كانت هناك بلاد… حياة في فلسطين

غلاف كتاب ساري نسيبة


(عرض كتاب المفكر الفلسطيني: ساري نسيبة الصادر بالانكليزية والفرنسية مؤخرا)

Il était un pays
Une vie en Palestine



إنها لمتعة أن تغوص في كتاب من هذا النوع. فهو عبارة عن سيرة ذاتية وأكاد أقول جماعية للمفكر والمناضل الفلسطيني ساري نسيبة. قلت جماعية لأنه من خلال روايته لحياته الشخصية وحياة عائلته المعروفة يروي لنا أيضا قصة شعب فلسطين وما عاناه على مدار قرن بأسره. إنها ملحمة فردية وجماعية لعائلة فلسطينية، لشخصية فلسطينية، ولعذاب بلاد بأسرها كانت تدعى فلسطين قبل أن يضرب القدر ضربته وتحصل النكبة الكبرى. وهي نكبة لا تزال تتوالى فصولا حتى الآن. بل ربما كنا نشهد الآن النكبة الثانية.

منذ البداية يقول لنا ساري نسيبة بنوع من الافتخار والاعتزاز بأنه ينتمي إلى إحدى عائلات القدس الشهيرة آل نسيبة التي تعود في أصلها إلى مدينة النبي في القرن السابع الميلادي. فوالده الوزير السابق أنور نسيبة وقبيل وفاته بلحظات قليلة طلبه إلى غرفته وقال له: اكتبوا على قبري فقط العبارة التالية: أنور زكي نسيبة الخزرجي. ولد في القدس عام 1913 ومات في القدس عام 1986.

هذا يعني أن عائلته تعود في نسبها العريق إلى قبيلة الخزرج الشهيرة التي استقبلت النبي عندما هاجر إلى يثرب لأول مرة. بمعنى انه من جماعة الأنصار التي كانت تضم الأوس والخزرج.

لا أستطيع أن أستعرض هنا بالطبع كل محاور هذا الكتاب الضخم والكثيف الذي يروي لك حياة فلسطين على مدار مائة سنة تقريبا ويمزج بين الذكريات الخاصة والأحداث العامة. ولذلك فسوف أكتفي بالتركيز على بعض الذكريات والأفكار واللقطات.

ما كنت أجهله قبل قراءة الكتاب هو انه عشية التقسيم وقبيل قيام دولة إسرائيل بقليل ما كان اليهود يمثلون أكثر من ثلث السكان ثم الأخطر من ذلك ما كانوا يمتلكون أكثر من ستة بالمائة من أراضي فلسطين! فإذا بهم الآن يمتلكون ثمانين بالمائة..كيف حصل ذلك؟ عن طريق النكبة الكبرى لعام 1948 التي أدت إلى دفش السكان الأصليين من المدن الشاطئية الجميلة إلى داخل البلاد. فمثلا في مدينة يافا وحدها كان يوجد مائتا ألف عربي قبل النكبة فأصبحوا عشرين ألفا بعدها أو أكثر قليلا: أي إن تسعة أعشارهم هربوا خوفا أو هجّروا! ثم استمر هذا الدفش والطرد والتهجير على مراحل حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم. ومع ذلك وعلى الرغم من كل الجراحات والآلام التي تعرض لها شعب فلسطين وعلى الرغم من كل المجازر والدمار والخراب فان ساري نسيبة يؤمن بان المستقبل هو للحل التفاوضي السلمي ويكمن في قيام الدولتين والاعتراف المتبادل والعيش المشترك بين الشعبين اليهودي والعربي. وربما لهذا السبب اتهمه بعضهم بالخيانة على الرغم من كل نضاله وتضحياته في سبيل القضية هو ووالده وأمه وكل عائلته..وفي أحد الفصول يروي لنا قصة الهجوم عليه من قبل مجموعة مقنعة في جامعة بير زيت وكيف ضربوه وكسروا ذراعه وسال الدم من وجهه وفمه. وقد جن جنون أبو جهاد عندما سمع بالخبر وأمر من منفاه في تونس بتشكيل لجنة تحقيق وملاحقة الفاعلين.

والأنكى من ذلك هو أن دافيد بن غوريون المولود في روسيا لا في فلسطين يطلق التصريح التالي يوم 15 مايو 1948: بعد ألفي سنة انتهى عهد الأجانب في فلسطين! ويضحك ساري نسيبة ويعلق قائلا: أجانب نحن الذين نعيش على هذه الأرض منذ ثلاثة عشر قرنا متواصلة! فعائلتي جاءت إلى فلسطين مع عمر بن الخطاب عندما زار بيت المقدس فاتحا عام 638 ميلادية. وقد عيّن عبادة ابن الصامت أخ نسيبة كأول قاض مسلم للمدينة وسلمه مفتاح كنيسة القيامة حيث يوجد القبر المقدس للسيد المسيح. وكان أولاد عبادة هم أول أبناء نسيبة الذين يولدون في القدس. واستمرت السلالة بعدئذ جيلا بعد جيل حتى اليوم.

هذا المدخل يكشف لنا عن الديكور الأساسي للصراع على فلسطين: منطق أسطوري يستخدم الكتب الدينية القديمة، التوراة أساسا، لفرض مشروعيته على بلاد بأسرها. ومنطق الواقع الذي يقول بان لهذه البلاد شعبها وأهلها من لحم ودم وتاريخ وذكريات وآباء وأجداد..

كانت هناك بلاد تدعى فلسطين! العنوان بحد ذاته شاعري فعلا وقد وفق ساري نسيبة في اختياره. وفي إحدى اللحظات يقول لأمه التي ولدت في عائلة كبيرة أيضا وكانت لهم فيلا جميلة ومزرعة كبيرة في وادي حنين تحيط بها أشجار البرتقال ورائحة الأرض، يقول لها بعد أن رآها تحن وتبكي بصمت: كل هذا ذهب إلى غير رجعة يا أمي وحلت محله الكيبوتزات وناطحات السحاب. كل هذا ينتمي إلى مملكة الخيال الفسيح الجميل الآن. فعيشيه في الخيال واستمتعي به ما شئت أن تستمتعي لأنه لن يعود.

وبالتالي فهناك فلسطين خيالية جميلة جدا وشاعرية: هذه الفلسطين لم يعرفها إلا الجيل الأول المرشح للانقراض الآن بعد أكثر من ستين سنة على النكبة الكبرى. هذه الفلسطين امحت إلى الأبد وحلت محلها او فوقها دولة إسرائيل. من هنا العنوان المعبر لأحد الكتب الفرنسية: تحتك يا إسرائيل فلسطين! تحت كل قرية وكل مزرعة وحارة وبيت يوجد بيت آخر، اسم آخر، تاريخ آخر..

لهذا السبب وجه ساري نسيبة كلامه مرة إلى الجمهور الإسرائيلي قائلا: لا يهم فيما إذا كنتم قد فعلتم هذه التراجيديا عمدا أم لا. المهم هو أن مأساة اللاجئين المهجرين عن ديارهم قد حصلت. وطبقا لتراثنا وعاداتنا وتقاليدنا فانه ينبغي عليكم أن تعترفوا بذلك يوما ما وتعتذروا عنه. هذا هو الشرط الأساسي لكي يسترجع الفلسطينيون كرامتهم، لكي يغفروا لكم ما حل بهم من فواجع وكوارث. ولكن بإصراركم على إنكار أية مسؤولية عما حصل فإنكم تزيدون الطين بلة وتشعلوا نار الغضب وحب الانتقام في نفوس شعبنا إلى الأبد. إن إنكاركم هذا شيء عبثي مخجل لا يقنع أحدا لأنه مضاد للحقيقة التاريخية. ومن الأفضل لكم أن تعترفوا وتعتذروا.

كلام صائب لا يناقش ويمثل عين العقل. ولكن لا أعرف لماذا اعتقد ساري نسيبة أن ذلك خاص فقط بعاداتنا وتقاليدنا. في الواقع انه خاص بالروح البشرية أينما كانت. كان فرويد مؤسس التحليل النفسي يقول هذه العبارة أو بما معناه: سوف تظل روح المظلوم المضطهد تستصرخ وتستغيث حتى يعترف المجرم بما فعله بها ويعتذر عن جريمته. وهذا ما فعلته ألمانيا مع اليهود أنفسهم وبالتالي فهم أدرى بذلك من غيرهم. فقد اعتذرت منهم اعتذارا صريحا وعوضتهم تعويضات ضخمة عن المحرقة ولا تزال. فمتى سيعتذر قادة إسرائيل عن المحرقة الفلسطينية؟ ومتى سيعوضون شعبها؟ وهذا ما يفعله الآن المثقفون الأتراك الشرفاء والشجعان حيث وقعوا على عريضة كبيرة على الانترنيت معتذرين عما ارتكبته السلطنة العثمانية من جرائم ومجازر نكراء بحق الأرمن وسواهم. إن ساري نسيبة يطالب الإسرائيليين بذلك بكل روح طيبة ودون أي حقد على اليهود كيهود. على العكس فهو يحترم ثقافتهم وعبقريتهم وله أصدقاء كثيرون بينهم ليس أقلهم الكاتب الشهير عاموس أوز. بل ويعترف بآلامهم وعذاباتهم على مدار التاريخ وينحني أمامها. من هنا أهمية كلامه الذي يمكن أن يؤثر على الرأي العام الإسرائيلي ويهزه من جذوره أكثر من غيره بكثير. ونحن بحاجة إلى أصوات حضارية وإنسانية من مثل صوته. ذلك أن العنتريات الفارغة والشتائم المجانية لا تجدي نفعا. وقد مللنا منها على مدار ستين سنة متواصلة. وقد آن الأوان لكي نتحدث عن الإسرائيليين كبشر موجودين على الطرف الآخر ولهم كرامتهم الإنسانية على الرغم من كل شيء..صحيح أن الخطيئة الأصلية تلاحقهم ولكن يمكن أن يكفروا عنها إذا شاؤوا. وقد ابتدأ المؤرخون الجدد وذوو الضمائر الحية يفعلون ذلك.

ثم يتهم المؤلف إسرائيل بأنها كانت وراء تقوية حماس. صحيح أنها لم تخلقها من العدم كما يزعم بعض المغرضين ولكنها كانت تعتقد أنها مجرد جمعية دينية مشغولة بالله والآخرة ولن تسبب لها مشاكل سياسية. وهكذا راحت إسرائيل تستخدم الإسلام لمحاربة عدوها الأول والأخطر: أي منظمة التحرير. وفي ذات الوقت راحت حماس تحارب أيضا التيار التقدمي العلماني بحجة انه ملحد أو خارج على الدين. وعلى هذا النحو أصبحنا بين نارين: نار إسرائيل ونار الأصوليين حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم. ثم يردف قائلا: من يصدق الآن ذلك؟ من يصدق أن إسرائيل هي التي دعمت حماس وشجعتها على حساب منظمة التحرير والتيار العلماني في الحركة الوطنية الفلسطينية؟ في ذلك الوقت كانت الشعبية لفتح ياسر عرفات وخليل الوزير والرعيل الأول. الآن انعكست الآية وأصبحت لحماس.

ولكن إسرائيل مسؤولة بمعنى آخر عن ازدهار الحركات الأصولية في منطقتنا. فسياسة زرع المستوطنات الاستعمارية المتواصلة حول القدس وفي الضفة الغربية وقضم الأراضي الفلسطينية شيئا فشيئا ربما كانت هي السبب الأول لانتعاش الأصوليين. ولم تظهر التفجيرات الانتحارية إلا كرد عليها. وهي التفجيرات التي يروج لها تلفزيون حزب الله تحت اسم العمليات الاستشهادية المجيدة. ومعلوم أن حزب الله أصبح قدوة لحماس والجهاد الإسلامي في هذا المجال. وهكذا خسرنا الرأي العام العالمي ولم نسترجع الأرض. ودخلنا في مرحلة من الفوضى والتبعثر والضياع لا مثيل لها.

ثم يردف ساري نسيبة قائلا: إن حماس والجدار العنصري العازل الذي بناه الإسرائيليون هما وجهان لعملة واحدة. فهدفهما هو الحقد والحقد المضاد وإغلاق باب الحوار بين شعبين مدانين بالعيش جنبا إلى جنب في نهاية المطاف، ومهما طال الزمن. في الواقع أن انتصار حماس الانتخابي كان كارثة بالنسبة لنا نحن أصحاب الحوار والتواصل في كلتا الجهتين الفلسطينية والإسرائيلية. فأيديولوجية حماس لم تعد مقبولة عالميا ولا حتى محليا لأنها قائمة على التعصب والتزمت بالدرجة الأولى. فهي أولا تنكر على إسرائيل حق الوجود، وهي ثانيا تدعو إلى تدمير دولة إسرائيل، وهي ثالثا ترفض التراجع عن استخدام العنف كوسيلة لتحرير فلسطين. وكل هذه أشياء تجاوزها الزمن وتضر بسمعة الفلسطينيين. هذا بالإضافة إلى برنامجها الاجتماعي الارتكاسي المتخلف وتقييد الحريات الفردية.

ولكن لها ميزاتها الايجابية أيضا كتقديم المساعدات الاجتماعية للفقراء وإحلال النظام والانضباط في المجتمع. وبالتالي فعلى الرغم من كل الانتقادات فإنّ المؤلف يعترف بأنّ حماس جزء أساسي من المشهد السياسي الفلسطيني وينبغي أن يكون لها دورها من خلال المصالحة الوطنية الكبرى. ثم يبدو انه قد حصلت تطورات مؤخرا في فكر حماس وإستراتيجيتها. فقبيل اندلاع الحرب الأخيرة على غزة قال خالد مشعل للكاتب اليهودي الفرنسي ماريك هالتير  الذي قابله في ضواحي دمشق بأنه يقبل بدولة فلسطينية ضمن حدود 1967 فقط. وهذا يعني اعترافا ضمنيا بوجود إسرائيل. وبالتالي فيوجد في حماس قادة عقلانيون يعرفون موازين القوى المحلية والدولية ويحرصون على مصلحة شعبهم وليسوا كلهم متطرفين على عكس ما تزعم بعض وسائل الإعلام. ويبدو أن اسماعيل هنية من المعتدلين على عكس سعيد صيام ومحمود الزهار.

ولكن التطرف موجود أيضا في الجهة الأخرى. فالجيل الجديد من المستوطنين الاستعماريين أكثر راديكالية وتطرفا من سابقه. وهو يعتقد أن يهوذا والسامرة، أي الضفة الغربية كلها، هي بحسب الشريعة التوراتية ارض إسرائيل ولا يمكن التخلي عن أي جزء منها. وقد اعتدوا على مظاهرة نظمتها جماعة “السلام الآن” ورموا عليها قنبلة قتلت إحدى السيدات الإسرائيليات المناضلات من اجل التواصل مع الشعب الفلسطيني والاعتراف بحقوقه. ورابين ألم يقتله أصولي متعصب وهو يضحك ويفتخر بما فعل؟ ألم يكن ايغال عمير مهووسا ككل المتعصبين ويعتقد بأنه يدافع عن ارض إسرائيل الكبرى التي يفرط بها رابين من خلال عملية السلام؟ وهذا يعني أن المستنيرين وأصحاب النية الطيبة في كلتا الجهتين أصبحوا مستهدفين من قبل متعصبي كلا الطرفين. فالتطرف يدعم التطرف ويشد من أزره. والدليل على ذلك أن اليمين الإسرائيلي المتشدد راح يرقص فرحا عندما سمع بانتصار حماس في الانتخابات وراح يقول:  الحمد لله سوف تفشل عملية السلام التافهة الآن. فلم يعد أحد هناك في الجهة المقابلة لكي نتفاوض معه وبالتالي فالأرض، كل الأرض، ستبقى في أيدينا. وأما جماعتنا فيقولون بان ارض فلسطين كلها وقف إسلامي. وبالتالي فلا يمكن التفريط بأي شبر منها. ولذا ينبغي تنظيفها من رجس اليهود جميعهم لعنهم الله في الكتاب! هكذا رحنا في داهية دهياء لها أول وليس لها آخر..ودخلنا في صراع الأصوليات..

بعد أن أغلقت الكتاب قلت بيني وبين نفسي: ها قد عدنا إلى الانسداد التاريخي من جديد. لن يدعوا لنا مخرجا ولا منفذا. هل كتب على هذه المنطقة العناء والشقاء إلى أبد الدهر؟ ألا يوجد بصيص نور في الأفق المظلم منذ عقود؟ كلنا معنيون بالأمر سواء كنا في الداخل أم في ارض الغربة والشتات. كلنا نحترق وان بدرجات متفاوتة. والله إني لأشعر أحيانا بأن قصتي أصبحت أخطر من مشكلة فلسطين وأكثر استعصاء على الحل! بالكاد أبالغ. من يصدق ذلك؟ منذ عشرين سنة وأنا في إقامة جبرية لا استطيع منها حراكا أو فكاكا. بالكاد أتنفس تنفسا. وقوى الشر في الظلام تتربص بك تربصا. ولا تعرف متى تلسع ولا كيف تلدغ. ولا أحد يرحمك. ولا تعرف متى يكون الفرج؟ هكذا أجد نفسي وقد دخلت في متاهة وراءها متاهات..

  فكيف وقعت في رأسنا هذه المصيبة غصبا عنا؟ ويا ليت أن  هيرتزل اختار الأرجنتين أو كينيا لا فلسطين عندما قرر إقامة وطن قومي لليهود في مكان ما. ومعلوم انه لم يحب فلسطين كثيرا عندما زارها للاستطلاع قبل افتراسها. ومعلوم أيضا انه كانت توجد في الأرجنتين مناطق شاسعة واسعة خصبة وخالية من السكان تقريبا. ومعلوم أن التاريخ تردد للحظة قبل أن يحسموها لصالح المنكوبة فلسطين في المؤتمر الصهيوني الشهير..وكان يمكن للقرعة أو للتصويت أن يقع على غيرها. ولكن القدر ضرب ضربته: لحظة حسم القرار لحظة جنون، كما يقول كيركيغارد..أحيانا على شعرة بسيطة يتوقف حسم القرار..

ولكن مع ذلك فاني أميل إلى موقف ساري نسيبة وأعتقد أن الحل الذي يقترحه هو الأفضل. فبعد أن حصل ما لا تحمد عقباه، بعد أن وقعت الفأس بالرأس، لابد من التعايش السلمي بين العرب واليهود. انه لمن العبث أن نستمر في هذا الصراع الجهنمي إلى ما لا نهاية. كل المشروع الحضاري العربي مشلول ومعطل منذ أن ابتدأت النكبة الكبرى. أقول ذلك على الرغم من محرقة غزة ومجازرها أو بسبب هذه المحرقة والمجازر بالذات. فاليهود أيضا أصبحوا أسرى ما فعلوه ولا يستطيعون تراجعا. وينبغي إنقاذهم من أنفسهم ونزعتهم الانتحارية التدميرية التي لها علاقة بتاريخهم الصعب والمعقد والمليء بالفواجع والمجازر.أليسوا هم الذين اخترعوا التحليل النفسي؟ فلماذا لا نطبقه عليهم؟ نحن علينا أن نستوعبهم لا أن يستوعبونا لأننا أهل البيت ولأننا سوف نصبح نصف مليار شخص عام 2050 وربما قبل ذلك. وهم سيذوبون حتما في هذا البحر الخضم من العرب والمسلمين. سوف تقضي عليهم القنبلة الديمغرافية. وبالتالي كفى حربا وضربا. ولكي يقوى التيار المعتدل والمسالم فيهم وينتصر على التيار المتطرف والمتعصب ينبغي أن نعطيهم الأمان والاطمئنان عن طريق شخصيات مثقفة حضارية ذات بعد إنساني مثل ساري نسيبة وآخرين عديدين في هذا الشعب الفلسطيني العظيم المجاهد. وعقلاء اليهود في الداخل والخارج يعرفون أن الفلسطينيين هم الذين سيفتحون للإسرائيليين يوما ما أبواب العالم العربي. فالضحية هي وحدها القادرة على أن تقدم لجلادها صكوك الغفران وجواز السفر إلى عالم العرب والإسلام. ولكن ذلك لن يحصل قبل أن يتراجعوا إلى حدود خمسة حزيران 67 وتتحقق الدولة الفلسطينية ويعتذروا اعتذارا شديدا عما فعلوه ويتوقفوا عن الذبح والقتل على الأقل!

في الكتاب صفحات جميلة عن الفارابي وابن سينا والفلسفة العربية الإسلامية التي درسها المؤلف في جامعة هارفارد على يد محسن مهدي وكبار الاختصاصيين. وعندما عاد إلى فلسطين لتدريسها في جامعة بير زيت في بداية الثمانينات كان المتزمتون لا يزالون أقلية بالقياس إلى جماعة فتح والجبهة الشعبية والشيوعيين والماركسيين. لم يكن أتباع الكاميكاز والعمليات الانتحارية قد ظهروا بعد. ولكنه اصطدم بهذه الأقلية المتشددة التي فوجئت بدروسه الجريئة عن الفارابي. لماذا؟ لأنه صوره على هيئة فيلسوف يقف خارج الدين تقريبا أو يستغني عنه بواسطة الاعتماد على أرسطو وأفلاطون فقط. ثم يردف ساري نسيبة قائلا: بالطبع لم أقف ضد الإسلام أثناء إعطائي دروسا للطلاب عن الفلسفة الإسلامية. وذلك لأني كما تعلمته من بيتي ووالدتي كان دائما متسامحا وغير متجهم على الإطلاق. ولكني كنت مضطرا للقول بان الفارابي لم يكن يخضع للتراث اللاهوتي أو الفقهي عندما كان يعالج مسائل الحكم في مؤلفاته. وإنما كان يخضع للعلم والفلسفة اليونانية. لم يكن نموذج النبي هو مثله الأعلى وإنما الحكيم أو الفيلسوف. وهذا صحيح إلى حد كبير دون أن يعني ذلك انه كان ضد النبي أو الدين في المطلق. فقد حاول التوفيق بين الدين والفلسفة مع إعطاء الأولوية للفلسفة. ولكن ساري نسيبة نسي أن الفارابي هو أكثر فلاسفة المسلمين تطرفا في الاتجاه العقلاني أو العلماني ولذلك انصب عليه، وعلى ابن سينا أيضا، هجوم الغزالي في كتابه الشهير: تهافت الفلاسفة. يضاف إلى ذلك أن الفلسفة كانت قد حرمت في العالم الإسلامي منذ ذلك الوقت. وما عاد الطلاب يعرفون عن الحضارة الإسلامية الكلاسيكية الرائعة شيئا يذكر. أصبحت معرفتهم عن الإسلام مستمدة من شيخ الجامع كما يقول هو ومن الكتب الصفراء الفقيرة فكريا إن لم نقل المعدمة. ولذلك اصطدم بهم ولم يفهموه بل واشتكوا عليه إلى والده بتهمة انه ملحد أو ضد الدين! وهو ليس ضد الإسلام على الإطلاق وإنما ضد هذا الفهم الجامد والمتحجر السائد عنه منذ عصور الانحطاط. ولكن لم يعد أحد يستطيع التفريق بين الأمرين. فحصل الالتباس والاصطدام. هنا يضع ساري نسيبة يده على الجرح ويشرح لنا سبب صعود حماس التدريجي وانتصارها في نهاية المطاف على الاتجاهات العلمانية والتنويرية في المجتمع الفلسطيني بل والعربي ككل. فهناك عدة عوامل لا عامل واحد فقط. هناك عوامل اجتماعية وفكرية وتاريخية متراكمة وليس فقط سياسية.

لن أختتم هذا المقال قبل أن أروي قصة شخصية كنت قد نسيت أن ارويها في المقال السابق. في السنوات الأولى من إقامتي في فرنسا وقع بصري على غادة حسناء في احد الدروس. وكانت من النوع الذي يعجبني فعلا. وبعد انتهاء الحصة اقترحت عليها أن نتمشى قليلا في الشوارع على غير هدى. في تلك الأيام ما كنا نحضر الدروس أصلا إلا من اجل التعرف على إحداهن. كانت الثقافة آخر همومنا..وفي أثناء الحديث اكتشفت أنها يهودية بل وصهيونية قحة. وأسقط في يدي وتأسفت على هذا الجمال المحرّم. وحصل نقاش حام بيننا. وفوجئت بمدى ضراوتها واقتناعها بأفكارها التي تبدو لي باطلة مائة بالمائة. وكدنا نشتبك بالأيدي من كثرة الجدال المستعر. ويا ليتنا اشتبكنا! ثم أذهلتني عندما قالت: أنتم العرب عندكم أكثر من عشرين دولة وأراض شاسعة واسعة ثم تستكثرون علينا فلسطين التي لا تتجاوز الخمسة وعشرين ألف كيلومتر مربع! لماذا لا تأخذون الفلسطينيين كلهم عندكم ثم تتركونها لنا نحن الذين لا نمتلك شيئا؟ لماذا تتشبثون بها؟ قلت لها: ولكن هذا اغتصاب. فأجابت: لا، ليس اغتصابا، هذه أرضنا التاريخية المقدسة ونحن نعود إليها بعد طول غياب. لكي أغلبها في النقاش ما وجدت أفضل من استخدام مرجعية اكبر مني ومنها. قلت لها: مكسيم رودنسون  يقول بان إسرائيل ظاهرة استعمارية رغم  انه يهودي مثلك ومفكر كبير، أليس كذلك؟ اعتقدت أني أفحمتها وأجهزت عليها بالضربة القاضية.. ولكني كنت مخطئا. فلم تعترف بالهزيمة ولم تتراجع وإنما كابرت وردت فورا: ومن هو رودنسون هذا؟ انه خائن للقضية اليهودية. انه ينتمي إلى فئة اليهود المازوشيين الذين يكرهون أنفسهم أو يخجلون بيهوديتهم من كثرة الإذعان والاضطهاد على مدار التاريخ.

ما في فائدة معها، ما في نتيجة.. في نهاية النقاش وكنا قد اقتربنا من البيت حيث أسكن وراء برج ايفل سألتني: أنت شو اسمك؟ قلت لها هاشم. قالت لي: آه، هذا أحد أسماء الله أو الأنبياء عندنا، لم أعد أتذكر بالضبط. قلت لها: ليتني أصبح عليك إلها هذه الليلة فقط. ضحكت وأجابت: بإمكانك أن تحلم وتُهلوس كما تشاء. ثم تركتني في عرض الشارع حائرا وتبخرت في الهواء.


قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This