قطر المحطة قطر البلد

لا مناص من الحديث عن جزيرة قطر البلد ومحطّتها الفضائية في ضوء الأحداث الجسام التي حرّكت المياه الراكدة في المنطقة العربية. والاضطراب الذي بعث الحياة في أوصال شعوبها.

وإذا استعرنا من التصوف الاجتماعي العبارة دون الإشارة نقول “الحياة اضطراب فإن حصل سكون فلا حياة”، والحديث عن الجزيرة و”جزيرتها” حديث ذو شجون، إن لم يكن قد أصبح رديفاً لقهوة الصباح أو شاي “الغلابة”. فما تنقله “الجزيرة” من مجريات الأحداث وتطوّر مسير الانتفاضات الشعبية قد يذكّر البعض بحديث من أحاديث الساعة، عن الفتن وسوادها الذي يشبه قطع الليل المظلم، وعظائم الأمور التي تجعل الحليم فيها حيران، وقد يحيل آخرين إلى حالة من الاستلاب الكامل أمام التحليلات السياسية التي تتيح الجزيرة المحطة لها مساحة كبيرة على حساب نقيضها وتتبنّى وجهة نظر بتسليط الضوء عليها وتهميش أو إغفال وجهة نظر أخرى إغفالا تامّا. ولكي لا يتحوّل الحديث عن مصائب يومنا ومصاعبه إلى رجم بالغيب وحديث قدريّ عن نهاية العالم كما يحلو للبعض من اليائسين أن يخوض، و”اليأس إحدى الراحتين” كما قال اجدادنا، ندع برد الراحة جانباً ونعود إلى حرارة الأحداث التي نعيش، وإلى صميم المعضلات التي نعاني، أي إلى حديث الساعة عن سوريا، بين إصلاحات حكومتها ومؤتمرات معارضتها، (أتذكر هنا مؤتمر بيروت للمعارضة العراقية عام 1991 وأيام الانتفاضة الشعبية التي تبعتها ثلاث عشرة سنة من الحصار الأميركي والغربي للشعب العراقي أي للمنتفضين بحجّة معاقبة النظام العراقي على غزو الكويت)، وعن البحرين وخصوصيتها الطائفية، التي كانت سبباً في إهمال وتهميش “الجزيرة” لانتفاضتها الشعبية.

وعن اليمن وشعبه المسلح الذي لم يعد يعرف السعادة وهو يًدفع بأيادي داخلية وخارجية للاقتتال الداخلي بعد ان أذهل العالم وهو يخوض غمار انتفاضة سلمية لشهور طويلة. ثم ليبيا التي دخلت مخاض العرقنة أعني مسار التدمير لا الفتنة، ليبيا التي دخلت مرحلة الدمار الشامل لكي تتوجه من بعدها نحو إعادة الإعمار، فالدمار والإعمار يحتاجان لأموال النفط الليبي. والشركات متعددة الجنسيات للدول المشاركة في “حماية المدنيين الليبيين” في انتظار إزاحة الغمة وتنحي القذافي وهي غير مستعجلة لأنها ليست جمعيات خيرية تسعى لتضميد الجراح ورعاية الأيتام، وكلما كان الخراب شاملا سواء حصل على يد القذافي وكتائبه، أو على يد الناتو وقذائفه الذكية، كانت الأرباح أوفر وتوزعت الحصص على عدد أكبر من أصحاب المصالح العابرة للقارات، وسوّى الفرقاء خلافاتهم على حساب حقّ المدنيين بثروات بلادهم.

وقبل أن نتحدث عن راية نشر الديمقراطية والسعي لإزاحة الأنظمة الشمولية “غير الملكية بالطبع”، التي حملتها “الجزيرة” بتسليطها الأضواء على الانتفاضات الشعبية في الدول العربية آنفة الذكر نتوقّف أمام قطر البلد صاحبة القناة الفضائية أو التي تحتضن مقرها الرئيسي، فإمارة قطر يحكمها أمير خلع والده. ومن شابه أباه ما ظلم، فقد خلع الأخير أخاه وأزاح غريمه عن سدة الحكم.

وكان اعتراف الدول الكبرى بالأمير الجديد جاهزا مع الإعلان عن الانقلاب الأبيض. هذا ما يعرفه القاصي والداني لأنه بالأمس القريب ولم يصبح طي النسيان ولم يجر في الغرف السرية ومطابخ السياسة الخلفية. يطمح الأمير بدور جديد له ولبلده الصغيرعلى الساحة الإقليمية والدولية، وهذا أمر مشروع ومن حق أي فرد أو كيان أن يحلم به ويسعى لتحقيقه، والماكنة الاعلامبة في هذه الحالة ضرورة لا غنى عنها لتسليط الضوء على النشاطات والفعاليات التي يقوم بها على الصعيد الاقليمي والدولي. وكل ما من شأنه أن يجعل قطر البلد محط أنظار المتابعين والمهتمين بالسياسة وهمومها بل الرياضة وشؤونها.

لكن من حقي أن اسجل هنا تحفظي على انسان يزيح والده عن الحكم ويفرض اقامة جبرية على إخوته، لا يمكن أن أصدّق إنه قد يتحول نصيراً للشعوب في مطالبها بالحرية والديمقراطية والكرامة والرغيف. كما إني لن أصدّق إن الجزيرة المحطة مستقلة تماماً يحيث أنها ستغطي انتفاضة شعبية قد تحصل في قطر البلد حتى لو كانت لتحقيق مطالب الاخوة من الشغيلة الهنود والسيريلانكيين  تدعو لتحسين الأجور والرحمة والإنسانية في التعامل. بل أظن أن هناك من سيضع الأساس لقناة فضائية جديدة تتبنى دوراً جديداً كما حصل مع محطة مونتي كارلو التي أُغفلت لصالح إذاعة الشرق التي فرضتها الظروف أثناء غزو الكويت وما تلاها.

تحولت قطر البلد إلى قاعة للمؤتمرات وساحة للمفاوضات بين المتنازعين من سودانيين وفلسطينيين ولبنانيين، وممراً آمناً لحماس وقياداتها لتجسد دور الراعي للفلسطينيين وتقرب وجهات النظر بين الفرقاء على طريق المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس، وفي الوقت نفسه تمدّ يد العلاقات والمصالح ومكاتب التنسيق والغاز مع اسرائيل. وهذا شأن قطري داخلي، فلا يحق لأحد أن يملي على قطر البلد سياستها ولكن من المشروع أن تًسأل قطر المحطة القريبة من قاعدة السيلية ويُسأل منظّروها عن سياسات قطر البلد، هؤلاء المنظَرون من القوميين والإسلاميين والمقاومين الذين يدعون لمقاومة المحتل الأميركي وحلفائه في العراق وافغانستان والمحتل الإسرائيلي في فلسطين ويباركون للناتو عملياته العسكرية في ليبيا كما فعل شيخ الجزيرة الأكبر يوسف القرضاوي برسالته إلى الشعب الليبي والتي أكد فيها إن غزوة الناتو ليست حملة صليبية. وهو من أوائل الداعين لنصرة المقاومة في العراق، ينكر الشيخ القرضاوي التدخل الخارجي ويدّعي أنه يحارب الغرب ومشروعه الصليبي في العراق ويباركه في ليبيا. فما حدى مما بدى؟ أنكرتهم في العراق وعرفتهم في ليبيا؟

قبل الانتفاضات العربية كانت الجزيرة منبراً للمدافعين عن القاعدة وخطابها وعن استراتيجية قطع الرؤوس، التي يؤكد منظرو القاعدة والمدافعون عنها ولو بالتلميح دون التصريح، نجاعتها كسلاح لردع العدو المتفوق في العدة والعدد عبر برامج وحوارات طويلة عن آليات الصراع مع عدو العروبة والاسلام. فحوّلت مشايخها إلى أبطال أين منهم نجوم السينما. من ينسى صورة بن لادن على صهوة جواده وبالحركة البطيئة التي تذكر المشاهد بدور حمزة في فلم الرسالة. والزرقاوي وهو يحتضن سلاحه الرشاش بشريط الرصاص كما حمله رامبو في فلم “الدم الأول” ومنْ ينسى مؤتمرات حارث الضاري وأحاديثه عن القاعدة والمقاومة العراقية التي قتلت في صراعها الطائفي من العراقيين أضعاف مضاعفة مما قتلت من المحتلين. ومن الجدير بالذكر هنا إن الجزيرة لم تطلق كلمة شهداء بل قتلى على الضحايا من العراقيين حتى لو تجاوزت أعدادهم المئات في كل عمل عسكري يقوم به المحتل أو القاعدة أو المليشبات الطائفية من الضفة الأخرى. وبالمناسبة أين الوجوه التقليدية التي كانت تحوّل الحوار نحو الأبيض والأسود في برنامج “الاتجاه المعاكس” واستطلاعاته للرأي. ولماذا توقّف بثّ برنامج كان يفترض أن يكون أهم برنامج حواري يلامس الواقع لسخونة الأحداث والمتغيرات التي قد تشطر الانسان الفرد على نفسه لأنه قد يكون “مع وضد” ما يجري في نفس الوقت. تملك الجزيرة المحطة إمكانيات كبيرة تقنية وبشرية تؤهلها أن تكون إحدى القنوات الفضائية عالية المهنية ولكن المهنية وحدها لا تجعل منها محايدة. فمن يضع سلّم الأولويات في تغطية الأحداث وتسليط الأضواء على المختار منها هو نفسه الذي أوقف برنامج “الاتجاه المعاكس” لصالح توجه واحد. هو الإثارة حتى لو ساهمت في اشعال نار الفتنة. فهل تحولت المحطة نحو تأييد ما يجري في ساحات التغيير لأسباب خاصة بالساسة في قطر؟ أم إن الأمر لا يعدو كونه واجباً أخوياً كما فعلت السعودية باستضافتها لزين العابدبن بن علي. أو ليتمكن الساسة في قطر من مدّ يد العون لاجلاء الجرحى وندب الموتى وفتح قاعات المؤتمرات لمناقشة الأزمات ولصناعة حلول تشبه جوائز ترضية في يانصيب دولي لا يُزعل أحداً فلكل مُؤتَمِر نصيب. وهذا ما يعزز لقطر المحطة النجاح في الانتشار ولقطر البلد دور البطولة المطلقة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This