قراءة في كتاب فلسفة نيوتن الطبيعية-الزمان والمكان

  نسعى من خلال هذه المحاولة إلى تقديم قراءة في كتاب  الأستاذ عبد النبي مخوخ "فلسفة نيوتن الطبيعية – الزمان والمكان"، والذي جاء في خمسة فصول: في الفصل الأوّل تناول  إشكالية الهوية الإبستمولوجية لفلسفة نيوتن الطبيعية، وتناول في الفصل الثاني مفهومي الزمان والمكان المطلقين. بينما خصص الفصل الثالث للزمان والمكان والمادة في فلسفة نيوتن الطبيعية. أما الفصل الرابع فجعله للنظر في الزمان والمكان والحركة في فلسفة نيوتن الطبيعية، وفي الفصل الخامس والأخير تناول البعد اللاهوتي للزمان والمكان المطلقين.

يندرج مضمون هذا الكتاب، حسب ما نرى، في إطار الأعمال الهادفة إلى نشر الثقافة العلمية  والفلسفية، المؤسِّسة للعصر الحديث، داخل فضائنا العربيّ الإسلاميّ، على اعتبار أنّه العصر الذي تبلورت فيه ثورة فكرية عميقة على أكثر من مستوى، جعلت الإنسانية تتخطّى علما قديما وتؤسّس لعلم جديد، أو حسب تعبير ألكسندر كويري A. Koyréتنتقل من عالم مغلق إلى الكون اللانهائي(1). إيمانا من صاحب الكتاب أنه لا يمكن الحديث عن تحديث العقل العربي دون استيعاب اللحظات الكبرى -العلمية والفلسفية- المؤسّسة للعصر الحديث باعتباره العصر الذي عرف فيه الإنسان ثورة حقيقية لامست جوانب عديدة من حياته، حيث غيّرت نظرته لنفسه وللعلم وللحقيقة وللتاريخ.

 وليس يخفى الدور الذي لعبه نيوتن في تشكّل هذه الثورة، سواء على المستوى العلميّ أو على المستوى الفلسفيّ. كما لا يخفى  الدور الكبير الذي كان لمفهومي الزمان والمكان في تشكل  نسيج التآليف النيتونية، سواء العلمية أو الفلسفية أو حتى اللاهوتية.  ورغم هذه القيمة الكبرى التي يحتلّها نيوتن في تاريخ العلم والفلسفة الحديثين فقد سجّل  الأستاذ مخوخ، وبنوع من التأسّف،  أنّ الدارسين العرب لم يولوا الفكر النيوتني الاهتمام اللازم، وأنّ هناك نقصا مهولا تعاني منه المكتبات العربية في ما يتعلّق بهذا النوع الرصين من الإنتاجات الفكرية.

من هنا كان حرص الأستاذ مخوخ على المساهمة في سدّ هذه الثغرة، وتزويد قرّاء اللغة العربية بهذا العمل الجدّيّ  الذي كرّسه للنظر في مفهومي الزمان والمكان عند نيوتن والوقوف على تجلّياتهما في فلسفته الطبيعية، وفي علاقتهما بمفاهيم أخرى أساسية كمفهوم المطلق والخلاء  والمادة والكتلة والحركة والقوّة.  وقام كذلك بتسليط  الضوء على المناخ العلميّ والفلسفيّ  للقرن السابع عشر، وتتبّع  النقاشات التي دارت حول هذه المفاهيم المذكورة  مع كل من رونيه ديكارت R. Descartes و بييرغاسندي P. Gassendiوهنري مورH. More وأستاذ نيوتن إسحق باروI. Barrow.
بداية حاول الأستاذ مخوخ  في هذا العمل تحديد الإطار الإبستمولوجي لفلسفة نيوتن الطبيعية، فتساءل عن العوامل التي أدّت إلى ظهور هذه الفلسفة، وبحث في المنهج الذي استعمله نيوتن، متسائلا، هل كان الرجل تجربانيا استقرائيا أم عقلانيا استنباطيا، ليستنتج أن نيوتن وإن اعتمد المنهج  الاستقرائي فإنّه لم يهمل المنهج الاستنباطي. كما نظر في هوية الفلسفة النيوتونية : هل هي جزء من التيار العقلاني أم تنتمي إلى الفلسفة التجربانية التي هيمنت على مناخ الفكر الإنجليزي آنذاك؟. وفي هذا الصدد نجد أنّ الأستاذ مخوخ قد قام بنوع من النقد المزدوج حيال القراءات التي اعتمدت لتقويم فلسفة نيوتن الطبيعية، أي الوضعانية والعقلانية، طبعا  باستناده إلى مجموعة من الدراسات الإبستمولوجية المعاصرة الجادّة وغير المؤدلجة، فبيّن المؤلف قصور القراءتين التقليديتين المذكورتين معا بحجة أن كلا منهما  ظلت أحادية الجانب. فبالنسبة للقراءة الوضعانية لاحظ الأستاذ مخوخ أنّ روّاد المذهب الوضعاني بدءا من أوغست كونت وحتى  إرنست ماخ أرجعوا  أصول الفكر الوضعاني إلى  فلسفة نيوتن، مما جعل كثيرا من الدارسين اللاحقين يعملون بكدّ على إظهار أنّ  فلسفة نيوتن فلسفة تجربانية معادية للميتافيزيقا وللفلسفة النظرية،  وهذا كان مجرّد تأويل فيه كثير من التعسّف وضّح صاحب الكتاب، بالاستناد إلى نصوص نيوتن، أنه عارٍ من الصحة.

أما عن القراءة العقلانية التي عملت جاهدة على تقويض فكرة تجربانية الفلسفة النيوتونية، والإدعاء أن نيوتن فشل في تأسيس ميكانيكا عقلية على التجربة والحساب، فقد نعتها صاحب الكتاب بأنها ظلت قراءة سجالية وفقيرة نظريا، متبنّيا في الأخير الطرح "الباشلاري"  الذي يعتقد فيه بأن ميكانيكا نيوتن تجمع بين ما هو عقلاني وما هو تجرباني، حيث يقول الأستاذ مخوخ بنوع من الحسم : "إننا لا نتردّد في القول إنّ فلسفة نيوتن الطبيعية هي فلسفة تجربانية، لكنها أيضا فلسفة عقلانية، بل إنها تقدّم النموذج الأمثل لخصوبة التكامل بين المقاربتين التجربانية والعقلانية"(2).

بعد هذا التحديد عمل المؤلف على النظر في خصائص مفهومي الزمان والمكان  المطلقين  عند نيوتن، بعد أن قام باستعراض المواقف التي تبنّاها كل من ديكارت  ومور وغاسندي، وعيا من الكاتب بأن التصور النيوتوني للزمان والمكان جاء على خلفية رفض ما قام به ديكارت من تحديد  لكثير من المفاهيم، ومستثمرا الإنتاجات الفكرية لكل من غاسندي ومور للقيام بتلك المهمة، حيث يقول الأستاذ مخوخ : "وبما أن التعريف الديكارتي للمادة شكل أحد الأركان الأساسية للفلسفة الديكارتية، وبما أن جهود نيوتن الأساسية انصبت عل تقويض أسس هذه الفلسفة كمدخل ضروري لإثبات مشروعية الفلسفة الطبيعية الجديدة، فقد كرس قسطا وافرا من مجهوداته العلمية لدحض المعادلة الديكارتية بين المادة والامتداد والمكان. ولهذا اتبع نفس الطريقة التي نهجها كل من غاسندي ومور، بل واستثمر أفكارهما، لكنه تجاوزهما في نفس الوقت" (3).

لن نخوض في كل التفاصيل الواردة في هذا الكتاب والمتعلقة بالزوابع الفكرية المثارة آنذاك، حول مفهومي الزمان والمكان وما يرتبط بهما من مفاهيم كان لها الأثر البالغ في تطور النقاش العلمي والفلسفي واللاهوتي وقتئذ، بل سنحاول تسليط الضوء على جانب يبدو في اعتقادنا ذا أهمية بالغة، ونقصد المقاربة المنهجية التي تعامل بها صاحب الكتاب مع فلسفة نيوتن ومع المناخ الفكري الذي أنتجها.

 لا شك أن الأستاذ مخوخ، بفضل اطلاعه على أحدث الأبحاث في تاريخ العلوم والإبستمولوجيا، كان حريصا على تجاوز القراءات الكلاسيكية التي دأبت على تقديم الفلسفة والعلم الحديثين  على أنهما شيئان جديدان وخاليان من كل التأثيرات القديمة وغير العلمية. طبعا راجت هذه القراءات تحت تأثير الشروحات والتأويلات الأيديولوجية اللاحقة، ومع تألق نجم الفلسفة الوضعانية التي  عملت على احتواء العلم لصالحها ونبذ ما عداه، لكن الدارس الحذر، الذي يتعامل مباشرة مع النصوص المؤسسة للفكر الحديث، يدرك بكل جلاء أن القطيعة الفكرية المزعومة  بين العصر الحديث وما قبله لم تكن بتلك الصورة التي شكل معالمها كثير من الفلاسفة المؤوّلين، والدليل هو أنّ كثيرا من روّاد الفلسفة والعلم الحديثين، مارسوا أعمالهم العلمية والفلسفية دون أن يتخلّوا عن نشاطاتهم غير العلمية، كالتنجيم والخيمياء واللاهوت. لقد كان الأستاذ مخوخ محتاطا من الوقوع  في الفخاخ الإيديولوجية التي شابت الكثير من الأبحاث في تاريخ العلوم والإبستمولوجيا، فأراد أن تكون دراسته عن نيوتن" دراسة موضوعية لا ذاتية، متحرّرة، قدر الإمكان، من الأحكام المسبقة". وهكذا نجده بعد أن قام بإبراز الوجه العلمي لنيوتن، عمل على كشف الوجه الآخر لنيوتن، حيث يقول: " لم يكن نيوتن عالما فحسب، ولكنه كان لاهوتيا كبيرا؛ لا يقلّ دهاء لاهوتيا عن اللاهوتيين المعاصرين له. وعلاوة على ذلك يتداخل علم نيوتن مع لاهوته إلى درجة أن تعقل الكثير من مواقفه العلمية يفرض استحضار قناعته اللاهوتية والعكس صحيح"(4) . هنا يستحضر الأستاذ مخوخ قضية أساسية في تاريخ العلوم والتي غالبا ما تم تغييبها لاعتبارات شتى، ونقصد علاقة المعرفة العلمية بالاعتقادات. فباستقصاء كل الكتابات النيوتونية المتاحة، تبين أنه ليس هناك فاصل بين المعرفة والاعتقاد عند نيوتن، وهو أمر طبيعي، مادامت البنية  العقلية للإنسان تتشكل من وحدة معقدة، يكون فيها تداخل مستمر بين مكونات النشاط  المفاهيمي وبين أنماط الاعتقاد. وهكذا بيّن الأستاذ مخوخ أن كثيرا من النقاشات والسجالات التي دارت بين رجال الفكر آنذاك خصوصا بين نيوتن وليبنتز وكلارك، لم تكن علمية وفلسفية فقط، بل إن الكثير منها كان لاهوتيا يدخل تحت طائلة جليل الكلام، مثل التساؤل  حول طبيعة  الجوهر الإلهي  وعلاقة الله بالعالم وهل هو مفارق أم  محايث؟ بل وكما وضح الأستاذ مخوخ بقوله  لم يبق النقاش"منحصرا على طبيعة الذات الإلهية، أي هل هو كائن لا مادي ممتد ومحايث للعالم، أم أنه عقل مفارق للعالم  ومتعال عنه؟ بل امتد ليشمل خصائصه الأساسية وطرق فعله : ماهي الخاصية الإلهية؟ هل هي القدرة أم الحكمة؟ وإذا كان الله يرعى العالم على الدوام، فما هي طرق تدخله فيه؟"(5)
والجدير بالإشارة أن هذه  النقاشات والسجالات اللاهوتية لم تكن خارج المقاصد العلمية، بل إنها قد أثيرت في علاقتها بالعلم. من هنا نستشفّ أن النقاشات العلمية في العصر الحديث كانت ملزمة بتناول ما يقع على هامش العلم، والانخراط فيه، إما لقناعات ذاتية أو ربما استجابة لتدخل جهات سياسية ولاهوتية. ولقد رصد عبد النبي مخوخ هذه المسألة حين سجل ارتباك ديكارت في تحديد طبيعة العالم : هل هو نهائي أم لا نهائي؟ فجاء بموقف غامض قال فيه إنه لا محدد Indéfini وغالب الظن أن التقية هي التي دفعت ديكارت إلى إبداع هذا المفهوم الذي لم يكن يعني سوى اللانهائي، لكن وكما أشار الأستاذ مخوخ فإن الأمر يتعلق بصيغة ملتوية للتعبير عن اللانهائي، حيث يقول: "ويبدو لنا…. أن ديكارت كان مقتنعا بخطورة القول باللانهائي على المستوى اللاهوتي، لكنه كان متشككا في رد الفعل الممكن للكنيسة. وهذا ما يفسر لنا التردّد الذي لازمه منذ بداية حياته العلمية." (6)

وختاما يمكننا القول إن الأستاذ مخوخ رام في هذا العمل تقديم صورة حقيقية عن فلسفة نيوتن الطبيعية، وقد نجح في ذلك إلى حدّ بعيد، بتجاوزه لكل القراءات الاختزالية التي انزاحت، إما للجزم بأن نيوتن كان استقرائيا تجربانيا خالصا أو سارت في اتجاه القول بأنه كان استنباطيا عقلانيا صرفا. حاسما الأمر بالقول إن فلسفة الرجل كانت في عمقها تركيبية ذات نزعة تجربانية وعقلانية  في الآن نفسه معتمدة المنهجين الاستقرائي والاستنباطي معا. كما أنه بتطرقه للجانب اللاهوتي في فكر نيوتن يكون قد عمل على دحض التصور الوضعاني الذي يدعي بأن "العلم النيوتني هو علم نقيّ مطلقا، خال من أي حمولة ميتافيزيقية"(7)  كما قام برصد الهنات والنواقص المنهجية التي طبعت القراءات الوضعانية التي أوقعتها في الاختزالية.

 الهوامش:
1- A. Koyré, du monde clos à l’univers infini.
2- مخوخ عبد النبي، فلسفة نيوتن الطبيعية، الزمان والمكان، مفاتيح العلوم، 2010، ص.47.
3- ن، م، ص. 133.
4- ن، م، ص. 227.
5- ن، م، ص. 245.
6- ن، م، ص. 88.
7- ن، م، ص. 261.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This