كرامات عقبة بن نافع
عندما همَّ عقبة بن نافع ببناء القيروان، حرص أنْ يكون البنيان منيعا آمنا، فاختار منطقة أحراش وغياض مليئة بالوحش والحيّات والأفاعي والسباع. ورُوي، بإسناد حسن، أنّ عقبةَ وقف فقال: يا أهلَ هذا الوادي إنَّا حالُّون فيه، إن شاء الله، فاظعنوا، ثلاثَ مراتٍ. قيل: فما نرى حَجَرًا ولا شجرًا إلاّ يَخْرج من تحته دابّة حتى هَبَطْنَ بطنَ الوادي، ثم قال: انزلوا باسم الله. ويقال إنّ عقبة جمع خمسة عشر رجلا من أصحاب رسول الله كانوا معه، وخاطب سكّان الوادي: أيّتها الحيّات والسباع نحن أصحاب رسول اللّه، فارتحلوا عنّا ومن وجدناه بعد ذلك قتلناه.. وخرجت، وفق هذه الروايات، السباع من أحراشها تحمل أشبالها والذئاب تحمل جراءها والحيّات تحمل أولادها. وقال عقبة لأصحابه: كفّوا عنهم حتّى يرتحلوا.
يمكن أنْ تصلح مثل هذه المقدّمة لإضفاء شحنة عالية من القداسة بين يديْ مدينة تستعدّ لاحتضان مناشط إعلانها ” عاصمة للثقافة الإسلاميّة سنة 2009 “. وقد تبدو هذه الكرامة، متى استدعيناها لهذه المناسبة، منافية لمقاصد الساهرين على إعداد فعاليّاتها الفكريّة والفنّية وخاصّة ندوتها المقدّرة حول ” التربية على تعزيز قيم الحوار في الإسلام في المناهج التعليميّة ” أو تلك الدائرة حول ” إسهامات علماء القيروان في التراث التربويّ الإسلامي “. غير أنّ ما قرأته لشخصيّة تونسيّة دينيّة وسياسيّة في الآن نفسه قد سوّى بيْن الفرضيّتيْن. فقد نشرت جريدة ” الخبر ” الجزائريّة ” شبه تحقيق ” ( لأنّه يحتوي على مستجوب وحيد ) حمل عنوانا صادما: ” أحفاد عقبة بن نافع يتعرّضون لاستفزاز غير المسلمين في الشهر الكريم “. وتحدّثت اليوميّة عمّا سمّته ” تجاوزات السيّاح الأجانب غير المسلمين واستفزازاتهم..” لحرمة المدينة ذات الرمزيّة الدينيّة المعلومة.
وحيث إنّه ( كما يقال في حيثيّات الترافع والتقاضي) لم يعرف عن أهلنا في القيروان، وصديقنا منصف الوهايبي شاهد على ما نقول، ازدراء الغريب ولا رفض السيّاح والزائرين لبلدهم، على قلّتهم، ولا يعرف عنهم فوبيا الأجانب أو الغرباء أو المختلفين، فقد بهتّ لحديث إمام مسجد عقبة بن نافع، وهو، في الوقت نفسه، عضو البرلمان التونسيّ عن الحزب الحاكم حين صرّح للجريدة الجزائريّة ” رفعنا تقارير وأبلغنا السلطات العموميّة ووزارة السياحة التونسيّة بضرورة التحرّك العاجل لحماية سكّان ومعالم مدينة القيروان التاريخيّة من تجاوزات واستفزازات السيّاح الأجانب غير المسلمين..”، وأضاف البرلمانيّ السيد محسن التميمي قائلا ” إنّ سكّان مدينة القيروان المحافظة ضاقوا ذرعا من التجوال اليوميّ للسيّاح الأجانب وعوراتهم ظاهرة للعيان، بحيث وصلت استفزازاتهم إلى حدّ محاولة الولوج إلى داخل مساجد المدينة دون احترام قدسيّة هذه المواقع الدينيّة الإسلاميّة أو وحرمة شهر رمضان الكريم ”. وعبّر الإمام المذكور عن سخطه لتقاطر السيّاح على المساجد القيروانيّة في المدينة العتيقة أيّام الجُمَع ” عراة ” كما يقول. ودعا السلطات العموميّة التونسيّة إلى ” التحرّك لإعادة تنظيم الأوضاع وردع تجاوزات أصحاب وكالات السياحة والأسفار الذين يحاولون زعزعة وتدمير وظيفة مدينة القيروان الدينيّة المحافظة “.
ولئن كان هذا التصريح على جانب غير قليل من الغلوّ والمبالغة قد يجعل من القيروان منطقة منكوبة ” أخلاقيّا ” ويصبّ، في المحصّلة، في تقارير سدنة الآداب من أهل الحسبة، فإنّ نسبته إلى شخصيّة برلمانيّة ودينيّة رسميّة مدعاة إلى الاستغراب لعدم اعتيادنا على تصريحات خارج السرب، من جهة، ولأنّ السياحة ” خطّ أحمر ” كما هو متداول. غير أنّ موقف جريدة ” الخبر ” مفهوم إذ اهتبلت الفرصة لتزيد أنّ ” سكّان القيروان المدينة المضيافة والمحافظة على أصول الدين والشريعة يلقون ضغوطا رهيبة من طرف السيّاح الأجانب من غير المسلمين وحتّى المسلمين، حيت يتراءى لك وأنت تجوب أزقّة وشوارع هذه المدينة العتيقة خلال شهر رمضان، مظاهر مسيئة ووضعيات غير أخلاقيّة يصوّرها أجانب من مختلف الأجناس ممّن قدموا إلى تونس للسياحة في عزّ الشهر الكريم ( لِمَ لا؟ ) ، فتراهم يلبسون لباسا مكشوفا ويتناولون تبغا ويأكلون أشهى المأكولات غير مبالين بقداسة هذا الشهر الكريم واحترام مشاعر مسلمي المدينة..”
ولمّا كان صاحب التحقيق في الجريدة يذهب إلى أنّ القيروان ” رابع مدينة إسلاميّة بعد مكّة المكرّمة والمدينة المنوّرة والقدس الشريف ” فقد دعا، حكما، إلى الاستعاضة عن سياحة ” الكفّار ” بتشجيع السياحة الإسلاميّة وتنظيم مواسم حجّ دوريّة لهذه المدينة ” المقدّسة ” فتشدّ إلى مسجدها الرحال مثلما تشدّ إلى الثلاثة المعلومة في الحديث.
وما أنْ ندرك نهاية ” التحقيق ” حتّى تسفر فوبيا الآخر عن وجهها، ونقرأ الخبر المذكور في صدر هذه السطور يرويه إمام مسجد عقبة بن نافع حول إنشاء مدينة الدعوة والجهاد في منطقة مليئة بالأحراش والوحوش والحيّات.
وما أنْ ندرك نهاية ” التحقيق ” حتّى تسفر فوبيا الآخر عن وجهها، ونقرأ الخبر المذكور في صدر هذه السطور يرويه إمام مسجد عقبة بن نافع حول إنشاء مدينة الدعوة والجهاد في منطقة مليئة بالأحراش والوحوش والحيّات.
لم يكن المسكوت عنه في ” كرامة ” عقبة بن نافع بعيدا عمّا يثوي في المزيج المركّب من خطاب الإمام وصياغة الجريدة. ولا يمكن أن أمنع نفسي اللّوامة من التوجّه رأسًا إلى المسكوت عنه في هذا الخطاب المتلفّع بعباءة التاريخ. ليست قوافل السيّاح وجمهور الأجانب القادمين من ” دار الكفر ” إلاّ مُسوخا من تلك السباع والحيّات والوحوش والذئاب ودوابّ الأرض من سكّان الشعاب التي بنيت عليها القيروان. ولئن انصاعت ساكنة الغياض والشعاب للتهديد فرحلوا عنها فما على ” دوابّ أرض الكفر ” إلاّ أنْ يرحلوا من أرض صحابة رسول الله، ومن وجد بعد ذلك قتل !
