل عام 1990 قبل أن يشهد الزمن العاهر الذي نعيش فيه في المنطقة العربية بشكل عامّ والعراق الاحتلالي بشكل خاص، وهو يستنهض همم الحكّام والشعوب لتغفو من سباتها المخزي وشللها الطويل بعد أن استمرءوا الذلّ وارتضوا الهوان واستطابوا الانتكاسة وحجروا عقولهم بمعاقل بنوها بأيديهم. هاهو الشابي يصبّ على الوجوه الكالحة التي عايشها كأسا من عرقه المتصبب من جبينه حرقة وألماً :
– ربّ (وامعتصماه) انطلقت ملء أفواه الصبايا اليتم – لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخــوة المعتصم
ونخوة المعتصم كما هو معروف ( !! والتعجّب من عندنا ) أمست نخوة العرب والمسلمين يستذكروها كلّما طوتهم أجنحة المحن وعصفت بهم النكبات والانتكاسات وما أكثرها. وقصتها أن الروم قاموا بغزو مدينة عمورية وقتلوا رجالها ونهبوا المدينة وسبوا نسائها فصرخت احدى السبايا مستنجدة بالخليفة المعتصم” وامعتصماه”، فضحك الجنود الروم منها وقالوا لها أين أنت من المعتصم؟ فأنت في عمورية وهو في بغداد ولن يسمعك! فقام احد المسلمين بإيصال كلام المرأة المستغيثة إلى الخليفة المعتصم فرد عليها “لبيك” وجهز جيش جرار بدايته في عمورية ونهايته في بغداد ودحر الروم وحرر السبايا. بالطبع لم يسمع المعتصم صوت المرأة ولم يشهد صورتها ولكنه سمع نخوتها وذلك يكفي للحاكم الحر ليؤدي الأمانة وربما يزيد..”
أقطع عليكم حبل القراءة وأعرف أنّكم تلهثون للاستزادة من هذا العلم الغزير يفيض من بين كلمات المفكّر والكاتب والمناضل المذكور، وأعلم، مسبقا، أنّه لن يغمض لكم جفن إلاّ بعد استخراج هذه اليتيمة من مظانّها لكتابتها بماء الذهب أو على الأقلّ لتعليقها في كلّ مكتبة عربيّة، مثلها كمثل آية ” الكرسيّ ” أو قسم أبقراط أو أدعية رياض الصالحين. أمّا عن ” الهنات ” البسيطة وهي لا تنقص ذرّة من درر المقالة العصماء فتعود إلى أنّ الكاتب والمفكّر أعلاه شغله التفكير في راهن الأمّة ومصيرها وفي الدرس المستفاد من ” أمّ المعارك ” عن ترّهات من قبيل أنّ أبا القاسم الشابّي شاعر تونسيّ رحل عن دنيانا منذ سنة 1934 لا سنة 1990 ، وأنّ البيت المستشهد به للشاعر عمر أبو ريشة لا للشابّي ( مع تغيير لفظ الصبايا بالبنات )، أو أنّ عمّوريّة لم يغزها الروم بل إنّ الروم أغاروا على زبطرة ( بلدة في تركيّة اليوم ) وُلِد فيها المعتصم واستباحوها قتلا وسبيا فانتقم المعتصم لها ولاستغاثة امرأة عربيّة بها فزحف إلى عمّوريّة (Amorium )، وهي دارة أباطرة الروم، وخرّب قلعتها وأحرقها سنة 223 هـ ، وأنشأ فيها أبو تمّام حماسيّته البائيّة المشهورة:
– السيف أصدق أنباء من الكتب — في حدّه الحدّ بين الجدّ واللّعب
أمّا عن ” الهنات ” اللغويّة البسيطة في النحو والرسم والتعبير وهي قليلة ( ثمانية فقط في أقلّ من عشرة أسطر ) فلا يلتفت إليها إلاّ منْ كَلِف بتصيّد عثرات الخلق كصاحب هذه السطور في ( نقد النقد ) وأضرابه من المؤدّبين والمحقّقين والورّاقين
قال الجاحظ أنشدني بعض الحمقى
إنّ داءَ الحبّ سُـقْـم — ليس يهنيه القرار
ونجا من كان لا يعـــشق من تلك المخازي
فقلت له إنّ القافية الأولى بالراء والثانية بالزاي وهذا غير صحيح! فقال لا تنقط شيئا. فقلت ولكنّ الأولى مرفوعة والثانية مكسورة فقال: سبحان اللّه. أقول له لا تنقط وهو يشكل!
