في نقد علموية القدامة الفائقة(1/2)

برهنت القدامة الفائقة على كفاءة كبرى في تطويق حداثة المجاورة بأدواتها وعلى خلط قواعد التدافع الفكري بما يضمن سريان حقائقها بدون مساءلة؛ فبعد الارتباك الأولي الناتج عن صدمة الحداثة، عادت القدامة الكلاسيكية والفائقة إلى مقدمة المشهد الفكراني، للبرهنة على علمية مقرراتهما العقدية ومطابقة منقولهما النصي للمعقول العلمي. لقد اجتازت القدامة الفائقة، سياق التوفيقات الجزئية، وسعت إلى بلوغ  حال التنظير والتنهيج  والتأصيل، واعتبار نظرية الإعجاز العلمي للأصول الإسلامية حقيقة  معرفية لا مرية فيها، وواقعة علمية لا تقبلان التفنيد بأي معنى من المعان .
 

 إن الإقرار بالإعجاز العلمي للأصول الإسلامية، ينطوي، على مفارقات نظرية ومنهجية كبيرة وعلى تلبسات وتخليطات لا بد من إبرازها، لصون اللحظة الأنوارية المترجرجة، أصلا، من أعطاب أفق إبستمولوجي غائم وتعلمن رخو سادر في التخاذل المعرفي.

1- التمسك بالنصانية وبالتراثية الحرفية :
يصدر الإعجازيون عن مرجعية تراثية موغلة في المحافظة الفكرية والمنهجية، ويبدون رفضا تاما للاستشكالات النظرية للمتون الثيولوجية والفقهية والعرفانية التراثية، وللتفكيك النقدي للنصوص الثواني ولبناءاتها الإبستمولوجية. فالإعجازي العلمي، رافض مبدئيا،   لتشريح بنية وتشكل النصوص الثواني، والكشف عن سياقاتها السوسيو-تاريخية، ولتشغيل الأدوات المنهجية المتوافرة لإنارة عتمات النصوص المؤسسة. فالالتجاء إلى العلوم الدقيقة للبرهنة على صدقية الحقيقة القرآنية أو السنية، يقتضي إعادة النظر الجذرية في بنية المعرفة الشرعية وفي المنهاج الأصولي تعيينا. والحال أن الإعجازي، يريد ثمرة العلوم الدقيقة دون منهجها ؛ كما يريد البرهنة على صدقية النصوص المؤسسة والمناهج الأصولية دون أن يلتفت إلى منافاة المناهج الأصولية والفقهية أصلا  للمقتضبات الإبستمولوجية للنظر العلمي الحديث. لا ينطوي الجمع بين نتائج العلوم الدقيقة والمقتضيات المنهجية التراثية، على أية حصافة إبستيمية ولا على أي توليف نظري جدير بالتقدير.
يقتضي الصدور عن المنهاج العلمي، استشكال المنظومة التراثية وحقائقها المجالية وإعادة بناء الحقيقة التاريخية للنصوص المؤسسة استنادا إلى المستندات التاريخية واللسانية والأنثروبولوجية للعلوم الإنسانية والاجتماعية  ؛ أما التوفيق بين العلم والنص، في ثقافة مؤسسة على نفي شرعية وبرهانية العقل والعلم، فلا يستقيم إلا في حسابات الفكرانيين.


يستلزم الإقرار بالإبستمولوجيا الحديثة و التحولات الإبدالية في الممارسة العلمية، استشكال نظرية المعرفة التراثية والمنهاج الأصولي بالذات أو تنسيبهما على الأقل. ومن المؤكد أن استشكال تلك النظرية سيفضي إلى تغييرات جمة في المنظور المعرفي وفي الاختيار المنهجي والى مراجعة جذرية لكثير من المسلمات التداولية المجردة من السوية العلمية.


والحال أن التسلف المعرفي يصر على تمامية المنظومة التراثية وعلى تفوق مناهجها الفقهية والأصولية والكلامية على مناهج المتفلسفة من رواد البرهانيات.
 (1-أن درايتهم بالمنطق لم تكن أقوى من دراية غيرهم بل إن بعض الفقهاء والمتكلمين فاقوهم في إدراك طبيعة المنطق وأبعاده و آفاقه، والدليل على ذلك أنهم قالوا باستقلاله ولم يقل الفلاسفة بذلك بوضوح، و أنهم أدخلوه في مجالات غير فلسفية ولم يسبقهم الفلاسفة إلى هذا الأمر.


2-أن الفرق بين الدعوة الفلسفية والقضية المنطقية لم يكن واضحا لدى الفلاسفة، فأسقطوا شروط هذه على تلك، بينما عمد غيرهم (فقهاء ومتكلمون) إلى الفصل المرتب  والممنهج بينهما، و أخرجوا  المنطق عن كل ادعاء ميتافيزيقي يوناني. )
(-طه عبد الرحمان – اللسانيات  والمنطق والفلسفية -دراسات سيميائية أدبية لسانية – العدد 2- شتاء87-ربيع 1988-ص.135)

لا جدال في افتقاد الإعجازي المصر على أشعريته أو حنبليته أو تيميته والمتمسك، في ذات الآن، بالبرهنة النظرية على الإعجاز العلمي للأصول الإسلامية ، إلى التماسك النظري. فالإعجازي، إذ يكتفي بالتداعيات الفعلية والمقررات العملية، للنصوص والنظريات التراثية من جهة والعلوم الدقيقة من جهة ثانية، يستنكف عن المؤسسات النظرية والمنهجية لتلك التداعيات وعن ملابسات تشكلها وتعضيها وتضافرها.


يترتب إذن عن القراءة العلمية للنصوص المؤسسة ما يلي :
-مراجعة الإبستمولوجيا التراثية في ضوء الإبستمولوجيا الحديثة،
-استشكال مناهج ونظريات الأصوليين والفقهاء والمتكلمين لا الدفاع المستميت عنها كما يصنع طه عبد الرحمن وأبو يعرب المرزوقي مثلا ،
-تغيير صنافة العلوم التراثية وتكريس المعرفة العقلية في المعطى التراثي في ضوء المتاح العلمي الكوني،
-رفع العلميات والتدبر المعرفي إلى مرتبة الواجب العيني وعدم حصر تدبر الكونيات في إطار الواجب الكفائي.
( -إن الله أمر بالتدبر في كتابه الكريم أمرا على سبيل الوجود العيني، بينما أمر بالتفقه بأحكام الكتاب على سبيل الوجود الكفائي، و أن آيات العلوم الكونية أكثر من سبعمئة وخمسين آية، بينما آيات الأحكام لا تعدو مئة وخمسين آية في أقل الآراء، وخمسمئة في أكثر الآراء تقديرا مع المتكرر، فلزم من المقدمتين العناية من الكل بالآيات العلمية. )
(-عبد الأمير كاظم زاهد-الاتجاه العلمي في تفسير القرآن الكريم قراءة في المنهج – المنهاج – العدد : 19-خريف-2000-ص.66).

وبما أن الإعجازي المعاصر، ينأى، عن المناولات الإبستمولوجية وعن المراجعات المنهجية، ويروم  الجمع غير المشفوع بالتنظير المنهجي المتماسك  بين نظرية المعرفة التراثية ونتائج العلوم الدقيقة، فإنه لا يحقق المراد المعرفي ولا يخرج عن مقتضى العلموية.

لا يمكن التعامل مع المعارف العينية للعلوم الدقيقة بانفصال عن بنياتها الميثودولوجية والإبستمولوجية ؛ كما لا يمكن فصل القدامة الفائقة عن بناءاتها النظرية والمنهجية. وبما أن هذه البناءات، تنهض على منظور مخصوص للعقل وللعلم ولعلائقهما بالسمع والشرع، فإن الإعجازي مطالب نظريا، بإعادة النظر في أسسه النظرية قبل الاستعانة بالمعارف العينية للعلوم الدقيقة و أن يعيد النظر في صنافة العلوم الكلاسيكية من باب الاتساق المعرفي ومن باب البرهنة على الصلابة المنهجية للمعرفيات التراثية.والحال أن الإعجازي، يرفض مساءلة أصوله النظرية، وينكر المؤديات النظرية للمعارف العينية للعلوم التجريبية، ويتشبث بعقد موافقات بلا تأسيس ولا تسويغ للبرهنة على علمية الحقيقة الشرعية. لا يمكن، بأي حال من الأحوال، تبرير الجمع غير التركيبي بين المؤديات النظرية، لفكرية أهل السنة والجماعة  مثلا ونتائج الفيزياء النظرية أو النظرية النسبية أو البيولوجيا الجزيئية، إلا في نسق فكراني منقطع عن التاريخ الحي للعلوم وللميثودولوجيا العلمية أساسا.
ثمة مفارقة في منهجية الإعجازي، فهو يحتفظ بالقاع النظري لفكرية أهل السنة والجماعة أو الشيعة الإمامية ، ويستعين بعناصر منتقاة بعناية من المنظومة العلمية، للتدليل على علمية النصوص المؤسسة، علما أن هذه العلوم تتأسس على وضعية إبستيمية مختلفة كليا عن الوضعية الإبستيمية للنصوص المؤسسة وللنظريات الأصولية والكلامية. كما يصر على عقد مفاضلات غير إبستمولوجية بين المنجزات العلمية، ليتخير ما يدعم فرضياته ( نظرية الانفجار الأكبر والنظريات الخلقية مثلا )، ويتمسك برفض التطورية الداروينية كما في" أطلس الخلق "لهارون يحيي مثلا.

2-من الكمال المعرفي إلى استكمال معطيات التسديد العلمي للأصول :
تنهض الفكرية الإسلامية على الطابع المكتمل للحقيقة الإسلامية، وعلى الصيغة المحكمة للمؤدى الشرعي ؛ ومن مسوغات هذا الاكتمال، تعويل الحقيقة الإسلامية  على صدقها الذاتي وعدم احتياجها إلى دعم أو سند فكري مأخوذين من هذا الإطار المرجعي أو من ذلك في سياق تثاقفي أو تفاعلي.
 
( ثم قال : ولقد اختلفت الأمة ضروبا من الاختلاف في الأصول والفروع، وتنازعوا فيها فنونا من التنازع  في الواضح والمشكل من الأحكام، والحلال والحرام، والتفسير والتأويل، والعيان والخبر، والعادة والاصطلاح ؛ فما فزعوا في شيء من ذلك إلى منجم ولا طبيب ولا منطقي ولا مهندس ولا موسيقي ولا صاحب عزيمة وشعبذة وسحر وكيمياء، لأن الله تعالى تمم الدين بنبيه صلى الله عليه وسلم، ولم يحوجه بعد البيان الوارد بالوحي إلى بيان موضوع بالرأي. )
(-التوحيدي- الإمتاع والمؤانسة –اعتنى به وراجعه : هيثم خليفة الطعيمي – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – الطبعة الأولى – 2003-الجزء الثاني –ص.166).


ينطوي الالتجاء إلى نتائج الممارسة العلمية الغربية في معرض التدليل على علمية المعطى الشرعي، على انزياح عملي عن  الأفضلية المعرفية المعزوة للمجال التداولي العربي – الإسلامي، وعلى تسليم ضمني بقدرة العقل المستقل عن السمعيات وعن المتعاليات عن سبر الدقائق والخفايا باستعمال أدواته ومناهجه الخاصة، وعلى احتياج العقل الشرعي لإبداعية العقل العلمي في سياق إعادة بنائه لحقائقه التداولية بالذات. ثمة انتقال من الاستقلالية العلمية إلى التبعية العلمية المسوغة، ذرائعيا ؛ إلا أن الإعجازي لا يتوقف عن المؤديات الحقيقية لمسلكه المنهجي، فيغرق في تسويغات وتوفيقات وتأويلات، لا يتوقف، مطلقا، عن شرعيتها المنهجية وعن موافقتها للموجبات النظرية لمجاله التداولي الأصلي.

3- إسقاط سلطة السلف المعرفية :
لقد بنت الفكرية السلفية بناءها النظري على الالتزام بالمعيارية الأصولية وبمقتضياتها المنهجية وآلياتها التفسيرية والتأويلية. ولم تكتف بإنزال معرفة السلف منزلة الأنموذج المعياري، بل رفضت كل مسلكية منهجية أو تعقلية، منزاحة عن المعيارية النصانية ومرتبطة بأطر مرجعية تعقلية أو تأويلية. فكل تأول عقلي أو مقاصدي للأثر، مرفوض بدعوى مخالفته للمعايير النظرية والمنهجية الموضوعة استنادا إلى مواضعات السلف المعرفية. وهكذا رفضت تأويلات المعتزلة والفلاسفة والصوفية للنصوص المؤسسة، بدعوى مصادمتها، للمنهجية الإسلامية الأصلية.
تنبني نظرية الإعجاز العلمي للنصوص المؤسسة، على تطابق هذه النصوص مع مستجدات العلوم الدقيقة، تطابقا مدهشا، لا يمكن عزوه سوى إلى مصدرها المتعالي. إلا أن الإعجازي، لا يبني هذه المطابقة، إلا على  أنقاض و أشلاء السلطة المعرفية للسلف بالتحديد. يقتضي الالتزام بمرجعية السلف المنهجية، مدافعة التفسيرات العلمية ورفضها كما رفضت التفسيرات والتأويلات الاعتزالية والفلسفية والصوفية والشيعية بدعوى مناقضتها للأثر ولمعايير المنهاج السلفي والنظريات  الأصولية. إلا أن الإعجازي، لا يلتفت إلى هذه المفارقة ؛ فما يعنيه، بالدرجة الأولى، هو التوفيق بين مستجدات الفيزياء النظرية والنظرية النسبية ونظرية الكوانطا والفيزياء الفلكية والنصوص المؤسسة، لاعتبارات سوسيو-ثقافية وسوسيو- تاريخية خاصة.


إن مطابقة النصوص المؤسسة للمستجدات الرهيفة للعلوم الدقيقة، لا يعني، منطقيا، إلا انكسار السلطة المعرفة للسلف، وانشطار الميثودولوجيا الأصولية وتفكك الصنافة التراثية للعلوم. فكيف يتمسك الإعجازي نظريا بسلطة السلف المعرفية والمنهجية، وينكرها عمليا، في تصويبه، التكتيكي،   لنظريات علمية مخالفة لتأويلات السلف وقراءتهم للنصوص الكونية ؟ ألا ينتقل الإعجازي، من مرجعية الأثر الحنبلية  إلى مرجعية العقل والرأي الاعتزالية – الفلسفية، حين يعلن، مداورة، عجز تفسيرات السلف للنصوص الكونية عن إضاءة النص وتحقيق المطابقة، الضرورية حاليا، بين صريح المنقول وصريح المعقول العلمي ؟ ألا يعترف الإعجازي، بقصور أدلة وحجج واستدلالات واعتراضات  أهل السنة والجماعة على المؤولة من معتزلة ومتفلسفة وصوفية وشيعة؟ 
 

كيف يتمسك الإعجازيون المعاصرون بالأطر النظرية، لمفكرين تراثيين، ثبت بطلان كثيرا من مسلكياتهم المعرفية ؟ كيف يستطيع منظرو الإعجاز العلمي، التوليف بين مستجدات  العلوم الدقيقة والالتزام بالمؤديات النظرية للفكر اللاعقلاني السلفي في غراراته الأشعرية أو الغزالية أو الحنبلية أو التيمية ؟ 
يقول الزركشي :
( فإن تفسيره ( أي الصحابي ) عندهم بمنزلة المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، كما قاله الحاكم في تفسيره.
وقال أبو الخطاب من الحنابلة : يحتمل ألا يرجع إليه إذا قلنا إن  قوله ليس  بحجة. والصواب الأول ؛ لأنه من باب الرواية لا الرأي.
 وقد أخرج ابن جرير عن مسرور  قال عبد الله بن مسعود : والذي لا آله إلا هو  ما نزلت  آية في كتاب الله إلا و أنا أعلم فيمن نزلت، وأين نزلت ؛ ولو أعلم مكان أحد أعلم بكتاب الله مني تناله المطايا لأتيته. وقال أيضا : كان الرجل منا إذا تعلم  عشر آيات لم يتجاوزن  حتى  يعلم معانيهن، والعمل بهن.
 وصدور المفسرين من الصحابة : علي، ثم ابن عباس – وهو تجرد لهذا الشأن، والمحفوظ عنه أكثر من المحفوظ عن علي، إلا أن ابن عباس كان أخذ عن علي – ويتلوه عبد الله بن عمرو  بن العاص، وكل ما ورد عن غيرهم من الصحابة فحسن مقدم. )
(-الزركشي-البرهان في علوم القرآن – تحقيق  : محمد أبو الفضل إبراهيم – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – 2006-الجزء الثاني –ص.102).
وحيث إن تأويلات نظرية الإعجاز، تناقض كثيرا من تأويلات ابن عباس وعلي بن أبي طالب، فإن نظرية الإعجاز مطالبة بتسويغ هذا التجاوز وإحداث تعديلات في مقرراتها النظرية، حتى لا تغرق في فصام تكريس السلطة المعرفية للسلف على صعيد النظر، والتحلل من تلك السلطة على صعيد العمل التأويلي.
والأنكى هو استمرار رواد نظرية الإعجاز العلمي للنصوص التأسيسية، في  النهل والاكتراع من معين مفكرين تراثيين، لهم اليد الطولى في ترسيم وتكريس عزل العقل في الفضاء الثقافي الإسلامي.
يقول ابن القيم عن ابن تيمية ما يلي :
(كتاب الرعاف : كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يكتب على جبهته : ( وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر ) [هود : 44]. وسمعته يقول : كتبتها لغير واحد فبرأ، فقال : ولا يجوز كتابتها بدم الراعف، كما يفعله الجهال، فإن الدم نجس، فلا يجوز أن يكتب به كلام الله تعالى. )
(- ابن  قيم  الجوزية – الطب النبوي – تحقيق الشيخ محمد علي قطب – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – طبعة 2002- ص. 223).
لا تنفصل العلموية الإعجازية عن اللامعقول السحري ؛ فالعلموي الإعجازي يبدأ النظر ويستأنفه دفاعا عن حقائقه السوسيولوجية بكل سجلاتها ومراتبها،ودفعا للاستشكال المنهجي لشرعية استعماله الذرائعي لما يتأسس بالعقل المجرد وبالتعقل الصاعد في رحاب التاريخ المفتوح.

4- نفي بيان النصوص :
تنبني نظرية الإعجاز البلاغية والبيانية على عجز العرب عن رد التحدي القرآني ؛ ومن المعلوم إن التحدي، يقتضي، البيان ووضوح الفحاوى والمقاصد وإمكان معرفة وفهم مضامين النص. فرغم انطواء النص المؤسس على المتشابه، فإنه نص بين المعاني، واضح المغازي، مطابق للطرائق البيانية والخطابية الفاشية بين العرب. لا مندوحة إذن، عن إقرار بيانية النص، وقابليته للفهم والتمثل، واقتراب آلياته الخطابية من الآليات المعتمدة في البيان العربي.


إن قراءة النصوص المؤسسة في ضوء الفيزياء الفلكية(التأويل العلموي للمعراج مثلا )  والفيزياء النظرية والبيولوجيا النووية، لا تلغي فهوم السلف فقط، بل تلغي بيانية النص بالدرجة الأولى. والحال أن لا تنزيل بلا بيان، ولا شريعة بلا إبانة. فكيف يستحيل البيان إلى مستغلقات علمية لم يكشف عنها إلا بعد زمن مديد ؟ هل من شرائط التبيين والتبليغ، مخاطبة، أمة أمية بخطاب علمي، لم تتوصل إليه الإنسانية إلا بعد نصب وعنت فكريين ومدافعة باسلة للأخطاء والعوائق الإبستمولوجية العويصة ؟
يقول الشاطبي ما يلي :
 ( والثالث : أنه لو لم يكن على ما يعهدون لم يكن عندهم معجزا، ولكانوا يخرجون عن مقتضى التعجيز، بقولهم : هذا على غير ما عهدنا ؛ إذ ليس لنا عهد  بمثل هذا الكلام، من حيث إن كلامنا معروف مفهوم عندنا، وهذا ليس بمفهوم ولا معروف. فلم تقم الحجة عليهم به. ولذلك قال سبحانه : ( ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي ) !؟ [ فصلت : 44] فجعل الحجة على فرض كون القرآن أعجميا. )
( – الشاطبي – الموافقات في أصول الشريعة – تحقيق : عبد الله دراز – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان –– 2001- المجلد الأول -2-ص.54)
 فتأكيد الإعجاز العلمي للنص المؤسس، يجافي بيانه وعروبته ومراعاته لمقتضيات الأحوال العربية آنذاك ؛ كما يلغي قاعدة التحدي القرآنية، بالنظر إلى افتراضه الضمني لمنافاة القاعدة المعرفية واللسانية للنص المؤسس لقواعد التدبر المعرفي والبياني لدى عرب ما قبل الإسلام. ألا يعيد السني الاعتبار للصرفة، ويتحول دون أن يدري إلى معتزلي نظامي تعيينا ؟ألا يحين الإعجازي السلفي، تعريفا، الصرفة النظامية بعد شحنها بظلال دلالية جديدة ؟  

5- نفي حجاجية النصوص: 
يقتضي بيان النص، إمكان تدبر حجاجه وتدليلاته وبراهينه ؛ وحيث إن الإعجازي ينفي عمليا بيان النص، فإنه  يبطل إمكان فهم وتمثل البناء الحجاجي للخطاب الشرعي، وإمكان  استثماره في المحاجات والمناظرات العقائدية.
وليس التناظر مسلكا إجرائيا وظيفيا أملته  الاعتبارات التاريخية والمعرفية  ؛ بل هو ضرورة شرعية في المقام الأول. وعليه، فإن إلغاء بيان النص المؤسس النتائج عن التنصيص العلموي على علميته الفائقة، يلغي المعبر الأساس إلى امتلاك ناصية الحجاج القرآني والعمل بالحجاج المحمود المنصوص عليه في الأثر.
إن البرهنة على علمية الحقيقة الشرعية، تبطل إمكان المناظرة قبل الاكتشافات العلمية الحديثة والمعاصرة ؛ والحال أن التناظر واجب شرعي لإقرار الحجة وإقامة الدليل الشرعي وإظهار تهافت المناهج وآليات التناظر المعتمدة لدى الفرق المؤولة والمبتدعة والتشركية والتعديدية والنفاتية.


نستنتج من هذا، أن المسلك التأويلي لنظرية الإعجاز العلمي، يفضي، عمليا، إلى إنكار إمكان التناظر في الزمان الوسيط وإلى استحالة البرهنة الشرعية على الحقيقة التداولية، وعلى التدليل على أفضلية الخيارات اللاهوتية والأصولية للأهل السنة والجماعة أو للقطعية الإمامية . فكيف سيقيم الأشعري أو الحنبلي أو التيمي، الحجة على القدري أو المعتزلي أو الجهمي أو الإمامي أو الإسماعيلي، وهو غير قادر على استكناه حقيقة النص العلمية ؟ وكيف سيتمكن المسلم من قطع المجادل الكتابي أو الملحد المترصد للمفارقات ولاشتباك الدلالات في النصوص المؤسسة وهو غير متمكن من الآليات المعرفية القمينة بسبر المجهول والكشف عن الأسرار الكونية المحجوبة عن الإنسان آنذاك؟


وللبرهنة على هذا الاختلال، سنقدم نماذج تراثية عن النقاشات الدائرة حول حديث الذباب ؛ ومن المعلوم أن نظرية الإعجاز العلمي، تصر على العلمية الفائقة لهذا الحديث، وتقدم منذ أزيد من نصف قرن، قرائن ومستندات ومرافعات في هذا الشأن.

( واعلم  أن في الذباب  عندهم  قوة سمية  يدل عليها  الورم،   والحكة  العارضة  عن لسعه ،   وهي بمنزلة  السلاح، فإذا سقط فيما يؤذيه، اتقاه بسلاحه،   فأمر  النبي صلى الله عليه وسلم  أن يقابل تلك السمية  بما أودعه الله سبحانه في جناحه الآخر  من الشفاء،   فيغمس كله في الماء والطعام، فيقابل المادة السمية  المادة النافعة ، فيزول ضررها، وهذا طب لا يهتدي إليه كبار الأطباء و أئمتهم، بل هو خارج من مشكاة النبوة، ومع  هذا فالطبيب العارف الموفق يخضع لهذا العلاج، ويقر لمن جاء به بأنه أكمل الخلق على الإطلاق، و أنه مؤيد بوحي إلهي خارج عن القوى البشرية. )
(- ابن  قيم  الجوزية – الطب النبوي – تحقيق الشيخ محمد علي قطب – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – طبعة 2002- ص. 74)
يعترف ابن قيم الجوزية بعدم توصل أطباء زمانه إلى البرهنة على صحة محتوى حديث الذباب ؛ وللدفاع عن صحته، أحال إلى خطاب الغيب التسليمي لا إلى خطاب العلم الاستدلالي والبرهاني . أما الإعجازيون المعاصرون وبالأخص الفئة المختصة في التسويغ العلمي لحديث الذباب من أمثال زغلول النجار ، فيزعمون العكس ؛ فما أحاله ابن قيم إلى خطاب الوحي أرجعه الإعجازيون المعاصرون إلى خطاب العلم.
يقول ابن قتيبة في معرض منافحته عن صحة حديث الذبابة ما يلي :
[وبعد فما ينكر من أن يكون في الذباب سم وشفاء، إذا  نحن تركنا طريق الديانة، ورجعنا إلى الفلسفة ؟ !! وهل الذباب  في ذلك إلا بمنزلة  الحية ؟ فإن الأطباء  يذكرون  أن  لحمها شفاء  من سمها، إذا عمل منه الترياق الأكبر، ونافع من لدغ العقارب  وعض الكلاب  الكلبة،   والحمى  الربع  والفالج واللقوة  والارتعاش والصرع.
 وكذلك قالوا  في العقرب  : إنها  إذا شق  بطنها شدت على موضع  اللسعة،   نفعت !! و إذا  أحرقت، فصارت رمادا، ثم سقي منها من به  الحصاة،   نفعته !!وربما  لسعت المفلوج، فأفاق !!
وتلقى في الدهن حينا، فيكون ذلك الدهن مفرقا للأورام الغليظة.
 والأطباء القدماء، يزعمون أن الذباب إذا ألقي في الإثمد، وسحق  معه، ثم  اكتحل به زاد ذلك من البصر، وشد مراكز الشعر من الأجفان، في حافات  الجفون !!
 وحكوا عن صاحب المنطق أن قوما من الأمم، كانوا يأكلون  الذباب فلا يرمدون !!في الذباب : إذا شدخ، ووضع على موضع لسعة العقرب، سكن الوجع !!
وقالوا : من عضه الكلب، احتاج إلى أن يستر وجهه من سقوط الذباب عليه،   لئلا  يقتله !!وهذا ما يدل على طبيعة  فيه شفاء أو سم. )
(- أبو محمد ابن قتيبة – تأويل مختلف الحديث – خرج أحاديثه وعلق عليه : سعيد السناري – دار الحديث – القاهرة – طبعة 2006- 300-301)

 يقدم ابن قتيبة اعتراض المعترضين على حديث الذباب. وقد قدم حديث الذباب، بصيغتين لغويتين من باب التأكيد على الصحة والصوابية النصية. والحقيقة أن إيراد الحديث بصيغتين لغويتين دليل على صعوبة توثيق المنقولات ، وتدخل الذاكرة الإسلامية في صياغة مروياتها، على نحو يلائم مداركها وقدراتها الفكرية والثقافية وأفقها الإنتاجي والثقافي في الزمان العباسي.
يعترض ابن قتيبة على اعتراض المعترض، إسنادا إلى ثلاثة  أدلة   :
الدليل الديني :
إن الطعن في المرويات اللامعقولة يناقض الإسلام جملة ؛ فالإسلام كمعتقد لا يسلم بالسببية الفلسفية أو بالعلية الفكرية ؛ فهو منفتح على الغرائبي والعجائبي والخارق والغيبي. كما يستند إلى سلطة الصحابة والتابعين، للدفاع عن ضرورة التسليم بالجانب الغرائبي للعقيدة الإسلامية. ويشير كذلك إلى ارتكاز الإيمانية التوحيدية والثنوية والتعديدية على الخارقية وعلى نقض العادات ونفي الطبائع. 
الدليل الفلسفي / الطبي :
يحاول ابن قتيبة الامتياح من التقليد الطبي القديم، للبرهنة على إمكان احتواء جناحي الذباب على السم وعلى الدواء. ويذكر منافع لحم الحية ورماد العقرب الصحية. كما يورد  بعض سلوكات الذرة  والغربان والسلحفاة  وابن عرس والكلاب، للتدليل  على قدرة الحيوانات على الفهم. كما  يشير إلى  جذب حجر المغناطيس للحجر و معالجة الاستسقاء بحجر السنفيل الواردة في المقررات الأرسطية ، باعتبارهما يقعان في منزلة أعجب  من معرفة الذباب بالسم  والشفاء الموجودين  في جناحيه.
الدليل الميثي :
يورد ابن قتيبة مجموعة من الواقعات الأسطورية عن حجارة عجائبية، في معرض تسويغه لحديث الذباب ؛ فهو يتوخى البرهنة على اندراج ذلك الحديث في المجرى العادي للواقعات الغريبة، من منظور عقلي، والمقبولة عند غالبية النظار والمتفلسفة في عصره.   فحديث الذباب، لا يسوغ تسويغا علميا محضا، بل تسويغا  ميثيا، غرائبيا، استنادا إلى  الحكايات  الأسطورية الرائجة في حلقات الأطباء غير المنفصلين آنذاك عن اللامعقول وعن المعارف الباطنية و السحرية.

وليس ابن قتيبة بدعا في التفسير بالميثي والتماس التبرير في الأسطوريات ؛ فرغم اعتزالية الجاحظ، فإنه لا ينأى كثيرا عن التسويغات الميثية وعن التفسير الإغرابي.
يقول عن سبب تحريم لحم الخنزير ما يلي : 
( فلولا أن في الخنزير معنى متقدما سوى المسخ، وسوى ما فيه  من قبح المنظر وسماجة التمثيل، وقبح الصوت، و أكل العذرة، مع الخلاف الشديد واللواط المفرط والأخلاق السمجة، ما ليس في القرد الذي هو شريكه في المسخ – لما ذكره دونه. )
(- الجاحظ – الحيوان – وضع حواشيه : محمد باسل عيون السود – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1998—المجلد2-ص. 280).
 لا مجال للتعقيل في محاجة الجاحظ ولا للاستدلال العلمي ؛ فهو يكتفي بإعادة ما ترسخ في المتخيل الجماعي، وفي الذاكرة الثقافية الجماعية.وأنى له أن يستدل أو يبرهن على صحة الأدلة السمعية، بالأدلة العقلية، وهو المتكلم الرافض لشمولية و أهلية العقل.
يقول ما يلي : 
( فيقال لصاحب هذه المقالة : تحريم الأغذية إنما يكون من طريق العبادة والمحنة، وليس أنه جوهر شيء من المأكول يوجب ذلك. و إنما قلنا : إنا وجدنا الله تعالى قد مسخ عبادا من عباده في صور الخنزير دون بقية الأجناس، فعلمنا أنه لم يفعل ذلك إلا لأمور اجتمعت في الخنزير. فكان المسخ على صورته أبلغ من التنكيل. لم نقل إلا هذا. )
(- الجاحظ – الحيوان – وضع حواشيه : محمد باسل عيون السود – دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1998-المجلد 2-ص. 309).
فلئن صحت أقوال المتأولة الإعجازيين لتحريم لحم الخنزير، فإن الأصل النظري لمحاجة الجاحظ مدخول ومدحوض ؛ أما ابن الجوزي فينتقد استقلالية العقل الفلسفي وعدم تعويله في التصويب والتخطئة على الخطاب النبوي ؛ والحقيقة أن التأكيد على علمية التحريم القرآني للحم الخنزير، برهنة ضمنية، على سلامة  مسلك العقلانية المنفصلة عن الخطاب الشرعي.
يقول ابن الجوزي عن تلبيس إبليس على الفلاسفة ما يلي :
( إنما تمكن إبليس من التلبيس على الفلاسفة من جهة أنهم انفردوا بآرائهم وعقولهم، وتكلموا بمقتضى ظنونهم من غير التفات إلى الأنبياء، فمنهم من قال بقول الدهرية أن لا صانع للعالم، حكاه النوبختي وغيره عنهم. وحكى النهاوندي أن أرسطاطاليس وأصحابه  زعموا أن الأرض كوكب في جوف هذا الفلك و أن في كل كوكب عوالم كما في هذه الأرض و أنهارا وأشجارا وأنكروا الصانع و أكثرهم أثبت علة قديمة للعالم ثم قال بقدم العالم، و أنه لم يزل موجودا مع الله تعالى  ومعلولا له ومساويا غير متأخر عنه بالزمان مساواة المعلول للعلة، والنور للشمس بالذات والرتبة لا بالزمان. ..)
(- ابن الجوزي- تلبيس إبليس – تحقيق : محمد عبد القادر الفاضلي – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت –لبنان- 2006-ص. 45)

فالحاصل أن نظرية الإعجاز العلمي، تخطئ التسويغات المعرفية للمنظرين الكلاسيكيين، وتحكم على ردودهم على الخصوم المذهبيين والعقديين، بالاخترام والاختلال. فكيف يرفض الإعجازيون المعاصرون، استشكال المنظومات التفسيرية والتأويلية السنية، ومناهج علوم الأصوليين والمفسرين، رغم انطوائها البين على أخطاء من منظور العلوم الدقيقة ؟ هل من المعقول أن يحاجج النظار السلفيون والإعجازيون الوسيطيون على صحة نصوص لا يدركون مغازيها العلمية ؟ ما معنى امتلاك نصوص موحى بها، ومستغلقة المعنى ؟ ما معنى التخبط في ترميقات بلاغية وسفسطات كلامية وتقريبات فقهية، والأمة تتوافر،كما هو راسخ في تقاليدها، على الخطاب المكتمل ؟أليس حريا بالمسلم أن ينفذ إلى حقيقة المراد، في أزمة موسومة بحرب الخطابات وتعدد الاستراتيجيات التأويلية وحروب الخنادق المذهبية ؟ هل من المنطقي أن تغيب الدلالة العلمية للمنطوقات القرآنية، عن المسلم، في سياقات الاصطراع الفكري والتأويلي ضد الهراطقة والملاحدة والثنوية والباطنية؟  
 (وسبيله أن يبتدئه بالسؤال عن الحكمة في مقررات الشرائع وغوامض المسائل  وعن المتشابه من الآيات وكل ما لا ينقدح فيه معنى معقول. فيقول في معنى المتشابه : ما معنى "ألر " و"كهيعص " و"حم عسق "، إلى غير ذلك من أوائل السور ؟ ويقول : " أترى أن تعيين هذه الحروف جرى وفاقا بسبق اللسان، أو قصد تعيينها لأسرار هي مودعة تحتها لم تصادفها تحتها في غيرها ؟ وما عندي أن ذلك يكون هزلا وعبثا بلا فائدة " )
(-الغزالي- فضائح الباطنية – اعتنى به وراجعه – محمد علي القطب – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2000-ص. 31-32)
هل من المعقول أن تبقى المقطعات بلا تفسير معقول حتى يستكشف رشاد خليفة عوالمها أو ينسبها الصادق النيهوم إلى التدريب القبالي  ؟ كيف يصرف المسلم عن الدليل وهو أحوج ما يكون إليه في حروب التأويل العاصفة ؟ لعل الإعجازي، يضيف إلى صرفة النظام، صرفة جديدة، مفادها، صرف المسلمين عن فهم المعنى العلمي للمنطوقات والدلالات القرآنية، وتوسيع الهوة بين الدليل والمدلول، ودليل المراد وحقيقة المراد حتى تقرر الألطاف تضيق الفجوة وإظهار المعنى المحجوب بعد تقدم العلوم الحديثة على يد المحدثين المنقطعين،قصديا وإراديا، عن السند العقدي !

6- الالتحاق بالمؤولة من باب التوفيق العلموي بين المنقول العلمي والمأصول النصي:
لا جدال في اختلاف التفسير العلمي للنصوص المؤسسة عن مبادئ ومعايير التفسير الكلاسيكية ؛لا يتم هذا التفسير  إلا بخرق كثير من القواعد التفسيرية المعيارية، والالتجاء إلى التأويل القريب أو البعيد،و إلى التسويغ المحمود  أو المستكره. ومما يدعو الإعجازي إلى التشديد على مفارقة أفق النص المفسر لأفق التفسير الكلاسيكي، السعي إلى إظهار رفعة حقيقة النص وصدورها الحتمي عن المفارق. فكلما تم تبئير المباعدة، إلا وبدا الإعجاز في أبهى حلة إيمانية. فما يعني المؤول الإعجازي، هو وقع الاكتشاف الصاعق لحقيقة النص المتأبية على حذاق المفسرين والمؤولين طيلة الزمان الإسلامي الكلاسيكي. ولا غرابة، في أن يغيب التحوط والاحتراز والتشبث بالقواعد المنهجية والعلمية، طالما أن المقصد هو إجلاء مفارقة الحقيقة النصية للحقيقة التراثية مما لا يمكن تفسيره إلا بضروب من المكاشفة السلفية !
ثمة مفارقات ظاهرة في التفسير العلمي للنصوص المؤسسة منها :
– خرق قواعد التأويل السنية- التراثية،عمليا،   رغم التمسك النظري بها مبدئيا،
– الاشتغال العندي بأدوات مستعارة ومنقولة والتسليم العملي بسداد العقل الغربي،
– الاكتفاء ب التأويل  التقني ورفض التأويل النظري المستند على اعتبارات إبستمولوجية ومنهجية محددة.
فالواقع أن نظرية الإعجاز العلمي للنصوص المؤسسة، تتعامل مع الدليل والمدلول بكثير من التحرر ومن العندية ؛ فمن المحقق أن الإعجازي الفائق، لا يراعي المجال التداولي اللغوي العربي، كما يهدر آليات النصوص المؤسسة في إنتاج المعنى والدلالة. وعليه، فهو إذ يخرق الدليل والمدلول، وينقطع على طريقة السلف في بلوغ حقيقة المراد والتعامل مع دليل المراد، يلتحق، عمليا، بالمؤولة، رغم رفضه النظري والعملي لمسالك المؤولين من معتزلة ومتفلسفة وصوفية.  
 ( و أما ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل : فهذا فأكثر ما فيه الخطأ من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، فإن التفاسير التي يذكر فيها كلام  هؤلاء صرفا لا يكاد يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين ؛ مثل تفسير عبد الرزاق، والفريابي، ووكيع وعبد بن حميد، و إسحاق و أمثالهم :
أحدهما : قوم اعتقدوا معاني، ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها.
والثاني : قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريده من كان  من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به.
فالأولون : راعوا المعنى الذي رأوه، من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان.
 والآخرون : راعوا مجرد اللفظ، وما يجوز أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم وسياق الكلام. )
 (جلال الدين السيوطي – الإتقان في علوم القرآن – تحقيق : فواز أحمد زمرلي – دار الكتاب العربي – بيروت – لبنان – 2004-ص. 858-859)

وحين نقارن المسلك التأويلي للإعجازيين المعاصرين، بالقياس إلى المؤولة المطعون فيهم في هذا الشاهد، فإننا نلاحظ تجاوز الإعجازي المعاصر لكل الحدود التأويلية التراثية، وللمسلكيات التأويلية للمؤولة أنفسهم، رغم تشبثه النظري، بمقررات أهل السنة والجماعة في هذا السياق.
وهكذا، استحال السني، إلى مؤول يخرق  القواعد التفسيرية المعيارية لإدراك الدليل ويتعامل مع الحقيقة الشرعية بكثير من الاستعمال التأويلي المناقض لفهوم السلف ولقواعد تحصيل الدلالة الشرعية كما هي مقررة لدى النظار المعتبرين لدى السنيين عموما.
(  ثم بالله تأملوا أليس قد وجب علينا هجر الربا بقوله تعالى : ( لاتأكلوا الربا ) ( آل عمران : 130) وهجر الزنا بقوله : ( ولا تقربوا الزنى ) ( الإسراء : 32). فأي فائدة لنا في ذكر قراءة ومقروء وتلاوة ومتلو وقديم ومحدث ؟ فإن قيل : فلا بد من اعتقاد، قلنا : طريق السلف أوضح  محجة ؛ لأنا ما نقوله  تقليدا، بل بالدليل، ولكنا لم نستفده عن جوهر وعرض وجزء لا يتجزأ. بل بأدلة النقل مع مساعدة العقل من غير بحث عما لا يحتاج إليه. )
( – ابن الجوزي- صيد الخاطر – تحقيق : نواف الجراح– دار صادر- بيروت-لبنان- – الطبعة الأولى – 2008-ص. 179)
لا يمللك  رواد نظرية الإعجاز العلمي، أمام هذه الأحروجة ؛ إما التسليم ببطلان قواعد ونظريات التفسير السنية، والتحلل بالتالي من معارف السلف جملة ؛ و إما الإقرار  بالطابع العندي والجوازي بله الفكراني  لتأويلاتهم العصرية، وباعتبارها تمارين تأويلية على هامش المتن التفسيري الأصلي. فلا يمكن التوفيق، بأي حال من الأحوال، بين ذم التأويل والمؤولة والإشادة بالتفسير بالأثر، وبين خرق كل القواعد المرجعية والمعيارية للتفسير بدعوى مطابقة الدليل السمعي للدليل العقلي – العلمي.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This