في نقد الرسالة الثانية من الإسلام (1)
ينصّ خطاب “الرسالة الثانية من الإسلام ” على الدعوى التالية :
لا مناص من تطوير الشريعة وبث الرسالة الثانية من الإسلام في العالمين.
ما مضمون التجديد المطلوب ؟ هل يستوعب تحديات ورهانات الحداثة ؟ هل يتمثل جوهر الحداثة الفكرية المتمثل في تنسيب وعقلنة وتعليل كل الخطابات مهما تمسكت بالقداسة ؟ وكيف يستجيب للترهينات الآتية من خطابات مهجوسة بالبشارة العرفانية مثل الخطاب البابي أو البهائي أو البوذي أو الهندوسي أو التوفيقيات الروحانية الرائجة هنا وهناك على رقعة البسيطة ؟
هل يمكن لخطاب يغفل التناول العلمي لأصول الاعتقاد الإسلامي أن ينخرط في تجديد خصب إبستيمولوجيا وإيطيقيا ؟
هل يمكن تجديد الخطاب الديني في معزل عن المنجز الفيلولوجي والتاريخي أو التاريخاني ، أي عن مكتسبات الاستشراق التاريخي والإسلاميات الكلاسيكية؟
هل يكفي تجاوز أصول الفقه والفقه لتجديد الشريعة ؟ كيف يمكن الجمع بين تجديد الشريعة وبين محصول المحدثين ؟ كيف يقصي الخطاب الفقيه ليحتفظ بالمحدث ، والحال أن لا حداثة من دون نقد منهجية المحدثين ونتاجهم النصي ؟ هل يمكن مجاوزة المنهاجية الفقهية والكلامية ، من دون تقعيد إبستيمولوجي لمنهجية التأصيل والتفصيل المراد تشغيلها ؟
أليست الرسالة الثانية المرفوعة إلا مرتبة الخطاب الحقاني المفصل والفاصل إلا استعادة منقحة ومحينة للخطاب العرفاني –الصوفي ؟
كيف يحصر محمود محمد طه القول في مطابقة أفق الشريعة لأفق الحداثة السياسية والاجتماعية ، فيما يسكت عن مطابقة أفق العقيدة لأفق الحداثة الفكرية والعلمية والإيطيقية ؟ كيف يمكن فصل الحداثة السياسية والاقتصادية والتقانية عن الحداثة الفكرية والعلمية ، وعن تغير وضعية الإنسان الحضارية منذ أزيد من أربعة قرون ؟كيف يضع الحدث الإنسي ، بين قوسين ويحصر الإشكالية في استحالة أجرأة شريعة عربية في زمان كوني ؟ هل الإشكال إشكال أجرأة قانونية أم إشكال فلسفة ملية لا ترى الإنسان خارج مدارات العبودية ؟
(..ومع ذلك فإن المسلمين غير واعين بضرورة تطوير الشريعة.. وهم يظنون أن مشاكل القرن العشرين يمكن أن يستوعبها ، وينهض بحلها ، نفس التشريع الذي استوعب ، ونهض بحل مشاكل القرن السابع ، وذلك جهل مفضوح .. ) .
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –المركز الثقافي العربي – بيروت –دار قرطاس – الكويت – الطبعة الأولى – 2002-ص.77)
لم يعد التشريع المدني ، يستجيب لمقتضيات الحضارة البشرية ، من جهة ، ولمقتضى تمرحل الإسلام في سيرورته البادئة بالإسلام العربي والمنتهية بالإسلام العالمي من جهة أخرى . ترتبط الشريعة ، في هذا الاعتبار ، بطور البيداغوجيا العقابية القائمة على المعاوضة ، فيما ينطوي الإسلام ، في اعتقاده ، على ممكنات أخلاقية وروحية ، لن تستكشف إلا بعد أن تستوفي الإنسانية شرائط الاستئهال وتتهيأ لنيل الحقائق من مواردها الأصيلة .
(الإسلام فكر يرتقي السالك فيه على درجات سلم سباعي ، أولها الإسلام ، وثانيها الإيمان ، وثالثها الإحسان ، ورابعها علم اليقين ، وخامسها علم عين اليقين ، وسادسها علم حق اليقين ، وسابعها الإسلام من جديد .. ولكنه في هذه الدرجة يختلف عنه في الدرجة الأولية ، اختلاف مقدار ، فهو في الدرجة الأولية انقياد الظاهر فقط ، وهو في الدرجة النهائية انقياد الظاهر والباطن معا .. وهو في الدرجة الأولية قول باللسان ، وعمل بالجوارح ، ولكنه في الدرجة النهائية انقياد ، واستسلام ، ورضا بالله في السر والعلانية .. وهو في الدرجة الأولية دون الإيمان ، ولكنه في الدرجة النهائية أكبر من الإيمان . )
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.82) .
يروم تجديد الشريعة ، إذن ، التجاوب مع سيرورة ارتقاء الإسلام في مراتب الاكتمال ، وتأهيل البشرية المتمدنة ، لمعانقة قمة السلم السباعي .لا تجديد إذن ،إلا بقصد إعداد العدة للانتقال من مقال العابدين إلى مقام الواصلين ، من رتبة أهل الدراية إلى رتبة أهل الولاية .
لم يتحقق المراد الشرعي في الشريعة الأولى ، لتشبع العرب ، بموروثات ثقافية ، مصاقبة للمحسوس وللتعقيل في طوره البدئي ؛ثمة منعطف كوني ، ترتسم معالمه وملامحه الأولى ، على شاشة التاريخ الحي ، سيتبوأ الإنسان خلاله مكانه السامق في سماء الاستحكام والتجوهر والتمكين . وكما خص الإسلام الأولي بشريعة الرسوم ، فإن الإسلام الخاتم والمكتمل والمتمكن ،سيخص بشريعة الحقائق المستمدة من السنة .
ويبدو أن الحداثة توفر، باستدراج تاريخي غريب، شروط اكتمال الإسلام ، إذ تحفز الإنسانية على تحصيل النضوج العقلي ، واجتياز عتبات التثبت المعرفي وتجاوز منطق المعاوضة البدئية .
(قال : “بدأ الإسلام غريبا ، وسيعود غريبا كما بدأ ..فطوبى للغرباء ؟؟ قالوا : من الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يحيون سنتي بعد اندثارها ” ..
ويجب أن يكون واضحا أنه لا يعني إحياء الشريعة ، و إنما يعني إحياء السنة .. والسنة ، كما قلنا شريعة وزيادة ..السنة طريقة ..والطريقة شريعة مؤكدة ..)
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.74).
وكما خصت شريعة الرسوم والآثار، بالتأصيل والتفريع ، فإن السنة المجملة في الإسلام ، في حاجة ، هنا والآن ، إلى تفصيل واستقصاء وتأصيل .يعلن السفر الجمهوري إذن ، حتمية طي سجل المنهجية الأصولية والفقهية ، وتدشين عصر تأصيل السنة ، بعد انبلاج أنوار الإسلام الخاتم .وحيث إن إسلام السنة مخالف جوهريا لإسلام الشريعة ، فإن منهجية “الطريقة”ستخالف ، كليا ،منهجية الشريعة كما أصلتها جمهرة الأصوليين والفقهاء والمفسرين طيلة الزمان الإسلامي .
لا جدوى إذن ، من إطلاق صيحات التجديد الأصولي والفقهي وفتح باب الاجتهاد و تدشين عصر تدوين جديد أو إعادة تأصيل أصول الفقه أو اقتراح القراءة السياقية أو المقاصدية أو الاستصلاحية للأصول .لا مناص إذن ، من تدشين عصر السنة ، حيث لا يكتفي العارف بعلم المخلوقين أو باستدلالات المستدلين ، و إنما يتلذذ بنعمة التأويل و يتنعم بسلطان الحقيقة وبالتحقق بالمكاشفة والمعاينة.
لا تمنع متعة التأويل العرفاني ، هنا من إثارة الإشكاليات التالية :
1-إشكالية موثوقية النصوص المؤولة
يحيل النص الجمهوري على كثير من الأحاديث دون إثارة إشكالية موثوقيتها وصحتها التاريخية ، ودون أن يعيد النظر في أساليب وتحقيقات المحدثين أو أن يقدم معيارا علميا أو مسلكا عرفانيا للتحقق من موثوقية الإضبارة الحديثية عموما .فلا تحقق إلا بعد استكمال التحقيق ، ولا تحقق من الدلالات إلا بعد استكمال صحة المنطوقات .هل يكفي التحقيق بالمكاشفة ، لرفع مطاعن الاستشراق والنهضويات –العلمانية في الحديث ؟
2- إشكالية تاريخية المفاهيم
انشغلت الإصلاحية الإسلامية الحديثة بالدقائق اللغوية وبالفوارق وبمراجعة المعجمية الشرعية ، وعمقت البحث في الاستعمالات الاصطلاحية ، على سبيل البرهنة على صلاحية ونجاعة مقارباتها ، وموافقة مقصدها الدلالي لمقصد النصوص المعيارية المؤسسة .من البديهي إذن أن يكرس محمود محمد طه ومحمد شحرور وأحمد صبحي منصور والصادق النيهوم ،جهودا كبرى لفرز الفهوم اللغوية وتعديل أو قلب المعادلات الدلالية المتداولة منذ قرون في أوساط الأصوليين واللغويين والمفسرين والمتكلمين ، وإظهار حقائق لغوية ملتبسة ، بشكل أو بأخر ، على عموم النظار .
تتأسس الدعوى الجمهورية ،استتباعا ، على التمييز بين الإيمان والإسلام ، بين السنة والشريعة ، إلا أنها لا تقدم معايير لغوية دقيقة ، قمينة بحصر الدلالات المرادة وسحب الدلالات النافقة لدى المهتمين بالقضايا اللسانية أو بالشأن التراثي عموما .من الصعب ، تثبيت الدلالة الجديدة ، دون إثارة تاريخية المفاهيم القرآنية من جهة ، وإقامة صنافة لغوية –تاريخية للنص المؤسس .من الطبيعي ، أن لا يتجاوب النص الجمهوري مع متطلبات النقد اللغوي – التاريخي – الأنثروبولوجي كما هو ممارس في الإسلاميات الكلاسيكية أو في النهضويات الليبرالية ؛ فهو منشغل بالمتعاليات لا بالتاريخيات ، بإغناء الدلالة وتكثيف حمولاتها اللطيفة لا بالكشف عن تكونها السيروري وكثافتها المحايثة ، بإعلاء الزمان الأنفسي على حساب الزمان الآفاقي .
وعوض الانشغال بتاريخية المفاهيم القرآنية ، اختار السفر الجمهوري الاشتغال بمعاني مستجدة محفوفة بكثير من التوسع والتعمل .وهكذا ، تصير السنة شريعة نبوية مخصوصة متعالية ، كليا ، عن محدوديات وتاريخيات ، الشريعة التاريخية .لم تعد السنة دعامة لإرساء الشريعة التاريخية ، بل أضحت علما ووضعا نبويا ، متعاليا ، بإمكان الإنسانية الناضجة أن تحذو حذوه ، و أن تنهل من مناهله، بعد انتهاء عصر الحصريات التاريخية وإطلالة التاريخ على الميتا-تاريخ ببهاء عرفاني ساطع.
( السنة شريعة وزيادة ..فإذا كانت العروة الوثقى هي الشريعة ، فإن السنة أرفع منها ..و إذا كان حبل الإسلام متنزلا من الإطلاق إلى أرض الناس ، حيث الشريعة – حيث مخاطبة الناس على قدر عقولهم –فإن السنة تقع فوق مستوى عامة الناس .. فالسنة هي شريعة النبي الخاصة به .. هي مخاطبته هو على قدر عقله .. وفرق كبير بين عقله ،وبين عقول عامة الناس .. وهذا نفسه الفرق بين السنة والشريعة.. وما الرسالة الثانية إلا بعث هذه السنة لتكون شريعة عامة الناس …)
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.73-74).
ليس من الهين ، إحداث نقلة في التصور ، إن اكتفى الخطاب بإفاضة دلالات مخارجة عن جسم المفاهيم . من البين ، أن التأويل الجمهوري ، يستهدف الانفكاك كليا عن المدار الفقهي ، واستئثاره بدوزنة المفاهيم وتعيين منسوبها الدلالي .لكن هل يحق ، العبور من المدار الفقهي –البياني إلى المدار العرفاني – الصوفي ، دون مجازات ومعابر وحوامل وجسور سوسيو-تاريخية ؟ هل يكفي المخيال العرفاني ، لتجاوز لاتاريخية المطارحات البيانية –العرفانية الدائرة حول المفاهيم الشرعية ؟
يقتضي النظر ، في هذا السياق ، الإلمام بأوجه مداورة النص المؤسس لكلمة السنة ، وفهم المفاهيم في سياقها التداولي الأصلي واعتماد المخزون اللغوي المتوافر والممكن المنهجي المتاح حاليا .
( سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا ) ( الأحزاب /38) .
(فهل ينظرون إلى سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا . ولن تجد لسنة الله تحويلا ) ( فاطر/43)
(سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ، و لن تجد لسنتنا تحويلا ) (الإسراء : 77 ) .
( و إن يعودوا فقد مضت سنة الأولين ) الأنفال /38 )
(يريد الله ليبين لكم ، ويهديكم سنن الذين من قبلكم ) ( النساء : 26) .
تحيل السنة القرآنية على حتمية ميتا-تاريخية يسير تاريخ الأقوام خلالها سيرا حثيثا في اتجاه المسطر القبلي ، فيما تحيل السنة ، في الفهم الجمهوري على سنة تجاوز الشرائط أي تلك الحتمية الميتا-تاريخية بالذات .فلئن رامت شريعة النزول التكيف مع حصريات الشرط البشري ، فإن سنة الترقي ، ستنهي إكراهات التكيف مع الحصر التاريخي ومع الحتميات السوسيو-تاريخية للثقافات الإقليمية .سيتكفل السفر الجمهوري إذا، بتعميم السنة الخاصة ،وتفصيل مبادئها ومعاييرها وقواعدها ، وإيضاح رؤيتها المعرفية ومسلكها المنهجي .
يقتضي القفز من وضع سني حتمي إلى وضع سني متحول ، تحديد منهجية استثمار المفاهيم واستصلاحها و إغنائها دلاليا .وحيث إن السفر الجمهوري ، لا يقدم إضاءات ، منهجية في هذا السياق ، ولا يتقصى الدلالات اللغوية والتاريخية ، للمفاهيم المستعملة ، فإنه لا يقدم أدلة متماسكة ولا تأويلات متراصة ولا استصلاحات متناسقة في هذا المضمار .
إن القصد لا يبرر التأويل ؛ وعليه ، لا مناص ، من تحقيق المفاهيم وتناولها وفق ممكناتها التاريخية وحمولاتها المعنوية ، ومن مراعاة أطر النظام المعرفي البياني جملة .
تعيدنا كتب التفسير ، إلى سياق لا يغمط حقوق المحايثة التاريخية ، رغم محدوديتها الإبستمولوجية البينة .
((سنة من قد أرسلنا ) يعني أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بين ظهرانيهم ، فسنة الله أن يهلكهم ، ونصبت نصب المصدرية المؤكد ، أي سن الله ذلك سنة ) .
(الزمخشري – تفسير الكشاف – رتبه وضبطه وصححه ” محمد عبد السلام شاهين – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى -1995-الجزء الثاني –ص.659)
هل يجوز تغييب دلالات تلك الآيات ، في معرض سفر يتأسس ، جزئيا ،على مراعاة الفروق بين الإصلاحات الشرعية ؟ كيف يفسر ، تاريخيا ، ارتحال الدلالة ، من حيز إلى حيز ، من نطاق الألوهية ( سنة الله ) إلى نطاق الرسالة ( سنة الرسول ) ؟كيف سيفصل السفر الجمهوري ، السنة المحمدية استنادا إلى القرآن ؟ أي موقع للإضبارة الحديثية في دعوى تفصيل السنة ؟
كيف طوت الشريعة السنة ، وحجبت فهوم واستعدادات الناس لفهم الفحوى الجوهري لرسالة ارتقائية من حيث الجوهر حسب المنظور الجمهوري؟ كيف يغلب العرض التاريخي الجوهر الميتا-تاريخي ؟ هل يعضد النص المؤسس الصورة المقدمة عن الشخص المؤسس في المناولة الجمهورية ؟ ألا يسقط السفر الجمهوري ، صورة الولي على الشخص المؤسس ؟ هل تكفي رحابة اللغة وقوة المخيلة لتأصيل التسنن العرفاني وكوننة مضامينه ؟
ألا تختلط الأزمنة المعرفة ، وتتشابك الأنظمة الفكرية ، هنا ، وتحجب إرادة التأله إرادة المعرفة بجينيالوجيا خطاب التسنن العرفاني بالذات ؟
ولئن اكتفى السفر الجمهوري بالتقرير دون التحقيق ،بالتأويل العرفاني دون التعليل التاريخي ، فإن الصادق النيهوم فسر ارتحال الدلالة ، هنا ، بغارة فقهية على دلالات المفاهيم وبتحويل الإسلام من الشرع الجماعي إلى الشرع الفردي في حمى الإقطاع العربي الناشئ .وهي فرضية طريفة ، إلا أنها تفتقر إلى الدعائم التاريخية الوازنة .
( وهو مبدأ يستحيل احتواؤه في دستور الشرع الجماعي ، ويحتاج –بالضرورة- إلى دستور خاص، في سنة جديدة ، وقرآن آخر ، مما دعا إلى إحداث تحريف معلن في معنى كلمة [السنة ] التي خسرت اسمها القرآني الصريح ، فلم تعد هي [سنة الله ] كما سماها القرآن ، بل أصبحت هي سنة رسوله المستمدة من أحاديث نبوية قابلة للتحريف إلى ما لا نهاية ، وفي أعقاب هذه الغارة الفقهية ، كانت كلمة السنة تعني القبول بمبدإ الحق الإلهي المقدس في الحكم ، ومبايعة يزيد بن معاوية لولاية العهد . )
(الصادق النيهوم –الإسلام في الأسر- من سرق الجامع و أين ذهب يوم الجمعة ؟ – رياض الريس للكتب والنشر – بيروت – الطبعة الرابعة -2000-ص.140) .
لا يعني ارتحال الدلالة ، عند الصادق النيهوم ، إلا إحياء التقاليد الكتابية( اليهودية والمسيحية ) وعزل الجماعة عن الإدارة وتغييب التفسير الجماعي الحي للقرآن وتفعيل الشرع الجماعي العادل .
لقد أقدم السفر الجمهوري ، على تقديم قراءة مخصوصة للإسلام والإيمان ، يتبادلان بمقتضاها الأدوار ، وينفتحان أكثر فأكثر على زخم التعالي العرفاني .فالإيمان مخصوص هنا ، بطور الشريعة ، أي بطور خاضع لمؤدى الرسالة الأولى ، أما الإسلام ، فارتقاء معراجي ، يتم بموجبه ، اجتياز أطوار العقيدة الثلاثة ،وقطع مقامات الحقيقة وبلوغ مرتبة الإسلام النبوي .وهكذا ، يرتبط الإيمان ، بحدود الشرط التاريخي وبالمواضعة السوسيو-ثقافية ، فيما ينطبع الإسلام النبوي ، بطي الشرط الحاصر ، وفتح السبل أمام التروحن الأكمل .
( فأما مرحلة العقيدة فدرجاتها الثلاث هي : الإسلام ، والإيمان ، والإحسان ..و أما مرحلة العلم فدرجاتها الثلاث هي : علم اليقين ، وعلم عين اليقين ، وعلم حق اليقين ..ثم تجئ ، بعد ذلك ، الدرجة السابعة من درجات السلم السباعي ، وتلك هي درجة الإسلام ، وبها تتم الدائرة .. وتجئ النهاية ، تشبه البداية ، ولا تشبهها .. فهو في البداية الإسلام ، وهو في النهاية الإسلام . ولكن شتان بين الإسلام الذي هو البداية ، وبين الإسلام الذي هو النهاية ..وقد سبقت إلى ذلك الإشارة ..
ومرحلة العقيدة هي مرحلة الأمة المؤمنة .. وهي أمة الرسالة الأولى ..
ومرحلة العلم هي مرحلة الأمة المسلمة .. وهي أمة الرسالة الثانية ..)
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.8483-).
هل يفلح الخطاب الجمهوري في تسويغ هذا القلب الدلالي ؟ ما المسوغات والمستندات اللغوية والتاريخية المقدمة لهذه التعبئة المفهومية الجديدة لمفاهيم شرعية مستقرة الوضع التداولي ، نسبيا ، في سياقها المعرفي – التاريخي .؟ هل تخدم إستراتيجية القلب ، وتكريس تراتبية جديدة ، في الشأن العقدي ، المقصد العرفاني للدعوى الجمهورية ، أي إحلال الإسلام الصاعد المعراجي محل الإسلام الهابط الشعائري-الشرائعي ؟
ولما كان السفر جمهوريا ، سفر “حقانيا “، فإنه لا يولي عناية كبرى ، للنفي والإثبات ، للحجاج والاستدلال ، للتأريخ والتعليل المحايث .وعليه ، فإنه يكتفي ، بتقرير الدلالات الجديدة للمفاهيم ، دون استقراء كلي للنصوص المؤسسة ، أو تتبع تاريخي لمعانيها وتأويلاتها التاريخية .يتحرك التأويل ، هنا على أرض رخوة تاريخيا ، وتصير السياقات اللغوية والتاريخية والأنثروبولوجية ، غائمة.وحين يغيب الانشغال والاشتغال بالمنهجية التاريخية والقراءة التاريخية – النقدية ، تنفتح المطارح أمام التأويل مهما كان بعيدا عن مؤديات ومنطوقات ومحمولات النصوص المعيارية .ومن هنا ، ففي غياب القراءة التزامنية التاريخية ، يصير من الممكن شحن المصطلحات الشرعية بمعاني وإفادات منافية للممكن التاريخي ولنوعية السياقات الثقافية والتاريخية السارية في الزمان التأسيسي .
تقتضي المناولة العلمية ، استقراء كل النصوص القرآنية الخاصة بالإيمان والإسلام ، واستقصاء دلالاتهما ، اللغوية والتاريخية ، في الفترات الثلاث للطور المكي أولا وفي الطور اليثربي-المدني ثانيا .كما تقتضي ، تجنب فهم النص المعياري استنادا إلى مضامين النصوص الحديثية بالنظر إلى وضعها التأريخي والتاريخي الخاصين ، واختلاف نوعية سياقاتها التاريخية والأنثروبولوجية بالمقارنة مع النص المؤسس .
إلا أن السفر الجمهوري ، لا يظهر التحرز المنهجي المطلوب ، في هذا الإطار ؛ فهو يتعالى عن معاني الألفاظ ، وعن السياقات الداخلية والخارجية للملفوظات القرآنية وعن ملابساتها التاريخية والأنثروبولوجية ، وينشغل بإسقاط دلالات بعدية لم تترسخ إلا في خضم التنافذات الثقافية والأنثروبولوجية إبان العصر العباسي الأول .
تكفي الإحالة على بعض النصوص القرآنية ، لتتضح بعدية الدلالات الجمهورية المسقطة على مصطلحي الإيمان والإسلام في السفر الجمهوري .
( إنما المؤمنون الذين أمنوا بالله ورسوله ثم لن يرتابوا وجاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون )( الحجرات 15) .
( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة و أجرا عظيما ..) (الأحزاب 35 ).
( عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنان قانتات تائبات ..) (التحريم5 )
كيف يمكن أن يعزى الصدق المنسوب إلى المؤمنين إلى وضع الإيمان دون وضع الإسلام ؟ كيف يدرج الإحسان ضمن العقيدة لا ضمن الحقيقة ، علما أن تعريفه الحديثي ، يؤشر على رغبة عارمة في الانتقال من حضيض المجاز الاشتراعي إلى يفاع الحقيقة النبوية ؟ هل المخصوص بالأجر العظيم ، محكوم بشريعة لا تستوفي مقتضيات الحقيقة ولا معايير السلم السباعي الصاعد ؟ هل يمكن تعميق الحفر في أرض المفاهيم ، دون مراعاة أنواعية الخطاب القرآني ، ولا مقصدية النوعية الخاصة بكل خطاب خطاب ؟ألا يشترط الترقي البشري أداء واجب التحقق المعرفي ، وكشف النقاب عن المعاني التاريخية ، بدلا إقرار معاني بلا تأصيل مكين ؟ هل يكفي تفسير قيام الإسلام الأولي بمراعاة الوضع العقلي –الذهني لإنسان القرن السابع ؟ألا تنهض العبادات و الحدود والمعاوضة أصلا على خلخلة الزمان الثقافي السائد ؟ ألا يمكن تفسير الأمر أصلا بالمشيئة الإلهية أو بالاستدراج وفق المؤدى النظري الصوفي ؟
” ولو شاء ربك ، لآمن من في الأرض كلهم جميعا ، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين .وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون . ” ( يونس : 99-100)
( وقال السدي : نزلت في أعراب مزينة وجهينة و أسلم و أشجع وغفار [ وهم الذين ذكرهم الله تعالى في سورة ( الفتح) وكانوا يقولون : آمنا بالله ، ليأمنوا على أنفسهم ] ، فلما استنفروا إلى الحديبية تخلفوا ، فنزلت فيهم هذه الآية . وقال مقاتل : كانت منازلهم بين مكة والمدينة ، فكانوا إذا مرت بهم سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : آمنا ، ليأمنوا على دمائهم و أموالهم ، فلما سار رسول اله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية استنفرهم فلم ينفروا معه .)
( – ابن الجوزي –زاد المسير في علم التفسير – تحقيق : زهير الشاويش – المكتب الإسلامي –دار ابن حزم – بيروت – لبنان -الطبعة الأولى -2002-ص.1336) .
فالنص ممهور بالتاريخ ، ودلالاته لا تستقى ،استنتاجا ، بالاستنباط ، الخارق لمواثيق و أوفاق التأويل التاريخي ، بل بمراعاة تلك المقتضيات ، والتماس العون التفسيري من العلوم التراثية الحافة بعد تعريضها للاستشكال.فلا الوقائع المسرودة ولا الإفادات اللغوية المبثوثة بين ثنايا الأسفار الفقهية ، تعضد تخصيص الإيمان بالرسالة الأولى والإسلام بالرسالة الثانية .ويقدم محيي الدين بن عربي ، رؤية أقرب إلى المقرر النظري في المجال التداولي ،حين يحتفظ بمعاني الألفاظ التداولية من جهة ، ويقر بانطواء مرتبة الإحسان على حقيقة تألهية لا تنكر .
( قال الله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) وقال : ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) وورد في الخبر الصحيح : ” الفرق بين الإيمان والإسلام والإحسان ،فالإسلام عمل ، والإيمان تصديق ، والإحسان رؤية أو كالرؤية ” فالإسلام انقياد ، والإيمان اعتقاد ، والإحسان إشهاد ، فمن جمع هذه النعوت وظهرت عليه أحكامها عم تجلي الحق له في كل صورة فلا ينكره حيث تجلى ، ولا يظهره في الموطن الذي يجب أن يخفى فيه فيساعد الحق لعلمه بإرادته بالمواطن وما يستحقه ، فما أشرف هذه المنزلة لمن تدلى عليها من شرف ، فهو المؤمن للمؤمن ، والمحسن للمحسن ، وهو المسلم للإسلام . )
(-محيي الدين بن عربي – الفتوحات المكية –دار الفكر –بيروت –لبنان-2002- الجزء 7-ص.133)
وكما لا يموضع الخطاب الجمهوري ، المفاهيم ضمن سياقها التداولي الأولي ونوعها الخطابي ومقصديتها ، فإنه يكثر من الإعلاء المفهومي وتحويل المفاهيم من إطار تصوري إسكاتولوجي إلى وضع معرفي-سلوكي ، من توصيف حقائق إسكاتولوجية إلى وضع معراج معرفي –تعبدي ،يتوج بمعانقة قمة السلم السباعي .وهكذا ، يتحول الوصف التمثيلي للشقاء الأخروي في النصوص التأسيسية ،إلى مقام عرفاني ، من مقامات التأله في النص الجمهوري .
( كلا لو تعلمون علم اليقين .لترون الجحيم . ثم لترونها عين اليقين . ثم لتسألن يومئذ عن النعيم .) ( التكاثر : 5-8) .
( فأما إن كان من المقربين ، فروح وريحان وجنات نعيم ، و أما إن كان من أصحاب اليمين ، فسلام لك من أصحاب اليمين . و أما إن كان من المكذبين الضالين ، فنزل من حميم ، وتصلية جحيم .إن هذا لهو حق اليقين .فسبح باسم ربك العظيم . ) (الواقعة 88-96)
يرد الثالوث اليقيني في النص المؤسس ، في معرض استعراض لحيثيات إسكاتولوجية ، ولتدرج التيقن بالشقاء والنعيم في الماوراء .وسيرا على نهج العرفان ، فإن السفر الجمهوري ،ينقل الدلالة من المشهدية الإسكاتولوجية إلى مراتب تصاعدية ، معراجية الطابع ، ويتجاوز القصد الدلالي النصي بمسافات . وتبدو القراءة البيانية، رغم كل حدودها ، أكثر قربا من فحوى النص ، وأكثر حرصا على مراعاة السياقات اللغوية والمساقات الخطابية .
( (إن هذا لهو حق اليقين ) الإشارة إلى ما ذكر في هذه السورة ، أو إلى المذكور قريبا من أحوال المتفرقين لهو حق اليقين أي : محض اليقين وخالصه ، و إضافة حق إلى اليقين من باب إضافة الشيء إلى نفسه .)
(الشوكاني –فتح القدير – الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير – اعتنى به وراجع أصوله : يوسف الغوش – دار المعرفة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى2002-ص.1452 ) .
فما الصلة إذن ، بين “محض اليقين ” ، و”علم حق اليقين” ؟ كيف يصير التيقن الإسكاتولوجي بحقيقة الشقاء الأخروي ، علما يصير بمقتضاه المسلم قاب قوسين أو أدنى من الحضرة ؟ هل يحق تفصيل الرسالة الثانية ، بنقل الدلالة من المشهدية التوصيفية إلى المقام الأعلى في التروحن ؟
ويبدو أن الغزالي ، أكثر اعتدالا ، في استعمال الألفاظ و أقل احتفالا بالتأويل العرفاني في هذا السياق .
( فإن قيل : ما الفرق بين علم اليقين وعين اليقين ؟ قيل له : علم اليقين كان للأنبياء بنبوتهم ، وعين اليقين للملائكة لأنهم يعاينون الجنة والنار واللوح و القلم و العرش والكرسي فتكون لهم عين اليقين ، و إن شئت قلت : علم اليقين . علم الموت والقبور للأحياء لأنهم يعرفون بأن الأموات في القبور ، لكن لا يدرون كيف حالهم فيها ، وعين اليقين للموات لأنهم عاينوا القبور إما روضة من رياض الجنة و إنما حفرة من حفر النار… )
( الغزالي – مكاشفة القلوب –المقرب إلى حضرة علام الغيوب – اعتنى به : نعيم زرزور – محمد إبراهيم – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – 2006-ص. 167)
إن إدارة السفر الجمهوري للمفاهيم ، لا تنسجم، في الحقيقة، مع خلفياته ومقاصده العرفانية ومع مرجعياته وخلفياته المفهومية ؟ ما معنى تخصيص النبوة بالسنة ، والسكوت عن الولاية ؟ ما معنى انحصار الأمة في العقيدة دون الحقيقة ؟ هل ينفي ذلك الانحصار اكتمال الخطاب النبوي؟ أليست النبوة إلا إكمال مكارم الأخلاق ؟ ألا يشهد تاريخ الولاية على اجتهاد الأولياء ، في تحقيق العبور الأنطولوجي من الشريعة إلى الحقيقة ، من الشاهد إلى المشاهدة ، من الاعتبار إلى الحضور؟ هل ينكر السفر العرفاني مقام القربة في الولاية ؟ ألم يحقق ضغائن الله ، شروط التمكين ؟
( ثم إن هذه الطائفة إنما نالوا هذه المرتبة عند الله لأنهم صانوا قلوبهم أن يدخلها غير الله، أو تتعلق بكون من الأكوان سوى الله ، فليس لهم جلوس إلا مع الله ، ولا حديث إلا مع الله ، فهم بالله قائمون ،و في الله ناظرون ، والى الله راحلون ومنقلبون ، وعن الله ناطقون ، ومن الله آخذون ، وعلى الله متوكلون ، وعند الله قاطنون ، فما لهم معروف سواه ، ولا مشهود إلا إياه ، صانوا نفوسهم عن نفوسهم ، فلا تعرفهم نفوسهم ، فهم في غيابات الغيب محجوبون ، هم ضغائن الحق المستخلصون ، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق مشي ستر و أكل حجاب ، فهذه حالة هذه الطائفة المذكورة في هذا الباب .)
(-محيي الدين بن عربي – الفتوحات المكية –دار الفكر –بيروت –لبنان-2002- الجزء 1-ص.441) .
وحتى لا نبقى في حدود المقاربة النظرية ، نورد شهادة صوفية ، ناطقة بتحقق الاتصال ،واجتياز أطوار مرحلة العلم .
(وخضت بحار الملكوت وحجب اللاهوت ، حتى وصلت إلى العرش ، فإذا هو خال ، فألقيت نفسي عليه وقلت : سيدي أين أطلبك ؟ فكشف ، فرأيت أني أنا ، فأنا أنا ، أولي فيما أطلب ، و أنا لا غيري فيما أسير . )
(- أبو يزيد البسطامي –المجموعة الصوفية الكاملة –ويليها كتاب تأويل الشطح – تحقيق وتقديم : قاسم محمد عباس – دار المدى –دمشق – الطبعة الأولى – 2004-ص.50)
إن الرسالة الثانية من الإسلام ، ليس في الحقيقة ، إلا إعادة تحديث لنظريات المعرفة الباطنية ونظرية التأويل العرفانية ،والرمزانية الصوفية ، كما مارسها الصوفيون في الدائرة الإسلامية في تناص ،ظاهر، مع التقاليد العرفانية الكونية.
ألم تحق معارج الصوفية ، الوعد السباعي قبل البشارة الجمهورية بقرون ؟
أليست مرحلة العلم ، سوى الإخراج الجمهوري للمعراج الصوفي ؟ ألم ينشغل العرفانيون النظريون أو الإشاريون ، الشهوديون أو الوحدويون ، بالانتقال من الرواية إلى الوعاية ، من حركات الجوارح إلى حركات القلوب ، من مطالعة النصوص إلى محاورة الفصوص ، من الاستدراج إلى رفع الحجاب بين النفس والنفس؟ .
(…إذ الأولياء والأنبياء انكشفت لهم الأمور وسعدت نفوسهم بنيل كمالها الممكن لها لا بالتعلم بل بالزهد في الدنيا والإعراض والتبري عن علائقها والإقبال بكل الهمة على الله تعالى ، فمن كان لله كان الله له ، حتى إني في الوقت الذي صدقت فيه رغبتي لسلوك هذا الطريق شاورت متبوعا مقدما من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن فمنعني وقال : السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال ووطن وعلم وولاية ، بل تصير إلى حالة يستوي عنك وجودها وعدمها .) .
( أبو حامد الغزالي –ميزان العمل –قدم له وعلق عليه وشرحه : علي بوملحم –دار ومكتبة الهلال –بيروت –لبنان –الطبعة الأولى -1995-ص.55-56)
إن إعلان بزوغ فجر الرسالة الثانية ، لا يعني إلا إلغاء تاريخ التصوف الإسلامي من إبراهيم بن أدهم إلى أحمد بن عجيبة .لا تخرج مضامين الرسالة الثانية عن مرسخات العرفان السامي-الهيلنستي،وعن المقتضيات الارتقائية للتصوف متسننا كان أم متفلسفا .
فما يقدمه كوعد وبشارة كونية ، سبق للعالم الإسلامي أن استكان إليه كليا منذ القرن السادس عشر على الأقل، وطبق جزءا من برنامجه في الإخوانيات والزوايا والرباطات
.فبينما يحتم ، السياق الثقافي الحديث ، إعادة النظر في البنية الإبستيمية للعرفان ، وتقليب النظر في بنى المتخيل الصوفي ، تعيينا ، اكتفى السفر الجمهوري ، بالتنصيص على جوهرية الطريق والمعراج الصوفيين ، وأفضلية مناهج السالكين على مناهج الناظرين .
لم يكن عصر النهضة ، في الحقيقة ، إلا مراجعة لمكرسات العرفان ولمخلفات مؤسساته السوسيو-ثقافية.لقد سيطرت البنيات الصوفية على المؤسسات الاجتماعية و الثقافية لأزيد من أربعة قرون على الأقل ،ومأسست مقولاتها ومدوناتها وفعلتها ، أفقيا و عموديا.
فبدلا من نقد المعقولية الصوفية في ضوء الإبستيمولوجيا المعاصرة وفي ضوء مخلفاتها السوسيو-سياسية والجيو-استرتيجية ، يسعى محمود محمد طه إلى كوننة حقائق العرفان وتسييدها في عالم حداثة ، أعادت ترتيب الوضع التاريخي للإنسان وحولت التاريخ من معبر إلى صيرورة ، من حاضن لخطيئة أنطولوجية إلى إمكان للتشخصن والترقي النوعي ، من الاهتيام بالتجرد و المفارقة إلى التمسك بالملازمة والمحايثة .
