في نقد الرسالة الثانية من الإسلام (4 / 5)

1-ميتافيزيقا المعاوضة :

 يقارب السفر الجمهوري ، المعاوضة العقابية المستوحاة من التشاريع السامية المسمارية –البابلية ، وكأنها حقيقة كلية ، لا محيد عن الالتزام بها ، في زمان الحداثة الحقوقية، والعمل بموجب قواعدها في طور الشريعة وفي طور الحقيقة على السواء .من البديهي ، أن تغرق المقاربة ، هنا ، في التأملات الجوهرانية وفي التلوينات والتكييفات الكنائية، المستثمرة، بزخم عرفاني ، لإحكام إغلاق النسق الدلالي وتسقيف المعنى أنطولوجيا .فالتاريخ هنا ، منصة لعبور الميتافيزيقي ، لا مولد ومفتق الكنايات والمجازات ، والباعث ، دوما ، على البحث عن بديل آخر لسيرورة التاريخ الحي ، ولرماد الأساطير ولأوجاع الإنسان المتزمن ولحدود الحقائق القطاعية القاصرة .

يقود المنظار الجمهوري إذا ، إلى تحويل المواضعة الأنثروبولوجية إلى مواضعة ثيولوجية ، وإلى إلباس السجل التاريخي المتعين والمتزمن لباس الثبوت المتخطي للمفاعيل الزمانية بما لا يقاس .وهكذا ، يصير المنجز الثقافي المشروط بنوعية التقانة الردعية وبطبيعة الأطر التفسيرية المتوافرة ، معطى ضروريا ،يتخطى النسقية الإبداعية وعبورية التمثلات للفضاءات الثقافية المتقاربة أو المتجاورة .

(وقانون المعاوضة –القصاص – قانون ينبع من أصل في الحياة أصيل ، فهو ليس قانون دين بالمعنى المألوف في الأديان ، ونحن حين نقرر أن تشاريع الإسلام مبنية على القصاص ، إنما نعني الإسلام في حقيقته ، لا في عقيدته ، والإسلام في حقيقته ليس دينا بما ألف الناس عن الأديان ، و إنما هو علم ، وما مرحلة العقيدة فيه إلا مرحلة انتقال إلى المرحلة العلمية منه .. مرحلة الشريعة فيه مرحلة انتقال إلى مرتبة الحقيقة حيث يرتفع الأفراد ، من الشريعة الجماعية إلى الشرائع الفردية ، التي هي طرف من حقيقة كل صاحب حقيقة . )

 (-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.109) .

يحصر السفر الجمهوري،في الغالب، المعاوضة في القصاص ؛ والحال أن المعاوضة ، جامعة للثواب والعقاب على السواء .ليس القصاص إلا جزءا من كل ، إلا أنه يستحيل في التصور الجمهوري إلى كل قاضم لكل الجزاءات الموازية .

( فمن هنا كان الدين جزاء أي معاوضة بما يسر وبما لا يسر . فبما يسر (رضي الله عنهم ورضوا عنه )[ المائدة : 119] هذا جزاء بما يسر ( ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ) [ الفرقان : 19] هذا جزاء بما لا يسر ( ونتجاوز عن سيئاتهم ) [ الأحقاف : 16[ هذا جزاء . فصح أن الدين هو الجزاء.

 وكما أن الدين هو الإسلام والإسلام هو عين الانقياد فقد انقاد إلى ما يسر والى ما لا يسر وهو الجزاء .)

( -ابن عربي – فصوص الحكم – اعتنى به : عاصم إبراهيم الكيالي –دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى -2003-ص.81) .

من الصعب تبرير قانون المعاوضة ، في فكر عرفاني ينكر مسؤولية الإنسان المتزمن عن أفعاله ، وينسب تدبير ، الكليات والجزئيات ، إلى المفارق .وتلك علامة ، على قلق تصوري ،متغلغل في مفاصل النظر الإبراهيمي إجمالا.تفترض شمولية المعاوضة ، شمولية المسؤولية ،وشمولية حركية التاريخ ؛ والحال أن المسؤولية محجوبة في التسيير وفي الكسب(الأشعري) ، وحركة التاريخ ارتدادية معطوفة ، دوما ، على الخطاطات البرادغماتية .

(-و أن الله وفق المؤمنين لطاعته ، ولطف بهم (؟)و أصلحهم وهداهم ، و أضل الكافرين ، ولم يهدهم ، ولم يلطف بهم بالإيمان كما عم أهل الزيغ والطغيان ، ولو لطف بهم أو أصلحهم لكانوا صالحين ، ولو هداهم لكانوا مهتدين ، و أن الله يقدر أن يصلح الكافرين ، ويلطف بهم حتى يكونوا مؤمنين ، ولكنه أراد أن يكونوا كافرين – كما علم – وخزلهم وطبع على قلوبهم .)

(-أبو الحسن الأشعري -الإبانة عن أصول الديانة –دراسة وتحقيق : عباس صباغ –دار النفائس –بيروت –لبنان –الطبعة الأولى -1994-ص.37)

لا يفحص السفر الجمهوري ، جدارة بديهياته الملية المتأتية من العرفان المنقوع في التسنن الأشعري ، و لاشعوره المعرفي المردد لأكثر من صدى .من المحقق أن نظرية التسيير المقدمة في السفر ، لا تمكن ، من تأهيل الإنسان معرفيا وسلوكيا ، لسلوك درب الحقائق الفائقة ونهج نهج الأخلاق العالية .فبدلا من التنقيب عن منظار آخر لمعالجة تراجيديا الوجود البشري ، يصر السفر الجمهوري ، على تكثيف الحجب ، وإحكام لف الحرية بخيوط المقررات القبلية. وبما أن الإنسان مشروط بالمسطرات ، فإن المعاوضة ،تغدو بلا تأسيس ، في غياب شرط القدرة وشرط الاستحقاق .وعليه ، لا يفلح التأويل وتجسير الهوة بين الدلالات ، في حل معضلة الحرية ومسؤولية الإنسان عن أفعاله وعن قيادة آلة التاريخ .

والواقع أن المعاوضة ، أوثق ارتباطا بمستوى الشريعة ، وبالاعتبار الفقهي ، و أبعد عن المرامي القصوى للعرفان ؛ فالعرفان المحض معاكس لفلسفة ولمنطق المعاوضة ، لأن هدف العرفان هو استعادة وضع النفس قبل السقوط أي قبل الخطيئة .لا يسعى العرفان إلى تعويض تلبس الجسد بالنفس ، في العالم المحسوس أو في الماوراء ، بل إلى فك اشتباك الجسد بالنفس ، واستعادة الوضع الحضوري الأول . كما أن العرفان ، لا يقيس الجدارة بالسلوك ، بل بالمعرفة الباطنية المستجلية لحقائق النفس أو ما سماه الجنيد بالخروج من ضيق رسوم الزمانية إلى سعة فناء السرمدية .

وحيث إن العرفان الإسلامي ،مندغم بملابسات الإسلام التأسيسي وبالنسقية الفقهية ، فإنه يسعى إلى “عرفنة “المعاوضة ، أو اقتراح صيغ توفيقية ، بين المعاوضة وبين الانقطاع عن الخلق والاستغراق في الكشوف والفيوضات .

وتأسيسا على هذه المقتضيات ، فإن استزراع المعاوضة في مستوى الحقيقة ، إجراء تبريري ، لتسويغ ما لا يقبل التسويغ في الأصول العرفانية المحض، أي في الإحالات الغنوصية والمانوية والهرمسية .

( وقانون المعاوضة على مستويين : مستوى الحقيقة ، ومستوى الشريعة ، وبينهما اختلاف مقدار ، لا اختلاف نوع .. فقانون المعاوضة في مستوى الحقيقة قوامه قوله تعالى ” فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره .ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره”وقانون المعاوضة في مستوى الشريعة قوامه قوله تعالى ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ، والعين بالعين ، والأنف بالأنف ، والأذن بالأذن ، والسن بالسن ، والجروح قصاص ، فمن تصدق به فهو كفارة له ، ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون . )

(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.109-110) .

والملاحظ أن المنسوب إلى مستوى الحقيقة ، لا ينفصل مبدئيا عن مقتضى السلوك وضبط المعاملات في الهنا والآن ؛كما أن القصاص المنسوب إلى الشريعة ، لا يستوفي دلائل اليقين ، بالنظر إلى ورود القصاص ، هنا ، في معرض الإخبار بالواقعات الإسرائيلية ، لا بتقرير قواعد معيارية للأمة المؤسسة .فالقصاص المحال إليه في النص ، استنباط لا تقرير ، استخلاص لا استعراض .والحال أن العبرة بالمقررات لا بالمستنبطات ، في مقام التشريع .

( وهذا التقدير –واجتهاد الفقيه ذاته –محل نظر ، ذلك أن قاعدة “عين بعين وسن بسن ” من قواعد الأصول لا الفروع ، مما كان يتعين معه أن تكون من قواعد الابتداء لا قواعد الابتناء .فلو أن الله سبحانه أراد أن يفرضها على المسلمين لورد النص في القرآن بذلك صراحة ؛ لأهمية القاعدة ووضعها الرئيسي في النظام العقابي ، دون أن يتركها سبحانه للاستنتاج أو للاستنباط ، أي لوضعها الله ابتداء ولم يتركها لكي يصل إليها الناس ابتناء .)

(-محمد سعيد العشماوي –معالم الإسلام –سينا للنشر – القاهرة – مصر – الطبعة الأولى -1989-ص.172) .

فقاعدة “عين بعين وسم بسن ” أو شريعة الدحل شريعة توراتية ؛ وقد أدمجت في التشريع الإسلامي بمقتضى قاعدة ” شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما نسخ ” .

2-المعاوضة الاسترقاقية:

يدير السفر الجمهوري نظرية المعاوضة الاسترقاقية ، إدارة متشابكة ، لا تمكن من اعتبار المعطيات الثلاثة التالية في تراكبها التاريخي :

*المعطى التاريخي المتعلق بتشكل وتطور الممارسة القانونية والاقتصادية داخل مجتمعات الشرق الأدنى القديم.ويرتبط هذا النطاق كذلك ، بتنظيم الإسلام التأسيسي لنمط الإنتاج القبلي ولاقتصاد الحروب الجهادية ولديناميات ورمزيات العنف ، 

( وبشكل خاص ، فإن حادثة المجزرة الباردة والعقلانية لبني قريظة ستدشن عنف دولة حقيقية وحرب حقيقية ، لم يظهر له مثيل إطلاقا في الجزيرة العربية ، وهو عنف مشتق من ممارسات الشرق العتيق : ذبح الرجال كافة ، استرقاق النساء والأطفال . إذ لم يكن للعنف البدوي هذا الطابع النسقي ، هذا الحسم والعزم ، هذا التنظيم ، ولم يكن منتشرا على مستوى كبير كهذا.)

(-هشام جعيط – الفتنة – جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الرابعة – 2000-ص.28) .

*المعطى الأنثروبولوجي الخاص بدورة العنف البدوي وبنمط الإنتاج القبلي وبتمفصل القانون البدوي مع التشاريع السامية -الكتابية والتعديدية(الفارسية-المصرية) ، 

*المعطى التناصي الخاص بعبور التشاريع والقوانين والأساطير التسويغية والمعيارية وانتقالها من حيز فضائي إلى حيز آخر في جغرافية موسعة ومتموجة مثل : الفضاء السامي – الفارسي – الإغريقي .

من البديهي ، أن تمكن هذه المعطيات ، من توطين المعاوضة الاسترقاقية ، في نسقها العام ، ومن إضاءتها إضاءة نافذة لا تحجب سند الواقعات ، ولا تتأولها بما يخدم نزوعا غير أصيل إلى التساكن والى التصالح مع حقائق الحداثة.والواقع أن الإصلاحية الحديثة ، بالغت في التبرير البعدي ، فيما يقتضي السياق ، تغيير سجل بسجل ، وإبستيمية بإبستيمية ، وتاريخية بتاريخية .

 (…فكان الرقيق من أكبر الجماعات التي أقيم عليها النظام العائلي والاقتصادي لدى الأمم حين طرقتهم دعوة الإسلام . فلو جاء الإسلام بقلب ذلك النظام رأسا على عقب لا نفرط عقد نظام المدنية انفراطا تعسر معه عودة انتظامه ؛ فهذا موجب إحجام الشريعة عن إبطال الرق الموجود . )

( محمد الطاهر بن عاشور – مقاصد الشريعة الإسلامية – دار سحنون للنشر والتوزيع – تونس – دار السلام – للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة -مصر–الطبعة الرابعة -2009-ص.146) .

يرجع الطاهر بن عاشور الاسترقاق الإسلامي ، إلى إملاءات وإكراهات زمانية ، والى حرص الشريعة على سريان وانتظام نظام المدنية في زمان التأسيس والتدوين ، فيما يتأول النص الجمهوري الاسترقاق تأولا بيداغوجيا ، هو أدنى إلى القول بالإملاءات والإكراهات البيداغوجية –الفكرانية .

( والحكمة في الاسترقاق تقوم على قانون المعاوضة .فكأن الإنسان عندما دعي ليكون عبدا لله فأعرض ، دل إعراضه هذا على جهل يحتاج إلى فترة مرانة ، يستعد أثناءها للدخول ، عن طواعية ، في العبودية لله ، فجعل في هذه الفترة عبدا للمخلوق ليتمرس على الطاعة التي هي واجب العبد . والمعاوضة هنا هي أنه حين رفض أن يكون عبدا للرب ، وهو طليق ، و أمكنت الهزيمة منه ، جعل عبدا للعبد ، جزاء وفاقا .” ومن يعمل ، مثقال ذرة ، شرا ، يره “.)

(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.160) .

تناول النص الجمهوري الاسترقاق استنادا إلى قراءته للمعاوضة أو لبيداغوجيا القصاص القرآني ؛ فالاسترقاق الإسلامي ،إعدام للحرية في الحال لقاء استعادتها بعد التأهيل العقدي.فإن لم يفلح تفكيك النظام الرمزي المقرر بين أهله ، فلا مهرب، حسب مقتضى النص الجمهوري ، من الاحتكام إلى القوة الجهادية والى الحجر على الآخرين ، حتى يفككوا نظامهم الرمزي الخاص ويلتحقوا ، طوعا أو كرها ، بالنظام الرمزي الإسلامي .

فالاسترقاق هنا ، هو تأهيل عقدي ، يتمرن أثناءه المسترق على تغيير نظام حقيقته ويعتنق حقيقة جديدة .ليس الاسترقاق ، إذن ، إلا مؤسسة لتهذيب الرافضين أو العاجزين –معرفيا أو وجدانيا ، عن الانفصال عن نسقهم الفكري أو سنن رمزيتهم المؤسسة. تنهض المنهجية الموصوفة على محاصرة الذات من الخارج ، لتفكيك مناعتها ، وتغيير القناعة الذاتية تدريجيا .فالذات مدعوة هنا إلى التحلل من قناعتها ، لا بالإقناع الفكري بل بالإكراه القانوني والمحاصرة الاجتماعية –السياسية.

يقع هذا التأويل في المعاطب التالية :

-استثناؤه فترة التأسيس من شمول القانون الكلي ، أي اللامعاوضة ، والحال أن البيداغوجيا تفسير برسم الأرضيات والتاريخيات والمعرفيات الايجابية والوضعية لا برسم الحقوق الأنطولوجية للإنسان المعتمدة لدى العارفين.لا يمكن حصر الإنسان في مواضعات تاريخية حاصرة ، وحرمانه من التألق في دروب التأله .فكيف تتغلب نثريات التاريخ على توهج الوجدان العرفاني لدى العارف ؟ كيف يتحول الاستثناء التأسيسي من تأسيس بالإيجاب كما في النظام البياني إلى تأسيس بالسلب في نسخ النسخ الجمهور ي؟ كيف تخوصص تجربة يراد لها التأميم ؟ كيف تصير السنة العرفانية شريعة قانونية تعلن سطوة الاشتراع واستعصاء الأنثروبولوجيا على التهذيب القانوني بعد قرون من الهندسة الاجتماعية التوحيدية ومن التأهيل الناموسي البراني؟ما معنى فلسفة تشريعية قائمة على نسخ النسخ وعلى جدلية ارتدادية -ارتقائية منفلتة دوما ومستعصية على الصوغ ؟

-فالاسترقاق مناقض لأهلية الإنسان للاستخلاف واستحقاقه للتكريم والتفضيل المسندين إليه بمنة متعالية . فكيف يمكن للإنسان عمارة الأرض وأداء وظيفة الخلافة الكونية باسترقاق الآخرين ، وهو خاضع للسوى ؟ألا يحمل الاسترقاق على افتراض مانع أنطولوجي يعيد النظر في قدرة الإنسان على النهوض بواجب الأمانة الكونية ؟ كيف يستحيل التفاؤل الأنطولوجي بالإنسان إلى تشاؤم تاريخي غير قابل للتذويب ؟ ألا يسلم السفر الجمهوري هنا ، بغلبة الكثافة الجبلية على الكثافة الأنطولوجية في الإنسان ؟ 

-تشريعه لوصاية الإنسان على الإنسان، باسم تمرينه على الطاعة؛ والحال أن لا أهلية إنسان الإيمان بالمعنى الجمهوري، لا تؤهله لقيادة الممانع لسلوك تجربة الإسلام .كيف يصير الإنسان المندغم بشروطه الأنثروبولوجية –الثقافية وبقصوره الكياني ، مؤهلا لتهذيب الآخرين وإقناعهم بحتمية الاختيار الإسلامي ؟ 

-صعوبة التفكيك البراني ، للأنظمة الرمزية المترسخة في الوعي والوجدان الجمعيين .وقد خبرت الجماعة التأسيسية ، ظاهرة النفاق ، كما خبرت الجماعة التكوينية ، تسرب الموروثات الغيرية إلى نسيج الكتابات التكوينية نفسها ،وتلوينها لمواد النظر الشرعي نفسه(الإسرائيليات/الغنوصيات/المسيحيات …الخ) . 

 (فلما نظر(=حيي بن أخطب ) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ، ولكنه من يخذل الله يخذل ، ثم أقبل على الناس ، فقال : أيها الناس! إنه لا بأس بأمر الله ، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل ، ثم جلس فضربت عنقه .) 

(ابن هشام – السيرة النبوية – حققها وضبطها : مصطفى السقا/ إبراهيم الأبياري / عبد الحفيظ شلبي – دار ابن كثير – دمشق – بيروت – الطبعة الثانية 2003-ص.798) .

– لا يقر الإسلام الاسترقاق الحربي –الإيديولوجي فقط بل يعترف باسترقاق البيع والشراء وباسترقاق الاستدانة أو الوفاء بالديون قبل نسخه،

( حدثنا مخلد بن خالد والحسن بن علي ومحمد بن أبي السري ، المعنى ،قالوا : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا ابن جريج ، عن صفوان بن سليم ، عن سعيد بن المسيب ، عن رجل من الأنصار ، قال ابن أبي السري : من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل من الأنصار ، ثم اتفقوا : يقال له بصرة ، قال : تزوجت امرأة بكرا في سترها ، فدخلت عليها ، فإذا هي حبلى ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :”لها الصداق بما استحللت من فرجها ، والولد عبد لك ، فإذا ولدت ” قال الحسن :”فاجلدها” وقال ابن أبي السري :”فاجلدوها” أو قال :”فحدوها”….)

(-أبو داود السجستاني-سنن أبي داود- تحقيق : جمال أحمد حسن / محمد بربر –المكتبة العصرية –صيدا –بيروت –لبنان-2009-كتاب النكاح-باب في الرجل يتزوج المرأة فيجدها حبلى –ص. 400)

(حدثنا محمد بن يحيي وإسحاق بن منصور ، قالا : حدثنا عبد الرزاق ، عن ابن جريج ، أخبرني أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : كنا نبيع سرارينا و أمهات أولادنا والنبي صلى الله عليه وسلم فينا حي لا نرى بذلك بأسا .)

( -ابن ماجة – سنن ابن ماجة – اعتنى به وقدم له : محمد بربر – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – الطبعة الأولى – 2006-كتاب العتق – باب أمهات الأولاد –ص.438-439) .

( حدثني يحيي عن مالك عن يحيي بن سعيد عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر باع غلاما له بثمان مائة درهم وباعه بالبراءة فقال الذي ابتاعه لعبد الله بن عمر : بالغلام داء لم تسمه لي فاختصما إلى عثمان بن عفان فقال الرجل باعني عبدا وبه داء لم يسمه وقال عبد الله : بعته بالبراءة فقضى عثمان بن عفان على عبد الله بن عمر أن يحلف له لقد باعه العبد وما به داء يعلمه فأبى عبد الله أن يحلف وارتجع العبد فصح عنده فباعه عبد الله بعد ذلك بألف وخمس مائة درهم . )

(مالك بن أنس – الموطأ – خرج أحاديثه وعلق عليه : هاني الحاج-المكتبة التوفيقية –كتاب البيوع – باب العيب في الرقيق–ج2-–ص .104).

-الاحتفاظ بوضع المسترقين المسلمين، والتشديد على الطاعة والخضوع لإرادة المالك . وقد تصل العقوبة إلى تكفير العبد الأبق.

 (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله اعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وأتوهن أجورهم بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخذان .)(النساء :25) .

 ( حدثنا علي بن حجر السعدي . حدثنا إسمعيل ( يعني ابن علية ) ، عن منصور بن عبد الرحمن ، عن الشعبي ، عن جرير أنه سمعه يقول : ” أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر حتى يرجع إليهم ” قال منصور : قد والله روي ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكني أكره أن يروى عني ههنا بالبصرة . )

(مسلم بن الحجاج – صحيح مسلم – اعتنى بعه : محمد ين عيادي بن عبد الحليم – مكتبة الصفا-القاهرة –مصر- الطبعة الأولى – 2004- –كتاب الإيمان -–باب تسمية العبق الآبق كافرا –الجزء1– ص. 45)

( حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” المملوك الذي يحسن عبادة ربه ويؤدي إلى سيده الذي له عليه من الحق والنصيحة والطاعة له أجران .)

(-البخاري – صحيح البخاري –اعتنى به : محمود بن الجميل – مكتبة الصفا- القاهرة – مصر – الطبعة الأولى -2003- الجزء1-كتاب العتق- باب كراهية التطاول على الرقيق .ص. 559) .

يصعب ، التسليم بالتأويل البيداغوجي المعطى للاسترقاق في السفر الجمهوري،بالنظر إلى افتقاره للتسويغ التاريخي –الفكري المطابق ، لمقتضيات الأحوال في الزمان التأسيسي ، ولمقتضى الحال الحضارية في القضاء الثقافي السامي –الإغريقي عموما.

و لا يكتفي السفر الجمهوري بالإبانة عن حيثيات وجدوى الاسترقاق الملي، بل يعود للتذكير بالتسويغ الإصلاحي لمؤسسة الرق.ومن البين أن النظر الإصلاحي ، يغلب في مقام تناول معضلة الاسترقاق الحيثية “التاريخية “والاحتفاظ باستمرار السيرورة الإنتاجية والمسار الحضاري ، فيما يغلب في تناوله للأوجه الأخرى للاعتقاد الاعتبارات اللاتاريخية أوالغيبية ، باعتبار الفترة التأسيسية فترة استثنائية ، متعالية ، مبدئيا ، على قوانين ونواميس التاريخ .فكيف يعلق” التعليل” الغيبي ، في مقام التعامل مع الاسترقاق ؟ألا يؤدي ربط الاسترقاق بدوام الجهاد إلى مأسسة الرق لا إلى اعتباره اختبارا ظرفيا كما تعتقد الإصلاحية الحديثة ؟ألا تحتم الملابسة العقدية دوام الرق (الكفارات وملك اليمين ) في الفضاءات الإسلامية ؟ .

 

(وهكذا أضاف أسلوب الدعوة إلى الإسلام ، الذي اقتضته ملابسة الوقت ، والمستوى البشري ، إلى الرق الموروث ، من عهود الجاهلية الأولى ، رقا جديدا ، ولم يكن من الممكن ، ولا من الحكمة ، أن يبطل التشريع نظام الرق ، بجرة قلم ، تمشيا مع الأصل المطلوب في الدين ، و إنما تقتضي حاجة الأفراد المسترقين ، ثم حاجة المجتمع ، الاجتماعية ، والاقتصادية ، بالإبقاء على هذا النظام ، مع العمل المستمر على تطويره حتى يخرج كل مسترق ، من ربقة الرق ، إلى باحة الحرية .)

(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.160) .

يظهر السفر الجمهوري هنا ، طواعية بيانية ، وميلا إلى ترديد الفذلكات والمرددات النهضوية،والى تحجير التاريخ وتمنيع الإنسان ضد أنسنته .يلين الخطاب عرفانيته ، ليعلن احتماءه بالمبررات البيانية ، واستمساكه بالخطاب الاتقاقي المتحصل من قراءة انتقائية للوقائع وتطبيعية-في المحصلة- لوضع قلق ، فلسفيا وتاريخيا ، و إشكالي على أكثر من مستوى .

تقود هذه النظرة الأقنومية للملابسة الوقتية ، إلى نظرة تصنيمية للتاريخ الحي ، والى الوقوف عند أعتاب الإشكاليات النظرية دون اقتحام مضاميرها و اختراق حجبها وستورها وخفاياها.لا يعني تغلب التاريخ وملابسته ، إلا قدرة الثقافة المحلية على إيقاف المد الجارف لخطاب كوني ، يروم التبليغ الفصيح للخطاب الخاتم ، ويبتغي تنقيح الخطابين السابقين ، وإجلاء الحقيقة في تحققها وتجليها واندماجها السلس بين طوايا تاريخ مفتوح قابل للتشكيل.فكيف ستنبري رسالة الدعوة للكوننة وهي غير قادرة على تذويب الاسترقاق العوربي ؟هل تكفي الترضيات التاريخية لتحقيق الكوننة وإرضاء الثقافات والحضارات الأخرى ؟ كيف يتم التأهيل والانتقال من ثقافة القبيلة إلى ثقافة الإمبراطورية دون تذويب المانع الثقافي الأصلي رغم التحلل المبدئي من الإبدال القائم ؟ كيف يستحيل الخطاب الخاتم إلى دعوى مرجأة باسم تغليب خطاب الفروع على خطاب الأصول بفعل تخثر الوضع الأنثروبولوجي للإنسان وانحباس دينامية التاريخ في متاهات العربيا؟ .فكيف يسوغ السفر الجمهوري،الاعتبار التداولي فيما تحض اختياراته العرفانية الأصلية على مداخل غير مدخل استحكام الملابسة الوقتية ؟

من التفهم إلى التناص :

إن للاسترقاق جذورا وأصولا ،و خلفية سوسيو-تاريخية وسوسيو-اقتصادية ، جديرة بإعادة الاستكشاف ،وبالتفسير وفق المناهج الحديثة . يحتاج تاريخ الاسترقاق في الفضاء السامي، إذن ، إلى معالجة أدق تاريخيا و أوثق معرفيا ، و أرهف منهجيا ، لتوضيح كثير من المبهمات والغوامض ، ولإيضاح آليات الاستعارة القانونية وارتحال العقوبات في ليل التاريخ السامي .لا عبرة هنا ، بالمجاذبات والتسويغات التفهيمية المقدمة ، من هذا الطرف الأصلاني أو من ذاك، لتبرير ممارسة تاريخية –ثقافية مشكلة ، في طور حضاري يجرم الاسترقاق .

(إذا خرجت لمحاربة أعدائك ودفعهم الرب إلهك إلى يدك وسبيت منهم سبيا ورأيت في السبي امرأة جميلة الصورة والتصقت بها واتخذتها لك زوجة فحين تدخلها إلى بيتك تحلق رأسها وتقلم أظفارها وتنزع ثياب سبيها عنها وتقعد في بيتك وتبكي أباها و أمها شهرا من الزمان ثم بعد ذلك تدخل عليها وتتزوج بها فتكون لك زوجة . و إن لم تسر بها فأطلقها لنفسها . لا تبعها بيعا بفضة ولا تسترقها من أجل أنك قد أذللتها .)

(سفر التثنية-الإصحاح الحادي والعشرون : 10-14) .

(و إذا دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف . و أما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك وتأكل غنيمة أعدائك

التي أعطاك الرب إلهك . )

(سفر التثنية-الإصحاح العشرون : 13-14) .

(أيها العبيد أطيعوا سادتكم حسب الجسد بخوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح . لا بخدمة العين كمن يرضي الناس بل كعبيد المسيح عاملين مشيئة الله من القلب خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس .عالمين أن مهما عمل كل واحد من الخير فذلك يناله من الرب عبدا كان أم حرا .)

( رسالة بولس إلى أهل أفسس- الإصحاح السادس – 5-8)

ليس الاسترقاق آلية تهذيبية أو أسلوبا تأهيليا ، لإعداد الرافضين للرمزية الإسلامية ، وتحفيزهم على اعتناق فكرية جديدة ، أيا كانت أنسابهم العقدية وتمثلاتهم الفكرية.ليس الاسترقاق “معسكر اعتقال إيديولوجي “للممانعين العقديين كما جاء في السفر الجمهوري ، بل هو نتاج تاريخي لوضعية اجتماعية-اقتصادية ولإبدال ثقافي ،لم تتمكن الحضارة الإسلامية من تفكيك آلياتهما الإنتاجية إطلاقا.

نسخ الاسترقاق :

كيف يسوغ العرفاني المتمرس بمجاهل النفس حرمان الإنسان من حريته بدعوى عدم تجاوبه مع نظام رمزي مخالف لنظامه التصوري الخاص ؟أليست الحرية الشرط الرئيس المؤهل لتحمل المسؤولية الأنطولوجية للإنسان ؟ هل يعفي العرفان من رسم أجزاء من سيرورة تاريخ لا يأبه دوما بالمتعاليات ؟

يقتضي منطق السفر الجمهوري وتأمله لجدب المشهدية الروحية في الحضارة الألية ، الاحتفاظ بهذه البيداغوجيا لا المناداة بإلغائها وإعلان منافاتها للخطاب الأصلي .فالنقد المقدم للمدنية الغربية ولإخفاقاتها التاريخية المتواترة ، يدعم ، منطقيا ، سريان المعاوضة الاسترقاقية ، لا التنصل منها .ثمة هوة ، بين المقدمات والنتائج ، بين منطق التحليل والاستنتاجات ، لا يمكن عبورها الا بضرب من التخفف المعرفي ومن التسمح الإيديولوجي .

يفسر السفر الجمهوري الاحتفاظ بالاسترقاق ومأسسته، بالملابسة التاريخية القاهرة؛ والحال أن هذا الضرب من التعليل لا يصمد أمام مد الاستشكال .

هل نظام الاسترقاق أعوص من نظام التشريك أو التعديد ومن اقتصاد الفروسية ؟ كيف يفكك نظام التشريك فورا وبدون تدرج ، وتلغي عادات متجذرة في المخيال وفي الممارسة الجماعية العربية ( الخمر والربا ) بتدرج ، ويكتفي بالاحتفاظ بالاسترقاق بدعوى الملابسة التاريخية العنيدة ؟

 

النسخ وشروط العصر:

لقد كرس التشريع اليثربي-المدني، إذن ، المعاني الفرعية ، ونسخ ، مرحليا ، المعاني الأصلية ؛فبما أن الإنسان الشرائعي قاصر ومقصر ، معرفيا وإيطيقيا ، فلا مهرب من تقييد الحرية وإعمال العنف الإدماجي لضمان تسرب مؤدى القانون إلى النفوس المجبولة على الممانعة .

 (“إن إلينا إيابهم .ثم إن علينا حسابهم ” واعتبرت الآيتان السابقتان منسوختين بالآيتين التاليتين ، وكذلك نسخت جميع آيات الاسماح ، وهن الأصل ، بأية السيف وأخواتها ، وهن فرع أملته الملابسة الزمانية ، وقصور الطاقة البشرية ، يومئذ ، عن النهوض بواجب الحرية . ومن ههنا جاء حديث المعصوم حين قال ” أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله .فإن فعلوا عصموا مني دماءهم وأموالهم ، إلا بحقها ، و أمرهم إلى الله .”)

(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.157) .

لا يمكن تفسير نظام الاسترقاق إذا، بالملابسة التاريخية وبقصور الطاقة البشرية، لأن:

– الاحتكام إلى الملابسة التاريخية يلغي مطابقة الخطاب لسياقه ولخصائص المبلغين ،

– الاحتكام إلى قاعدة قصور الطاقة ينافي مراعاة مادة الخطاب لمؤدى الفطرة.

فتسويغ الاسترقاق بالقاعدتين السابقتين ، لا يلغي سريانهما ، بموجب النسخ، بالنظر إلى ما يلي :

-استحكام الأنظمة المعرفة النفاتية والهرطوقية والتشكيكية والمادية والتعديدية هنا والآن ؛ويتضمن نقده للحضارة الغربية إشارات دالة ، على انفصال الفكرية الحداثية العلمانية ، عن المقدس وعن المتعاليات إجمالا ،

( …و أن الأصل في مواجهة البيئة هو المناجزة ، لا التمليق ، وما دفع الإنسان إلى التمليق إلا العجز عن المناجزة ، والآن ، وبتطوير لسلاحه الأول ، من فروع الأشجار وقطع الأحجار ، إلى أن بلغ به القنبلة الهيدروجينية ، فإن مقدرته على المناجزة اكتملت ، أو كادت ، ويجب إذن أن يقلع عن التمليق ، أو قل عن التدين ، وعن الأديان ، وعن الله .) (-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.97) .

– اعتماد البشرية الحداثية على منظور وضعي للحرية وإقرار حرية الاعتقاد والحداثة الدينية .

لا يتمكن السفر الجمهوري ، هنا ، من تسويغ نسخ النسخ ، لأنه يقرأ الماضي قراءة ذاتانية مغيبة لكثير من مؤتلفات ومختلفات النسق الإسلامي ، ويجتاف عناصر من الحداثة دون اعتبار كلياتها النسقية .تقوم الحداثة على أهلية العقل الطبيعي وعلى نسبية الحقيقة الدينية ، أي على إعمال آليات العقل الطبيعي في الجسد النظري للحقائق المتعالية .فكيف يمكن تجويز نسخ النسخ ، دون التنصيص على نسبية الحقيقة الشرعية ودون إقرار حرية الاعتقاد ومدنية الاجتماع ، حاضرا ومستقبلا؟ 

3- من المعاوضة إلى المصادرة :

الحرية المرجأة

يدير النص الجمهوري المفاهيم إدارة قلقلة وملتبسة ، بسبب انتهاله،أحيانا، من مرجعيات متخالفة القصود والبناءات النظرية؛ وكذلك بفعل انشغاله، بإلباس المفاهيم القديمة لباس الألفاظ والمفاهيم الحديثة. ليس من اليسير ، الجمع بين العرفان المعراجي وبين مفاهيم حبلى بالمحايثة وبإمكان صناعة المصير التاريخي صناعة غير الصناعة القيامية.فعوض أن يسهم هذا الاستثمار المفهومي ، في تقريب المتصورات التراثية من فهوم ملامسة للحداثة ملامسة يسيرة أو جزيلة الوقع ، فإنه يغرق الوعي الإصلاحي في مباعدات كبرى ، يسبح التصور أثناءها في بحر القدامة القروسطية فيما يعبر المفهوم الضفاف ويخرق الحدود بدون قدرة على الاستيطان وعلى التلبس .ثمة بون نظري بين المتصورات والمفاهيم ، لا يفلح السفر الجمهوري ، في ردمه وتذويبه.

 (الأصل في الإسلام أن كل إنسان حر ، إلى أن يظهر ، عمليا ، عجزه عن التزام واجب الحرية ، ذلك بأن الحرية حق طبيعي ، يقابله واجب واجب الأداء ، وهو حسن التصرف في الحرية ، فإذا ظهر عجز الحر عن التزام واجب الحرية صودرت حريته ، عندئذ ، بقانون دستوري ، والقانون الدستوري ، كما سلفت إلى ذلك الإشارة ، هو القانون الذي يوفق بين حاجة الفرد إلى الحرية المطلقة ، وحاجة الجماعة إلى العدالة الاجتماعية الشاملة ، وقد قررنا أنفا أن ذلك هو قانون المعاوضة .)

(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.156) .

يحفل الشاهد بمفاهيم مستقاة من الحقل التداولي الحداثي ؛ إلا أن استدعاء المفاهيم الحداثية ، هنا ، لا يرنو إلى قراءة نسقية لتلك للمفاهيم ولملابساتها التاريخية والمعرفية ، بل يتوق إلى استصلاح حداثي للمتصورات الإسلامية . لا ترد مفاهيم ” الحق الطليعي ” والقانون الدستوري” و”العدالة الاجتماعية “،هنا، في معناها التداولي ، أو في تجذرها الإبستيمي في المعرفيات الحداثية ، بل في إطار تسويغ ممارسة المراقبة الفكرانية والهندسة الثقافية –الاجتماعية القدامية في طور القطائع الحداثية . والحق أن لا مشاكلة ولا مطابقة ، مفهومية أو نظرية ، بين مفاهيم ” الحق الطبيعي ” والقانون الدستوري ” و”العدالة الاجتماعية ” ، وبين معايير النسق الإسلامي.لا تبرر مفاهيم التعاقد الاجتماعي –السياسي مفاهيم الإلزام الغيبي-الميتافزيقي بأي مقياس من المقاييس .فثمة بون واسع ، بين نظريات التناظر والتثاقف والتعاقد ، من أجل تحسين الوضع التاريخي للإنسان في التاريخ وبالتاريخ ، وبين مفاهيم تنزلية تهدف إلى صياغة الإنسان ورسم مصائره النجاتية في حدود ما تنطق به النصوص.

وعليه، يستلزم تطبيق نظريات العقد الاجتماعي والقانون الدستوري ، تكريس الوعي والتربية المدنيين ، وإقرار العلمانية المعرفية والسياسية ، وإنشاء تاريخ نقدي للحقيقة وتاريخ مقارن للأديان .فكيف تفسر المعاوضة بمفاهيم مستلة من الحداثة السياسية ؟ ألا تتنافى نظريات التعاقد الاجتماعي والإرادة العامة مع قانون التسيير؟ ألا تعالج الحداثة اللامسؤولية ، بالتربية المدنية وبالتنوير وبتمرين الإنسان وحثه على الانغماس في البراكسيس وفي تحولات السيرورة التاريخية لا بالمعاقبة الرادعة والترهيب الغيبي؟

4-المعاوضة الجنسانية :

 لا تعتمد نظرية المعاوضة الجمهورية الخاصة بالزنا ، كثيرا على المدونات التاريخية ولا على المحكيات التراثية في فهم العقل الجنسي الإسلامي، وفي النفاذ إلى معنى إقرار جنسانية معيارية في مجتمع منبثق ، أخذ في تشكيل السلطة وفي إدارة الأجسام بما يحقق مشروعه العقدي-السياسي الكوني. 

(والمعاوضة في حد الزنا تقوم على الرجم ، أو على الجلد ، حسب مقتضى الحال ، وذلك أن الزاني حين ذهب يبحث عن اللذة ، حيث كانت ، ومن غير اعتبار لشريعة ، أذيق الألم ليرده لصوابه . فإن موقع الألم من وادي النفس يقوم على العدوة القصوى ، حين تقوم اللذة على العدوة الدنيا ، وفي شد النفس إلى الألم ، حين تتهافت على اللذة المحرمة ، إقامة للوزن بالقسط مما يعينها على الاعتدال ، ويجعلها أبعد من الطيش والنزق .)

(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.108) .

قدم الخطاب الجمهوري تسويغات قدامية ، كليا ، للعقوبات الشرعية ولمحددات الجنسانية المعيارية ؛كان من المتوقع أن تتحرى مقاربته الشمول ، في هذا السياق ، و أن تنير عتمات ، النوسان بين الجلد والرجم ، وطبيعة النص الشرعي المعتمد ، في تسويغ الاختيار .والحال ، أن المقاربة تحيل على إجراءات بيداغوجية وثيقة الصلة بالتمثل القديم للجنسانية وللتاريخ الجنسي للساميين عموما .

يتم تسفيل الجنسانية هنا ، سيرا على نهج التصورات السامية ، الراسمة لحدود صارمة بين الجنس الشرعي واللاشرعي ، استنادا ، في الأكثر ، إلى اعتبارات ، قدسانية وميثولوجية ،مفارقة لعلمنة الحقل الجنسي وبناء جنسانية حداثية.

لم يقدم السفر الجمهوري أية حفريات عن المتخيل الجنسي السامي أو أية تعليلات تاريخية لأسطرة الجنسانية و إحاطاتها بالتقنينات والعقوبات والتحريمات .كما لم يقدم أية إضاءات عن أنثروبولوجيا جنسانية مقارنة ممكنة،تمكن من الوقوف على التباين الثقافي ،واختلاف تدبير السجل الجنسي وهندسة الجنسانية، وعلى نسبية الحقيقة الجنسية التداولية .

لا محيد إذن ، عن تتبع خريطة التناصات ، وارتحال العقوبات والمتخيلات التحريمية في جغرافيا الكون السامي ، لفهم حيثيات المعاوضة الجنسانية،وآليات تشكل العقل الجنسي الإسلامي .

يرجع ضعف الأطروحة الجمهورية عن المعاوضة ، جزئيا ، إلى استبعادها لتاريخ التشريع في التقليد الإبراهيمي-الموسوي .فلو انفتحت ، انفتاح تفهم ،على تاريخ القصاص العبراني ،المستوحى ، في الأصل، من قانون العقوبات البابلي ،لفتحت سجلا آخر لتدبر القصاص القرآني ، عماده القراءة الأنثروبولوجية –التاريخية.سيتم بمقتضى هذه القراءة ، قراءة الاستنساخ والنسخ وهيمنة الناموس العقابي على نحو أكثر غنى بالدلالات والمغازي من القراءات الاستصلاحية أو المقاصدية النهضوية.

يؤدي تغييب تاريخية النصوص إلى تجريد الأحكام ، والى تقديم تصور غير مسوغ للمقصدية الثاوية وراء قانون العقوبات الإسلامي .

(احترز من أن تقطع عهدا مع سكان الأرض . فيزنون وراء آلهتهم ويذبحون لآلهتهم فتدعى وتأكل من ذبيحتهم .وتأخذ من بناتهم لبنيك .فتزني بناتهم وراء آلهتهن ويجعلن بنيك يزنون وراء آلهتهن.)

( سفر الخروج-الإصحاح الرابع والثلاثون: 15-16)

(ولكن إن كان الأمر هذا صحيحا لم توجد عذرة للفتاة يخرجون الفتاة إلى باب بيت أبيها وبرجمها رجال مدينتها بالحجارة حتى تموت لأنها عملت قباحة في إسرائيل بزناها في بيت أبيها .فتنزع الشر من وسطك.

وإذا وجد رجل مضطجعا مع امرأة زوجة بعل يقتل الاثنان الرجل المضطجع مع المرأة والمرأة . فتنزع الشر من إسرائيل . )

(- سفر التثنية-الإصحاح الثاني والعشرون : 20-22)

(وإذا زنى رجل مع امرأة فإذا زنى مع امرأة قريبه فإنه يقتل الزاني والزانية .)

(-سفر اللاويين-الإصحاح العشرون 10-)

لا يجرؤ السفر الجمهوري ، على مساءلة تناص الاشتراع اليثربي – المدني مع الاشتراع الموسوي في موضوع الرجم ، رغم التخفيف التلمودي واختيار التجبيه و” القطيعة” اليسوعية .

(…فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو جالس في المسجد مع أصحابه ، فقالوا : يا أبا القاسم ، ما ترى في رجل وامرأة زنيا ؟ فلم يكلمهم حتى أتى بين مدراسهم فقام على الباب فقال : أنشدك بالله الذي أنزل التوراة على موسى ، ما تجدون في التوراة على من زنى إذا أحصن ؟ قالوا يحمم وجهه ويجبه ويجلد-والتجبيه: أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما – قال : وسكت شاب منهم ، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم سكت ، ألظ به في النشدة ، فقال : اللهم إذ أنشدتنا ، فإنا نجد في التوراة الرجم .)

(-الواحدي النيسابوري-أسباب النزول – ضبطه وصححه: محمد عبد القادر شاهين –دار الحكم الدينية – بيروت – القاهرة –باريس -2000-ص.102).

يسلم النص الجمهوري ، بعقوبة الرجم ، رغم افتقادها الصريح للشرعية القرآنية ،ويبرر تشديد العقوبة انتقاما من الزاني عبر قهر اللذة بالألم.ولم يبحث في شرعية المدونات الحديثية والسيرية الواردة ، عن الرجم والمرجومين( ماعز وامرأة من جهينة وأخرى من غامد من الأزد..الخ) في زمان التأسيس وفي زمان التدوين .لقد صقل قانون العقوبات اليثربي-المدني ،من مادة أمة ودولة آخذتين في التشكل والتشكيل ، والعمل بالاقتباس والقياس ، والنهوض بموجب التأصيل والتصقيل .ثمة تنازع بين المرجعيات والمعياريات ،لا يمكن إلا أن يفضي إلى التوزع بين الحدود الدنيا والحدود القصوى . يستعبد السفر الجمهوري التنازع الإحالي ، والتراكب الحدثي ،في تعليل المعاوضة الجنسية في إسلام الثورة وفي إسلام الدولة .كما يستبعد استكناه فلسفة الجنسانية السامية ومقارنتها بفلسفات الجنسانية في الأديان والثقافات والحضارات الأخرى وبالأخص في العالم الهندوسي والبوذي .

كيف يحقق الرجم الاعتدال ؟ هل الاعتدال رهين بالمعاوضة أصلا؟ما موقع التغريب في خريطة المعاقبة المختارة ؟ما الباعث التاريخي على الانتقال من الحد الأصغر إلى الحد الأكبر ؟ ألم تحفل الحضارة الإسلامية ، بسماحية جنسية كبيرة ، رغم المراعاة النسبية للقواعد الشرعية؟

(و إن أكثر من النكاح والسراري ، كان ممدوحا لا مذموما فقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم زوجات ، وسراري . وجمهور الصحابة ، كانوا على الإكثار من ذلك .

وكان لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أربع حرائر ، وتسع عشرة أمة . وتزوج ولده الحسن ، نحوا من أربعمائة.فإن طلب التزوج للأولاد ، فهو الغاية في التعبد ، و إن أراد التلذذ فمباح ، يندرج فيه من التعبد ما لا يحصى ، من إعفاف نفسه والمرأة ، إلى غير ذلك . وقد أنفق موسى عليه السلام من عمره الشريف عشر سنين في مهر بنت شعيب . )

 (-ابن الجوزي – صدي الخاطر – تحقيق : حامد أحمد الطاهر –دار الفجر للتراث – القاهرة – مصر – الطبعة الأولى -2003-ص-32).

 كيف تراهن البيداغوجيا الجمهورية على المعاقبة ، علما أن الإقناع والاقتناع لهما الأولوية في حسابات التهذيب ؟ كيف يسوغ السفر الجمهوري المعاقبة والمعاوضة في ضوء تسليمه بخيرية التسييير ؟كيف يكتفي باللمحات الخاطفة ، وبالنصوص المنتقاة ، فيما تحفل المدونة بآراء و بأنظار متخالفة المنطق التوجيهي ؟

( حدثني سويد بن سعيد . حدثني حفص بن ميسرة ، عن موسى بن عقبة ، عن أبي الزناد عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” قال رجل : لأتصدقن الليلة بصدقة . فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية . فأصبحوا يتحدثون : تصدق الليلة على زانية .قال : اللهم ! لك الحمد على زانية . لأتصدقن بصدقة . فخرج بصدقته فوضعها في يد غني . فأصبحوا يتحدثون : تصدق على غني . قال : اللهم ! لك الحمد على غني . لأتصدقن بصدقة . فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق .فأصبحوا يتحدثون : تصدق على سارق . فقال اللهم ! لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق .فأتي فقيل له : أما صدقتك فقد قبلت . أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها . ولعل الغني يعتبر فينفق مما أعطاه الله . ولعل السارق يستعف بها عن سرقته . )

(مسلم بن الحجاج – صحيح مسلم – اعتنى بعه : محمد بن عيادي ين عبد الحليم – مكتبة الصفا-القاهرة مصر –الطبعة الأولى 2004-–كتابا الزكاة – باب ثبوت أجر المتصدق و إن وقعت الصدقة في يد غير أهلها – الجزء1– ص. 495-496) .

 (حدثني محمود بن غيلان حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس قال : ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العين النظر وزنا اللسان المنطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ” .)

( -البخاري-صحيح البخاري – اعتنى به : محمود بن الجميل – مكتبة الصفا – القاهرة – الطبعة الأولى – 2003-كتاب القدر – باب ( وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ) -الجزء3-ص.268) .

يومئ هذا النصان ، إلى منظورات مناقضة لموجب القود ؛ فالأول ينفتح على منظورية استصلاحية ، فيما يحيل الثاني على مساءلة معقولية المعاقبة ،بالنظر إلى تأكيدها على التسيير الكلي ، أي على نفي الفعل والمسؤولية عن الإنسان . فكيف يوفق السفر الجمهوري ، بين صرامة القود الناموسي والتحديد القبلي للأفعال وللمصائر ، وهو الحريص على العدل في الحال وفي المآل ؟

(وما من نفس إلا خارجة من العذاب في النار ، وداخلة الجنة ، حين تستوفي كتابها في النار ، وقد يطول هذا الكتاب ، وقد يقصر ، حسب حاجة كل نفس إلى التجربة ، ولكن ، لكل قدر أجل ، وكل أجل إلى نفاد.

والخطأ ، كل الخطإ ، ظن من ظن أن العقاب في النار لا ينتهي إطلاقا ، فجعل بذلك الشر أصلا من أصول الوجود ، وما هو بذاك . وحين يصبح العقاب سرمديا يصبح انتقام نفس حاقدة ، لا مكان فيها للحكمة ، وعن ذلك تعالى الله علوا كبيرا .)

(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.134) .

5-الحداثة الجنسية :

لقد اخترقت التقنية الحداثية الجسد ورسمت للجنسانية ، أبعادا و آفاقا ،وصيرت الإباحة الجنسية حقا من الحقوق القاعدية للشخص البشر ي . يقتضي التصور العلمي ،تدبرا علميا للجنسانية ، وتأهيلا إبستيميا وايطيقيا للجسد ، وتحررا في طرائق استعماله و الاحتفال اللذائذي به .تمت إزالة القداسية والأسطرة عن الجسد وعن الجنس ،كما نزعت عن العالم وعن التاريخ وعن الحياة غب فتوحات العلم الحديث.

هل يمكن ، هنا والآن ، الاحتفاظ بالجنسانية الوسيطية ، علما أن الإبستيمية الحداثية وفرت معلومات طبية وتاريخية وأنثروبولوجية عن الجنسانية لا يمكن إبعادها في أية تناول معرفي أو تشريعي خاص بالجنسانية ؟ ألم تقتحم التقانة حقل الجنس من أبوابه الواسعة ؟ ألم يصر الجنس حقل استثمار تقني وحقل متع لعبية وحقل فرجة استعراضية للتذذ والتلذيذ ؟

6-أعطاب المعاوضة الجنسانية الجمهورية :

يركز السفر الجمهوري ، على إبراز عناصر معاوضة عقابية ايجابية ، كفيلة بتحقيق الاعتدال ، ومنع التهوس بالمتعية وباللذائذية وبالسماحية الخارقة لحدود الإمكان الشرعي . ومن الجلي ، أن الإضاءات المقدمة ، تخص وضعا بيداغوجيا يسير التعقيد ، ولا تمس ، بأي معنى من المعاني ، العينات الثقافية أو الاجتماعية المركبة .يفترض التصور الجمهوري هنا ، شفافية في علائق الذات بالذات ، وفي علائق الكائن الاجتماعي بأطره الاجتماعية – التاريخية ، وفي علائق الوعي والإرادة بالوعي الجمعي وبالسجل الأنثروبولوجي للجماعة القومية .والحال أن ثمة كثافات في هذه العلائق ، تحول دون تحقق الاستجابة المنتظرة ، وتحول الفرد ، من ذات مؤتمرة إلى ذات ممانعة .

( وهو ، على أيسر تقدير ، سيكف أذاه عن الآخرين ، وقد يحتمل أذاهم أيضا ، وسيكون ، على التحقيق ، كثير الاعتبار لهم ، حين يتصرف ، وقد يقوده هذا الصنيع ، معانا بالعبادة ، إلى الكلف بتوصيل الخبر إليهم ، وهو خليق أن يجد في ذلك رضا نفسه ، وطمأنينة قلبه .فإن هو بلغ ذلك فقد وقف على أعتاب الحرية الفردية المطلقة ، بفضل ما أصاب من الوعي وسعة التخيل اللذين أفاده إياهما القصاص .و إن هو لم يبلغ هذا المبلغ فحسبه أن يكون واعيا لحدود حريته وحدود حريات الآخرين ، وفي ذلك خير كثير . )

(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.108)

يصدر الشاهد ، عن اقتناع بالجدوى الكلية للمعاوضة العقابية ،أي بقدرة المعاقبة الجسدية على تعديل السلوكيات ، ودفع المعاقبين إلى الالتزام بموجبات الشريعة.والحال أن إيقاع الألم لمنع الالتذاذ ، لا يقود دوما إلى تطبيع الأفراد ، وقيادتهم إلى إتباع نظم ومدونات غير متروية.يوجد السلوك البشري في محل تنازع بين السيكولوجيا الفردية والتشظي الاجتماعي وتناقضات عقل الدولة الناشئة.وعليه ، فلا يمكن تحكيم آلية الاستجابة الفورية ، في سلوك عملي في حاجة إلى إقامة أركيولوجياه .لا تلامس خارجية أو برانية القانون ، الديناميات النفسية –الاجتماعية ، في الفرد ، مما يقوده ، علانية أو خفية ، إلى نقض القانون أو إلى التحايل عليه .وتصعب الاستجابة ، في لحظات بناء إبدال ثقافي على أنقاض إبدال ثقافي قديم .فرسوخ التقاليد والتمرس بآليات التمثل والامتثال ، كثيرا ما تقود الفرد إلى التمرد على الاستصباء وعلى الارتباط، وجدانيا ، بالرابطة الجديدة .

إن التمرس بالألم الجسدي ، لا يقود بالضرورة ، إلى الازدجار ، والى اجتياف القواعد التداولية ؛بل قد يقود إلى ترجمة العنف المتلقى ترجمات ميدانية،يبقى الفرد أثناءها أسير تهوس استحواذي بالتلذذ بالألم الشخصي أو بتأليم الآخرين .فطالما لم تتم إزالة البرمجة المخيالية القديمة ، فإن فرض معيارية قانونية برانية، في مجتمع انتقالي ،كثيرا ما يمنع من تحقيق السوية الشرعية.

لا يقدم السفر الجمهوري نظرية في الانتقال الثقافي في أزمنة التأسيس وإعادة البناء ؛ كما لا يقدم تحليلا ضافيا للسيكولوجيا الفردية والسيكولوجيا الجماعية ، في منعطفات الانتقال من نسق قانوني إلى نسق قانوني مناقض ، ولا لاستجابات الإنسان الكلي ، لتفكيك البرمجة القديمة وتفعيل البرمجة الجديدة .

لا تملك نظرية المعاوضة ، في الخطاب الجمهوري، الخصوبة التفسيرية ، الضرورية ، لفهم أطر التفاعل الاجتماعي وآليات استبطان القواعد القانونية وتمثل فلسفة التشريع الجديد.وعليه ، فهي لا تلم ، بميل الثقافات الإمبراطورية ، في الغالب ، إما إلى التشديد في المعاقبة في الأقل ، وإما إلى التخفيف والبحث عن مخارج فقهية في الأكثر .

(وقيل : بل يحد بالسوط اعتبارا بسائر الحدود ، ويجوز أن يتجاوز الأربعين إذا لم يرتدع بها إلى ثمانين جلدة ، فإن عمر رضي الله عنه حد شارب الخمر أربعين إلى أن رأى تهافت الناس فيه ، فشاور الصحابة فيه وقال : أرى الناس قد تهافتوا في شرب الخمر فماذا ترون ؟ فقال علي عليه السلام : أرى أن تحده ثمانين ، لأنه إذا شرب الخمر سكر ، و إذا سكر هذى ، و إذا هذى أفترى ، فحده ثمانين حد الفرية ، فجلد فيه عمر بقية أيامه .)

( -الماوردي – الأحكام السلطانية والولايات الدينية – تحقيق : نبيل حياوي – شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم –بيروت – لبنان –ص.306) .

يذكر ابن جزء الغرناطي ، شروطا خاصة بحد الزنا منها ما يلي :

( الخامس : أن يزني بآدمية .فإن أتى بهيمة ، فلا حد عليه ، خلافا للشافعي ؛ ولكنه يعزر .ولا تقتل البهيمة ، و لا بأس بأكلها ؛ خلافا للشافعي .

السادس : أن تكون ممن يوطأ مثلها .فإن كانت صغيرة لا يوطأ مثلها ، فلا حد عليه و لا عليها .ولا تحد المرأة إذا كان الواطئ غير بالغ . )

(-ابن جزي الغرناطي – القوانين الفقهية –تحقيق : عبد الكريم الفضيلي – دار الرشاد الحديثة –الدار البيضاء –المغرب -2009-ص.371) .

لا تفلح نظرية المعاوضة العقابية الآلية ، إذن في تسويغ الإقبال على المعاقرة-مثلا- رغم تحريمها بنصوص قطعية الثبوت والدلالة، ولا في استمرار ثقافة ومتخيل الخمر في العربيا بعد انصرام الزمان المؤسس .

( وفي أيامه(يقصد السلطان محمد بن عبد الله) أيضا أظهر الله بالمغرب عشبة الأتاي المشروب بسائر أقطاره ، وهو من خصائص صاحب الترجمة و آثاره .ولم يزل يبذل المجهود في إشاعته وتكثيره و إذاعته ، إطفاء لما عمت به البلوى من شرب الخمور ، التي هي أم الخبائث و أقبح الأمور ، حتى نسخ الله تلك الظلمة بهذا الضياء ، و أبدل الله ذلك الحرام الذي شربه العلماء والأولياء .)

(-عبد الأحد السبتي – عبد الرحمان لخصاصي – من الشاي إلى الأتاي – العادة والتاريخ – منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية –الرباط -مطبعة النجاح الجديدة –الدار البيضاء –الطبعة الأولى -1999-ص.72)

لنتأمل فحوى النظرية الجمهورية ، في ضوء معنى الشاهد الواصف ، ل”نسخ ” الخمر بالشاي في مغرب القرن الثامن عشر.وهو شاهد ناطق باستحكام تقاليد المعاقرة والمنادمة، في المتخيل المغربي الوسيط والحديث ،رغم التشديد النصي على التجنب والمؤسسي على التحريم .

وبما أن نظرية المعاوضة الجمهورية ، لا تأخذ بعين الاعتبار اللاشعور الثقافي السامي والوعي الحضري المتوسطي ، والكينونة الثقافية المنغرسة في أنثروبولوجيا مستعصية أحيانا على التطويع والتنميط والتأنيس ، فإنها لا تمكن من فهم الهوة القائمة ، بين روح العقاب المؤسسي وروح الثقافات الغارقة في الاجتياف والتكييف وتدجين القانون .

7-المسيحية وفلسفة القصاص الذاتي :

لم يلتفت الخطاب الجمهوري إلى النازلة اليسوعية ، والى انهمام الحدثية المسيحية –البولسية بإحلال شريعة القلب محل الناموس الموسوي .فقد أقدمت المسيحية التاريخية ، على إعادة ترتيب علائقها بالاشتراع العبراني ، ومالت إلى إعادة تأويله بما يطابق اهتياماتها الكوسموبوليتية وأشواقها الإيطيقية .

( سمعتم أنه قيل أحب قريبك و أبغض عدوك .أما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم ، وادعوا لمضطهديكم ، أحسنوا إلى مبغضيكم ، وصلوا من أجل الذين يسيئون إليكم ويضطهدونكم . فتكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات.فهو يطلع شمسه على الأشرار والأخيار ، وينزل المطر على الأبرار والظالمين .فإن أحببتم من يحبكم فأي أجر لكم ؟ ألا يفعل حتى العشارون هكذا ؟ و إن رحبتم بإخوتكم فقط فأي فضل لكم على الآخرين ؟ ألا يفعل حتى الوثنيون هكذا ؟ فكونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات كامل. ) (الفصل الخامس -43-48)

(الإنجيل للقديس متى –دار المعارف –القاهرة –مصر –ص.60)

وهكذا ، أعادت المسيحية التاريخية النظر في فلسفة الاشتراع العبراني وفي دلالية القصاص ، ووضعت أسس اشتراع الاكتمال القائم على التسامح والغفران ( مثال العفو عن المرأة الزانية ). يمتاز الاشتراع المسيحي ، بتخلصه من القصاص المؤسسي وتبنيه لقصاص ذاتي ، يتشدد الإنسان بموجبه في إدارة شهواته ونزواته وفي إيقاع العقاب بالذات(مثال سمعان الخراز).وهكذا ، انتقلت المسيحية التاريخية من مدافعة الزنا المادي ، إلى مصارعة الزنا الروحي .

(سمعتم أنه قيل للأولين لا تزن . أما أنا فأقول لكم إن كل من نظر إلى امرأة فاشتهاها فقد زنى بها فعلا في قلبه .فإن جعلتك عينك اليمنى تأثم فاقلعها وألقها عنك ، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم . و إن جعلتك يدك اليمنى تأثم فاقطعها وألقها عنك ، لأنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك ولا يذهب جسك كله إلى جهنم .) (الفصل الخامس : 27-29-)

(-الإنجيل للقديس متى – دار المعارف -القاهرة-مصر-ص.59-)

نقلت المسيحية الزنا من الفعل إلى الرغبة ، وصيرت الشهوة خطيئة .ففيما تحل العفو في العلائق الجماعية ، فإنها تحض على تطهر حاد ، قوامه محاسبة صارمة للذات و مجاهدة قاسية لاقتصاد الليبيدو. وهكذا مثلت المسيحية –التاريخية ، انعطافا في تاريخ الاشتراع السامي بانتقالها من الاشتراع المؤسسي الخادم للمجموعة القبلية أو الإثنية أو المذهبية ، إلى الاشتراع الغفراني المتسامح مع الآخرين والمتشدد في معاملة الذات .

( سمعتم أنه قيل العين بالعين والسن بالسن . أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الإنسان الشرير ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر .) (الفصل الخامس-38-39)

(-الإنجيل للقديس متى – دار المعارف – القاهرة – مصر – ص.60)

(وقالوا له : ” يا معلم قد ضبطنا هذه المرأة متلبسة وهي تزني ، وشريعة موسى تقضي برجمها ، فما تقول أنت ؟ “قالوا هذا ليحرجوه كي يجدوا ما يتهمونه به. و أما يسوع فانحنى يخط بإصبعه على الأرض ، و إذ استبطأوا إجابته و ألحوا عليه ، رفع رأسه وقال لهم : ” من منكم بلا خطيئة ، فليبدأ ويرميها بحجر .)(الفصل الثامن : 4-7)

(-الإنجيل للقديس يوحنا – دار المعارف -القاهرة-مصر-ص.91-92)

من البين ، إذن ، أن الحدث المسيحي ، أحدث شرخا في فلسفة الاشتراع الموسوي .لقد مثل انتقالا تاريخيا ، من الشرع البراني الجماعي إلى الإيطيقا الجوانية الفردية ، من الناموس القبلي اللصيق بفضاء لاهوتي –تاريخي إلى تأله كوني متحرر من الوعود القبلية ومن التمركز الإثني-العقدي .

من البديهي ، أن المسيحية التاريخية قد غيرت الإبدال البيداغوجي ، حين وطنت القانون في الذات ونزعته من الجماعة وحين خرقت صورية القانون القبلي وذوبت الفرد في كونية ذات أبعاد مسيحانية .

فكيف نفسر هذا الخرق ؟ كيف يجيز الموروث اليسوعي ، التذلل في معاملة الغير والتعزز في معاملة الذات؟ ما سياق اكتفاء شريعة يثرب-المدينة بالعودة إلى الناموس الزجري العقابي الموسوي ؟ألم تكرس المسيحية التاريخية ، مفارقة متمثلة في خرق الناموس وقانون العقوبات من جهة وتوسيع مفهوم الزنا من جهة أخرى؟

8-المعاوضة والحجاب :

تمتاز رؤية السفر الجمهوري للحجاب ، بنأيها عن مقتضى نظرية المعاوضة، وبانشدادها إلى تدليلات ومسوغات بعيدة عن المتداول في الحقل التداولي الإصلاحي عموما .يقتضي منطق المعاوضة الشاملة ، المعاقبة بالحجاب في حال استعمال السفور استعمالا غير معتدل .فالأصل هو الإباحة ، ولا ترتفع الإباحة إلا بالمخالفة . وحيث لا مخالفة ، فلا معاقبة ، استنتاجا .أما المعاقبة الاحتياطية للكل ، بدعوى القصور الأنثروبولوجي ، فإنها منافية لمنطق المعاوضة من حيث المبدأ .تقوم المعاوضة الشاملة ، على الثواب وعلى العقاب ، فيما يقوم الحجاب على المعاقبة ، لا باسم الفعل المؤدى بل باسم الافتقار للقدرة أصلا .

يصاحب القلق التصوري المتغلغل في بنية المفاهيم الجمهورية ،في هذا السياق ، قلق تاريخي ، ناطق بمغزى مضاد للقصد الجمهوري .فالحجاب الإسلامي ، مخصوص بالحرائر دون الجواري ؛ ومن الغريب أن يستوطن السفور بقعة الاسترقاق ، مع أنه منذور لزمان استثنائي قادم : زمن أمة الإسلام  !

(فالحجاب عقوبة حكيمة على سوء التصرف في حرية السفور . هذا في الأصل الإسلامي .ولكنه ، في التشريع الحاضر ، يمثل مصادرة مستمرة لحرية السفور ، لأن الشارع أراد به إلى سد الذريعة ، حماية للقصر من مسؤولية باهظة ، وثقيلة ، لا ينهض بها المؤمنون ، و إنما ينهض بها المسلمون ، وما لهؤلاء شرع . )

(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.166)

ليس الحجاب ، في تقدير الخطاب الجمهوري ، إلا إجراءا تربويا أملته ، مقتضيات تاريخية خاصة ، وتدبيرا تهذيبيا إسلاميا ، لتأهيل النفوس لنيل الحرية المسؤولة أي السفور المنضبط لفحوى رسالة الاكتمال والتحقق .وللتدليل على هذا المبتغى ، يربط اللاحق بالسابق ، التاريخي المتحقق بالأنطولوجي المؤسس .تفضل المقاربة المعتمدة ، الاستدلال بالنصوص التمثيلية والكنائية على الاشتغال على النصوص الحاملة لعبق ولأوجاع التاريخ .فالنصوص المجازية ، حمالة معاني وتتسع أكثر ، لرحابة المخيال العرفاني ، فيما تتطلب النصوص التاريخية قدرا من الصرامة الهيرمينوطيقية ومن المعالجة الفيلولوجية والتاريخية الدقيقة .

ففرض الحجاب عقاب لأدم وحواء على خطيئتهما؛ يأتي الحجاب إذن ردا لا على خطيئة جنسية بل على خطيئة معرفية.ثمة خطيئة مؤسسة موازية للخطيئة الأصلية المسيحية ،هي فاتحة الجنس وفاتحة الحجاب في ذات الوقت .لا يرتفع الحجاب إذن إلا بارتفاع الخطيئة الآدمية ، وانبثاق أمة العارفين. يغيب تاريخ الجنسانية في التدليل الجمهوري ، لتحضر التأويلات البعدية ، المشدودة إلى الكنايات الأنطولوجية والى المحكيات المجازية المنفتحة على أكثر من تأويل واستثمار.

والغريب هنا ، أن السفر الجمهوري ، لا يتناول مسألة الحجاب استنادا إلى مؤديات النصوص المعيارية المخصصة لها أو إلى الواقعات المدونة في أسفار السيرة وأسباب النزول والتفسير بل إلى تأويل خاص للخطيئة المؤسسة .فكيف تستحيل خطيئة معرفية إلى خطيئة جنسية ؟ كيف ينبثق الجنس والحجاب من رحم العصيان ؟كيف تقود الرغبة في التأله وفي الخلود إلى مكابدة قاصمة لأوجاع رغبة مغلفة بالحجب؟ كيف يتحول إجراء تهذيبي تاريخي ، إلى قانون أنطولوجي مؤسس ؟كيف تستحيل الملابسة التاريخية ، هنا بالذات ، إلى ملابسة ميتافيزيقية ؟ كيف نتحول هنا تحديدا من قصور طاقة بشرية القرن السابع إلى القصور المؤسس ؟ هل الإشكال إشكال خطأ الإنسان التاريخي أم إشكال خطيئة الإنسان الأول ؟كيف تستحيل حقيقة مؤسسة ، أنطولوجيا ، إلى إجراء مؤقت يفرضه سد الذريعة ؟ كيف يستحيل القصور من قصور جبلي كياني ، معمم ، إلى قصور خاص بأمة المؤمنين ؟ أليس أمة المسلمين مشمولة بالميثاق الآدمي وبمستتبعات الخطيئة المؤسسة ؟

فحيث إن الحجاب ، مسطور في القبليات ، منذ الخطيئة الآدمية كما جاء في السفر الجمهوري ، فهو لا تاريخي ، و لا يمكن حسبانه على الملابسة التاريخية ، بأي حال من الأحوال و لا يمكن عزوه إلى الشريعة المنذورة للنسخ حسب الاعتبار الجمهوري .

يؤدي سلوك مسلك البحث المقارن ، إلى تغيير ، جوهري ، في اتجاه المقاربة ، والى سبر العقل الجنسي السامي عموما والى الفحص عن فلسفته الضمنية .

(وقالت(= رفقة ) للعبد من هذا الرجل الماشي في الحقل للقائنا . فقال العبد هو سيدي .فأخذت البرقع وتغطت .)

(سفر التكوين :الإصحاح الرابع والعشرون : 65)

(و أما كل امرأة تصلي أو تتنبأ ورأسها غير مغطى فتشين رأسها لأنها والمحلوقة شيء واحد بعينه.إذ المرأة إن كانت لا تتغطى فليقص شعرها .وإن كان قبيحا بالمرأة أن تقص أو تحلق فلتتغط .فإن الرجل لا ينبغي أن يغطي رأسه لكونه صورة الله ومجده .و أما المرأة فهي مجد الرجل .)

( رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس – الإصحاح الحادي عشر -5-7)

(كذلك العجائز في سيرة تليق بالقداسة غير ثالبات غير مستعبدات للخمر الكثير معلمات الصلاح لكي ينصحن الحدثات أن يكن محبات لرجالهن ويحببن أولادهن متعقلات عفيفات ملازمات بيوتهن صالحات خاضعات لرجالهن لكي لا يجدف على كلمة الله .)

( رسالة بولس الرسول إلى تيطس – الإصحاح الثاني : 3-5)

إن حجب الجسد وإبعاده عن حقل النظر الغيري ، متجذر ، في المسلكيات الشرائعية الإبراهيمية؛وعليه ، فللحجاب الإسلامي ، ترابط مع الحجاب الكتابي –السامي ، وتقارب مع مقتضياته ومستوجباته .

يتوخى السفر الجمهوري ، في هذا السياق ، الانتقال من سد الذريعة إلى فتح الذريعة ، من فرض الحجاب إلى تشريع وإباحة السفور ، بالإحالة إلى تغير الإطار الثقافي –الحضاري ، وانبثاق الإنسان الأخير : إنسان الإسلام المعراجي .يحظى الإنسان الأخير ، بالمسؤولية العالية ، وبالتوازن المعرفي والإيطيقي ، وبالقدرة على إدارة الجسد إدارة عرفانية ، غير مخلة ، بالميثاق السني الجديد . فالسفور من متضمنات الخطاب الرحماني ، ومن تجليات الحقيقة الإسلامية ومن علامات تمايزها عن الحقيقة الشرعية و الحقيقة الملية على السواء.

 (ولما كان الإسلام بهذا السموق ، فإنه لم يتفق لأمة من الأمم إلى اليوم . والآمة المسلمة لم تظهر بعد . وهي مرجوة الظهور من مقبل أيام البشرية. وسيكون يوم ظهورها يوم الحج الأكبر ، وهو اليوم الذي يتم فيه تحقيق الخطاب الرحماني بقوله تعالى: ” اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي ، ورضيت لكم الإسلام دينا ” )

(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.169)

لا يدرك ذلك السموق-حسب المقتضى الجمهوري- إلا بتوسيع حقل القدرة والاستطاعة ، وبتحرير الإنسية العشرينية من النظيمة الفرعية ، و بتطوير التشريع وبالتماهي مع زمان ما قبل الخطيئة الآدمية .فالسفور استعادة ، بعدية للحالة الأولى ، عبر استعارة ” لباس التقوى” ، أي لباس التوحيد والعفة والعصمة .

(…فلما سقطا “بدت لهما سوآتهما ، وفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ” فأخذا يستران عوراتهما بورق التين ، ومن يومئذ بدأ الحجاب .فهو نتيجة الخطيئة ، وسيلازمها حتى يزول بزوالها ، إن شاء الله .)

(-محمود محمد طه- نحو مشروع مستقبلي للإسلام –-ص.165-166) .

يرتبط السفور العصري بالحداثة الجنسانية وبتحرير الجنسانية من القداسة ومن التأثيم القديم ومن الاستنباطات العرفانية الباحثة عن تذويب مادية الجسد في الترميز .تقود عقلنة الحقل الجنسي ، إلى بناء جنسانية وضعانية ، متفاعلة مع الحقائق العلمية ومع المستكشفات الأنثروبولوجية ، وإلى بلورة جنسانية هيدونية ، بعيدة عن الرهاب القديم . من البين ، إذن ، أن تأويلانية السفر الجمهوري ، لا تمكن من البحث عن مجرى إدراكي لجنسانية ايجابية ؛ فالتناول التاريخي –الأنثروبولوجي هو بمثابة اللامفكر فيه ، من وجهة نظر تأويلانية ارتدادية ، تتيه في سديم السرود ، دون أن تتعقب شواهد التاريخ ولا معاينات الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية ولا إفادات البيولوجيا التطورية .

لا يمكن التفكير في الحداثة الجنسية ولا في الحريات الفردية ، من منظور فكر ، يصر على رفع الخطيئة ،وإعداد العدة لانبثاق أمة العارفين ،أي أمة التجاوز الأنطولوجي أو ما يمكن أن نسميه بأمة ما بعد الخطيئة .

 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This