في نقد فلسفة هايدغر (4/4)

{{1 – الفلسفة ـ الفضيحة:}}

قد يتبادر للذهن بأنّ شبه العنوان “الفلسفة ـ الفضيحة” ليس إلاّ واحدا من تلك العناوين الجارحة التي يُشهّر بها أعداء هايدغر في الصحف، أو في بعض مواقع إنترنت. لكن، لا هذا ولا ذاك، فعنوان المقال ومحتواه خرجا من أيدي فرانكو فولبي (Franco Volpi)، أحد حُذّاق القوم من الاختصاصيين الإيطاليّين في فلسفة هايدغر، وله أعمال متألّقة أشهرها كتاب “هايدغر وأرسطو”. إلاّ أنّ ثقل المعطيات وخطورة مضامين النصوص التي اكتُشفت مؤخّرا، أخرجته من حالة الصمت وفرضت عليه القيام بموازنة نقدية للفيلسوف الذي وهب حياته لترجمة أعماله والتضلّع في أفكاره. في هذا المقال لم يستطع الرجل أن يُخفي امتعاضه من توجّهات هايدغر السياسية وانعكاساتها على انتاجاته الفلسفية. لقد أورد في البداية قولة مأثورة عن ليو شتراوس (Leo Strauss) هذا نصّها: “هناك أمر مُحيّر جدّا ألا وهو أنّ هايدغر هو أكبر مفكّر في وقتنا الحاضر(1)”. إلى ماذا يَرمز شتراوس، الفيلسوف اليهودي الذي هاجر إلى أمريكا هربا من القوانين العنصرية، بقولته هذه؟ في شبابه، عندما كان من المُعجبين بـماكس فيبر (Max Weber)، وبعد أن استمع، في فرايبورغ (Freiburg)، إلى درس من دروس هايدغر كتب إلى صديقه روزنزفايغ (Rosenzweig) قائلا: “فيبر، بالمقارنة مع هايدغر يبدو لي يَتيما من حيث الدّقّة والعمق والكفاءة”. وفي مناسبة أخرى كتب إليه: “لقد استمعتُ إلى التأويل الذي عرضه هايدغر لبعض المقاطع من أرسطو، وبعد ذلك استمعت إلى فرنر ييغر (Werner Jaeger) في برلين حيث كان يُؤوّل نفس تلك النصوص: مبدأ الرّحمة يَجعلني أكتفي في مقارنتي بالإشارة إلى أنه ليس هناك وجه للمقارنة”.

هذا شيء جميل ويمكن، بشيء من التحفّظ والاحتراز، المصادقة عليه ومجاراته، لأنّ كاتب هذه السطور لديه بعض الشكوك حول دقّة تأويلات هايدغر للنصّ الأرسطي وحول جدّتها المتفرّدة. لكن ماذا حدث فيما بعد؟ ولِمَ غيّر رأيه من النقيض إلى النقيض؟ من السهل على أيّ شخص اطّلع على حياة هايدغر والتزاماته السياسية أن يحدس ذلك. الصدمة الكبرى كانت سنة 1933، عندما انخرط هايدغر في صفوف الحزب النازي، حينها “أُرغم شتراوس على فتح عينيه، وأصبح واحدا من نقاده الصارمين”.

أثناء دروسه التي ألقاها في جامعة شيكاغو، كان غالبا ما يتفادى عن قصد ذكر اسمه، ومع ذلك فهو يُنبّه طلبته مشيرا إلى أنه من السّخف أن نُغمض أعيننا أمام أعماله أو أن نرفضها جملة وتفصيلا. “حقيقة هذه هي البليّة” (Proprio questo è il guaio) كما يقول فولبي (Volpi). فعلا، إذا اعترفنا مع شتراوس، بأنّ هايدغر كان أحد أعظم الفلاسفة المعاصرين، وبالتالي من القلائل الذين كانوا باستطاعتهم تقييم الأمور والحكم عليها، كيف يمكن أن نفسّر انضواءه تحت أكثر الدكتاتوريات رعبا في القرن العشرين؟ كيف يمكن لعقل فلسفيّ “عظيم” أن يَسقط في خطأ من هذا القبيل؟ وما هي النتائج التي يجب أن نستخلصها حين نرغب في تقييم أعماله وتأثيراتها اللاحقة؟

هذه التساؤلات يطرحها فرانكو فولبي بمناسبة الكشف عن وثيقة هامّة جدّا لم تنشر من قبل في إيطاليا وهي درس ألقاه هايدغر في صيف 1934، مباشرة بعد استقالته من مهمّة إدارة جامعة فرايبورغ. مَجلّة ميكروميغا (MicroMega) الإيطالية نشرت الدرس الهايدغاري كما نقلته هيلين فايس (Helene Weiss) إحدى الطالبات اللواتي تتلمذن على يدي هايدغر ولكنها لم تستطع الحصول على درجة الدكتوراه لأنّها كانت يهودية.

على كلّ حال “النصّ مُخاتل وشائن” (il testo è intrigante e scandaloso) كما يقول فولبي؛ وينبغي التذكير هنا بأنّ هذا الحكم جاء من طرف أحد المختصين الضالعين في فلسفة هايدغر والذي ترجم تقريبا كلّ أعماله من الألمانية إلى الإيطالية، وهو رجل لا يُبدي أيّ احتراز مسبّق تجاه هايدغر، ولا يرفض رفضا ما قبليا فلسفته.

موضوع الدرس الذي ألقاه هايدغر هو “المنطق” وقد كان فرصة لعودة العميد إلى كرسيّ تدريس الفلسفة والتفرّغ لها بعد تجربته الإصلاحية الفاشلة. وبتتبّعنا إيّاه درسا بعد درس، يقول فولبي، يمكننا أن نقيّم مدى صدق اعترافاته أمام لجنة التطهير بعد الحرب، وهل أنه ابتعد فعلا، مباشرة إثر تنحّيه من إدارة الجامعة، عن صفوف الحزب النازي.

في السجلّ الرسميّ للجامعة، الدرس أعلِنَ عنه تحت عنوان: الدولة والعلم، ولكن صدفة غيّر الرجل موضوع الدرس، وهذا التغيير المفاجئ قد يوحي بتملّص من النظام الحاكم، لكن في الواقع، كما يؤكّد فولبي، الأشياء لم تكن على هذه الشاكلة. تحت عنوان “المنطق”، الذي يبدو في الظاهر عنوانا محايدا، يتناول هايدغر مسائل مُحرِقَة (questioni scottanti)، حسب عبارات فولبي. فعلا، هو ينطلق من زاوية فلسفية بحت، لكنّ هدفه هو إحداث رجّة في المنطق التقليديّ كي يتمّ تحديد جوهر الدازاين من خلال اللوغوس واللغة. الخاصية الأساسية التي تُميّز الدازاين هي اللغة نظرا لأنها تُمكّن من توطيد العلاقة بين الفرد وبين شعبه (عرقه)، وتُدمج حياته في المجموعة، بحيث أنها تُصالح بين الفرد ووطنه وتراثه؛ بين الإنسان وزمنه وتاريخه.

مفاهيم ثقيلة (concetti pesanti) مثل “الشعب”، “الروح”، “اللغة”، “العِرق” تجد لها منفذا في القاموس الفلسفي لهايدغر. لكنّ هناك أيضا تلميحات إلى الأحداث السياسية الراهنة. حينما أراد أن يشرح معنى التاريخ الأصيل، أخذ كمثال الزيارة الرسمية التي قام بها هتلر إلى روما: تحليق طائرة في الهواء هو حدث، ولكنه لا يمثّل في حدّ ذاته تاريخا، إلاّ أنه إذا أقلعت تلك الطائرة وعلى مَتنِها الزعيم (Führer) هتلر كي يَلتقي بزعيم آخر، موسلّيني، فهذا الحدث يَدخل بكلّ جدارة في التاريخ؛ لا بل الطائرة ذاتها يجب إعطاؤها قيمة متحفيّة.

هذه الكلمات وما تحمله من مواقف سياسية منحازة جعلت فولبي يصرّح بأن “هايدغر لم يكن في قطيعة مع النظام النازي”. ومع ذلك، فإنّ الفيلسوف الإيطالي يضيف بأن هايدغر لم يكن حالة معزولة، إذ على الرغم من أنّ اسمه يُلوَّح به كمثال للعَمَاء السياسي مقرون بعمق فلسفيّ، فإنه لم يكن الوحيد في هذه المعمعة، ذلك لأنّالجهل السياسي، في وقته، كان متفشّيا في صفوف أساتذة الفلسفة بالجامعات الألمانية. حالة هايدغر إذن، حسب فولبي، هي نموذج مُعَمّم ومتفشٍّ في الساحة الثقافية الألمانية، وهي بحدّ ذاتها تمثّل صورة معبّرة لفضيحة الانفصام بين الفلسفة وملكة الحكم السياسي السويّ.

وهذا الأمر يثير تساؤلا جدّيا: هل كان هناك خلل ما في الطريقة التي تعاملت بها الفلسفة الحديثة مع السياسة؟ هل يوجد نوع من القطيعة الحاجبة بين تدبير الفيلسوف المُتوحّد والحياة العامة؟ يقول فولبي بأنّ حنّا آرندت التي كانت أشدّ الناس وعيا بهذه الإشكالية، اعتبرت أنّ الطاقة النظرية وملكة الحكم السياسي هما أمران متغايران (allotrie)، لا مُتجانسان (eterogenee)، وادّعت أسبقية الأولى على الثانية.

بخلاف فولبي أقول بأن شمولية العماء السياسي في صفوف أساتذة الجامعات لا يبرّر بما فيه الكفاية سقوط هايدغر في نفس أخطائهم، ولا مسايرة النظام الديكتاتوري الشرس في قليله أو كثيره. هذه الفرضية ليست إلاّ ذريعة من الذرائع التي اصطنعها أتباعه لفصم فلسفته عن خياراته السياسية، وهي بيّنة من خلال كلام حنّا آرندت الوارد أعلاه التي أخذت مثال هايدغر وعمّمته، بل استنبطت منه مصادرة فلسفية. أقول هذا رغم أنها لم تتورّع في توجيه سهام نقدها اللاذع ضدّ هايدغر. لا يمكن لهذه الأطروحة، على أية حال، أن تُفسّر كيف عَمَد مثقفون وفنانون ورجال دين إلى التملّص من النظام الديكتاتوري ومعارضته بالفعل، الشيء الذي أدّى بالبعض منهم إلى قضاء النحب في المعتقلات وبالبعض الآخر، الأكثر حظّا، إلى ديار الهجرة.

وفولبي ذاته واع بأنّ أطروحة آرندت لا تكفي (non basta) لأنّ الخيار السياسي يرتكز هو ذاته على مسلّمات غير مُعلن عنها، أو غير مُفكّر فيها (حسب قاموس هايدغر) ولا يمكن أن يُميط عنها اللثام إلاّ الجهد النظري ذاته. المعضلة الكبرى، حسب فولبي، هي أن هايدغر كان جاهلا في ميدان السياسة بقدر ما كان مُبرّزا في الكشف عن الثاوي وراء الخطابات اللامفكر فيها. السؤال هو: لِمَ لمْ يُفَعّل هايدغر طاقته النقديّة تلك؟ وما الذي منعه من إماطة اللثام عن الثاوي (اللامفكر فيه) وراء إيديولوجيا النازية؟ أهي التقية، كما صرّح لماركوز، أم وجود انسجام تامّ مع تلك الإيديولوجيا وبالتالي توقّفت عملية سبر اللامفكر فيه، ووجدت أخيرا مَكمَنها النهائي؟

{{2 – درس الهايدغارية:}}

لا أريد أن أكون قاسيا على هايدغر، ولا أنكر أنّ الرجل مازال يُمثّل، إلى الآن، نبراس كثير من الفلاسفة العرب المعاصرين، ما أطلبه منهم هو القيام بموازنة فلسفية نقدية لمُجمل أفكاره، دون اظهار ما هو صالح منها فقط، وبَتر أو تغطية ما لا يليق بأخلاقيات التفلسف.

وبخصوص هذه النقطة، فإن الشكوك التي انتابتني منذ التعمّق في أعمال هايدغر، زادت ترسّخا حين اطلاعي على العمل الأخير الذي أنجزه في فرنسا إيمانويل فاي (E. Faye )2. وهو صوت خارج الجوقة، ناشز في جوّ ثقافي اكتسحته الهايدغارية وتغلغلت في جميع فلوله منذ أكثر من نصف قرن.

يقول فاي بأنه على ضوء نَشر أعمال هايدغر الكاملة ـ والتي هي متواصلة تباعا ـ فإن علاقته بالفلسفة تبدو لنا اليوم إشكالية. وقد دفعه صدور نصوص خطيرة، نُشرت في المجلد السادس عشر، تذهب أبعد من تلك التي نشرها شنيبرغ، إلى الفحص الجدّي في أعمال هايدغر. وبعد التعمق في جوانب عديدة من نصوصه اعترف بأنه صُدم حينما اكتشف أن هتلريّته لم تكن وليدة محاضرات وخطابات سياسية ظرفية، بل تُمثل الخيط الواصل في العديد من دروسه. ليس فقط كعميد، بل أيضا كمُدرّس للفلسفة، نذر هايدغر نفسه جسدا وروحا، للترويج إلى إيديولوجيا النازية. إن دلالة هذا المبحث النقدي لا يُمكن أن تُفهم دون الوعي بالحالة الراهنة التي هي عليها أعماله. الانطلاق يجب أن يتم ليس من النصوص والترجمات المنشورة في فرنسا طوال الخمسين سنة الماضية فحسب، والتي في غالب الأحيان ـ يقول فاي ـ شهدت تحريفات عديدة، لكن من الأعمال الكاملة التي هي بصدد الإعداد. هنا بالذات يُكتَشف، خلف عناوين تبدو في ظاهرها فلسفية، من قبيل: “المسألة الأساسية للفلسفة”؛ “ماهية الحقيقة”؛ “المنطق”، أن هايدغر لقّن طلبته التعاليم نفسها للهتلرية، بتصوراتها العنصرية والشعوبية (völkisch)، وإعلائها من العنصر الألماني، وعبادة الزعيم الأوحد، والمناداة بتلبية صوت الدم والأرض. نازية هايدغر إذن ـ حسب فاي ـ ليست محدودة في خطابات ظرفية، بل هي مَرسومة في قلب تعاليمه من سنة 1933 إلى سنة 1944. الإحراج الأكبر، هو أن هايدغر، عوضا أن يتخذ له مسافة من دروسه تلك، أضمر خطّة لنشرها في إطار مشروع الأعمال الكاملة التي وصلت اليوم إلى الجزء العشرين.

أردتُ إذن ـ يقول فاي ـ أن أرى إلى أيّ مدى تكتسح هذه الصيغة النازية نصوصه، فاكتشفتُ، فضلا عن الأجزاء التي ظهرت أخيرا، أن عددا من تلك التي لم تُنشر بعد تُسلّط ضوءا ساطعا على المسألة. النص الذي شدّ انتباهه، نظرا لتماديه إلى حدود بعيدة هو نصّ درسٍ، هيتلريّ بأتمّ معنى الكلمة، بعنوان “حول ماهية ومفاهيم: طبيعة، تاريخ، ودولة” (Über Wesen und Begriff von Natur, Geschichte und Staat)، والذي تفَحّصه فاي ونشَرَه جزئيا في كتابه “هايدغر إدخال النازية في الفلسفة”(3).

الغاية التي يصبو إليها الكاتب من وراء هذا العمل هي تعريف الجمهور بهذه النصوص، كي يَعي في النهاية بضرورة إعادة قراءة نقدية شاملة لأعمال هايدغر وأسُسها.

المسألة التي وجّهت بحثه لم تكن تتمحور، في البداية، حول نازية هايدغر أو مدى تسرّب النازية في أعماله، بل حول تصوره للإنسان. ولكن حينما اقترب من الأسس التي بنى عليها تصوره الأنثربولوجي، اكتشف أن أعماله مطبوعة في العمق بالنازية، ومن ذلك الحين بدا له مستحيلا بتر الجانب الإيديولوجي من فلسفته. لقد طرح فاي السؤال التالي: هل بمقدورنا أن نأخذ أعمال هايدغر ونُصنّفها في زمرتين: إلى اليمين أعماله ذات المحتوى النازي البحت، وإلى اليسار أعماله الفلسفية الخالصة؟ الجواب هو بالنفي. والسبب في ذلك هو أن مَن أقدَمَ على عمل كهذا فسيجد أمامه اعتراض صاحب تلك الأعمال نفسه، أعني هايدغر، الذي تَصوَّر أعماله كوحدة غير قابلة للفصم. الكاتب يقول بأن هايدغر انتهز الفرصة لكي تَخرج أعماله الأكثر هتلريّة حينما يكون غير قادر على الإجابة عنها. وقد وضعها في قلب أعماله، دون تَحفّظ أو توبة، والأدهى من ذلك، حسب فاي، أن هذا المُركّب من النصوص، هو إرثه الذي سيترَكه للأجيال اللاحقة.

دراسته حول القومية الاشتراكية أقنعته بأنها ليست حزبا بالمعنى الكلاسيكي للكلمة، بل هي من صنف الحركة (Bewegung) أكثر منه إيديولوجيا ثابتة. طبعا هذه الحركة متشبثة بنواة من العناصر القارّة: الشوفينية العنصرية، معاداة السامية، الاقتناع بأفضلية الروح الألماني ولغته، إرادة امتلاك المجال الحيوي عن طريق الاستعمار، إبادة الشعوب المعتبرة دون مستوى الإنسان الآري. لكن هذه الثوابت قد تخضع من حين لآخر إلى تمويهات وتغطيات، أو يُدفَع بها هنا وهناك بحسب الظروف وعلاقات القوة. والدليل على ذلك أن هتلر مثلا كان يُشدّد في خطاباته الأولى على السلم في الوقت الذي كان لا يفكّر إلاّ في إعادة تسليح ألمانيا. هذه القُدرة التي تمتلكها الحركة على التأقلم في مُختلف الظروف، هي واقع يجب أخذه دائما بعين الاعتبار. هايدغر نفسه أثنى في درسه “مدخل إلى الميتافيزيقا” عن النازية من حيث هي حركة؛ في نهاية الأربعينات وفي رسالة بعث بها إلى يُونغر (Jünger) قال بأن الحركة تنتشر في السكون.

ولا يخلو من عدوى النازية حتى العمل النظريّ الأكثر شهرة في العالم، أعني “الوجود والزمان” كما بيّن الفيلسوف الإيطالي لوسوردو. لقد انطلق فاي في بحوثه عن هايدغر من فترة العشرينات، وبالتحديد من محاضرة ألقاها سنة 1925 بعنوان “الصراع الراهن من أجل نظرة تاريخية للعالم”. ومن خلالها تراءت له العلاقة الفكرية التي تربط هايدغر بكُتّاب عنصريّين ما قبل نَازِيّين مثل إيريك روتهاكر، ألفريد بويملر، أوسكار بكّر، وحتى المُنظّر العنصري لودفيغ كلاوس، الذي اعترف أمامه هايدغر قائلا: “ما أعتقده في قرارة نفسي سأبوح به عندما أصبح أستاذا مُحاضرا”.

في كتابه عن كانط لسنة 1929 ـ يواصل فاي ـ هايدغر أعاد طرح سؤال «ما الإنسان؟» لكن في دروسه الموالية تغيّر السؤال وأصبح «مَن نحن؟». فما كان من الجواب الذي قدّمه هايدغر إلاّ أن جاء على شكل قومي شوفينيّ: “نحن الشعب الوحيد الذي بقي عنده تاريخ وقدر عرقيّ”. وهذا الشعب يتصوّره هايدغر حقا حسب مقولات عنصرية أي، حسب المصطلحات التي استخدمتها النازية آنذاك، كـ”فصيلة (Stamm)” و”عرق (Rasse)”. المهمّة الراهنة، حسب هايدغر، هي إنجاز تحوّل شامل في كيان الإنسان الألماني وتأديبه طبقا للنظرة الجديدة للعالم التي يُلقنها هتلر عن طريق خطاباته.

ونظرا إلى أنّ “الوجود والزمان” يُركّز على مفهوم الشعب، والمصير الموحد، وأشياء أخرى مماثلة، يتساءل فاي: هل بإمكاننا التحدّث بجدّ عن منعرج سياسي عرضيّ لا يخدش قيمة “الوجود والزمان”؟ إذا كان الجواب بنعم، وهذا ما يراه أتباعه، فهو مرّة أخرى طريق مسدود لأنه يذهب ضدّ الإشارات الصريحة لهايدغر نفسه. ففي سنة 1934 يشرح لتلاميذه أنّ « الانشغال ـ المصطلح المركزي في الوجود والزمان ـ هو شرط الإمكان لكي يستطيع المرء أن يُصبح كائنا سياسيا». في نفس هذه الفترة ـ بعد سنة من استحواذ الحركة النازية على الحكم ـ أعرب هايدغر عن أنّ الشعب الألماني مُوحّدا تحت زعامة القائد هتلر، يجد نفسه في موقع قرار أعظم من ذاك الذي كان سببا في نشأة الفلسفة عند اليونان. وذلك القرار ـ يُوضّح هايدغر ـ « كان قد قيل في كتابي الوجود والزمان. فهو إيمان يجب إظهاره من خلال التاريخ، ويخص بالتحديد التاريخ الروحي لشعبنا». النتيجة التي استخلصها فاي هي أن القاعدة التي ارتكز عليها فكر هايدغر ليست قاعدة فلسفية بل هي الإيمان بالسّموّ الأنطولوجي لشعب وفصيلة عرقية معينة دون سواها، لأنّ كلمة “فولكيش في قاموس النازيين (völkisch)”، تعني شعبا نقيا يتوحّد فيه الدم والعرق.

لكن أكثر من ذلك، أنه لو تمعّنا في الفقرات من “الوجود والزمان” التي تناولت مفاهيم الموت، والتاريخانية، والتضحية، والأبطال، والقدر الأصيل للدازاين، لأدركنا أن إيمانه كان يعتمل منذ سنة 1927. ولِرَفع أي التباس فإنّ فاي يقول بأنه لا يريد الزعم بأن هايدغر أنتج فلسفة نازية، ما يريد التأكيد عليه هو أنه كمفكّر لم يَتوان عن استخدام عبارات فلسفية من قبيل “حقيقة الوجود”، أو “جوهر الإنسان”، لكي يُحمّلها أغراضا أخرى. مسألة الإنسان أصبحت عند هايدغر مسألة عِرقية، وبهذا المعنى يمكن ـ حسب فاي ـ التحدّث عن إرادة “إدخال النازية في الفلسفة”.

الدروس التي نُشرت مؤخرا ـ مثل درسه التطبيقي لسنة 33 ـ 34 المخصص لمفهوم الدولة ـ هي حقّا فضيحة. أمام جمع من الحاضرين، انتقاهم هو نفسه، مُرتَدِين زَيّ ميليشيا الـSA، هايدغر يلقي درسا تحت عنوان “تربية سياسية”، لغرض تكوين “نَبالة حاكمة” في خدمة الرايخ الثالث. لقد ركّز في هذه الدروس كل تعاليمه السابقة، ومزجها بقناعاته الإيمانية الجديدة فأنتج، كما يؤكد فاي درسا في السياسة الهتلرية: العلاقة بين الوجود والموجود يماهيها بالعلاقة بين الدولة والشعب، ويقول بأن الدولة بالنسبة لشعبها بمثابة الوجود بالنسبة للموجود. المهمّة الراهنة هي العمل على بث إيروس دولة الزعيم هتلر في نفوس الشعب. وهذه الأفكار توازي ما جاء في الكتاب الأكثر نازية للمنظر السياسي كارل شميت، أي كتاب “الدولة، الحركة، الشعب”، حيث عمل هو أيضا على اختزال السياسة في مجرد علاقة حيّة، عضوية، وعنصرية، تجمع الزعيم وتُوحّده بشعبه. مُماهاة هايدغر للوجود مع الدولة الشعوبية (völkisch)، مع دولة الزعيم (Führer) هي مماهاة تامة وكاملة. فعلا، في ختام درسه يقول: « الدولة هي الواقع الأكثر واقعية الذي يجب أن يُضفي معنى جديدا، معنى أصيلا، على كامل الوجود». من الصعب، يُعلّق فاي، العثور على مدح أكثر جذرية للهيمنة المطلقة للدكتاتورية الهتلرية على النفوس: الإيمان الذي يتخلل درسه يقود إلى تحقير كامل للكائن البشري؛ وإلى جعله خانعا، روحا وجسدا، لزعامة الديكتاتورية.

وفي درس آخر لسنة 1935 يكشف فاي أن هايدغر يتكهّن بأن الدولة النازية ستدوم لأكثر من مائة سنة. ومهمّته هو ـ حسب ما قرأه فاي ـ هي ضمان دوام الرايخ الثالث طوال هذه المدة الزمنية. في هذين الدرسين اللذين نشرهما فاي، هايدغر يشير صراحة إلى كارل شميت ومفهومه للسياسة. حسب رأيه، مقولة هذا الأخير بخصوص التمييز بين الصديق والعدوّ التي ينبغي أن تُسيّر عمل السياسي، ليست أصيلة بما فيه الكفاية. السياسة حسب زعمه (بما في ذلك بعض مثقفي الهتلرية) يجب أن تقوم على الفرض الذاتي (Selbstbehauptung) لشعب ما، أو لعرق من الأعراق. ومع ذلك فهو لا يرفض مقولة الصديق العدوّ، إنها مجرّد تدقيق على نفس النهج الديكتاتوريّ العنصريّ، والدليل على ذلك أن هايدغر هو الذي دعا كارل شميت للمساهمة في نازية كلية الحقوق بجامعة فرايبورغ.

لكن في هذه الحوصلة الذاتية لكتابه، الفقرة الأكثر حرجا هي تلك التي تناولت إشكالية الانتقاء العنصري في سنوات 1939 ـ 1942 وهمّشت مفهوم الميتافيزيقا. يقول فاي بأن بحوثه وتحليلاته لم تقف عند حدّ سنتي 33 ـ 35، رغم أنه اعتبر تلك الفترة ذروة النازية عند هايدغر. لقد قادته تنقيباته إلى حقيقة أنّ السنوات 39 ـ 42 كانت أتعس وأحلك. وكما رأينا في مقال الهايدغاري الإيطالي، فرانكو فولبي، الذي أعرب فيه عن استغرابه من لهجة هايدغر العنصرية، فإن فاي أيضا وعلى نفس الوتيرة، يقول بأن مواضيع مثل “الانتقاء العرقي”، و”فكرة العرق”، و”الفصيلة” تحوز على دور محوري وموجّه مثلما يتجلى ذلك من خلال دروسه عن نيتشه التي نشرت الآن كاملة، لا درسه الذي أخرجه في الستينات حيث عمل على فسخ كل العبارات والأفكار العنصرية. في نص لسنة 39 ـ 40 بعنوان كوينون (Koinon) وفي كتاباته عن يونغر التي ظهرت أخير، هايدغر وصل إلى حدّ القول بأن «الانتقاء العرقي هو ضرورة ميتافيزيقية» وأن « التفكير في العرق ينبع من تجربة الوجود كذات»، ولا يتوانى عن التحدث، في ذاك السياق، عن « الجوهر الألماني الذي لم يُطَهَّر بعد». هذه، يعتبرها فاي، شكلا من أشكال التشريع للعنصرية النازية.

لكي نفهم فكر هايدغر في تلك الفترة لا يجب الرجوع إلى نصه عن نيتشه الصادر سنة 1961 لأنه حوّره وحذف منه الكثير من الفقرات المربكة، لكن إلى دروسه المنشورة مؤخرا. « لقد اكتشفتُ ـ هكذا يعترف فاي ـ أن درس ماي ـ جوان 1940 عن “العدمية الأوروبية”، الذي ألقاه عند اجتياح الجيش الألماني لفرنسا، اختتمه بالثناء على “المَكْنَكَة” الكلية» ـ يعني على الفيرماخت (Wehrmacht)، وهذه القوّة تُمثل حسب زعمه «عملا ميتافيزيقيا، دون شك، يتجاوز من حيث العمق حذف الفلسفة من التعليم». أن تُحذف الفلسفة من التعليم، فهذا حدث ثانوي، بالنسبة لهايدغر، أمام عظمة ميتافيزيقا المَكنَكة التي أتاحت لِفيَالق الفيرماخت سَحق الجيش الفرنسي. إن استعمال كلمة “ميتافيزيقا” لوصف “القوة العاصفية” لجيش الرايخ الثالث، أو للتعبير عن سياسة التمييز العنصري، هو ليس بالفلسفي البتة، بل سياسي، حربي، وفي كلمة واحدة، نازيّ.

الاستراتيجيا التي انتهجها هايدغر، والتي حازت نجاحا كبيرا، خصوصا في أوساط أتباعه الفرنسيين، تمثلت في قلب خطابه عن العدمية والميتافيزيقا بعد هزيمة النازية، وبالتحديد بعد ستالينغراد. هذا الانقلاب ـ حسب ما رآه فاي ـ هو المنعرج الوحيد والأصيل الذي أقدَم عليه هايدغر، وهو منعرج استراتيجي فقط، أما الباقي فهو كله خرافات وتمويه.

وحول فكرة العرق ذات الخطورة الكبيرة، يعود فاي مستشهدا بنص درسه عن ميتافيزيقا نيتشه، حيث يقول هايدغر: « فقط هناك، حيث الذاتية اللامشروطة لإرادة القوة تصبح حقيقة الموجود في كليته، فإن مبدأ تأسيس انتقاء عرقي، لا بمعنى تشكيل عرق يتطوّر من ذاته، بل فكر العرق الذي يَعرف نفسه كذلك، يغدو ممكنا، يعني ميتافيزيقيا ضروري(4)». هذه الجملة الغامضة، يعمد فاي إلى إيضاحها كالتالي: بالنسبة لهايدغر كل الفلسفة الحديثة، من ديكارت إلى نيتشه، معتَبَرة من طرفه كـ”ميتافيزيقا الذاتية” تصل إلى ذروتها في الانتقاء العرقي، والذي تمّ إنجازه فعليا، بصفة جذرية، من طرف النازية. وبنفس النبرة، وفي الفترة ذاتها، هايدغر يكرّر نفس الفكرة في مقالته “كوينون (Koinon)” حيث يقدّم الانتقاء العرقي على أنه « نابع من تجربة الوجود كذاتية(5)». لكنّ فاي يعترض ضدّ هذا التسويغ التاريخي الأنطولوجي للعنصرية النازية، ويعتبره غير مقبول مَرّتين: الأولى لأنه يُلبّس كل الفلسفة الحديثة ابتداء من ديكارت، بينما لا شيء يجمع صاحب التأملات، بفكرة العنصرية النازية؛ الثانية لأنه يُضفي على الانتقاء العرقي مشروعية فكرية بالتزامن مع إبادة اليهود البولنديين في الأراضي التي اجتاحتها جيوش الرايخ الثالث.

ثم إن فاي يشير إلى أن الفقرة من درسه عن نيتشه التي اقتطفت منها الجملة المبرّرة لفكرة العرق، هي ذات نبرة تقريرية خالية من أي تملّص أو روح نقدية، ولذلك فإن هايدغر يُدعّم ولا يدين « هذه هي النقطة المركزية التي أدركها جيّدا كورت فلاش (K. Flasch)6».

لكن قد يعترض أتباع هايدغر بأن الفيلسوف كان مناهضا لإيديولوجيا الانتقاء البيولوجي التي تبنتها النازية، ومعارضته بيّنة ومذكورة في كتابه عن نيتشه حيث يقول صراحة: « كما أن إرادة القوة ليست مُتصوَّرة بعبارات بيولوجية، بل أنطولوجية، كذلك فإن فكر نيتشه عن العرق ليس له معنى بيولوجي، بل ميتافيزيقي(7)». اعتراض الخصوم هذا لا معنى له، لأننا نعلم أن الكتاب الذي نشره سنة 1961 خضع لمراجعة وبتر وإضافات. على كل حال هذه الجملة، التي يتشبّث بها أتباعه، غير موجودة في دروس 1941 عن نيتشه، والتي لم تُنشر إلاّ سنة 1986. والأدهى من ذلك أن هذه الجملة المضافة عن قصد، والتي حاول بها تبرير العنصرية ميتافيزيقيا، كان قد عرّج عليها دريدا في لمحة ولم تستوقفه طويلا. لقد اكتفى بالتساؤل التالي: « إن فكرة العرق تُأوّل حسب النمط الميتافيزيقي وليس البيولوجي. هكذا بقلبه معنى التحديد، هل يُخفف أم يُصعّد من خطورة فكرة العرق هذه؟ (Rassengedanke). ميتافيزيقا العرق، هل هي أشد خطرا من طبائعية أو بيولوجية العرق؟(8)». لكن عوضا عن المضي قدما فإن دريدا وضع حدا لتساؤلاته، وقال بأنها استراتيجيّا ملتبسة ويجب ترك المسألة معلقة. إلاّ أن فاي، على العكس من ذلك، يحاول تفسير هذه الإضافة البعدية ووضعها في إطارها الخاص: لكي يجعل هايدغر من أقواله حول الانتقاء العرقي مقبولة أراد الإيهام بأنه اتخذ له مسافة من العنصرية النازية، لكن حسب فاي، حتى من هذه الزاوية فهو لم يفلح، ولا يستطيع أن يقدّم لأتباعه أي أرضية صلبة لنزع تهمة التواطؤ عنه. فعلا، تحفظات هايدغر إزاء النزعة البيولوجية لا تعني إطلاقا موقف تَملّصٍ من إيديولوجيا القومية الاشتراكية. ما ينقده من خلال ما أسماه “البيولوجيا الليبرالية” ليس الانتقائية النازية، بل الداروينية الأنجلوسكسونية، وهي مرفوضة لأنها ثمرة فكر ليبرالي ينطلق من الفرد وليس من المجموعة. النتيجة هي أن هايدغر لا يدحض، على الإطلاق، “البيولوجيا الجديدة” التي تقوم على مفاهيم مثل “عالم محيط (Umwelt)”، “شكل (Gestalt)” أو “موقف (Haltung)”. ليست هذه المصطلحات في حد ذاتها هي موضع التساؤل، بل عملية تهميشها حينما تُدمَج في نظرة عرقية للإنسان. وهذه هي حالة مصطلح “عالم محيط” عند كتّاب مثل لودفيغ كلاوس (L. Clauß) وياكوب أوكسكول (J.Uexküll)؛ أو “شكل” عند إرنيست يونغر (E. Jünger)، أو “موقف” عند إيريك روتهاكر (E. Rothacker). يجب أن نعلم، على كل حال، أن أطياف الآراء المتعارضة أحيانا في صلب الحركة النازية لا تُختزل كلها في الموقف البيولوجي: هتلر نفسه في الخطاب الذي ألقاه بمدينة نورنبرغ سنة 1933 حدّد العرق من خلال الروح؛ هايدغر مثل الفيلسوف النازي آلفريد بويملر (A. Baeumler) يضيف الدم للفصيلة (Stamm) وللعرق (Rasse). وفي هذا الصدد فإن هايدغر يُثني على باوملر لتقديمه تأويلا غير بيولوجي لنيتشه، وقد جاء هذا خلال درس ينصح فيه الطلبة بالإطلاع على « التقديم الرّصين الذي قام به بويملر»، لنص نيتشه عن “إرادة القوة” وهو تقديم، في حقيقة الأمر، لا يتحدّث فيه بويملر إلاّ عن العرق. النتيجة التي استخلصها فاي هي أن مناقشة هايدغر لموضوع البيولوجيا العرقية لا يمثل، بأي حال من الأحوال، دحضا للنازية بل إنه، على العكس من ذلك، أضفاء شرف مكانة أنطولوجية على العنصرية الهتلرية، واعلاءً من شأنها إلى حدٍّ لا يمكن لأيّ نظرية علمية أن تنافسها أو تدحضها.

أمام هذا السيل من النصوص الدامغة، قد يعترف أتباع هايدغر، عن مضض بهذه الحقائق، لكنهم يردّون بأن هذه المواقف والآراء قد تجاوزها الزمن، فهايدغر بعد الحرب أو قبل نهايتها بقليل، تخلى عن هذه التصورات العنصرية ولم يعد لها مكان في مجال تفكيره. هيهات، مَن شبّ على شيء شاب عليه. فعلا، وكأن هايدغر محكوم بتصوراته تلك إلى حدّ أنها غدت له بمثابة السجن المؤبّد. والدليل على ذلك أن بعد الحرب فقط بأربع سنوات، وبالتحديد في محاضرة بريمن (Bremen) لسنة 1949 تحدّث فيها عن الاكتساح الشامل للعدمية تحت هيمنة التقنية، ثم صرّح جهارا بأن الحرب الأخيرة لم تُقرّر شيئا، وقال إن مكنكة الفلاحة هي ومعتقلات الإبادة نفس الشيء (das Selbe). إذن، مسؤولية الجرائم النازية هنا وقع تذويبها وحلّها في عولمة هلامية، حيث دمار السنين المظلمة لا يقع على كاهل الجنون الإجرامي الذي اقترفه رهط القيادات النازية، بل على الفلسفة الغربية الحديثة ككل، لأنها حسب زعمه مسؤولة عن فساد الأرض من طرف التقنية. هذه عودة، حسب فاي، إلى اللغة الضبابية الغير محددة، والمقرونة بدعوات انتظار “الإله الأخير”، مع صَهرِ العدمية بالتقنية الكونية.

الحصيلة التي لا يُمكن تفاديها، هي أن هايدغر بتصرفه على هذا النحو، لا يُظهر أبدا تألّقَ «مفكّر عظيم» بل، على العكس من ذلك، إرادة خطيرة جدّا لتدمير الحقيقة التاريخية والفلسفية. وليس من سبيل الصدفة أن هذه الإرادة تمّ تلقفها من طرف أحد تلاميذه الأوفياء، إرنيست نولته (Nolte)، للإجهاز على الحقائق التاريخية، وتكوين مدرسة لغرض تحقيق مراجعة تزييفيّة للتاريخ (révisionnisme)، أحد ممثليها الماهرين في فرنسا هو فرنسوا فيدييه.

الفلسفة غايتها الرفع بحالة وعي الإنسان، وليس العمل على تدميره. هايدغر، يقول فاي، عن طريق مبدأ الشعوبية (völkisch)، والعنصرية المصرّح بها علنا، يدمّر الإنسان في وجوده الذاتي. إنه ينسب إلى الفلسفة، زورا وبهتانا، مسؤولية المنعرجات التوتاليتارية في العصر الحديث: مبادئ التمييز العنصري التي بنى عليها هايدغر تعاليمه “الفلسفية”، مثل اتخاذ الآسيوي ـ الشرقي كنموذج العدو للغرب، ثم الدعوة للإبادة التامة (völlige Vernichtung) لهذا العدوّ، تجعلنا نشكّ في كونها فلسفة، لا بل هي محاولة لتدمير الفلسفة.

{{
3- جدالات فرنسية:}}

قبل أن أختم هذه الصفحات أودّ التعريج على مسألة غالبا ما استوقفت العديد من المتابعين للتحولات الفكرية التي طرأت على فرنسا في النصف الأخير من القرن الماضي، أعني بالتحديد تغلغل الهايدغرية في ثقافتها الفلسفية. السؤال هو لماذا فرنسا بالذات؟ لماذا هي البلد الوحيد الذي يتصارع فيه مثقفوها بشراسة حول فكر هايدغر، وفي بعض الأحيان بحقد لا مثيل له؟ ثم كيف تسنّى لمثقفيه انتشال هايدغر من النسيان وإعادة تأهيله مرة أخرى؟ لقد طُرحت هذه الأسئلة على فرونسوا فيدييه (Fédier) في لقاء جمعه بمثقفين آخرين ومن بينهم عمانويل فاي صاحب كتاب “هايدغر : إدخال النازية في الفلسفة”. فيدييه، انتهز هذه الفرصة لكي يردّد خطابه القومويّ اليميني (نزعته القومية تتضارب مع قومية هايدغر حيث أن هذا الأخير لم يُخف احتقاره للفرنسيين ولِلُغتهم، هذا ما أكده في حواره الصحفي الذي نُشر بعد مماته). قلت، فيديه طفق يتباهى بثقافته الفرنسية قائلا بأنه من الأهمية بمكان أن تكون فرنسا هي البلد الذي يدور فيه هذا النوع من النقاش ـ النزاع، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن فرنسا مازالت تنعم بحيوية فكرية راقية، ومازال مفكروها يهتمون بإشكاليات مصيرية وعميقة. وأهمية هذه الحيوية الفكرية تكمن في أنها تضع موضع تساؤل نظرة معينة لمفهوم الحقيقة والفلسفة والفكر عموما، وهذا مؤشر لحركيّة دائمة.

لكن، بعد أن أفرغ جعبته من هذه العموميات وأمام نصوص هايدغاريّة دامغة عرضها عليه فاي، نصوص تَقطر عنصرية وذلك منذ سنة 1916، قال فيديه بأنه من الممكن جدّا (très possible) أن هايدغر كتب حماقة (une stupidité). الاعتراض: هو أن الحماقات لم تبق محصورة في تلك الفترة بل تواصلت تباعا في مجمل نصوصه تقريبا. في “مدخل إلى الميتافيزيقا” مثلا يقول بأن « دولة ما، تتمثل في أن الشرطي يوقف مشبوها»، وشرطي هنا (Staatpolizei) يعني بها البوليس السري (Gestapo)، هذا الكلام قاله في سنة 1935. أهذه حماقة أخرى، أم ترجمة خاطئة؟ إذا استخدمنا سياسة الحماقة فلن نخلص إلى أي نتيجة جدية، ومن المحتمل أن يفقد النقاش أي هدف معرفي، ولن نجد أي مخرج آمن لأن السلسة ستتواصل إلى ما لانهاية، ولا ندري أين تبدأ وأين تنتهي الحماقات.

أمام هذه الاعتراضات، غيّر فيدييه استراتيجيّته الدفاعية وحوّر المصطلحات المستخدَمة، بحيث أن الحماقات تحوّلت هذه المرّة إلى خطأ في التقييم “erreur d’appréciation” والتي، على كل حال، تَفطّن لها هايدغر في الحين (بعد سنة كاملة من العمادة) وتملّص من التزامه السابق تماما. هذا غير صحيح لأنّه في سنة 1935 تحدّث عن فِرَق الموت الـ (SS) كنموذج لبناء المجتمع العضوي للرايخ، في الوقت الذي كان فيه أفراد من تلك الفرقة حاضرين في قاعة التدريس.

السياق التاريخي هنا هو الحلّ الثالث. فعلا، حسب زعم فيدييه، يجب أن نذهب ونرى ماذا كان يدور في تلك الفترة، وما هي التحركات الشعبية المساوقة، والظروف السياسية المتحكمة فيها، أي بعبارة أخرى أن نُموقع الخطابات في سياقها، كي ندرك معانيها الصحيحة.

أمر يدعو للشفقة حقا: هذا الرجل منذ أكثر من ثلاثين عاما وهو يَسِير ضد التيار، وكأنه يعيش في عالم آخر؛ النصوص والشهادات غير ملزمة ولا تأثير لها عليه، لأنه متشبث بموقعه الإيديولوجي ولم يتزحزح عنه قيد أنملة. وأراهن على أن القارئ لن يُصدم إن قرأ، أو سمع التبرير الرابع: « إن طبيعة علاقة هايدغر بالنظام النازي كانت طبيعة مُعارَضة فلسفية (opposition philosophique)». هذا رغم انضمامه العلني، ورغم أنه لم يكن مرة واحدة عدوّا صريحا للنظام النازي ولا كان في لائحة المقاومين للرايخ الثالث، ولا حتى لاذ بالصمت مثل زميله ياسبرس. ثم كيف نفسّر تلك النصوص الصريحة التي يدعو فيها إلى أن يكون العرق الألماني هو العرق المهيمن في العالم. أليست منبطحة على نصوص هتلر في “كفاحي” حيث يدعو لتحقيق الأغراض نفسها. مرة أخرى، راوغ فيدييه وقال بأنّ في هذا الخطاب هناك خليط من الكلام حيث أنّ كل معنى يحيل إلى آخر، ولذلك فإنّ تأويلات النقاد هي طريقة في القراءة تسمّى قراءة رديئة (lexio pessima). كل كتابات هايدغر التي ظهرت في عهد الحكم النازي يجب قراءتها بين السطور، حيث هناك، أي بين السطور الغير المرئية، يكمن جوهر تعاليمه وليس في السطور الظاهرة والمرئية.

الكتابة بين السطور هي التهافت بعينه، وإن أصبحت عادة دائبة فهي، من وجهة نظر أخلاقية، تحريض على النفاق لا غير. ليست هي بقانون عامّ يُسيّر عمل المثقف ولا ينبغي لها أن تحلّ محل الوضوح والصراحة. سياسة التقيّة هذه تخذل المثقفين المناضلين، هذا إن لم تتخلّ عنهم وتحط من نضالاتهم. إنها تفسخ ذاكرة العديد من المفكرين الصادقين مع ضميرهم والمتشبثين بمهمتهم التنويرية، أولئك الذين رفضوا الانصياع إلى الهتلرية أو، إذا انتقلنا إلى عالمنا الراهن، تَخذل مثقفي دول العالم العربي المعروفة أنظمته بقمعها وشراستها ضد التفكير النقدي الحرّ. لو أنهم اتبعوا سياسة الكتابة بين السطور، كما يدعي فيدييه، لما أنتجوا شيئا ذا معنى، ولما مكّنوا قراءهم من استيعاب أفكارهم واستثمارها لقراءة الواقع الراهن وفهم ديناميكيته. لكنهم كتبوا بشفافية وأعلنوا معارضتهم جهارا، أدانوا أعداء الديمقراطية وحقوق الإنسان، مُعَرّضين أنفسهم للاضطهاد والسجن دون أن يَبيعوا أرواحهم لشياطين الديكتاتورية.

{{الهوامش:}}

1- F. VOLPI، Heidegger. Filosofia e Scandalo، in La Repubblica، 3 dicembre 2002 ” Here is the great trouble: the only great thinker in our time is Heidegger”.

2- لقد حوصل فاي نتائج عمله في مقال تُرجم للإيطالية بعنوان: “الأسس النازية لأعمال هايدغر” والذي استقيتُ منه هذه الصفحات.
E. FAYE، I fondamenti nazisti dell’opera di Heidegger، in “Rivista di
filosofia”، vol. XCVII، n. 3 Dicembre 2006، pp. 439-56.

3- E. FAYE، Heidegger، l’introduction du nazisme dans la philosophie، Paris، Albin Michel، 2005، pp. 187- 246. « L’hitlérisme de Heidegger dans le séminaire Sur l’essence et les concepts de nature، d’histoire et d’Etat ».

4- M. HEIDEGGER، Nietzsches Metaphysik. Einleitung in die Philosophie، in Gesamtausgabe، vol. L، Frankfurt a. M.، Klostermann، 1990; Zur Bestimmung der Philosophie، in Gesamtausgabe، vol. LVI/LVII، Frankfurt a. M.، Klostermann، 1987.

5- M. HEIDEGGER، Koinon. Zu Gang، in Gesamtausgabe، vol. LXIX، Frankfurt a. M.، Klostermann، 1998.

6- E. FAYE، I fondamenti nazisti dell’opera di Heidegger، art.، cit، p. 450
الكاتب كورت فلاش الذي استشهد به فاي هو صاحب مقال نشره في “سود دويتش تزايتونغ” بعنوان: [هايدغر] كان فيلسوفا قوميا اشتراكيا. حيث أكد قائلا: « في النص الهايدغاري لدروسه عن نيتشه في شتاء 1941 ـ 42 نقرأ أن الانتقاء العرقي هو “ضروري ميتافيزيقيا”. يمكننا أن نتناقش حول معنى “ميتافيزيقيا ضروري” عند هايدغر. لكن من الأكيد أنها عبارة لا تحمل نبرة نقد للاشتراكية القومية».
K. FLASCH، Er war ein nationalsozialistischer Philosoph. Mit Emmanuel Fayes Buch gibt es eine neue، notwendige Debatte über den braunen Faden in Martin Heideggers Denken، „Süddeutsche Zeitung“، 14 Juni 2005، p. 16. cit، in E. FAYE، art. cit، p. 450.

7- M. HEIDEGGER، Nietzsche، cit، p. 309.

8- J. DERRIDA، Heidegger et la question، Paris، Flammarion 1990، p. 93 « De la même manière، la pensée de la race (Rassengedanke) s’interprète sur le mode métaphysique et non biologique. En inversant ainsi le sens de la détermination، Heidegger allège-t-il ou aggrave-t-il cette pensée de la race ? Une métaphysique de la race، est-ce plus grave ou moins qu’un naturalisme ou un biologisme de la race ? De cette stratégie encore équivoque، laissons la question aussi suspendue ».

[في نقد فلسفة هايدغر (4/1)->http://www.alawan.org/%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9.html]

[في نقد فلسفة هايدغر (4/2)->http://www.alawan.org/%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9,6451.html]

[
في نقد فلسفة هايدغر (4/3)->http://www.alawan.org/%D9%81%D9%8A-%D9%86%D9%82%D8%AF-%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9,6519.html]

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This