لمن يعتذر البابا؟
هاشم صالح
فوجئنا بردّ فعل الإخوان المسلمين الأردنيّين على زيارة البابا. وما كان ينبغي علينا أن نفاجأ على الإطلاق. لقد ارتكبنا أكبر حماقة في التاريخ! عفوا، سامحونا.. وبالتالي فإنّنا نعتذر إليهم عن هذا التفاجئ الذي جاء في غير محلّه. ونرجوهم أن يتقبّلوا اعتذارنا الشديد لأنّنا أخطأنا الظنّ فيهم مرة أخرى واعتقدنا أنّهم تطوروا قليلا بعد كلّ ما حصل ويحصل. اعتقدنا على الأقلّ أنّ من صفات العربيّ البدويّ الشهم حسن الضيافة وتقديمها حتى للأعداء بل والترحيب بهم أيّا يكونوا. من باب الّلياقة ظننت فعلا، ويا لسذاجتي وجهلي وأعتذر مرّة إضافية، أنّهم سيلقّنونه درسا في الأريحيّة والشهامة العربيّة إن لم أقل الإسلاميةّ ويرحبون به على الرغم من كلّ شيء. حتّى محمّد، النبي الأعظم، عفا عمّن حاربوه بحدّ السيف وأذوه وحاولوا قتله مرّات ومرّات قائلا عبارته الشهيرة: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
أمّا هم فلا يغفرون ولا يعذرون ولا تعرف قلوبهم الرحمة ولا الشفقة. ولا تدخل كلّ هذه المصطلحات الناعمة والتقاليد الحضارية في قاموسهم. بئس القوم هم! لقد شوّهوا سمعتنا أكثر ممّا هي مشوّهة في شتّى أقاصي الأرض. ثمّ يعتقدون بأنّ العالم سيحترم الإسلام بعد كلّ ذلك! لقد فوّتوا علينا الفرصة مرةّ أخرى.
الرجل اعتذر بشكل مباشر او غير مباشر أكثر من مرّة ولا يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك أصلا. لقد تأسّف بصدق لأنّه جرح مشاعر المسلمين عن غير قصد في تلك المحاضرة الشهيرة التي دخلت التاريخ بل وستسرّع من حركة التاريخ كما نأمل ونرجو. فرُبّ ضارة نافعة. وعن الخطأ ينتج الصحّ بحسب نظريّة الجدل الديالكتيكيّة. وعلى أيّ حال، فهي ليست خاطئة إلاّ بالنسبة للعصر الذهبيّ للإسلام. أمّا بالنّسبة للعصور الانحطاطيّة الحاليّة فهي أكثر من صحيحة ولا غبار عليها. ثمّ إنّ المسكين صلّى بكل خشوع شابكا يديه ومستديرا باتّجاه القبلة ومكّة المكرّمة مع مفتي اسطنبول الشيخ العالم مصطفى شاغريجي.
كنّا نعتقد أنّ الإخوان المسلمين الأردنيّين قد استفادوا شيئا من تجربة إخوان تركيا الذين هم جيراننا الأقرب جغرافيّا وتاريخيّا ودينيّا. كنّا نعتقد أنّهم تطوّروا وتحضّروا وأصبحوا مثقّفين نسبيّا على الأقلّ. هل نعلم بأنّ مفتي إسطنبول، عاصمة الإمبراطوريّة الإسلامية كلّها أيام زمان، هو أستاذ جامعيّ ومنفتح على العصر والعلوم الحديثة؟ هل نعلم بأنّه صرّح مؤخّرا بأنّ الجهاد السائد في البيئات الأصوليّة المتزمّتة باطل وملغى شرعا ودينا؟ ثمّ قال بأنّ الجهاد الوحيد المقبول عند الله حاليا هو أنْ يبذل المسلمون جهودا مضاعفة من أجل استيعاب العلوم الحديثة وترسيخ الحضارة والتقدمّ المدني ودولة القانون والمؤسّسات الديموقراطيّة في بلاد المسلمين؟ ثمّ أردف بأنّ الجهاد المقبول عند الله هو إخراج المسلمين من حمأة التخلّف والفقر والجهل والتعصّب.
هذا رجل يفهم بابا روما لأنّه عالم مثله أو على الاقلّ مطلع على شيء من الفكر الحديث. أمّا هم فيا للأسف لا علم ولا فكر ولا انفتاح ذهني ولا يحزنون. واخجلتاه بهم! حتّى في العلوم الدينية نحن متخلفون. فما بالك بما تبقّى؟
هل يعلمون بأنّ بابا روما الذي رفضوا استقباله ولو من باب الّلياقة لأنّه في ديارهم هو أحد كبار المطّلعين على الفكر الفلسفيّ منذ أقدم العصور وحتّى اليوم؟ هل يعلمون بأنّه استطاع أن يناقش فيلسوف الألمان يورغين هابرماس لمدّة ساعات متواصلة في مناظرة شهيرة عن الفلسفة والدين في مدينة ميونيخ؟ ولا أعرف ما اذا كان العرب قد ترجموا هذا النصّ أم لا؟ هل يعلمون بأنّه يعرف تاريخ الفلسفة وليس فقط تاريخ الفكر الديني من أفلاطون وأرسطو حتّى كانط وهيغل والتيّارات المعاصرة؟ ثم يرفضون مصافحته واستقباله! والله لو كنت محلّه لرفضت أنا مصافحتهم واستقبالهم حتّى ولو تراموا على عتبات بابي. عمّ سيتحدّث معهم أصلا إذا ما رآهم وهم كالحو الوجوه، مكشرون عن أنيابهم، منغلقون داخل العلوم الدينية التقليدية والفقه القديم والكتب الصفراء التي علاها الغبار؟ هل يعلمون بأنّنا دخلنا فقه الحداثة وما بعد الحداثة وهم لا يزالون غارقين في فقه القرون الوسطى المظلمات؟ انهم يجهلون حتّى العلوم الدينيّة الحديثة فما بالك بالفلسفة؟ وإذا كان يغضّ عنهم الطرف ويسكت على تصريحاتهم وإهاناتهم واستفزازاتهم اليومية فليس ذلك لأنّه لا يسمعهم. وإنّما لأنّه يشفق عليهم وينظر اليهم كأطفال من الناحية الفكرية لا أكثر ولا اقلّ. إنّه يعرف مستواهم ولذلك فإنّه لا يبالي بما يقولون حتّى ولو شتموه يوميّا عشر مرات. ألم يعرّف مواطنه الأوّل كانط التنوير بأنّه: خروج البشرية من مرحلة القصور العقلي، أي الطفولة الفكرية، والدخول في سن الرشد؟ المسلمون أطفال من الناحية العقلية لا أكثر ولا أقلّ. يا أمّة ضحكت من جهلها الأمم.
ولكنّه عرف كيف يعتذر لهم عن جدّ! ليس غبياّ بابا روما.. إنّه ماكر أكثر ممّا نتصوّر. بل ربّما كان أكبر مثقّف في تاريخ البابوية منذ ألفيْ سنة. لقد عرف كيف يردّ عليهم بالصاع صاعين دون أن يذكرهم من قريب أو من بعيد ولو بكلمة واحدة.
ولكنّ الجميع يعرف أنّه يقصدهم. كان ذلك في خطابه الرائع في جامع الحسين بن طلال الكبير بوسط العاصمة عماّن. وبالتالي فمن المستحيل ألّا يسمعوه. قال لهم ما كان قد ردّده سابقا مرّات ومرّات وما يمثّل جوهر الدين في الإسلام كما في المسيحية. قال لهم ما معناه: انتبهوا أيّها السادة! الإيمان بالله والعنف لا يجتمعان. تصلّون من جهة، ثمّ تضعون العبوات الناسفة في المتاجر العامّة أو ترسلون الانتحاريين والانتحاريات لتفجير أنفسهم وسط السكان المدنيين من جهة أخرى، هذا لا يجوز. هذا ليس دينا. هذا إجرام بل إنّه أبشع أنواع الإجرام لأنّه يتمّ باسم الدين. هذا تشويه للدين ورسالته وتلاعب به وحرف له عن مقاصده العليا وغاياته. فاختاروا إذن. بمعنى انكم لستم مؤمنين حقيقيين حتى ولوصليتم يوميا مائة مرة. ثم قال لهم: حذار من التلاعب بالدين لاغراض سياسية وبخاصة لأغراض سياسية شريرة بل وإلى ارتكاب العنف والإجرام وخلع المشروعية الإلهية على ذلك.. وبما أنّه رجل دين فإنّه يعرف عمّ يتحدّث. بل إنّه كان رئيسا لمجمع العقيدة والإيمان في الفاتيكان: أي محاكم التفتيش سابقا. وهي التي تمّت باسمها أبشع المجازر وملاحقة العلماء والمفكرين في القرون الوسطى المسيحية. هذا الكلام هو الذي يخيفهم ويجرحهم في الصميم لأنّ كلّ أيديولوجيتهم قائمة على هذا الشيء بالذات. بل إنّ شعارهم بالذات يمثّل أكبر استفزاز للايمان والقيم العليا والنزعة الانسانية والحضارية. انه اكبر رمز على النيات الشريرة العنيفة والعدوانية: سيفان متقاطعان كالثعبانين المرعبين وبينهما كلمة: وأعدّوا، القرآنية! لاحظ أنّهم لم يأخذوا من القرآن إلّا آيات العنف والقتال وأهملوا آيات التسامح والغفران رغم أنّها هي الأكثر عددا.
زعموا أنّها منسوخة! كلّ تفسير للدين باتجاه الرحمة ممنوع رغم أنّ القرآن يقول بصريح النص موجّها الكلام لمحمّد: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين. وبالفعل فقد ولّد هذا الدين ونبيه الأكرم حضارة عظيمة في القرون الاولى. ثم كان الانحطاط والانغلاق. ولذا فمن المستحيل ان تجد كلمة الرحمة او الشفقة في قاموسهم! هذا يعتبرونه دليل ضعف. الايمان ينبغي ان يكون مرهبا إرهابيا مرعبا فقط. عبارة، لا اكراه في الدين، نسوها تماما وربما اعتبروها منسوخة أيضا. هل نستطيع ان نحصي عدد المرات التي تكررت فيها كلمة رحمان ورحيم في القرآن الكريم؟ كل سورة تبتديء بذلك. ومع ذلك فإنّ مثلهم الأعلى هو البطش، والمنع والزجر، والتحريم والردع، والاغتيالات والتفجيرات التي تصيب الناس بشكل عشوائي كيفما اتفق. هؤلاء الذين أقاموا سرادق العزاء بأكبر مجرم في تاريخ الإسلام الحديث: أبو مصعب الزرقاوي، يريدون ان يعتذر منهم بابا روما الذي تقف وراءه أكبر حضارة في التاريخ، حضارة بحجم العالم! فهل جنّوا أم فقدوا وعيهم ياترى؟
الأرجح أنّهم مستلبون عقليا أو مخدّرون فكريا كما يقول ماركس عن التدين التواكلي التسليمي الأعمى. هل يعلمون أنّه لن يقبل بهم حتّى ولو اعتذروا منه ألف مرة؟ ذلك أنّه يعرف من هم وما هو مفهومهم للدين: إنّه قائم على العنف والترهيب، والإكراه والقسر، أي مضاد تماما لمفهومه هو ومفهوم كلّ العالم المتحضر، بل ومضادّ لمفهوم القرآن نفسه ولكل التيّار الإنساني العقلاني في العصر الذهبي للإسلام.
هناك مثل شائع يقول: إذا لم تستح فاصنع ما شئت! وهؤلاء القوم ماعادوا يعرفون معنى الحياء. هل يعلمون بأنّ العالم كلّه يطالبهم بالاعتذار الآن عن كلّ الجرائم والتفجيرات التي ارتكبوها ليس فقط في الغرب والشرق وإنّما أيضا وبالدرجة الأولى في بلاد العرب والمسلمين. ماذا فعلوا في الجزائر؟ ومصر؟ وسوريا؟ وايران؟ والأردن نفسه حيث ذهب المخرج مصطفى العقاد مع ابنته في التفجير؟ والسودان؟ والباكستان وافغانستان وحكمتيار والطالبان. والحبل على الجرار..ماذا فعل ذلك الزرقاوي الذي يحتفلون به ويبجّلونه ويرفعونه إلى أعلى مقام بعد أن قتل الآلاف المؤلفة من نساء العراق وأطفال العراق وفقراء العراق في الأسواق والباصات والساحات العامة وحتّى الجوامع والحسينيات..ومع ذلك فإنّهم يجلّونه ويرفعونه إلى مرتبة الأبطال! ثمّ بعد كلّ ذلك يطالبون بابا روما بالاعتذار!
