في نقد الرسالة الثانية من الإسلام (2 / 5)
3-إشكالية تأويل النصوص التأسيسية وإسقاط دلالات بعيدة عن منطوقها الدلالي والمعرفي والتاريخي:
لا يقدم حديث الغربة أي سند لدعوى تفصيل السنة. .فالاندثار يعني الاكتمال. .والتفصيل يعني الوقوف على عتبة المبادئ الأولى، في انتظار تكميل المكنون. .فحيث إن السنة خاصية، لم تعمم كما في الاعتبار الجمهوري، فهي لم تندثر. .وعليه، فلا يمكن تأويل الحديث تأويلا جمهوريا إلا بكثير من التسمح العرفاني. .
(إن محمدا رسول الرسالة الأولى، وهو رسول الرسالة الثانية. .وهاهو قد فصل الرسالة الأولى تفصيلا، و أجمل الرسالة الثانية إجمالا، ولا يقتضي تفصيلها إلا فهما جديدا للقرآن، وهو ما يقوم عليه هذا الكتاب الذي بين يدي القراء. )
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.84).
يستوجب تفصيل الرسالة الثانية، مبدئيا، تقديم بروتوكول دقيق للقراءة، واستثمارا معللا للنصوص، واستكشافا عميقا لتمرحل المعاني والمغازي، في سيرورة الحدثية الإسلامية. والحال أن النص الجمهوري، يستبعد أرخنة النصوص المؤسسة، واستشكال آليات وتقنيات التأويل البيانية والعرفانية التراثية، ومراعاة الممكن الإبستيمي والتاريخي الملازمين،تاريخيا، للحدث الإسلامي. وهكذا فبدلا من الاشتغال بموجب آليات التحقق والاستدلال والترجيح العقلي بين المعاني والبحث في شرط إمكان قراءة رمزية للملفوظات القرآنية ، فإن النص الجمهوري، يدفع بسيميوزيس الامتلاك المعنوي إلى الواجهة في تأويلات عرفانية كثيفة .
من البين، أن النص الجمهوري، لا يراعي النظام الوظيفي للغة النص المؤسس ولا نوعية المساقات والسياقات والمقاصد الكلية المتحكمة، مبدئيا وعمليا، في نشأة المعنى وتبلوره ضمن نسق تداولي خاص. وعليه، لا مناص، من الانكباب عن الاستدلال عن شرعية تأويلية باطنية موغلة في تشغيل سيميوزيس اجتياف، مشغولة بقرض كل تشكل تاريخي للمعاني.
يقرر النص الجمهوري صراحة، انصرافه عن التأويل الظاهري في معرض بنائه لنظرية الحواس السبع، ويحيل، في الأكثر، إلى سرود ومحكيات قرآنية ( قصة خلق آدم، موسى والخضر …)، مؤولة تأويلا معرفيا ذا محمولات ومستتبعات غنوصية ظاهرة.
مما لا شك فيه، أن الانتقال من المعنى النص التاريخي أو الاتفاقي، إلى المعنى المجازي الباطني، يشترط إيضاح الشرعية المنهجية والهيرمينوطيقية، لهذا الانتقال بالذات، و إلا أضحى التأويل استعمالا، وصارت مواثيق التأويل غير ملزمة.
(و”التين ” النفس، و”الزيتون ” الروح، و “طور سينين ” العقل، و”هذا البلد الأمين ” القلب. وقد أسلفنا القول بأن العقل هو نتيجة لقاح النفس والروح، ونقول هنا أن العقل هو طليعة القلب، ورائده إلى المعرفة، وهو له بمثابة عكاز الأعمى، يتحسس به الطريق، أو قل، إن شئت ، أن العقل يقوم من القلب مقام الحواس منه هو. وهو حين يقوى، ويستحصد، ويصبح يتلقى مداركه عن الحواس جميعها في كل لحظة، يصير الحاسة السادسة المرتقبة …)
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.124)
لا مطابقة هنا، بين اللفظ والمعنى، بين الفضاء الدلالي النصي والفضاء الدلالي التأويلي. فالحق أن التأويلات المقدمة، ناطقة بأرومتها العرفانية، وبمرجعياتها” الطرقية”، أكثر مما هي ملتصقة بالدينامية الدلالية والتدليلية للنص. وقد تعجب الشوكاني، من إقدام المتأولة على ترميز الملفوظات وإهدار السياقات اللغوية، وعلى منافاة حقائق المجال التداولي البياني رغم اقتصادهم البين في تشغيل طاقات التأويل بالقياس إلى زخم التأويل في السفر الجمهوري.
( وليت شعري ما الحامل لهؤلاء الأئمة على العدول عن المعنى الحقيقي في اللغة العربية، والعدول إلى هذه التفسيرات البعيدة عن المعنى، المبنية على خيالات لا ترجع إلى عقل ولا نقل. و أعجب من هذا اختيار ابن جرير للآخر منها مع طول باعه في علم الرواية والدراية. )
(الشوكاني –فتح القدير – الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير – اعتنى به وراجع أصوله : يوسف الغوش – دار المعرفة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى2002-ص.1636 ) .
يبدو أن منهجية أهل الوصال، تناقض، كليا، منهجية أهل الاستدلال. من البين إذن، أن المستنبطات العرفانية، تنهج نهجا غير النهج المعرفي القائم على مراعاة المواضعة والقرائن ومقتضيات الأحوال والمقاصد.يستعين الخطاب هنا، بالآلية التأويلية العرفانية، القاضية بترميز مضاعف للملفوظات ولنصوص تأسيسة قابلة للترميز والتمثيل العرفانيين. وفيما تتوغل الإسلاميات في أرخنة النصوص المؤسسة والبرهنة على جينيالوجيا تاريخية للتأويليات الإسلامية، وفي الكشف عن البنى الأنثروبولوجية للمتخيل الإسلامي عموما، فإن السفر الجمهوري، يتمسك ببلورة نظرية سباعية برابسيكولوجية في الحواس الخارقة ، يراد بها أن تكون دليل أصحاب المشاهدة والأذواق استنادا إلى تأويل عندي للمنطوق والملفوظ.
( ( والتين والزيتون ) خصهما من الثمار بالقسم لأن التين فاكهة لا فضل له وغذاء لطيف سريع الهضم (….). والزيتون فاكهة و إدام ودواء له دهن لطيف كثير المنافع، مع أنه قد ينبت حيث لا دهنية فيه كالجبال، وقيل المراد بهما جبلان من الأرض المقدسة أو مسجدا دمشق وبيت المقدس، أو البلدان.
(وطور سنين ) يعني الجبل الذي ناجى عليه موسى عليه الصلاة والسلام ربه و سنين وسيناء اسمان للموضع الذي هو فيه.
(وهذا البلد الأمين ) أي الآمن من أمن الرجل أمانة فهو أمين، أو المأمون فيه يأمن فيه من دخله والمراد به مكة. )
(-ناصر الدين البيضاوي –تفسير البيضاوي – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى -1999-المجلد الثاني – ص.607).
ففيما ينتظر المتأمل لتشوش الوضع الهيرمينوطيقي بعد قرون من التأويل الاسقاطي، نقد الرمزانية العرفانية الإسلامية، يختار السفر الجمهوري إمدادها بكثير من الزخم الغنوصي. فكما يتوخى المعراج الانفصال عن العلائق وعن الروابط البيولوجية والتاريخية والثقافية كما في القولة الغزالية ، فإن التأويل العرفاني، ينقطع عن الحوامل البيانية للمعنى، وعن الحمولة التاريخية للألفاظ والتراكيب والإفادات الظاهرية للنصوص التأسيسية.
يجد الوعي الإصلاحي الإسلامي، صعوبة مستعصية، في استبدال القراءة التاريخية –الأنثروبولوجية بالقراءة العرفانية، وفي التمرس بهيرمينوطيقا ملائمة ونافذة. ثمة إشكاليات توثيقية وتفسيرية وتأويلية وأنثروبو-تاريخية، لا يمكن التغاضي عنها، بعد حروب التأويل والتفاسير، وبعد الاستشكالات الاستشراقية للأصول الشرعية نفسها. غير أنها لا تلقى العناية اللازمة، في سياق محكوم بالترميق وإعادة ترهين المرجعيات التراثية.
4- إشكالية تجزيء تاريخ الإسلام الحي والاستمرار في إعادة ترتيب أوراق الصراع بين التسلف والتصوف:
يؤدي تغليب الحقيقة الغنوصية على الحقيقة التاريخية، هنا، إلى تجزيء الكل الإسلامي والى طمس الاشتباكات والتنافذات، بين المناهج والمعارف التراثية من ناحية ، والى تكريس المفاضلات القدامية بين أهل الرواية وبين أهل الوعاية أو أهل الولاية من ناحية أخرى .
فرغم انتقاده لمنهجية ورؤى الصوفية، إلا أنه كثيرا ما يثمن مستنبطاتهم ومواجيدهم واهتياماتهم، ويستشكل منهجية ورؤى البيانيين الخلص و”العقلانيين” التنزيهيين على التخصيص.
(فالقرآن ساق معانيه مثاني. .معنى قريبا في مستوى الظاهر، ومعنى بعيدا في دقائق الباطن، و لكن أصحاب الرأي لم يفطنوا إلى ذلك، فجعلوا الآيات التي تجاري أوهام الحواس، والتي تجاري أوهام العقول، سندهم، وبنوا عليها علمهم، فضلوا كثيرا وأضلوا.
و أما الصوفية فقد تفطنوا إلى ذلك، وعلموا أن أوهام الحواس، و أوهام العقول، يجيب التخلص منها بأساليب العبادة المجودة ، التي تبلغ بهم منازل اليقين المحجبة بحجب الظلمات، وحجب الأنوار. )
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.120)
لا تنفصل الإبانة عن احتجاب الحقائق القرآنية عن أهل النظر والاستدلال، هنا، عن تضليل مسلكهم ومستنبطاتهم، رغم اندراج التضليل والتكفير والتشريك، ضمن زمانية تاريخية وسيطية مفوتة بالقياس إلى مكتسبات الحداثة الفكرية ونظرية حقوق الإنسان. والحق أن غياب آية مساءلة للبداهة العرفانية، وللواقعة الصوفية في تاريخيتها اللولبية، كثيرا ما يقود إلى الاهتيام حيث يجب التحقق، والى الإشارة الخاطفة حيث يجب التدليل والتعليل والتسويغ بأكثر الحجج والأدلة والبراهين رجحانا. فمتى قام الترميز والإشارة الموحية، مقام التفصيل والتفريع والتخريج؟ هل يمكن اللهج بأوهام العقل، كما لو أننا، لم نبرح دوائر الإبستيمية القروسطية وعالمها المغلق؟ هل تكفي العبادة المجودة، لإبعاد الأوهام عن الحواس وعن العقول؟ ألا يجب نقد المعقولية الصوفية نفسها والتدليل على مواطن قصورها في الإدراك؟ ألم يرتبط الأوان الانحطاطي، بهيمنة الحضور وتراجع التحضر؟
( وهذا ظلم، ولما كان الله تبارك وتعالى منزها عن الظلم، ولما كان العقاب على الخطيئة ثابتا، في الشريعة وفي الدين، فلم يبق إلا أن يكون الإنسان متمتعا بشيء من الاختيار، به يستحق العقاب، حين يخطئ، ويستأهل الثواب، حين يصيب. وكذلك اعتقدوا، فتورطوا في الشرك، من حيث أرادوا التنزيه. .)
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.118).
يفصح محمود طه هنا، على مساندته للتفسير الأنطولوجي كما مارسه أهل العرفان وعلى تضليله للإبستيمولوجيا العقلية القدرية –الاعتزالية ؛ لقد أومأ إلى تفضيله للخيار الصوفي والى استنكاره للخيار العقلي –الاعتزالي، تعيينا دون تقديم تحليلات ضافية، ولا إلى إسناد دعوى أفضلية السند المعرفي الصوفي راهنا. وهكذا، عوض التوغل في استشكال تاريخي معرفي لمناهج المستدلين والمستنبطين والقائسين، يختار السفر الجمهوري، التلميح إلى أفضلية الاستنباط العرفاني لانفتاحه على متعاليات الألفاظ وماورائيات المعاني وغيبيات الشواهد وخفيات الحواس ومجهول البيان.
وهكذا، تكون المنازعة عن باطنية المعاني، مناسبة لتضليل أهل الرأي ورميهم بالتشريك.
والملاحظ أنه مراعاته للعدل، وذهابه لشمول للرحمة للكل في الماوراء، يقربانه من الاعتزال أحيانا؟ فكيف يسوغ القائل بالتسيير، مراعاة قاعدة العدل واشتراط حدود معقولة للمعاقبة الأخروية؟ ألا ينطوي العرفان على بذرة قدرية –اعتزالية رغم كثافة الأشواق واحتدام الأذواق؟ هل يكفي التأويل الباطني لتحقيق النقلة المرغوبة، من المجاز إلى الحقيقة، من التصور إلى المعاينة من دون الاستعانة ببداهة العقل الاستدلالي وبحس العدل الكوني؟ هل يتمكن الصوفي من تجاوز المتكلم الساكن في قيعان استدلالاته؟
5- إشكالية نسخ الناسخ واستعادة الأصول:
تأسيسيا على السلم السباعي وعلى انبلاج نور الإسلام الثاني ، قرر السفر الجمهوري، تشغيل آلية النسخ، على نحو غير معهود في الممارسة المعرفية –الفقهية الإسلامية. لا يرفض محمود محمد طه شرعية النسخ كما فعل محمد مفتاح في (دينامية النص –تنظير وانجاز ) وأحمد صبحي منصور في (لا ناسخ ولا منسوخ في القرآن الكريم) وأحمد حجازي السقا في ( لا نسخ في القرآن)، بل يسعى إلى بناء بديله النظري على بعض متضمناته ومقتضياته. فالنسخ عنده يعني إرجاء العمل بالأصول حتى تتوافر مقتضيات تفعيلها في زمانية مستقبلية، لا يتم تعيين أوانها إلا استنادا إلى مواهب ذوي الكفاءات الكشفية ! .
(ومما تنطق به صدور الذين أوتوا العلم أن طريق العهد الجديد – طريق المسلمين على الأرض – ترسم خط سيره آيات الأصول – الآيات المكية –تلك التي كانت في العهد الأول منسوخة بآيات الفروع – الآيات المدنية – و إنما نسخت آيات الأصول يومئذ لحكم الوقت. .فقد كان الوقت وقت أمة المؤمنين. . وآيات الأصول تخاطب أمة المسلمين، وهي أمة لم تكن يومئذ. .و إنما نسخت آيات الأصول في معنى أنها أرجئت، وعلق العمل بها فيما يخص التشريع، إلى أن يحين حينها، ويجيء وقتها، وهو الوقت الذي نعيش نحن اليوم في تباليج فجره الصادق. . وإنما من هنا وظفنا أنفسنا للتبشير بالرسالة الثانية. )
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.75).
والحقيقة أن هذه الدعوى تثير إشكاليات جمة، لم تنل، تأكيدا، نصيبها من المعالجة المتفحصة المكيثة في هذا السفر.ثمة إشكالية متعلقة بإعادة بناء علوم القرآن، في ضوء الإمكانات المعرفية والآليات المنهجية الحديثة ؛ من البديهي، أن لا يحقق الاكتفاء بالمتداول التراثي المطلوب، وأن لا يستجيب للمقتضى العلمي، بالنظر إلى انتهاضه على مسلمات وثوابت وملابسات إبستيمولوجية وتاريخية قابلة للاستشكال بل للتجاوز. ففيما تقتضي الممارسة العلمية، بناء تاريخية النص المؤسس، وإبستيمولوجيا مباحث ( الناسخ والمنسوخ ) كما مارسها النظار التراثيون والمعاصرون، بقليل أو بكثير من التوسع، فإن السفر الجمهوري، يقدم قراءة قلبية لهذه الآلية، يصير بموجبها اللاحق منسوخا، والسابق ناسخا، باسم مراعاة مقتضى التمكين في زمان الاستيقان .يقدم السفر الجمهوري، هنا، قراءة ارتدادية ارتكاسية للتاريخ، يتوخى منها التمييز المحض بين المثال المكي والواقع المدني. والحال أن هذا التمييز يفتقر إلى المسوغات الداعمة ومنها :
-عدم إقباله على تاريخية النصوص وعلى بناء سياقها التاريخي والإبستيمولوجي ،
– تغييب البعد السياسي للقياميات والكونيات ونبويات القرآن المكي،
( وهو سبحانه وتعالى حكيم أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم حين ضعفه ما يليق بتلك الحال رأفة بمن تبعه ورحمة، إذ لو وجب لأورث حرجا ومشقة ؛ فلما أعز الله الإسلام و أظهره ونصره، أنزل عليه من الخطاب ما يكافئ تلك الحالة من مطالبة الكفار بالإسلام أو بأداء الجزية – إن كانوا من أهل الكتاب – أو الإسلام أو القتل إن لم يكونوا أهل كتاب.
ويعود هذان الحكمان –أعني المسالمة عند الضعف والمسايفة عند القوة – بعود سببهما، وليس حكم المسايفة ناسخا لحكم المسالمة، بل كل منهما يجب امتثاله في وقته. )
(-بدر الدين الزركشي – البرهان في علوم القرآن – تحقيق : محمد أبو الفضل إبراهيم –المكتبة العصرية-صيدا –بيروت -2006—الجزء الثاني- ص.29)
– افتقار السفر إلى نظرية في تكيف وتكييف النص للواقع.
( الثالث ما أمر به لسبب، ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف، والقلة بالصبر والصفح، ثم نسخ بإيجاب القتال. وهذا في الحقيقة ليس نسخا بل هو من أقسام المنسا كما قال تعالى : ” أو ننسها ” فالمنسئ هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون، وفي حالة الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى، وبهذا يضعف ما ذكره كثيرون من أن الآيات في ذلك منسوخة بآية السيف، وليس كذلك بل هي من المنسأ بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة تقتضي ذلك الحكم ، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ ….)
( -محمد علي التهانوي – كشاف اصطلاحات الفنون-وضع حواشيه : أحمد حسن بسج – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان –الطبعة الرابعة 1998-المجلد الرابع –ص. 191).
– غياب استقراء لفلسفة الإنسان في القرآن المكي والقرآن المدني.
وتأسيسا على هذه الاعتبارات، يصعب تثبيت المنظور النسخي المثبت في السفر الجمهوري ؛فالحقيقة، أن النص المؤسس يحتكم إلى تصور أنثروبولوجي –لاهوتي، متدامج مع حركية التاريخ في الطورين ومع اشتراطات العروبة المؤسسة في تناصها مع الإيطيقا اليسوعية أولا ومع الاشتراع الموسوي ثانيا. وعليه، فلا يمكن تعليل نسخ آيات الأصول بآيات الفروع، “بحكم الوقت”، للاعتبارات التالية :
-غياب أي معيار موضوعي لتحديد الأصل والفرع،
-تعارض مراعاة “حكم الوقت ” مع المسلمات الأشعرية –الصوفية القائلة بالتسيير ومع المشيئة الإلهية،
-غياب نظرية متماسكة في علائق النص بالتاريخ وبالسياق الثقافي –التاريخي وبالمثلث المعرفي – التاريخي ( الحق والتاريخ والفعل) وفي فلسفة التاريخ القرآنية،
وقد لا مس محمود أحمد محمود جزءا من قصور المعادلة النسخية في السفر الجمهوري، بالتأكيد على لا تاريخيتها ومنافاتها لتاريخ تشكل الدولة اليثربية –المدنية.
( وهي نظرية مأخذنا الأساسي عليها هو لا تاريخيتها، إذ إن النص القرآني يعكس الواقع الماثل لزمن الرسول ولا يعكس واقعا تصوريا لم يأت بعد. وفي الواقع إن لجوء الإسلام للمواجهة المسلحة يعكس التحول الذي طرأ على المجتمع الإسلامي عقب الهجرة إذ تبلورت فكرة الدولة في الإسلام وكان من الواضح، في ظل الموازنات السياسية السائدة، أن قيام هذه الدولة وظهورها لا يمكن أن يتحقق إلا بمواجهة عسكرية وحلفائها.)
(-محمود أحمد محمود-حرية الفكر بين السياق الإسلامي والسياق المعاصر –مواقف – العدد 65-خريف 1991-ص.93).
وقد أشار محمد سعيد العشماوي إلى عدم نضوج المقالة النسخية –عموما – في الفقه الإسلامي.
(ومع أهمية هذا الموضوع فإن الفقه الإسلامي لم يضع أبدا أي نظرية عن النسخ، وبذلك ترك أمره لكل فقيه و أي مفسر، كل يقرر ما يراه، وبما ما يتوافق مع أغراضه ومصالحه؛ مما أوجد خلطا وفيرا واضطرابا خطيرا ؛ إذ يرى البعض أن آيات قد نسخت في حين يرى آخرون أنها لم تنسخ ؛ وقد تكون الآية من المحكمات أو ممن يتضمن حكما رئيسيا فيعني نسخها التأثير –بالإلغاء-على كل الأحكام المترتبة عليها، والعكس بالعكس.)
(-محمد سعيد العشماوي-معالم الإسلام –سينا للنشر-القاهرة –مصر – –الطبعة الأولى -1989-ص.110).
وكما لم يسوغ السفر الجمهوري نسخ آيات الأصول المكية بآيات الفروع المدنية، فإنه لم يسوغ مطالبته باستعادة الأصلي من الفرعي وإعمال نسخ النسخ، لتجاوز “حكم الوقت ” وشريعة الانقياد وتاريخ العتبات الأولى.
هل تكتفي الرسالة الثانية باستعادة الخطاب المكي؟ ألا يعني نسخ المدنيات تجزئي الإسلام ؟ هل يكفي النسخ لتحقيق التفصيل، والاستجابة لترقي الإنسان الحضاري في زمان الحداثيات الكلاسيكية والغبية؟ ألا يغيب النسخ الموعود فكرة الدولة ويستعيد صورة فرد متحرر من الانتماء الدولتي؟ هل يمكن الانخراط في الزمن الحداثي –الكوكبي من دون نظرية في الدولة؟ هل يكفي التغني بالفرد وبحريته في غياب نظرية حداثية في الفرد؟ هل يكفي التفريد والفردانية العرفانيان، للاستجابة لأفق انتظار إنسانية منصهرة في التاريخ وفي الزمانية وعالمة، أكثر فأكثر، ببنياتها التحتية البيولوجية والتاريخية والاجتماعية؟
6-إشكالية الكوننة الإسلامية في سياق غياب شروط إمكانها :
ينفي السفر الجمهوري، الميسم الكوني، استنتاجا، عن الإسلام الأولي. لا يمكن للإسلام اليثربي-المدني، أن يتكونن، طالما أنه متكيف مع وضعية سوسيو-تاريخية خاصة. إن تكيف الإسلام مع المقتضى اليثربي-المدني، يسمه، منطقيا، بالمسيم الأنثروبولوجي والتاريخي العروبي. وبناء على هذا الاستنتاج، لا يمكن تقديم أي مسوغات جمهورية للإسلام التاريخي، ولسعيه إلى تكريس كوننة عقدية وثقافية، متعالية على السمات الأنثروبولوجية –الثقافية الإثنية و الأقوامية.
إن الرسالة الأولى، إذن، تاريخية وقومية حصرا ؛ وبما أنها كذلك، فإنها غير قابلة للكوننة.وعليه، فلا يمكن تفسير ماهية الفتوحات الإسلامية، من منظور السفر الجمهوري بأي معنى من المعاني؛ إذ لا يمكن إسقاط التاريخي الحصري العروبي، على سياقات تاريخية متقدمة في درب الترقي والاستئهال. إن الإسلام الأول، إسلام تاريخ يتعلم القفز على العتبة، و أمة تتهيأ لعبور مجرى التاريخ الجارف واقتفاء أثار من سبقوها في درب الاستحكام.يفضي منطق السفر الجمهوري، إذن، إلى اعتقال تاريخ، المفتوحين، في بدايات الرسالة الأولى، مع أنهم قطعوا أشواطا كبرى على درب التروحن والتجوهر، بشهادة التاريخ الفكري للمصريين والبابليين والفرس.
ثمة مانع ثقافي –تاريخي، قاد الإسلام-من منظور القراءة الجمهورية – إلى الانحصار في الشريعة فيما يتسع مداه الفكري الأصلي، لارتقاءات وتعاليات ومواجيد من مقامات عالية. فقد حصرت قاعدة مراعاة الأحوال، الإسلام في الطور الإيماني، ومنعته من إخراج الناس من حجاب الشرط، ونقلهم، نقلة نوعية، إلى رحاب الإيقان.
يتضمن الإقرار بالسمة المرحلية، للإسلام اليثربي- المدني، نفيا لاكتمالية الخطاب النبوي، وتثبيتا لفلسفة تبليغية جديدة، لا يزكيها المسار الارتقائي، تاريخيا، للإسلام، ولا محتويات الوثائق الإسلامية. ثمة فرق بين الارتقاء التاريخي، والارتقاء العرفاني ؛ فالارتقاء التاريخي، يكشف المكون والمضمر والممكن في المثال ويدلل على قدرته على مجاراة إكراهات الواقع والتكيف، ايجابيا أو سلبيا معها ، فيما يثبت الارتقاء العرفاني، المثال، وينزهه عن التكيف والتكييف، وعن كل انطباع بالتاريخ ومواده ونثرياته، رغم لهجه بمراعاة “حكم الوقت”. يبقى الإسلام في الاعتبار الأول مطبوعا بالتاريخ خاضعا لطبائع العمران، فيما يبقى الإسلام في الاعتبار الثاني، مجبولا بالطوبى وبالغيب وبأشواق القرب والحضور.
وبناء على الارتقاء، يعلن السفر الجمهوري، أزوف زمان الإسلام المكتمل الكوني بحق، وحلول زمان تفصيل السنة ونسخ الشريعة اليثربية – المدنية.
( والذي يهمنا هنا أن نقرر أن وقتنا الحاضر وقت تتهيأ فيه الأرض لظهور أمة المسلمين. .وهذه الأمة هي أمة الرسالة الثانية. .وشريعتها هي سنة النبي، لا شريعة الأمة الماضية، بكل تفاصيلها، وذلك بفضل الله، كما أسلفنا القول، ثم بفضل تطور المجتمع البشري خلال هذه الأمة الطويلة، مما جعله مستعدا لتفهم التشريع المتطور من الشريعة إلى السنة. . فكأن أرض الناس قد ارتفعت خلال هذه المدة. .وكأن طرفا من الحبل قد انطوى من البعد إلى القرب. . و أصحبت بذلك العروة الوثقى الجديدة أقرب إلى الإطلاق من العروة الوثقى القديمة. .وذلك لقرب أرض الناس – أعني مستوى فهمهم – من الإطلاق، إذا ما قورن بمستوى الفهم القديم. )
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام -ص.74).
رغم نقد محمود محمد طه، للحضارة الغربية ولبقايا الحضارة العربية –الإسلامية بالاستتباع، فإنه يعتقد أن زمان الرسالة الثانية قد أزف و أن أوان استبدال السنة بالشريعة قد حان، وأن بشائر الاكتمال بدأت تلوح في الآفاق. ثمة نضوج، يسمح بالاستبشار بانبثاق بشرية ناضجة ومتألقة في سماء المعرفة وفي خضم السلوكيات المتجاوزة لقانون المعاوضة. والحال أن هذا الاستبشار، ذاتاني بلا رافد موضوعي. ليس زمان الحداثة، قطعا، بزمان هيمنة العرفانيات، بل إن عمليات نزع القداسة والأسطرة، في اندياح رغم الفورات القدامية، المتأججة هنا أو هناك. وحيث إن الخطاب الجمهوري، عرفاني، فإنه لا يتشاكل، بأي من المعاني، مع عقلانية الخطاب الحداثي ومع منجزاته الإبستيمولوجية والإسطيطيقية والسياسية.
(إن الضلال في فهم علاقة الإنسان بالكون لم يبلغ، في أي وقت من الأوقات، هذا البعد الذي بلغه على عهد الشيوعية، وباسم العلم والفلسفة …والشيوعية هي طليعة الفلسفة الاجتماعية المعاصرة، وهي صاحبة الدور التقدمي، الذكي، في المدنية الغربية الآلية الحاضرة. .على أيسر تقدير، هذا ما يبدو للشعوب الآن. )
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.97)
يبدو التبشير بانبثاق الرسالة الثانية في زمان هذه مواصفاته، غريبا ؛فقد جففت الحداثة الكلاسيكية والماركسيات، منابع روحانية كثيرة، وأفرغت العالم من رمزياته ومن أنساقه القداسية وربطت الإنسان بالتاريخ وبالزمانية وبالأداء العملي المشروط بمقضيات تاريخية لازمة وبمعاوضة متعلمنة. أليست المناداة بانبثاق التعالي الصرف في زمان المحايثة المكرسة، مفارقة من مفارقات العرفان في زمان تكسر وتقصف أنساق القداسة كونيا؟
أليس الذود عن السنة ضد الشريعة، في زمان المحايثة أو الوضعانية القانونية، ضريا من الحنين إلى الخطاب النبوي المتعالي؟
يشير الشاهد إلى علمنة العالم الحديث، وتراجع القداسة، في المراكز الحداثية الكلاسيكية والأطراف على حد سواء. ثمة حنين ضمني-في السفر الجمهوري- إلى عالم مأهول بالرمزيات الغيبية وبالشغف بالعبور إلى الماوراء، والى مجاوزة العتبات الفيزيقية في اتجاه الفيوضات الميتافزيقية.
وتأسيسا على هذه الملابسة، فإلانسانية المعلمنة، عمقيا أو سطحيا، الآن وهنا، هي دون الإنسانية الوسيطية، المتماسة، كليا أو جزئيا، مع المتعاليات والمتمرسة بالتأويل الباطني وبالترميز المضاعف للآيات والعلامات والنصوص والواقعات.
(لقد كان الإنسان الأول أحكم منا، في موقفنا الحاضر، حين ظن، أو قل علم، أن لكل شيء في الوجود روحا، والآن، وقد استدار الوجود دورة تامة، فإن التاريخ سيعيد نفسه في الأيام القليلة المقبلة، وهو، كما قرننا في مستهل هذا السفر، لن يعيد نفسه بصورة واحدة، و إنما يعيدها بصورة تشبه من بعض الوجوه، وتختلف من بعضها، عما كان عليه الأمر في سابقه، وسيكون وجع الشبه، في الدورة الجديدة، علمنا أن بيئتنا روحية الجوهر، مادية المظهر. )
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.112).
يبدو أن الأرواحية أكثر ارتقاء من الماركسية أو الوضعية أو الوجودية أو النفاتية، بالمقاييس العرفانية والغنوصية. كما أن المسار الارتقائي سرعان ما يرتد إلى محض وجود مسكون بالاستدارة. فهل الرسالة الثانية، تبشير بانبثاق رسالة الاكتمال، أم حنين وطاني لتجديد الصلة بغابات الرموز العرفانية، واستغلاق الرموز والأسرار المسارية، وهمهمة كون مرآوي يعكس فيه الشيء صورة نقضيه بتعاطف مؤثر؟
وهكذا يصير أي أرواحي، أكثر دراية، ومعرفة واستغوارا للخفايا من العلم الحديث ومن العلوم الاجتماعية والإنسانية بما لا يقاس.
(مهما يكن من الأمر بين الشرق الشيوعي، والغرب المسيحي، فان المدنية الغربية الآلية الحاضرة ليست مسيحية، وهي قد عجزت عن إدراك العلاقة بين الفرد والجماعة، كما عجزت عن إدراك العلاقة بين الفرد والكون، وهي من جراء هذا العجز قد منيت بالقصور العملي عن الجمع بين الاشتراكية والديمقراطية وذلك أكبر مظاهر فشلها. )
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.98)
يستند محمود محمد طه إلى تعامل عرفاني مع المنجز الحضاري الغربي ؛ لم يفلح الغرب في اعتباره من الانتقال من دور الحضارة إلى دور المدنية، كما لم يفلح في تقديم حل مكتمل وناجع لعلائق الفرد بالجماعة ولروابط الإنسان بالكون. ولا يمكن إرجاع هذا الإخفاق المدني للغرب، إلا لمبارحته لأفق التوحيدي وانغماسه في نثريات الحضارة الآلية والتقانة والنظرة المادية للكون.
إذا كان الغرب دون الأديان التوحيدية من حيث افتقاره إلى إحكام الروابط الاجتماعية بين الإنسان والمجموعة والروابط الميتافيزيقية بين الإنسان والكون، فلماذا يكون الزمان الغربي، منذورا للرسالة الثانية؟ ألا يستحق المنجز الحداثي، سبرا تأمليا أدق و أرهف، من نظرات عجلى، غير قادرة على الانعتاق من وجدانها الملي ومتخيلها المتاخم دوما للامعقول واللامرئي والتنرجس الثقافي الألفي؟
( وحين وصل الإسلام بفضل التوحيد، إلى هذا التحقيق الدقيق، بين الفرد والجماعة، شرع كل تشريعاته بصورة تحقق في سياق واحد، حاجة الفرد وحاجة الجماعة. . فلم يضح بالفرد في سبيل الجماعة، فيهزم الغاية بالوسيلة، ولم يضح بالجماعة في سبيل الفرد، فيفرط في أهم وسائل تحقيق الفردية، وإنما جاء تشريعه، في جميع صوره، نسقا عاليا من المقدرة على التوفيق بين حاجة الفرد إلى الحرية الفردية المطلقة، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة. )
(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.100)
ما معنى المطالبة بالرسالة الثانية من الإسلام، إن تمكنت الرسالة الأولى من تحقيق هذا الانسجام المتكامل بين الفرد والجماعة؟ ما معنى أن تنفذ رسالة الإسلام الحقيقية في زمان هو أنأى بكل المقاييس العرفانية، عن المتطلبات الروحانية وعن الفيوض العرفانية؟ هل اكتسب الإنسان الحداثي، الموغل في الظاهرات الدنيائية، جدارة وجودية تمكنه من تحقيق اللامتحقق في شريعة السلف؟ كيف تمكن الإنسان الإغريقي من بلورة خطاب إيطيقي عن الديمقراطية وعن تدبير الاجتماع رغم أن الاجتماع الإغريقي لا يستند، بأي مقياس من المقاييس، إلى التوحيد؟ كيف لا يحتكم السفر الجمهوري، إلى وثائق التاريخ، للتأكد من مطابقة الصورة المثالية للواقع التاريخي واستقصاء معاني اختلاجات الوعي والوجدان الإسلاميين؟ ألا يقتضي الانشغال بالمنهاج الصعودي، مراعاة البعد العرفاني ـ أكثر من الأبعاد العلائقية؟ كيف يبرر السفر الجمهوري، اهتمامه بالديمقراطية والاشتراكية مع أنهما لا تقعان في صلب انهماماته المعراجية؟ ألا تنهض الاشتراكية على التساوي وعلى تقاسم الخيرات المادية، فيما يقوم المعراج السباعي على التفرد والتفريد، أي على اللامساواة وعدم استواء المواهب؟ ألم ينبني الموقف الهرمسي –الغنوصي على رؤية ارستقراطية متعالية على العوام؟ كيف ينشغل خطاب مهجوس بالإنسان الكامل، بالديمقراطية والاشتراكية ورديفهما المنطقي أي : أي الإنسان المدني؟
كيف يغيب الأنساق العقدية والأخلاقية والروحية، السارية، في هذا الجزء أو في ذلك من البسيطة والمحققة لذلك الانسجام الكياني بين الإنسان والإنسان من جهة وبين الإنسان ومحيطيه الحيوي من جهة أخرى ؟ ألا يستحق المسار السياسي –الأخلاقي الكونفوشيوسي، تمثلا، لتأملاته ونظراته في الشأن السياسي والإيطيقي مثلا ؟
يقول جوزيف نيدهام عن الرؤية الكونفوشيوسية للعالم وعن تمايزاتها عن الرؤية البوذية ما يلي :
(…من جهة أخرى، من المؤكد أن الموظفين-المثقفين، يكرهون التصورات البوذية مثل : العالم وهم، الزهد هو أحسن طريق لنيل النيرفانا …الخ، يعتقد المثقفون من ذوي التقليد الكونفوشيوسي، أن العالم ليس وهما إطلاقا ؟ فالكونفوشيوسية فلسفة اجتماعية وسياسية مشغولة، أساسا، بالعالم المحسوس وبشكل معين للعدالة الاجتماعية. )
Didier Gazagnadou- Joseph Needham –Un taôiste d’honneur – Editions du Félin –Unesco-1991-page 93)
ولنتأمل منظور تزوسو للإنسان القلبي المتذاهن مع حكمة الحكماء، لنلم بأطراف من الأنسنة الصينية وبقدرتها على بلورة أنساق سياسية –اجتماعية منسجمة بدون خلفية تذاهنية من الطراز المألوف في الفضاء الثقافي السامي.
( تزوسو الإنسان وحده هو الحقيقة كليا في عالمه البشري، الذي يقدر على صنع النسيج العظيم للحياة المتمدنة، الذي يقدر على إرساء الأسس العظيمة للمجتمع المتمدن، والذي يستطيع فهم سيرورات تغذية السماء والأرض. هل يمكن لأي متغيرية أن تحل فيه؟ ما أرسخ قلبيته الإنسانية ! كم هو عسير سبر أفعاله! وكم هي غامرة مروءته الفائقة ! من هو الذي يستطيع أن يتصور هذه ما لم تكن لف فطنة حادة وحكمة شبيهة بالحكماء، ما لم يصل صعدا إلى القوة الروحية للسماء؟
مختارات من كتاب تشوانغ تسه/هيوز)
(-هادي العلوي –المستطرف الصيني – ” من تراث الصين”-منشورات المدى –
دمشق –سوريا – الطبعة الأولى – 1994-ص.183).
إن ما يقدم كوعد وبشارة لانعتاق الإنسان من العبوديات العصرية، ليس في الحقيقة، إلا الإبدال الصوفي، المركوز في الوعي الإسلامي، خصوصا بعد تسنين أبي حامد الغزالي للتصوف وتقديمه في إهاب فقهي.
إن التبشير بالعرفان في زمانية معلمنة وفي عالم فقد جزءا من فتنته السحرية ومن ألغازه، يشي بانقطاع المنظور الجمهوري –هنا تعيينا – عن الحدثية الحداثية، و عن مقتضيات انخرام الميثاق الإبستيمولوجي القديم. فقد قطع مشروع إزالة الأسطرة والقداسة عن الطبيعة والإنسان والجنس والسياسة والاجتماع، أشواطا كبرى، غب القرن السادس عشر. ومن هنا، لا يحق النظر إلى الحداثة السياسية وكأنها كون نظري مفصول عن الحداثة العلمية وعن تحقيقها للانتقال المؤسس من العالم المغلق إلى الكون اللانهائي؟ ألم تحرر الفيزياء الكاليلية الفرد من انغلاق العالم المحدود والديمقراطية من تراتبيات الكوسمولوجيا القديمة؟
لا يمكن للعارف أن ينصرف إلى رمزياته، بعد أن طال الاستشكال شاهده وشواهده على حد سواء؟ ألم يبني التصوف الفلسفي جزءا من عمارته الفلسفية على أجندة أرسطية وعلى بعض مفردات العلم الطبيعي؟ ألم يقر أبو سعيد بن أبي الخير بموافقة رؤيته لمعرفة ابن سينا؟ هل يفلح السفر الجمهوري، في تغطية القطائع المستحدثة بين رؤيتين متناقضتين للعالم ؟ هل يكفي إحلال العقد العرفاني محل العقد السياسي والعقد الطبيعي للقفز إلى طور إنساني متحرر ومنسجم في ذات الآن؟
