لا للغداء المجاني
يحبّ الناس بطبيعتهم، وربّما بتطبّعهم، كل ما هو مجانيّ، ولاسيما إذا كان طعاماً. وقلّما تجد شخصاً يدعى إلى وليمة غداء أو عشاء أو فطور أو سحور أو حتى حفلة شاي أو كوكتيل، لا يلبّيها بسرعة ودون تردّد في أغلب الأحيان. بل إنّ بعض التجّار الماكرين يحتالون في إعلاناتهم بالقول: خذ كذا ويكون لك كذا مجانا. أو يكتبون على سلعهم: عشرون أو ثلاثون بالمائة مجانا!. وطبعاً تنطلي الحيلة على كثير من الناس البسطاء بطبعهم وتفكيرهم وثقافتهم، وهنا قد يكون الأمر مفهوماً إلى حدّ ما. ولكن مهلاً: ماذا عن أصحاب الثقافة وحملة الشهادات وذوي المستوى العلمي والفكري والثقافي الرفيع؟ ألا يغريهم كذلك الطعام المجاني والهدايا المجانية؟ وإذا كان الجواب عن السؤال السابق نعم، أفليس ممكناً أن يؤثّر هذا على أدائهم المهنيّ وعطائهم العلميّ والفكريّ والثقافيّ؟
الإجابة معروفة بالطبع، ومن أمثلتها الواقعية أن تجد صحفياً أو ناقداً يكتب مقالاً مدحياً عن شخص (كاتب أو أديب أو شاعر أو سياسيّ أو مؤرخ أو .. أو ..) دعاه للغداء قبل يومين، أو أن تجد مجلّة أو صحيفة تنشر تغطية دعائية فاقعة لمنشأة أو لشركة تعلن فيها عن نشاطاتها أو منتجاتها بشكل مكثّف. ومن الأمثلة المعكوسة ـ التي تثبت صحّة ما نذهب إليه ولا تنقضه ـ أن يقيم أحد الأشخاص حفلة كبيرة أو وليمة حاشدة، ويمتنع عن دعوة أناس بعينهم لحضورها. لماذا؟ لأنهم رفضوا أن يكتبوا عنه وعن أعماله الفذّة وإبداعاته العظيمة وشخصيته الملهمة!.
لا ينطبق الأمر فقط على الثقافة والأدب والنقد كما قد توحي الأمثلة أعلاه، بل يتعدّاها إلى مختلف جوانب الحياة، فأيّ شخص في عصرنا الحالي يريد أن يطلب من شخص آخر طلباً ولو بسيطاً وعادياً، يجد من واجبه الطبيعيّ والمفروغ منه أن يدعوه للغداء أو للعشاء أو أن يقدّم إليه هدية ما، حتى ولو كان صديقه أو قريبه. وهذه كما قلنا أمور مفهومة إلى حدّ ما، ولا يعسر هضمها كثيراً، ولا يمكن إدانتها بالمطلق، طالما أنها تبقى ضمن حدود معقولة ولا تؤدي إلى أذيّة أحد ولا تسبّب ضرراً لفرد بعينه أو للمجتمع ككلّ. ولكن في بعض الأحيان تكون الآية مقلوبة، ويخفي هذا السلوك مخاطر حدوث أذيات وأضرار فردية ومجتمعية على المدى القريب والمدى البعيد. ولعلّ أدهى ما في هذا الأمر هو ما يتعلق بالجوانب العلمية والطبّية على وجه الخصوص. فتصوّروا مثلاً طبيباً تدعوه شركة صناعة دوائية للغداء أو للسياحة أو تقدّم له هدية أو تذكاراً، وهو في المقابل يكتب في وصفاته الأدوية التي تصنعها تلك الشركة، بغضّ النظر عن مدى جودتها وفعاليتها وملاءمتها لوضع المريض صحّيا وإنسانيا وماديا. هذا أمر يتكرّر، ولفرط تكراره نخاله عادياً وطبيعياً وربما أخلاقياً أيضاً، ولذلك لا نتعب أنفسنا غالباً في عناء التفكير فيه أو في تقييم مدى شرعيته، إذا صحّ التعبير. لكن هناك على ما يبدو أناساً في هذا العالم الواسع يتحمّلون عنا وزر التفكير والتحليل حول هذا الأمر وسواه، ومن هؤلاء مثلاً الطبيبة وأستاذة علم النفس في جامعة بنسلفانيا الأمريكية، ايمي بروكي Amy Brodkey التي قامت بدراسة العلاقات بين الأطبّاء ومندوبي الدعاية للمصانع الدوائية، وتنازع المصالح الناتج عن ذلك، محاولة الإجابة أو البحث عن إجابة لعشرات الأسئلة المتعلقة بالعلاقات بين الأطباء ومصانع الدواء: فهل على الأطباء أن يقبلوا الهدايا من المصانع ومندوبيها؟ هل يعتبر شيء صغير مثل قلم أو كتاب أو حتى غداء مجاني، مشكلة في هذا الإطار؟ ما هي الدرجة التي تجعل التفاعلات والتعاملات بين الأطباء ومندوبي المصانع، تندرج في باب تنازع المصالح أو تؤثّر على ممارستهم المهنية؟ هل من الأخلاقي أنّ تعطى للمرضى أو أن تمنع عنهم عيّنات الأدوية المجانية التي توزّعها الشركات كجزء من الدعاية؟.
طبعاً توصلت بروكي إلى أجوبتها الخاصة عن هذه الأسئلة وعن أسئلة أخرى عديدة متفرعة عنها ومتعلقة بها، وهذا ربما ما دفعها مع مجموعة من زملائها إلى تأسيس منظمة غير حكومية وغير ربحية، أطلقوا عليها اسماً طريفاً هو “لا للغداء المجاني No Free Lunch”. وتهدف إلى توسيع المسافات بين الأطباء ومصانع الأدوية.
وقد شرحت بروكي مؤخّراً، في مقابلة مع بيبا ويسون Pippa Wysong ، منشورة على الانترنت (موقع ميدسكاب Medscape)، أفكارها ورؤاها وتوجّهاتها، وتحدّثت عن منطلقات الجمعية التي ترأسها حالياً وأهدافها، فاعتبرت أنّ تنازع المصالح هو ببساطة مصالح متنافسة، فالطبيب مؤتمن على صحّة مرضاه، وواجبه الرئيسيّ هو المحافظة على تلك الصحّة وصيانتها، ولكنّ تنازع المصالح يتجلّى في بعض السلوكيات مثل قبول الهدايا، أو الحصول على راتب أعلى من الرواتب العادية، أو فعل أيّ شيء آخر للكسب الشخصيّ يتعارض مع واجبه كطبيب نحو مرضاه أو تلاميذه، أو نحو الصحّة العامّة. أمّا مصانع الأدوية فهدفها الأوّل جني الأموال والأرباح لأصحابها وحاملي أسهمها، ولذلك فالعلاقات بين الأطباء والمصانع يمكن أن تتعارض مع واجب الطبيب، وهناك دراسات عديدة تبيّن أن المصانع التي تؤثّر على الأطبّاء تؤدّي غالباً إلى أضرار، ليس فقط للمرضى، بل كذلك للمتدربين وللجمهور وللمهنة. مع الإشارة إلى أنّ تأثيرات تنازع المصالح تكون غالباً من النوع الدقيق وشبه الخفيّ، ويمكن للطبيب أن لا يدرك مطلقاً أنّها تؤثّر على ممارسته المهنية.
وفي نفس المقابلة ذكرت بروكي أن هناك دراسات تظهر أن الأطباء الذين يتفاعلون بشكل أكبر مع مندوبي مصانع الأدوية، يكتبون وصفات أغلى ثمناً، وأحياناً بشكل غير ضروري أو غير مناسب، وربما حتى أكثر مخاطرة، مقارنة بما يفعل الأطباء الذين يتفاعلون بشكل أقل. فكأنهم مرغمون، أو لنقل من باب التخفيف شبه مرغمين، على الاعتقاد بأن الأدوية الجديدة هي الأفضل، رغم أنّ الدواء القديم قد يكون أكثر ملاءمة وأقوى فعالية وأنسب ثمناً.
كذلك انتقدت بروكي قيام مصانع الأدوية بتمويل التعليم الطبي المستمر في بعض الدول، كالولايات المتحدة الأمريكية حيث تمول المصانع 60 ـ 80٪ من مجمل نشاطات التعليم الطبي المستمر. وهذه النشاطات تشارك فيها أيضاً شركات الاتصالات ووسائل الإعلام وهي في معظمها شركات ومؤسسات ربحية، تبحث عن زيادة أرباحها وأسعار أسهمها في المقام الأول. وتظهر دراسات عديدة أن نشاطات التعليم الطبي المستمر التي تحظى برعاية تمويلية تكون غالباً منحازة إذا ما قورنت بمثيلتها غير المرعية من قبل ممولين أو صناعيين. وسيطرة المصانع هذه على التعليم الطبي لا بدّ أنها أثّرت وتؤثّر بقوّة على مهنة الطبّ ومهنيتها وجوهرها الإنساني. وضربت بروكي مثالاً ساطعاً على ذلك بدراسة اسكتلندية تقصّت ما حدث عندما أوقف بشكل متدرج التمويل الحكومي للتعليم الطبي المستمر واستبدل بمزيد الرعاية الصناعية. فقد وجد الباحثون أنه مع مرور السنوات تقلص مجال مواضيع الأبحاث الذي كان من قبل واسعاً ومتنوعاً، وانكمش إلى مجال ضيق يشمل خدمات المريض ووسائل العناية به، مع التركيز أكثر على التدبير الدوائي للأمراض. ومع سيطرة العلاجات الدوائية ـ تقول بروكي ـ في الطب النفسي وفي غيره، تغيّر الطب بشكل كبير. دون أن تنفي أن للجانب الصيدلاني مكانة هامة في الطب، لكن الطب برأيها وبرأي كثيرين هو أكثر من ذلك بكثير. فالطب ليس مجرد كتابة وصفات دوائية (أقراص، حقن، تحاميل… الخ) كما يشيع حالياً على نطاق واسع بين عموم الناس، بسبب تأثير المصانع بالدرجة الأولى، بل إن له جوانب أخرى قد تكون أكثر أهمية من الأدوية، فمثلاً فيما يتعلق باختصاص الطب النفسي (وهو اختصاص بروكي) نرى انخفاضاً مريعاً في عدد الأطباء النفسيين الذين يقدمون لمرضاهم المعالجة النفسية التي لا تعتمد الأدوية والعقاقير.
وللتدليل على صحة كلامها السابق تحكي بروكي عن محاولة قامت بها منذ بضع سنوات الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين، بغية التخفيف من تنازع المصالح، وذلك عبر تعيين مراقبين مقيمين في الندوات والمؤتمرات التي ترعاها المصانع لتقييم ما إذا كانت النقاشات منحازة أو لا. ولكن الجهود كانت غير فعالة وغير مجدية، لأن المراقبين المعيّنين أمضوا وقتاً صعباً في الحكم على دقة المعلومات، بينما كانت العقوبات نادرة.
ولكن هل يمكن وضع قائمة يستخدمها الأطباء من أجل تقييم كونهم أخلاقيين في ممارستهم المهنية أو خاضعين لسيطرة وتأثير من الخارج؟ طبعاً هذه مهمة صعبة وربما مستحيلة، لأن المشكلة مع تنازع المصالح ـ حسب بروكي ـ هي أن الناس غالباً لا يكونون مدركين كيف يؤثر هذا عليهم. فربما أدت هدية صغيرة، بشكل دقيق لدرجة المكر، إلى تبديل سلوكي أو إلى خلق انحياز، ولو لاشعوري. ورغم وجود نسبة معتبرة من الأطباء الذين يرفضون مقابلة مندوبي المصانع ثانية بعدما يتبين لهم أنهم مجرد مسوّقين وليسوا علميين، فإن أفضل طريقة لتخفيف تنازع المصالح هي بإبعاد الأطباء أنفسهم أقصى ما يمكن. أما الأطباء الذين يعتقدون أنهم يحلون المشكلة ويحققون توازناً علمياً وأخلاقياً عبر حضورهم مؤتمرات منحازة متنافسة فيما بينها، فهم ليسوا على حق، لأن محتوى أي مؤتمر أو محاضرة أو خطاب يخضع غالباً لفحص دقيق من قبل الراعي/المموّل وبشكل مسبق، فلماذا يتعيّن على الأطباء أن يحصلوا على معلوماتهم من مصادر يعرفون تماماً أنها منحازة وموجّهة؟. ولماذا يسمح للمصانع بهذا الحد من السيطرة والتأثير على التعليم الطبي وعلى الممارسة الطبية، بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر؟.
انطلاقاً من كل ذلك ترى بروكي أنه ينبغي إزالة جميع أشكال رعاية الصناعيين للنشاطات الطبية خصوصاً في مجال التعليم الطبي المستمر، كما اقترح مؤخراً المعهد الطبي الأميركي. وأنه يتحتم على المراكز الطبية الأكاديمية أن تعتمد على مقدراتها الذاتية وإمكاناتها المحلية، كما فعلت مؤخراً الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين حيث قررت أن تزيل الندوات والمحاضرات التي ترعاها المصانع من برامج مؤتمراتها، رغم أن ذلك سوف يكلف الجمعية مليونا ونصف مليون دولارا أمريكيا، وهذه خطوة متقدمة ينبغي على الجميع الاقتداء بها.
وحول العينات الطبية المجانية التي توزعها المصانع على الأطباء، تعترف بروكي بأن الموضوع محير. فحين يكون الطبيب في مناطق نائية، ولديه مرضى لا يتمتعون بتأمين صحي، تكون العينات مغرية ومفيدة للطبيب. ولكنها أيضاً مفيدة للمصانع، ويكفي أن نعلم أن خمسين بالمائة من ميزانيات التسويق هي للعينات الطبية، حتى ندرك حجم الفائدة المرتقبة منها. ومن جانب آخر هناك جوانب سلبية لتلك العينات، فشركات الأدوية غالباً ما تحصر تلك العينات الدعائية في المستحضرات الأحدث والأغلى ثمناً، ولا تقدم عينات من الأدوية الأقدم، وتلك الأدوية الجديدة لا تكون معروفة جيداً من حيث أمانها وسلامتها على المدى الطويل، كما تظهر الدراسات أن قسماً كبيراً من العينات تستخدم في الواقع من قبل موظفي الرعاية الصحية وعائلاتهم، ولا تصل للمرضى، كما يفترض، إلا قليلاً.
أما الهدايا التي تقدمها المصانع للأطباء، فهي من وجهة نظر بروكي مرفوضة كلياً، بغض النظر عن حجمها وقيمتها، ومنظمة “لا للغداء المجاني” تشجع الأطباء على رفض جميع أشكال الهدايا، صغيرة أو كبيرة، لأنه لا يوجد دليل على أن للهدايا الكبيرة تأثيراً أكبر من الهدايا الصغيرة، فالهدايا هدايا وهي تعزز نوعاً من الالتزام التبادلي. وترى بروكي أن الأطباء المتدربين هم الأكثر تأثراً بشركات الأدوية، وتذكر أنها شاركت سابقاً في دراسة منشورة حول طلاب الطب والأطباء المتدربين، وكانت النتيجة أنهم مالوا لإظهار قدر كبير من البساطة والسذاجة، ولذلك تستهدفهم شركات الأدوية حيث تكون عاداتهم آخذة بالتشكل، ونظرتهم الأخلاقية غير كاملة التبلور، فإذا هم قبلوا هدايا من الشركات فسوف يشعرون بنوع من الالتزام برد الجميل والمعاملة بالمثل، وهذه نقطة غير جيدة وليست في صالح الطب كعلم، ولا في صالحهم كأطباء.
وفي نهاية المقابلة تقترح بروكي أمرين: الأول ضرورة فضح كل شخص وكل شيء وكل تصرف، وجعل الكل شفافاً (تمويل، علاقات، دفع نفقات خاصة، تعويض كامل، عضويات مجالس إدارة، شركات استشارات، تمويل أبحاث، استثمارات…) ومع تشديدها على هذه الخطوة، تقر بروكي بأننا لا نعرف الكثير عما يمكن لهذا الفضح أن يفعله، كما تعترف بأنها شخصياً لا تمتلك أسباباً قوية للاعتقاد بأن هذا هو الحل الكافي.
أما الاقتراح الثاني فيأخذ شكل نصيحة موجهة للأطباء بأن يتفاعلوا مع المصانع والشركات بطريقة مختلفة، بحيث تكون المسافة أبعد ما يمكن بين المصانع والأطباء، أو بين الصناعة ومهنة الطب.
طبعاً تبدو طروحات بروكي وجمعيتها أقرب إلى لمثالية، لأن المسألة إشكالية ومتشعبة وصعبة الحلّ، ولكن لا ننس أنه ـ بالنسبة للبعض ـ ثمة متعة كبيرة في حل أو حتى في محاولة حلّ أمثال هذه المسائل العويصة والمعقدة والإشكالية، حتى ولو اضطروا للتخلي عن جزء من طبيعتهم ورفع شعار “لا للغداء المجاني”!
