كيف خان جورج دبليو بوش “فيلسوفه” يسوع حوار مع لويس بالتازار(Louis Balthazar) – ترجمة: محمّد الحاج سالم

هل كان يسوع “فيلسوفا”، كما ادّعى جورج دبليو بوش في عام 2000 ؟
هل يمكننا أن نقول إنّ بوش اتّبع في سياسته، تعاليم المسيح ؟
ما هي السّياسة التي يمكن أن تنبع من “فلسفة” المسيح ؟

هذه جملة الأسئلة التي سبق أن تناولها الأستاذ لويس بالتازار (Louis Balthazar)اليسوعيّ سابقا والأستاذ الفخريّ بقسم العلوم السّياسيّة بجامعة لافال الكنديّة ورئيس مرصد الولايات المتّحدة لكرسيّ راؤول دانديرون (Raoul-Dandurand) بجامعة كيبيك بمونريال (UQہM)، حين تسلّم جورج دبليو بوش السّلطة في الولايات المتّحدة الأمريكيّة سنة 2001، قبل أن يعيد طرحها مرّة أخرى السّنة الفارطة أي قبل عام واحد من موعد رحيل الرّئيس التّكساسي عن البيت الأبيض.

ورغم مرور عام كامل عن هذا الحوار الذي أجراه معه أنطوان روبيتاي (Antoine Robitaille) ونشر في مجلّة الواجب (Le Devoir) الكنديّة الصّادرة باللّغة الفرنسيّة بمونريال بتاريخ 26 جانفي 2008، فإنّه لم يفقد راهنيّته ونحن على أعتاب مغادرة جورج بوش سدّة الرّئاسة الأمريكيّة أو بالأحرى سدّة زعامة العالم. لذا ارتأينا تقديمه إلى القارئ العربيّ لأهميّة ما يتناوله من مسائل من منظور مفكّر مسيحيّ ملتزم حول مسائل عديدة حارقة أهمّها: علاقة سياسة جورج بوش المزعومة بـ”فلسفة يسوع”، وعلاقة الدّين بالدّولة، ودور الدّين في حياة الفرد والمجتمع، ودور الدّين في تكريس الدّيمقراطيّة في عالمنا اليوم.

***

“يسوع”. لقد كان هذا جواب جورج دبليو بوش خلال الحملة الانتخابيّة لعام 2000 حين سئل عن الفيلسوف المفضّل لديه. لقد فاجئتك الإجابة وما زالت تفاجئك على ما أعتقد؟

نعم. وإنّي لأجد صعوبة في فهم ما استوحته سياسات بوش من الإنجيل المسيحيّ، حتّى ولو اتّخذ على الدّوام من الله والدّين المسيحيّ مرجعيّة. إنّني لا أرى أبدا أيّ إلهام إنجيليّ في التّعليمات السّياسيّة للكثير من أولئك الذين ينتحلون صفة الإنجيليّين في الولايات المتّحدة، حين يدافعون دون تبصّر عن اللّجوء إلى الحرب، ويهاجمون المؤسّسات الدّوليّة ويعارضون الرّقابة على الأسلحة النّاريّة في بلادهم.

هل يمكن لبرنامج سياسيّ أن يكون بحقّ مستوحى من الأناجيل؟

مستوحى؟ أعتقد ذلك، شريطة فهم الإنجيل بوصفه بذرة يجب أن تؤتي أكلها، بوصفه رسالة متموضعة في الزّمن ويجب أن تتكيّف مع العصور والأمم، بوصفه رسالة يجب أن نبلّغها باستمرار، ونعيد صياغتها في خطابات جديدة. ولذلك من الضروريّ أن نعيد التّفكير في رسالة الإنجيل، وأن نعيد تأويلها. فتقليد الكنيسة، مهما كان خصبا، لم يستنفد بعد كلّ التّفسيرات التي يمكننا أن نقدّمها لرسالة الإنجيل.

إلاّ أنّ كلام يسوع قليل الارتباط بما هو سياسيّ.

في كلّ الأحوال، هو لم يأت لممارسة السّياسة. هذا أمر واضح جدّا. لقد رفض الدّور الذي أراد منه الكثيرون أن يلعبه في عصره، دور المحرّر أو مستعيد مملكة إسرائيل. ولقد راجعه تلاميذه أنفسهم في أحيان كثيرة بخصوص هذه المسألة، وقد أجابهم تقريبا بنفس إجابته لبيلاطس:” لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ” (يوحنّا: 18،36). غير أنّه اتّضح أنّه سبق أن كانت تلك المملكة في العالم. وبالفعل، فقد قال يسوع أيضا: ” إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ فِي دَاخِلِكُمْ” (لوقا: 17،21). ومن هنا لا بدّ أن نستنتج، على نحو مّا، أنّ سلطان الله هذا يتحقّق في الحياة السّياسيّة والاجتماعيّة كما في حياة الأفراد.

ألا يمكن القول إنّ من يتذرّعون بيسوع في السّياسة، وعلى رأسهم بوش، يخونونه ؟

نوعا مّا. فحتّى لو أمكن للرّسالة الإنجيليّة أن تكون فاعلة في السّياسة كما في أي أمر آخر، فإنّ يسوع يرفض قطعا استخدام السّياسة لتحقيق ذلك. وهذا مذكور بطريقة بسيطة وواضحة في الردّ الشّهير على الفريسيّين بشأن الضّريبة التي كان يقتطعها الرّومان: “أعْطُوا مَا لِلْقَيْصَرِ لِلْقَيْصَرِ وَمَا لله لله” (مرقس: 12،17؛ لوقا: 20، 25). هذا هو بالفعل مبدأ الفصل بين الكنيسة والدّولة الذي وضعت الكنيسة الرّومانيّة الكثير من الوقت لاستيعابه ووضعه موضع التّنفيذ. وهذا يعني أنّ السّلطة السّياسيّة ترتكب اعتداء إذا ما ادّعت حقّ التصرّف في الضّمائر، أو إذا رغبت في استخدام الدّين لإضفاء الشّرعيّة عليها. كما يعني أيضا أنّ الكنيسة غير وفيّة لمهمّتها إذا ما قدّمت نفسها بوصفها سلطة سياسيّة.

الفرديّة والمجتمع

بالمقابل، هل تعتقد أنّه لا يزال من الممكن اليوم استخلاص مبادئ موجّهة للعمل من تعاليم يسوع ؟

أعتقد ذلك. ومن بين أمور أخرى: ما يتعلّق باحترام الأشخاص، والتّضامن الاجتماعيّ، والمساواة بين المواطنين وحرّيتهم، والأخلاق العامّة، وحتّى ممارسة الدّيمقراطية.

هناك أوّلا في الوحي المسيحيّ، بخاصّة في العهد الجديد، وأيضا في العهد القديم، تصوّر واضح للغاية للمسؤوليّة الشّخصيّة. فالمدعوّون إلى الخلاص وإلى حبّ الله والجار، هم أشخاص من البشر. وهو ما عبّر عنه حزقيال بلا مواربة: ” مَا لَكُمْ أَنْتُمْ تَضْرِبُونَ هَذَا المَثَلَ عَلَى أَرْضِ إِسْرَائِيلَ قََائِلِينَ الآبَاءَ أَكَلُوا الحَصْرَمَ وَأَسْنَانُ الأَبْنَاءِ ضَرَسَتْ ؟ “(حزقيال: 18،2)، قبل أن يصبح في الإنجيل في غاية الوضوح: كلّ تلميذ يدعى من قبل يسوع بصفة فرديّة. فكلّ شخص إنسانيّ مدعوّ إلى الإيمان والخلاص، بغضّ النظر عن صفاته. وقد كان يسوع نفسه بصفة مأسويّة، وحيدا في عذاب احتضاره.

إنّ الشّخص الإنسانيّ، مهما كان وحيدا ومستقلاّ، لا يمكن النّظر إليه إلاّ بوصفه مكمّلا للآخرين ومنتميا إلى جماعة لا يمكنه الانفصال عنها. نحن مدعوّون إلى أن يحبّ بعضنا بعضا (يوحنّا: 13،34؛ 15،12)، وإلى أن ندرك ذواتنا بوصفها من مادّة روحيّة واحدة : ” وَأَمَّا الَّذِي يَمْلِكُ مَالاً يُمَكِّنُهُ مِنَ الْعَيْشِ فِي بُحْبُوحَةٍ، وَيُقَسِّي قَلْبَهُ عَلَى أَحَدِ الإِخْوَةِ الْمُحْتَاجِينَ، فَكَيْفَ تَكُونُ مَحَبَّةُ اللهِ مُتَأَصِّلَةً فِيهِ ؟” (رسالة يوحنّا الأولى: 3،17). ما أروع هذه الرّسالة الاجتماعيّة !

كنت قد كتبت أنّ مفهوم الشّخص المنبثق عن المسيحيّة هو أكثر ثراء من مفهوم الفرد.

كلمة “الفرد”، التي نستخدمها باستمرار في أيّامنا هذه تحيل معظم الأحيان إلى ذاتيّة متقلّبة ومتعسّفة. أمّا “الشّخص”، فيستتبع علاقة ضروريّة بالآخر، مثلما ترتبط أشخاص الآب والابن والرّوح القدس بعمق في إله واحد. أن يكون المرء شخصا، فذلك يعني أن يكون مستقلاّ ومحترما ومسؤولا، ولكن ذلك يعني أيضا أن يتّخذ له موقعا بالنّسبة للآخرين. هذا ما يوفّق بين مفهومين، غالبا ما نضع أحدهما في تعارض مع الآخر، ذاك الذي يركّز على حقوقنا الفرديّة ومسؤوليّاتنا الشّخصيّة، وذاك الذي يلحّ على الحقوق الممارسة جماعيّا وعلى مسؤوليّاتنا الجماعيّة. وهذا ما يتيح لنا تجنّب تجاوزات الفردانيّة اللّيبراليّة وتجاوزات الجماعويّة التي لا تترك أيّ مجال للحريّات الشّخصيّة. وهكذا نجد في الإنجيل أنّه يحقّ للعشّار [جابي الضّرائب] والسّامريّة (امرأة غريبة) والمرأة الزّانية واللصّ الطّيب أن يحظوا باهتمام خاصّ اعتبارا لكرامة الشّخص الإنسانيّ العالية. ولكنّ المسيح يدعو أيضا إلى الأخوّة، وإلى الاعتماد المتبادل، وإلى التّقاسم مع الأدنى والأكثر تواضعا.

كثيرا ما يقال إنّ المفهوم الحديث للمساواة مقتبس من المسيحيّة.

لقد ساوى يسوع بالفعل بين السّامريّون وأسباط يهوذا، بين العشّارين والفريسيّين، بين الفقراء والأغنياء؛ بل صار المتأخّرون متقدّمين. ولم يكن هناك بالتّالي أيّ تمييز بين النّاس في ما يخصّ العدالة الاجتماعيّة، وهذا ما أعلنه القدّيس بولس بإصرار: “لاَ فَرْقَ بَعْدَ الآنَ بَيْنَ يَهُودِيٍّ وَيُونَانِيٍّ، أَوْ عَبْدٍ وَحُرٍّ، أَوْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعاً وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ “(رسالة غالطية: 3،28).

في مقال صدر مؤخّرا، تؤكّد الفيلسوفة الفرنسيّة ميريام ريفو دالون (Myriam Revault d’Allonnes) أنّ السّياسة المعاصرة مأخوذة بـ” حميّة رؤوفة تجاه الفقراء والمحرومين والمهمّشين”. وقد سبق أن توجّه بيل كلينتون إلى “مهمّش” بقوله: ” I feel your pain” [= “أشعر بآلامك”، بالإنكليزيّة في الحوار]. ألا تجد سياسة الرّحمة جذورها في الأفكار المسيحيّة، في رسالة يسوع ؟

يبدو لي هذا بديهيّا، لأنّه يفهم من تعاليم المسيح بكلّ وضوح أيضا انحيازه للصّغار والضّعفاء والأطفال والفقراء. كما يتجلّى من عظة الجبل، حيث أعلن يسوع التّطويبات، ما نسمّيه اليوم أحيانا “التّمييز الإيجابيّ”، أي الرّغبة الصّافية في تحسين حالة النّاس الأكثر فقرا. إنّه لا يكفي أن نقول إنّ الغنيّ والفقير والقويّ والضّعيف متساوون أمام الله، لا بدّ لنا من اتّخاذ موقف منحاز للفقراء ومنحهم اهتماما خاصّا. ما جدوى نظام سياسيّ مّا إذا لم يستخدم لإقامة مزيد من المساواة الحقيقيّة بين البشر وإعادة توزيع الخيرات ومكافحة الفقر؟

على هذا الصّعيد، فإنّ سياسات جورج دبليو بوش بتركيزها على خفض الضّرائب على الأغنياء، على سبيل المثال، تبدو بعيدة جدّا عن رسالة “الفيلسوف” يسوع ؟

أعتقد ذلك بقوّة. فنوعيّة اللّيبراليّة التي طالما مورست في الولايات المتحدة قائمة على فلسفة كاسرة للتّضامن المسيحيّ. فوفقا لهذه اللّيبراليّة، يجب أن ينظر إلى الكائن البشريّ باعتباره مستقلاّ تمام الاستقلال عن الآخرين وأنّه غير مدين بشيء لأحد. ومن هنا تولّد ذاك الشّعار الذي طالما سمعناه، لا سيّما عند الجمهوريّين: “لا بدّ من وضع الأموال في أيدي الأفراد الذين يعرفون إنماءه على أفضل وجه”.

يقول الأب ليفاسك (Lévesque)، مؤسّس كليّة العلوم الاجتماعيّة في جامعة لافال والشّخصيّة البارزة في الثّورة الهادئة: “الحريّة أيضا تأتي من الله “.

وفقا للإنجيل، نحن كائنات حرّة. وإنّه لفي قلوب البشر تتّخذ القرارات الشّخصيّة، وفيها يوهب الانخراط في الإيمان. والمسيح لا يجبر أحدا أبدا، إنّه يشير ويدعو وينظر… وأتباعه يجيبون بحريّة. هذا هو اللّغز الكبير للإدارة الإلهيّة للعالم، وهذا أيضا، في نظر كثيرين، الفضيحة الكبرى: لماذا يسمح إله طيّب بكلّ هذا الشرّ ؟ إنّه سؤال مخيف يجيب عنه المؤمنون غالبا باتّجاه اليسار. وتكمن بداية الجواب في الحريّات في عالم لم يحدّد اتّساقه من قبل الله سلفا، فاتّساق العالم هو باستمرار قيد البناء على أسس من الحريّات الإنسانيّة.

” Freedom ” [=الحريّة، بالإنكليزيّة في الحوار] – كما هو الحال في عبارة ” freedom fries ” [“حريّة البطاطس المقليّة”، بالإنكليزيّة في الحوار] – هي الكلمة الرّئيسيّة في السّياسة الأمريكيّة. ألا يمكننا الرّبط بين هذا المفهوم للحريّة الذي تأخذونه من الإنجيل وسياسات بوش؟

لا، لأنّ هذه الـ” freedom of the individuals ” [=”حريّة الأفراد”، بالإنكليزيّة في الحوار] التي تتكرّر كثيرا في الخطاب الأمريكي غالبا ما تفهم على أنّها خالية من كلّ التزام بالتّضامن.

الدّيموقراطيّة

لقد سبق أن سمعتك تقول في أحد الدّروس:”على الرّغم من أنّ يسوع لم يلفظ قطّ كلمة ديمقراطيّة، فإنّ رسالته تفتح الطّريق أمام تصوّر ديمقراطيّ للمجتمع”.

لم يباشر يسوع وتلاميذه ثورة ديمقراطيّة، ولم يتمّ إصدار نداء إلى الشّعب، ولم تنظّم انتخابات. وقبل ذلك بفترة طويلة، اخترع الإغريق ديمقراطيّة محدودة. ويبدو أنّ الأجواء التي كانت سائدة بين المسيحيّين الأوائل كانت موسومة بالأخوّة وروح الجماعة. وإنّه لمن الواضح بخاصّة أنّ كرامة البشر المدعوّين ليصبح كلّ منهم مستودعا للنّعمة الإلهيّة، تستدعي احتراما عميقا للقرارات الفرديّة وثقة في الإمكانات المتعدّدة لجميعهم ولكلّ واحد منهم. وعلى هذه الثّقة يرتكز النّظام الدّيمقراطيّ الحديث.

وأخيرا، لماذا لا يزال للدّين – وهذا ما نراه إلى الآن في المدارس الابتدائيّة – مثل هذه الأهميّة في السّياسة الأمريكيّة ؟

في رأيي، فإنّ هذا يرجع أساسا إلى حقيقة أنّ الدّين قد تماهى في تاريخ الولايات المتحدة على الدّوام تقريبا مع الحريّة. فحتّى الطّهرانيّون [المتشدّدون] الذين نزلوا أمام سواحل نيو إنغلند سنة 1620، كانوا يسعون إلى الهروب من التعصّب الدّيني الذي كان سائدا في أوروبّا. ولا بدّ من القول أنّهم أصبحوا هم أنفسهم قمعيّون لاحقا، إلاّ أنّ دستور سنة 1787 وخصوصا قانون الحقوق (Bill of Rights) الذي تلاه، رسّخا حريّة الدّين بصفة نهائيّة. ففي حين ترتبط الممارسة الدّينيّة في أماكن أخرى في معظم الأحيان بالإكراه، فهي تستحضر الحريّة في الولايات المتّحدة.

كما توجد في هذا البلد أيضا أخلاقيّة قويّة جدّا تميل إلى استخدام الدّين – بما في ذلك التّأويل الحَرْفِيّ والعبثيّ لنصوص الكتاب المقدّس- في سبيل توحيد القوى والممارسات المرتبطة بها. وهذا، في رأيي، انحراف باتّجاه تصوّر سحريّ لا علاقة له برسالة الإنجيل الحقيقيّة.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This