قرار المحكمة الإداريّة بخصوص “العائدين إلى المسيحيّة” خطوة إلى الأمام أم تداخل بين الشريعة والقانون المدنيّ؟

ألزمت المحكمة الإدارية العليا يوم 9/2/ 2008، وزارة الداخلية ومصلحة الأحوال المدنية بمصر بإثبات الديانة المسيحية بالبطاقة الشخصية للمسيحيين، الذين أسلموا ثم عادوا للمسيحية مرة أخرى، كما ألزمت المحكمة الوزارة بأن تشير في البطاقة إلي أنه سبق اعتناق المسيحي الإسلام، وذلك في الطعون التي أقامها ١٢ شخصا، عرفوا بـ«العائدون للمسيحية» علي الحكم بتأييد قرار الداخلية رفض استخراج بطاقة شخصية تحمل الديانة المسيحية للمسيحي الذي عاد للمسيحية مرة أخرى.
 
والغريب أن المحكمة أكدت في حيثيّات حكمها أن “مقتضيات الدولة الحديثة” تستوجب أن يكون لكل مواطن وثيقة تثبت حالته المدنية بما فيها بيان الديانة، وذلك لما يترتب عليه من مركز قانوني للشخص لا يشاركه فيه غيره، وبالتالي فيتعين علي جهة الإدارة أن تثبت بيانات المواطن علي نحو واقعي في تاريخ إثباتها، ومنها بيان الديانة، حتى تتحدد علي ضوئها حقوقه وواجباته المدنية والشخصية ومركزه القانوني… (ماذا يعني مركزه القانونيّ إن كان الأمر متعلقا بالدّيانة؟)

وأضافت المحكمة أن الإشارة إلي الديانة السابقة التي سبق للمواطن اعتناقها في البطاقة الشخصية، تعد من الأمور المهمة في التعبير عن معتقدات الشخص وواقع حاله، وأن الامتناع عن قيد ذلك بالبطاقة الشخصية يتصادم مع النظام العام، حيث يتعامل الشخص في المجتمع علي خلاف الدين، الذي يعتنقه ويحرص علي أداء شعائره، مما قد يؤدي إلي تعقيدات اجتماعية ومحظورات شرعية مقطوع بها، كحالة زواج الشخص الذي يرتد عن الإسلام من مسلمة.

وأوضحت المحكمة أن إثبات الحالة الواقعية لديانة الشخص لا يعتبر إقرارا له علي ردته، لأن المرتد لا يقر علي ردته طبقا لمبادئ الشريعة الإسلامية… (هل المحكمة الإداريّة محكمة إسلامية؟ وما معنى “لا يقرّ على ردّته” وهي تعترف بعودة هؤلاء المسيحيّين إلى المسيحيّة؟)

وبمجرد النطق بالحكم تعالت هتافات دفاعهم «يحيا العدل»، وأن اليوم هو أعظم أيام القضاء المصري في التاريخ، واحتضن الطاعنون بعضهم البعض مرددين عبارات «هذا هو القضاء المصري» و«الحق عاد لأصحابه».

وقال نجيب جبرائيل المحامي: اليوم زال الحزن عن المصريين خاصة الأقباط، وقال إن قضاء مصر سيظل شامخا وعظيما، والتفت كاميرات وسائل الإعلام حول جبرائيل وممدوح رمزي محاميي الطاعنين بعدما قال لهم جبرائيل: «سجلوا هذه اللحظة التاريخية».

وأشار عدد من ممثلي منظمات حقوق الإنسان الذين حضروا الجلسة إلى أن الحكم يعد خطوة تاريخية في ترسيخ مبدأ المواطنة الذي أكده الدستور المصري.

وترجع هذه الطعون، التي عرفت بطعون «العائدين للمسيحية» إلي منتصف عام 2006 عندما رفضت محكمة القضاء الإداري ما يقرب من 120 طعنا علي قرار وزارة الداخلية رفض استخراج بطاقات شخصية للمسيحي الذي أسلم، وقام بتغيير اسمه وديانته بالبطاقة الشخصية، ثم عاد للمسيحية مرة أخري، وقالت في أسبابها إن الطاعنين يتلاعبون بالأديان، وأنهم اعتنقوا الإسلام لأسباب لا علاقة لها بالعقيدة، فبعضهم كان بسبب الزواج أو الهروب من الأحكام، لذلك طعنوا أمام الإدارية العليا التي تداولتها علي مدار 10 جلسات وحجزتها للحكم مرة، ثم مدت أجل النطق به لجلسة أمس لاستمرار المداولات فيها.

علي جانب آخر، لا يزال أكثر 300 طعنا آخر معروضا على القضاء الإداري في هذا الشأن لم يتحدد لها جلسة للنطق بالحكم، إلا أن المحكمة بنفس هيئتها كانت قد أصدرت حكما بإلزام الداخلية باستخراج بطاقة شخصية لفتاة مسيحية أشهر والدها إسلامه دون علم أسرته، وتم إثباتها في شهادة الميلاد أنها مسلمة، رغم أنها لم تعتنق الإسلام.

أمّا القيادات المسيحية بالكنائس المصرية فقد تحفّظت علي الحكم، وأوضح الأنبا مرقس رئيس لجنة الإعلام بالكنيسة الأرثوذكسية، أنهم ككنيسة تحترم القضاء المصري كل الاحترام، وتثق في عدالته المطلقة، ولكنهم لا يوافقون علي الحكم.

وأشار إلي أنه من غير المعقول أن يكتب لكل شخص في بطاقته تاريخ حياته، وكان من الأولى أن يكتب: كان مسيحياً، وأشهر إسلامه، ثم عاد إلي ديانته الأصلية المسيحية، مضيفاً أن الكنيسة لا تعنيها البطاقة في شيء، وأن أهميتها ترجع للدولة وليس لنا، وأن الحكم أنهي جزءاً من الأزمة، لكنه فتح باباً جديداً للمشاكل، خاصة في حالة تعامل حاملي هذه البطاقات مع بعض المتشددين الذين سيرون فيهم مرتدين عن الإسلام.

من جانبه، أوضح الأنبا دانيال النائب البابوي وأسقف المعادي، أن الحكم جديد من نوعه، ولا نعرف إن كان قانونياً أم لا، وسنقوم بدراسته لمعرفة مدي دستوريّته.

وأكد الدكتور القس إكرام لمعي، مسؤول الإعلام والنشر بالكنيسة الإنجيلية أن كتابة «مسيحي سبق أن أشهر إسلامه سابقاً»، هو بمثابة استعداء للأغلبية المسلمة عليه، لأن المكتوب في خانة الديانة هو بديل لكلمة «مرتد عن الإسلام» وهي مشكلة كبيرة، ستتضح معالمها في المستقبل القريب.

في المقابل، رحب رمسيس النجار، محامي الكنيسة والمسؤول عن قضايا العائدين للمسيحية بالحكم، مشيراً إلي أن الإدارية العليا، كانت المرحلة الأخيرة للتقاضي، وأنها ترسي مبادئ قانونية يحتذى بها بعد ذلك، وأن الحكم به نسبة كبيرة من الإصلاح ورفع الظلم عن العائدين للمسيحية.

ونفي أن يكون الحكم تأكيداً علي أن العائد مرتد، موضحاً أن الإسلام اليوم مليار  و200 مليونا، وليس في حاجة إلي مثل هؤلاء الأشخاص.
 
 
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This