في نقد الحاجة إلى الأعداء
هل نحتاج، دائماً وبالضرورة، إلى وجود أعداء واقعيين أو افتراضيين، أو حتى إلى مجرّد أعداء وهميين، من أجل أن نكون قادرين على إنتاج خطاب تعبوي يضمن قدراً من الحراك السياسي والقدرة على إعادة تسييس المجتمعات؟
ألا يمكن أن تكون التعبئة الاجتماعية والسياسية، في آخر المطاف أو في بعضه، تعبئة من أجل الجميع وضدّ لا أحد في الآن نفسه؟
هل يمكن أن نتصور حياة سياسية حقيقية يكون فيها الجميع صديقاً للجميع؟
أم أن عالماً من الأصدقاء هو عالم موت السياسة؛ طالما كان صراع الإنسان ضدّ أخيه الإنسان هو الفعل المنتج للسياسة والضامن لدوامها؟
لماذا لا تستطيع معظم الجماعات السياسية، في خطاباتها التعبوية، أن تستغني عن مصطلح العدو؟ ألا يمكنها أن تجعل مصطلح الصديق مصطلحا صالحاً للتعبئة بدل أن تبحث في كل مرّة عن شرير جديد؟
لماذا يحتاج الجميع إلى مصطلح العدو الشرير من أجل التعبئة الاجتماعية أو السياسية، بدءاً من خطب الجمعة وعظات الأحد وانتهاء إلى التجمعات النقابية والحزبية؟
هل يمكن إنتاج خطاب ديني تعبوي من غير افتراض وجود أعداء لله؟
هل يمكن إنتاج خطاب نقابي تعبوي من دون افتراض وجود أعداء للعمل النقابي؟
هل يمكن إنتاج خطاب سياسي تعبوي باستبعاد مصطلحات ذات وظيفة تحريضية من قبيل أعداء الشعب، أو أعداء الوطن، أو أعداء الديمقراطية، أو أعداء الدستور، أو أعداء الجمهورية، أو أعداء الإسلام، أو أعداء الغرب، أو أعداء الحداثة، أو هكذا دواليك؟
المنظر الإيديولوجي للنازية، كارل شميت، والذي اعتقلته القوات الأمريكية عقب اندحار النازية عام 1945 وأمضى حوالي سنة في المعتقل قبل أن يطلق سراحه من دون محاكمة، كان يرى بأن السياسة هي فن التمييز بين العدو والصديق. ما يعني أن وجود العدو ضروري، مثلما هو ضروري وجود الصديق، وأن بينهما تكون السياسة، على وجه التحديد، هي فن إنشاء جدران الفصل بين عالم الأصدقاء وعالم الأعداء.
المشكلة ليست في أن يرى كارل شميت بأن فكرة وجود العدو الشرير ضرورة سياسية للتعبئة والحراك والاستقطاب، وإنما يكمن جوهر المشكلة في أن لا أحد يقول بالعكس.
غياب الأطروحة المضادة لأطروحة كارل شميت، في حقل الفلسفة السياسية، يمثل فراغاً يحاول أن يملأه الأصوليون والمحافظون والفاشيون والمتطرفون والعنصريون، وذلك عبر إعادة تسييس الشعوب مجدّداً بالمراهنة على تسمية أعداء شريرين واقعيين أو افتراضيين، أم مجرد أعداء وهميين.
منذ سقوط النازية، والتي كان اليهود والشيوعيون أعداءها المفضلين، لم تتمكن أي نظرية سياسية من ادعاء إمكانية ممارسة السياسة من دون افتراض وجود أعداء معينين. لا أحد أكد إمكانية أن تكون هناك حياة سياسية حيث الجميع صديق للجميع.
الحاجة إلى العدو (الشرير، الشيطان…) هي أم المشاكل في الفكر السياسي الرّاهن، والتي تلقي بثقلها على الوضع الدولي.
فمنذ العطب الدستوري الذي شلّ سيرورة بناء الاتحاد الأوروبي عام 2005، قفز السؤال إلى الواجهة :
هل يحتاج بناء هوية أوروبية موحدة إلى افتراض وجود أعداء لأوروبا، أي للغرب؟ بمعنى هل يحتاج بناء هوية أوروبية إلى مقاومة "المسيح الدجال"؟
جواب اليمين المتطرف في كل من فرنسا وهولاندا والسويد وإيطاليا وغيرها، هو : نعم.
ومرّة أخرى ليست المشكلة أن اليمين المتطرف يحتاج إلى تسمية أعداء حقيقيين أو وهميين، لكن جوهر المشكلة أن لا أحد، تقريبا، برهن بوضوح على إمكانية ممارسة التعبئة السياسية باستبعاد وجود العدو الشرير، أيا كان الإسم الذي سيحمله.
