لأنّه لا يملك مفاتيح القلعة… قذفها بالحجارة


ما زال التهجّم على المفكّرين التنويريين في عالمنا العربي/الإسلامي متواصلا، وإن بدرجات مختلفة من بلد إلى آخر. وينصبّ أساسا على تلك العقول التي آلت على نفسها أن تتصدّى بعمق ومسؤولية  للإجابة بجرأة عن أسباب التوتّر التي تسم علاقتنا بالحداثة، حتّى تكون إقامة الإنسان العربي المسلم في زمنه متوازنة، مطمئنة، وخلاّقة.
وإن اختلفت أشكال التهجّم وتنوّعت أساليبها تاريخيا وتفاوتت خطورتها، فإنّ ما يجمع بينها جميعا أنّها محكومة بآلية ردّ الفعل المتوتّر، الصاخب، الغاضب الذي يخرج محاربا، شاهرا سيوف التشكيك والتكفير، سابّا، شاتما، عاجزا في كلّ الأحوال عن الإقناع بحوار نقديّ وعلميّ مفيد للقضايا المطروحة. وهو غير معنيّ بتقديم بدائل وأطروحات جديدة، مكتفيا بـ"جاهزية" التراث الفقهيّ الأصوليّ الذي يظنّ واهما أنّه أجاب عن كلّ الأسئلة.
خلال شهر ماي الفارط من هذه السنة 2010، قام "أنس الشابّي"  بتجميع عدد من مقالاته المنشورة في بعض المجلاّت والصحف التونسية، ونشرها في كتاب أصدرته دار نقوش عربية تحت عنوان "أهل التخليط". في هذا الكتاب الذي يمسح مائة وخمسين صفحة يوسّع الكاتب من دائرة التحامل والتهجّم لتتجاوز "عبد المجيد الشرفي"(أوّل من وجّه إليه سهام نقده على هامش الرّدود المتصلة بكتاب "ليطمئنّ قلبي" لمحمد الطالبي")، لتشمل عددا  كبيرا من الأساتذة والباحثين التونسيين الذين اعتبرهم "عصابة" تستهدف تقويض أسس الدّين والإيمان تحت غطاء البحث العلمي، و"أهل تخليط" أي ممّن لا يعتدّ بروايتهم وعلمهم بالمعنى الفقهيّ لمصطلح "التخليط" كما هو معروف. كما وصفهم بـ"جماعة ضغط"، وبأوصاف أخرى، تدلّ على ثراء قاموسه الهجائيّ. طبعا لسنا في مقام عرض الكتاب، لأنّ العرض يفترض وجود كتاب يتضمّن محتواه ما يدلّ على أن مؤلّفه يبحث ويحاور، ويتساءل. وهو ما لا يتوفّر في مقالات "أنس الشابي"، فقد اختار ممارسة كلّ أشكال التشهير والتحريض، والتكفير وهتك الأعراض والثلب، بما يجعل ذكره في هذا المقام من باب التشهير المضادّ. فلا يستقيم علميّا أن يسمح كاتب لنفسه بالقول إنّ "عبد المجيد الشرفي" يرفض النبوّة مثلا. وأنّ هدفه ردّ الناس عمّا اعتقدوا، مستشهدا بعبارة استلّها من أحد كتبه دون أن يستوعب دلالة السياق الفكريّ الذي وردت فيه. ومن غير المعقول أن يقول إنّ هدف "رجاء بن سلامة" هو التخلّص من الفقه وأحكامه جملة وتفصيلا كمقدّمة للمطالبة بالتخلّص نهائيا من القرآن. ويختار الآيات القطعية في دلالاتها الصريحة، فيما يتّصل بالميراث لأجل تأكيد موقفه، ويسكت عن آيات الأحكام المتعلّقة بتشريع الجلد وقطع الأيدي والأرجل والرّجم وغير ذلك. مستخدما نفس آليات التفكير "الأصولية" التي كان معاديا لها، ولأصحابها، من أجل تأليب القرّاء.

طبعا لا يجد "أنس الشابي" وقتا يخصّصه لمعرفة الآفاق العلمية للدراسات "الجندرية" (والتي استفادت منها الباحثة "آمال قرامي" بكفاءة في بحوثها) وللتعرّف على الإمكانيات الكبيرة التي تمنحها المقاربة التحليلية النفسية في قراءة التراث والفكر عموما،(كما يتجلّى في مؤلّفات "رجاء بن سلامة") ولكنّه يتحايل بخبث ليمارس الثلب دون أن يترك دليلا يورّطه قانونيا في ذلك. غير أنّ السياق يفضحه حين يعقّب قائلا "بهذا الأسلوب أصبحت الرغبات المكبوتة لدى مجموعة من النسوة علما يدرّس في معاهد الدولة وبأموالها فتخترع له المباحث وتنشأ الأقسام وتسلم الشهائد ويُوسّم دعاته". وبنزعة تفكير بوليسية، يخلص في أحد تقاريره -التي يحسن صياغتها -إلى تحديد السمات التي تجمع بين المنتسبين لهذه "العصابة"، (مقدّما بذلك خدمة أمنية، لمن يطلبها). وهي استهدافهم الإيمان ونفي قدسية القرآن. والدعوة إلى تغيير طريقة الصلاة. وغير ذلك من أمور الدّين.  ولو وقف عند هذا ربّما هان الأمر، وقلنا قارئ يتعسّف على البحوث ويقوّلها ما لا تقول. أو رجل عاطل يرغب في استعادة وظيفة. لكنّه يذهب إلى ما هو أخطر من ذلك، كاشفا عمّا نعتبره الدّافع الرئيسيّ من هذه "الحملة"، وهي أساس الخلفية الإيديولوجية/السياسية التي قادته لهذا السجال حين يتّهم من أسماهم بـ"أهل التخليط" بأنّهم يجتمعون على أهداف  مشتركة، يذكر من بينها : استهداف دولة الاستقلال، وتسفيه منجزاتها، واعتبارها امتدادا لاستعمار نحن اليوم مطالبون بمقاومته أي تحقيق الاستقلال الثاني والتسوية بين عنف المتطرفين ومقاومة الدولة له !!

 لا شكّ لدينا  أنّ "أنس الشابي" قد وجد تشجيعا غير مباشر من  كتاب صدر سنة 2007 عن دار سيراس للباحث التونسي "محمد الطالبي" تحت عنوان "ليطمئنّ قلبي"، وقد ترجم مؤخرا إلى الفرنسية. إذ بدأت سلسلة مقالاته بالردّ على الرّدود التي كتبت حول كتاب "الطالبي".

ما حدث، (نسوق هذا الكلام للتذكير فقط) أنّ لهفة "الطالبي"، وهو مؤرّخ ومفكّر له رصيد كبير في ما يتصل بتجديد الفكر الإسلامي وتعزيز التسامح والحوار بين الأديان، على الاطمئنان النهائيّ كانت متعجّلة. فأسلوبه في الكتابة (الذي كان في معظم كتبه هادئا رصينا، مدققا ميالا إلى "التنسيب"، متحمّسا ومدافعا عن معاني التسامح والاحترام، يفصل بين الفكري والشخصي، (تدلّ على ذلك كتبه مثل "عيال اللّه" و"أمّة الوسط")، صار منفعلا مندفعا، حاسما في أفكاره جازما بنزعة إطلاقية. ومع أنّ هذا السلوك يتعارض أساسا مع تقاليد التفكير والبحث التي كان من المساهمين في ترسيخها في الجامعة التونسية وفي حياتنا الثقافية، إلا أنّ ما هو أخطر من ذلك أنه تجاوز مناقشة الأفكار إلى تأويل نوايا منتجي هذه الأفكار. وليته قصد النوايا الفكرية والمعرفية، بل ذهب إلى ما زعم أنّها نواياهم الإيديولوجية وعقائدهم الخاصة. ورغم المرارة التي خلّفها كتاب الطالبي في نفوس عدد من قرائه، إلا أنّ قسما كبيرا من المتدخّلين في السجال وبعضهم من خرّيجي الجامعي التونسية، لم يهاجموا الطالبي فيما صاغه من عبارات جارحة ومؤذية في حقّ الشرفي ومحمد أركون حيث دعا في كتابه إلى هتك قناعهما واعتبره واجبا دينيا. لم يفعلوا ذلك بل ذكّروه بكتبه التي تدعو إلى العلم والحوار والتسامح ونبذ نزعات التكفير. ذكّروه بنفسه، بما هو أصيل وقويّ فيه، بكلّ الاحترام والنزاهة التي تعلّموها منه، ذكّروه بالمدرسة التونسية الأصيلة التي كان من أعمدتها ومؤسّسيها في الجامعة التونسية. ومع ذلك واصل الطالبي نهجه متراجعا عمّا آمن به لسنوات طويلة من ذلك قضية الحوار بين الأديان.

وذكّرني كتاب "أنس الشابي" بكتاب صدر سنة 2002 عن دار "سكريبيوس" لمحمد لطفي اليوسفي تحت عنوان "القراءة المقاومة وبكاء الحجر". وهو كتيّب وضعه صاحبه للحطّ من المنجز العلميّ لعبد المجيد الشرفي، واعتباره "من باب الإبهار والتضليل". دون أن يقدّم ما يقنع علميا بذلك. بل كشف بوضوح عن الخلفية الشخصية الضيّقة من تأليفه، بما وجهّه من كلمات للشرفي الشخص من قبيل أنّه "نرجسيّ، ويتصوّر نفسه شيخا ومخلّصا، وله مريدون".. وغير ذلك ممّا لا يليق بالمتحاورين كوصفه لكتابته بأنّها "تحبير" وغير ذلك ممّا نربأ بأنفسنا عن ذكره.

مثّل الكتاب فضيحة حقّا وكان جديرا بجائزة أسوأ مؤلّف في تلك السنة، ليكون خلاصة لكلّ ما ينبغي على الطالب أن يتجنّبه في النقد والبحث. والطريف أنّ كتاب اليوسفي /الفضيحة والذي قبرته الذاكرة بلا أسف وجد من يتحمّس له ويشيد به وهو "أنس الشابي" ذاته الذي يستحضره في معرض ذمّه الفجّ  لشخص "الشرفي".

إن ما يسكت عنه "أنس الشابي" مؤلّف "أهل التخليط" ويتجاهله في غمرة تحامله، وما يتناساه "اليوسفي" في غمرة تشفّيه الأعمى أنّ أساتذة الحضارة المتخصصين في الإسلاميات، والذين لا ينكرون رغم كلّ شيء فضل أساتذة كبار (لا شكّ أنّ "الطالبي" أحدهم) قد أفادوا من مناهج الدراسة التاريخية والأنثروبولوجية وعلم الأديان المقارن ووجدوا مستندات قوية في تاريخية الفكر الإسلامي ذاته، إذ كان للمعتزلة فضل السبق في طرح مسألة خلق القرآن، ومناقشة طبيعة الوحي، كما طوّروا بحوث القدامى فيما يتصل بأسباب النزول باعتبارها دالّة على تاريخية القرآن، واستفادوا من النزعات الإنسانية والمادية والعقلانية كما تبلورت عند مسكويه والتوحيدي والفارابي والكندي وابن خلدون وابن رشد، وغيرهم من المفكرين الكبار، مستفيدين في ذلك من بحوث مهمّة لمحمد إقبال، ومحمد أركون والطيب تيزيني وحسين مروّة، وصادق جلال العظم، وخليل أحمد خليل وغيرهم. وهم في كلّ ذلك يستأنفون مشاريع، ويواصلون بحوثا، ويعمّقون النظر في قضايا من أجل توفير عناصر أجوبة لأسئلة التحديث التي تضغط علينا من كلّ جانب. مع حرص متفاوت لديهم بأن لا تقدّم تنازلات ومصالحات و"توافقات" ترضي العقلية السلفية المحافظة، وتتناقض مع مشروعهم النقدي من أجل ترسيخ مبادئ العلمنة والعقلنة والأنسنة التي تشكّل الأساس الفكري لكلّ بناء ديمقراطي يؤسس لقيم المواطنة والحرية وحقوق الإنسان.
 

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This