” لون الروح “لصلاح الدين بوجاه رواية بانبتيكية!
إذا كان باشلار قد بيّن أنّ تاريخ العلم إنّما هو تاريخ أخطاء العلم فإنّ تاريخ الإنسانيّات أو ما يسمّى بالعلوم الإنسانيّة يبدو كأنّه تاريخ الهلع، كثيرة فيه بشائر الولادة وأنباء الموت. فمنذ ما ينوف على القرن والأخبار الّتي تنعى “موت الإله” (نيتشه) و”موت الإنسان” (فوكو) و”نهايات الإنسان” (دريدا) و”نهاية التّاريخ” وظهور “الإنسان الأخير” (فوكوياما) تتوالى، لا تنافسها في سباق البشارات والنّذارات سوى أنباء انبعاث البلاغة الجديدة (بارط) من رمادها، وولادة التّراجيديا (نيتشه) وموتها (ستاينر).
ويبدو أنّ هذا السّباق قد طال جنس الرّواية. فقد تنبّأ له المتنبّئون من أهل الفلسفة والنّقد بقرب زواله ووشوك تحوّله وانقلابه في هيئة أخرى غير الّتي عهدنا. وإن كان القول في بدايات الرّواية لا خلاف فيه فإنّ أمر نهايته يحتاج إلى فحص. فالمتأمّل في ما كُتب عن تاريخ الرّواية يشعر بأنّ إجماع المنظّرين والنّقّاد وكبار الكتّاب الرّوائيّين قد انعقد على أنّ أصل الرّواية وفصلها أوروبيّ وإن كان انتشارها في جميع أصقاع المعمورة يشي بأنّ هذا الفنّ قد أضحى كونيّا منذ أمد مديد. جرّبته كلّ الثّقافات فتكلّمت الرّواية بكلّ الألسنة واللّغات حتّى غدا لكلّ لسان من ألسنتها تاريخ روائيّ خاصّ به.
ورغم الكثرة الكاثرة الّتي تؤكّدها وفرة البضائع الرّوائيّة في سوق الأدب فإنّه وجب الإقرار بأنّ منطق بقاء الجنس الأدبي في كون الثّقافة لا يشبه منطق بقاء الكائن الحيّ في عالم الطّبيعة. فإذا كانت معظم الكائنات تُبقي على نوعها وتحافظ عليه بالتّكاثر والتّناسل فإنّ كثرة الرّوايات المتزايدة يوما بعد يوم لا تضمن بقاء الجنس على حال واحدة.
فمصير فنّ الرّواية لم تقرّر زوالَه نبوءةٌ آتيةٌ من الغيب إنّما قُرئ من خلال صيرورته وتحوّل ملامحه وانقلاب محدّداته وسماته. آية ذلك أنّ الّذين تكهّنوا بنهاية هذا الفنّ قد عزوا زواله إلى أسباب عديدة، منها ما يتعلّق بمقوّمات الرّواية السّرديّة ذاتها. ولعلّ أعظم الأسباب أنّ الحبكة الّتي تنهض عليها مقولة القصّ قد جعل الكثير من كتّاب التّجريب والطّليعة والرّواية الجديدة مدار كتابتهم على تقويضها، فتهافتت بذلك كلّ المقولات المرتبطة بها كمقولة الشّخصيّة الّتي بزوال الكثير من سماتها. زال مفهوم البطل (ألان روب غرييه) فأصبح إنسان الرّواية بلا مزايا (روبار موزيل).
وأضحت الكتابة في الرّواية أقرب إلى فنّ المقالة. فكاتب كبسكال كينيار يمزج في كتاباته بين فنّ المقالة والفنّ السّرديّ. وفي بعض روايات باول أوستر ” مدينة البلّور “، وهي الرّواية الأولى من الثّلاثيّة النّيويوركيّة، تتحوّل بعض صفحاتها إلى محاورة نقديّة في رواية دون كيشوت. ومن فضول القول التّذكير بأنّ معظم روايات صنع الله إبراهيم هي مراوحة بين الوثائقيّ والرّوائيّ. والمهمّ أنّ الكتابة في الرّواية، في بعض التّجارب الحديثة، إنّما هي كتابة ضدّ الرّواية لتخليصها من هيمنة الحبكة الأرسطيّة. ولعلّ تجربة الرّوائيّ التّونسيّ صلاح الدّين بوجاه القصصيّة والرّوائيّة تتنزّل في هذا المدار.
فمن روايته البكر “مدوّنة الاعترافات والأسرار” (تونس 1985) إلى روايته “لون الرّوح” وما بينهما من روايات كـ”التّاج والخنجر والجسد” (القاهرة1992)، و”النّخّاس” (تونس 1995)، و”سبع صبايا” (تونس 2005)، وأقاصيص مجموعتي “سهل الغرباء” (تونس 1998)، و”لا شيء يحدث الآن” (تونس 2001)، مافتئت ملامح هذه التّجربة تتّضح من عمل إلى آخر. فهي تؤكّد على غرار بعض التّجارب الرّوائيّة اليوم أنّ ما هو آيل إلى زوال ليس فنّ الرّواية وإنّما نوع مخصوص من الحبكات توهّمنا لزمن طويل أنّه من دونه تنعدم مقولة القصّ ولا يكون بانعدامها للسّرد وجود.
وقد ساهمت بعض نظريّات القصّ الحديثة في ترسيخ هذا الوهم لمّا جعلت من الحبكة التّراجيديّة منوالها، ومن نظريّة الميتوس التّراجيديّ الّتي شيّدها أرسطوطاليس في كتاب “فنّ الشّعر” أنموذجها. فأضحت الحكايات الّتي لا تفي بشروط هذا المنوال مجرّد أحداث متفرّقة. فالحبكة التّراجيديّة منوال مخصوص في ترتيب الأحداث، له بداية ووسط ونهاية، ويتميّز في تأويل ريكور له بقدرته على جعل الأحداث المنبثقة على نحو مفاجئ أو طارئ متناسقة غير متنافرة، بحيث أنّ أيّ تغيّر في مجرى الأحداث يفضي إلى تغيّر في مصير البطل.
إذا استحضرنا كلّ هذه المعطيات أمكننا أن نفهم أنّ من تنبّأ بزوال الرّواية إنّما قد تنبّأ بزوال نوع من الرّواية كان يُزاول في نطاق الميمزيس الأرسطي، ويجرى باعتماد الحبكة الأرسطيّة.
بيد أنّ فنّ الرّواية اليوم مافتئ يؤكّد أنّ الحبكة في عوالم الرّواية والقصّة إنّما هي «حبكات» لم يُقَيَّض لها بعد من النّقّاد أو الفلاسفة المنظّرين من يكتب نظريّتها بمقولات جديدة متخلّصة من شبح المحاكاة، أو نظريّة الميمزيس عند أرسطو. من ذلك أنّه يوجد في بعض الثّقافات أشكال من القصّ القديمة يقوم على نوع مختلف من «الحبكات» يتنزّل خارج مدار الميمزيس، وينهض على شبه مفاهيم كالاقتصاص و«التّقصيص» والاقتفاء والتّتبّع. وهذا النّوع لا يجهله أرسطو ولكنّه أقصاه في معرض حديثه عن التّاريخ ومقارنته الكتابة التّاريخيّة بالشّعر. وقد أقصاه لأنّه لا ينتج الحكايات بمنوال “الميمزيس” وإنّما بمنوال “التّقصيص”. فأن تتوالى الأحداث حدثا تلو حدث دون ارتباط بمنطق “الاحتمال والضّرورة” يمثّل في حدّ ذاته منوالا آخر من الحبكة شائعا في الكتابة التّاريخيّة العربيّة. ففي صناعة المؤرّخين القدامى لا يعاد ترتيب الأحداث في نظام يخالف صورتها الأولى إبّان وقوعها وإنّما تدوّن كتابةً بتتبّع مساراتها على خطّ الزّمان أو ترتيبها بتتبّع زمان وقوعها. فهل يعني ذلك أنّ الكتابة في تجربة صلاح الدّين بوجاه القصصيّة والرّوائيّة قد فارقت منوال “الميمزيس” ونهضت على منوال “التّقصيص”؟ يعسر جدّا البتّ في هذا الأمر لأنّنا نعتقد أنّه مهما كان منوال الحبكة الّذي تختاره كتابة روائيّة أو قصصيّة مّا إنّما هو خيار جماليّ يترجم ميثاق الكتابة الّذي أبرمه المؤلّف، وهو: إمّا أن يكتب روايات توافق الحسّ المشترك وتعيد إنتاجه بمجاراة أذواق النّاس وتثبيت عقائدهم، أو أن يقترح طرائق أخرى في الكتابة تعين الإنسان العاديّ على أن يفهم نفسه بنفسه بما يمكّنه من تحوير شروط كلّ فهم. ويقتضي هذا التّحوير من كتّاب الرّواية ابتداع أشكال روائيّة جديدة تكون قادرة على التّعبير عن علاقات جديدة بين الإنسان والعالم.
تقرأ رواية صلاح الدّين بوجاه “لون الرّوح”، وتتصفّح فصولها الثّلاثة الموسومة ببعض أمكنتها: «المنتجع قرب البحيرة» و«الشّارع الفضفاض» و«غابة الأوكاليبتوس» الّتي وزّعت عليها الوقائع فتتأكّد أنّك أمام رواية بانوﭙتيكيّة panoptique، نسبة إلى “البانبتيك” أو الرّؤية الشّاملة. و”البانُبتيك” أو “البانُبتيكون” في الأصل تصميم هندسيّ للسّجن الكامل، ابتدعه الحقوقيّ والفيلسوف البريطاني جريمي بنثام. وهو عبارة عن دائرة كبيرة من الزّنزانات رصّفت حول برج مركزيّ تشغله عين الرّقيب الّذي يراقب كلّ المساجين دون أن يراه أحد. وقد استخدم أنموذج “البانُبتيك” في المستشفى لمراقبة المجانين، وفي المعمل لمراقبة العمّال، وفي المدرسة لمراقبة التّلاميذ. ويبدو أنّ استعماله قد انتشر، فقد تبنّته عدّة دول لأنّه يمثّل في جوهره أساس المجتمع الانضباطيّ الحديث. وقد اتّسع استعماله فيما بعد، فشمل الفضاء العموميّ كمراقبة الطّرقات… والفضاء الخصوصيّ في بعض الأحيان، بعد أن اتّخذ اليوم شكلا “كاتوديّا” cathodique تمثّل في انتشار عدسات كاميرا المراقبة في أمكنة كثيرة. وإذا كانت هذه العدسات قد أصبحت جزءا مألوفا من المشهد اليوميّ فإنّ عيون المخبرين وشاشات الكاميرا كانت طاغية الحضور في “لون الرّوح” طغيانا جعلها تفتكّ من الرّواية دور البطل افتكاكا. فقد كان كلّ شيء فيها تحت سطوة المخبرين وقوّة الرّقابة المدجّجة بتقنيات هائلة وإمكانات رهيبة لمتابعة حركات الأجساد والاطّلاع على الأفئدة وسكنات الرّوح، وحتّى لونها، إذ ” يبدو أنّ أصحابنا ينقّبون عن لون الرّوح فيما وراء السّحنة الخارجيّة، ويرغبون في الوصول إلى اكتشاف ضمائر النّاس وخالص أسرارهم”. بهذه العبارات الاستهلاليّة تفصح الرّواية منذ البداية عن برنامجها (السّرديّ؟) وترسم في صورة تكاد تكون ثابتة الأدوار الّتي اضطلعت بها شخوص الرّواية. وهي على ضربين:
* أدوار المراقبة المختلفة الّتي نهض بها أشخاص كثيرون، منهم الرّاوي في هذه الرّواية. فهو مخبر كُلّف حديثا بـ”مهمّة مراقبة النّزلاء” مستعينا ” بالسّعاة وعاملات التّنظيف والخدم ” وفريق كامل يعمل تحت إمرته مافتئ عدده يتكاثر. ويخبرنا الرّاوي أنّ جميع أفراد فرقته كعارف والمكّي وأحمد والمرسي وسليم وعبد الحقّ يحبّون التّلصّص ” كانوا أصحاب بحث عن الخفيّ البعيد … اعتادوا التّنقيب في حياة الآخرين، بل ظفروا من ذلك بمتعة لا يدركها إلاّ العارفون…”. لقد كانت مهمّتهم الأساسيّة هي التّلصّص على الأجساد لبلوغ دخيلة النّفس و”الانتباه إلى ما يمكن أن يحدث في هذه القرية السّياحيّة الشّاهقة” والتّأهّب “للمنغّصات قبل حلولها”. ولا أهميّة لشيء عندهم “إنّما الهدف الأكبر ألاّ نسمح للمجرمين بدقّ إسفين في هذه المنطقة من العالم”، لأنّ “المهمّ هو حفظ الأمن، واستباق إمكان حدوث أيّة مفاجأة”. فهم قبل كلّ شيء مكلّفون “بالانتباه إلى الحوادث قبل وقوعها”. ورغم أنّه قد وضع تحت تصرّفهم السّيّارات والتّجهيزات اللاّزمة كـ”الكاميرات والمناظير المقرّبة، التّلسكوبات على أنواعها” فإنّهم كانوا “يبتدعون أساليب مبتكرة في كلّ يوم جديد” في التّلصّص واكتشاف أسرار النّاس، حتّى غدوا من فرط قدرتهم على التّخفّي كالأطياف أو الأشباح، كلّ واحد منهم “يرى ولا يُرى”. ولكن لا أحد في هذه الرّواية يمكنه أن لا يُرى، بما في ذلك المخبرون أنفسهم. ذلك أنّ ” اللّعبة اليوم هي أن يراقب النّاس بعضهم بعضا. أفراد الفرقة المعلنة والسّرّيّة يراقبون الإرهابيّين. والإرهابيّون يراقبون الجمعيّات، الحكومات تراقب الجميع… “. غير أنّ عمل الرّقابة قد تجاوز أجساد العباد إلى طبيعة البلاد، فقد نقّب المفتّشون في كلّ شيء ،الزّرع والضّرع، و” تمكّنوا من تمشيط الرّمل والماء والهواء، جذور النّبات، أعلنوا بعد ساعات طويلة من البحث والتّفتيش أنّ الصّحراء لا تحوي شيئا ممّا يخاف منه على راحة السّوّاح الهاجعين…”، حتّى “الأحلام نفسها أصبح المفتّشون يدقّقون في تأويل جزئيّاتها وتضاعيف استيهاماتها. لذلك كانوا يجتهدون في استعادتها… جنّدوا للأحلام فريقا من المحلّلين النّفسانيّين المستندين إلى فرويد وابن سيرين…”، وبهذا الإمعان في “حفظ الأمن” أصبحت مؤسّسة الأمن في الرّواية تعمل على نحو مَرَضيّ. فبدل أن تشتغل لفائدة النّاس الّذين تأسّست من أجلهم أصبحت تشتغل لحسابها الخاصّ من أجل الحفاظ على “مفهوم «الأمن المطلق» الّذي لا يأتيه الباطل من أيّ جانب”.
فقد “غدا الأمن هدفا يصعب التّخلّي عنه” بعد “أن كان الأمن في خدمة المواطن والسّائح”. وبهذا الإفراط في الأمن تساقطت الحواجز الفاصلة بين الفضاء العموميّ والفضاء الخصوصيّ، لا أحد يمتلك تجربة خاصّة لأنّه في عرف الرّاوي ” لا توجد أسرار شخصيّة. الأسرار أكذوبة كبرى يتبادلها البعض فوق الأرائك الوثيرة مبالغة في استيهامات اليقظة الّتي لا معنى لها “.
*أمّا أدوار المُرَاقَبين فقد مثّلها نزلاء الفنادق بدرجة أولى. وهؤلاء في واقع الأمر لا تُرى أجسادهم رأي العين. فهم مجرّد صور تبثّ على شاشات الكاميرا، لا وجود لهم في الرّواية إلاّ من خلال الصّور المبثوثة أو الملتقطة. وقلّما يحدث التّلاقي بين المُراقِبين والمُرَاقَبين. فقانون الرّقابة يقتضي من المُخبرين أن يلتزموا بوضع شبحيّ، يَرون ولا يُرون. ولعلّ هذا القانون هو الّذي حرم الرّواية من عقد علاقات بين الشّخصيّات كان يمكن أن ينجرّ عنها انفتاح إمكانات وتكوّن مسارات سرديّة كثيرة. غير أنّ هذا الحرمان قد كافأه من ناحية أخرى إفراط بصريّ شديد. فقد تكاثرت في “لون الرّوح” المشاهد حتّى أنّ الرّواية في مواطن عديدة منها كادت تنقلب إلى شريط من اللّقطات، كلّ لقطة تركّز على منظر من مناظر الأجساد المختلفة بهيئاتها وجنسها وأعمارها وأحوالها. وهي مناظر أجساد فحسب لأنّ كينونة المراقَبين من السّوّاح قد اختزلت في أجسادهم. فللحفاظ على راحة السّوّاح وحفظ حياتهم وجب أن تبذل أجسادهم وتعرض “أمام عين كاميرا عابثة تكشف عوراتهم كي تحفظ حياتهم من هجمة ممكنة غير منتظرة”. فالكاميرا وهي تراقب الأشخاص قد حوّلت ذواتهم إلى موضوع للمراقبة تماما كما تراقب الكائنات والموجودات بالمجهر أو بالتّلسكوب. وتحت وطأة الرّقابة يختصر وجود المراقَب ويفقّر الكائن. فهو خارج عدسات الكاميرا غير موجود.
وهو موجود بوجود صورته على شاشات المراقبة. فكلّما روقب دلّ ذلك على أنّه هنا. وبذلك تتحدّد كينونة المراقَب بوجوده هنا تحت أنظار الرّقيب. فكينونته من النّوع الّذي أطلق عليه هيدغر تسمية الكينونة ـ هنا l’être-là. هذا التّحويل الّذي جرى بدون علم السّوّاح أنفسهم هو ضرب من التّفقير لكيانهم. فهذه السّائحة أو تلك ” قد تكون في بلادها سيّدة مجتمع، قد تكون امرأة وقحة لا وجه لها، لكنّها هنا مجرّد سائحة نرجو الحفاظ على حياتها…”. ولم يقاوم أحد هذا التّفقير المبتذل للكائن الّذي كان يجري باسم الأمن المطلق سوى الجسد الأنثويّ، هذا الجسد الّذي كان يلقى من المخبرين والمراقبين حفاوة بالغة. وهي مقاومة تؤكّد أنّ الجسد البشريّ ليس من قبيل الأشياء. فمن المستحيل مراقبته ببرودة دون أن تصيب الرّقيب عدوى من الإثارة كتلك الّتي يثيرها الضّحك والتّثاؤب. ولم تخل الرّواية من مشاهد مثيرة أصبح فيها الرّقيب تحت سطوة الجسد المراقَب، خصوصا إن كان هذا الجسد أنثويّا.
ففي المشهد الأوّل من الرّواية وصف لجسد سيّدة في الأربعين “مرّت على حمّامها ساعة واحدة …” ولكنّه أثار في نفس الرّقيب رغائب لا تقاوم ” لا جدال في أنّ جسم المرأة يبهج الرّوح. أرغب في استنشاقه مثل كلب يلحس جرحا حيّا، ينظّفه بخياشيمه، يضيف إليه من لعابه، وما علق بلسانه من وعثاء اللّهاث، يتمطّى تحت وابل الرّوائح تتصاعد من الإبطين، وما بين النّهدين…”. إنّ هذا الوصف الإيروسيّ هو في الآن نفسه وصف ساديّ. فهو وصف يقطّع الجسد وإن كان هذا التّقطيع تفرضه خطّيّة اللّغة ” الإبطين… النّهدين… الفخذين…” الّتي لا يمكنها تشكيل الجسد إلاّ مقطّعا، فتصفه عضوا بعد عضو لا دفعة واحدة كما تفعل الصّورة. وتؤكّد هذا التّشابك بين الوصفين الإيروسيّ والسّاديّ أقوال بعض المراقبين. فـ”الجسد متاهة. إنّه أكبر المتاهات، لأنّ الألم والمتعة يلتقيان عنده”، بل إنّ “الجسم في انكشاف أشلائه مثل الجسم وقت المتعة”.
وهذه النّزعة السّاديّة تتفاقم حدّتها في صور الانفجار ومشاهد التّعذيب الّتي زخرت بها الرّواية. فإذا ما انفلتت الأجساد من عين الرّقيب تلقّفتها أيدي المعاقبة حيث يُمثّل بالأجساد تمثيلا في أقبية السّجون وينكّل بها في قلاع الموت ومعتقلات الإبادة المنظّمة تنكيلا. ففي هذه الأمكنة الرّهيبة تستقبل أجساد المعتقلين لتعاد “تسوية الإنسان” على نحو مختلف ينافس الخلق الرّبّانيّ. غير أنّ الخالق البارئ المصوّر هذه المرّة ليس الله كما تثبت الأديان وأسطورة الخلق وإنّما “الخبراء القادرون على تصوّر كلّ شيء” بمباركة من “الدّولة الكبيرة الموجودة في القارّة الأعظم، هنالك في الغرب البعيد”. والحقّ أنّ هذه الأمكنة الرّهيبة هي قلعة أُطلق عليها اسم قلعة إبليس. وهي معتقل أُنشئ “لتجربة الأفكار الجديدة حول تخليق الكائن الأمثل. هنا كلّ الدّول ممثّلة برعايا مختلفين”.
يبدأ حفل استقبال المعتقلين بتعقيمهم حيث “يتمّ رشّ القادمين بأدوية معقّمة”، ثمّ تطهيرهم بالماء فـ”تخرج المياه من أفواه خراطيم كبرى حارقة، تلطم الضّيوف على وجوههم، وفوق جنوبهم، وتخت نصفهم الأسفل، فتراهم كالأوراق المتطايرة”. وبعد ذلك تتوالى الحفلات كـ”حفلات «تقليم الأظافر» تقلع خلالها أظافر اليدين والقدمين بالتّناوب” ثمّ ” «حفلات الجنس» شاملة، يشارك فيها الذّكور والإناث وخشب المطبخ والعصيّ الحديديّة، تسيل فيها الدّماء، يتمّ إجلاس الضّيوف فوق قوارير مهشّمة…” ويؤكّد الرّاوي وهو هاهنا ينهض بدور شاهد العيان أنّ هذه الصّور ليست آتية من الجحيم ” وليست من ابتداع خيال مريض، إنّها عين ما يحدث في المكان البعيد هنالك، الّذي لا يختلف كثيرا عن الموقع الآخر في خليج كوبا”.
على هذه الخلفيّة البربريّة الّتي تذكّر بأجواء القولاق الرّوسيّة والمعتقلات النّازيّة وغير النّازيّة من «غواتانامو» إلى سجن «أبو غريب»، ومناخ «جرائم ضدّ الإنسانيّة» وأصداء الإرهاب وتفجيراته المباغتة دارت وقائع هذه الرّواية، بين أماكن المراقبة وأفضية المعاقبة، بين توقّع ما لا ينبغي أن يحدث ومنع ما يمكن أن يحدث.
فما لا ينبغي أن يحدث هو كلّ ما يعكّر صفو السّائحين، وإيقاع حياتهم المرتّب الرّتيب في الفندق. وقد اختير للرّتابة صورة السّياحة والسّواح السّعيدة. أمّا ما لا ينبغي أن يحدث هو أن تنقلب هذه الصّورة المبتذلة بالإرهاب وتفجير الأجساد إلى صورة نياحة ونواح.
غير أنّ هذا الانقلاب لم يحدث، إذ “لا شيء يحدث”، أو على الأقلّ هذا مافتئت الرّواية تردّده بين الفينة والفينة طوال الرّواية بتلوينات مختلفة، فـ”لا شيء يحدث لا شيء يتحوّل”، أو”لا شيء يحدث، لا شيء يُعلن، لا شيء يتبدّل”. وإذا استثنينا بعض الوقائع كمحاولة بعض المعتقلين الفرار من سجن القلعة، وهي محاولة قد منع حدوثها، ومقتل عواطف في غرفتها “فوق ملاءات سرير أبيض لا دم فيه…”، وهلاك أحد أفراد الشّرطة والحرس السّرّيّ، واغتصاب البدو سائحتين، وهلع السّواح ومسارعتهم بمغادرة المنتجع “نحو الجزر الصّغيرة داخل النّهر”، فإنّ ما جرى كان مخيّبا لكلّ توقّع وانتظار. حتّى ” الانفجار الكبير الّذي قد يغيّر كلّ شيء” لم يحدث، فقد ظلّ هذا الحدث المرتقب في مستوى التّوقّع فحسب، وفي انتظاره على غرار مسرحيّة بيكيت “في انتظار غودو”. فأعوان التّفتيش لم يكونوا “يبحثون إلاّ عن شيء واحد، عن دليل قويّ أو ضعيف لما يمكن أن يحدث في أيّة لحظة”.
وكان الجميع ينتظر “حدوث ذلك التّفجير الهائل الّذي يهزّ كلّ شيء، لأنّه غدا من مستلزمات المكان والزّمان الجديدين” حتّى غدا الانتظار ثقيلا فـ”انتظار الكوارث أثقل من حدوثها”، و” انتظار ما لا يحدث أو ما لا يمكن أن يحدث أصعب بكثير من حدوث ما طال انتظاره”. وطيلة هذا الانتظار الّذي لم يجر فيه شيء يذكر سوى مراقبة أجساد السّائحين والسّائحات، كبارا وصغارا، ومتابعة نشاط المخبرين في أمكنة شتّى، في غرف النّزل وقاعاته…، وفي أماكن المنتجع المختلفة، وفي طرقات الشّارع الفضفاض وأزقّته وأحيائه الخلفيّة ودروبه الملتويّة، وفي غابة الأوكالبتوس…
كان السّؤال الملحّ الّذي ما فتئ يطرح طيلة فصول الرّواية هو: “ما لون الرّوح؟” وهو سؤال ينزّل الرّوح في مستوى المحسوسات البصريّة مادام اللّون من قبيل ما لا يسمع ولا يشمّ ولا يلمس. فاللّون يُرى فقط. ولمّا كان السّؤال عن الرّوح قديما قدم الإنسان فإنّ التّساؤل عن لونها جديد كلّ الجدّة في هذه الرّواية ” وهل لون الرّوح إلاّ من العلامات الّتي يصعب الوقوف عليها، أو البتّ في شأنها، فهو أبيض كالسّماوي يجري ولا يتغيّر، متدرّج نحو الامّحاء عند الغروب، تبعا للضّوء المسلّط عليه، فهو من الصّفات الّتي لا استقرار لها. إنّها في تحوّل وتبدّل دائمين “. وقد اقترحت بعض الأجوبة للسّؤال القديم أطرفها أنّ رؤية الرّوح ممكنة شرط أن يكون البصر حديدا لأنّ عمليّة الإبصار في التّصوّر الإسلامي القديم لا تتمّ إلاّ إذا كان النّور الّذي يضيء الأشياء المنظورة هو ذاته النّور الّذي يشعّ في العين.
فبين العين والأشياء تماثل في الماهية. ولذلك استحالت رؤية الرّوح في الدّنيا لأنّ العين كانت عاجزة على اختراق الحسّ من ناحية، ولأنّ النّور الّذي يضيء الرّوح والعين معا هو من ناحية أخرى نور ناقص الإشعاع، ومن ماهية مماثلة للحسّ لا للنّفس. وبتلقّي العين النّور المناسب يمكن لها أن تشاهد الرّوح يوم القيامة. بيد أنّ رؤية “لون الرّوح” اليوم وإن ظلّ شأنا بصريّا لم يعد يعوّل فيه على الأنوار الأخرويّة ليصبح البصر حديدا كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة ” فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اَلْيَوْمَ حَدِيدٌ ” وإنّما المعوّل فيه على متابعة حركات الأجساد بمراقبتها أو الاطّلاع على سكناتها، وذلك بفتح الجوّانيّ منها، بمعاقبتها. فبين المراقبة والمعاقبة تكامل عجيب يؤكّده تكامل الأمكنة العضويّ في الرّواية. فساحة الفندق الّذي “يضجّ بحركة غير محدودة… مثل القلعة البعيدة، تلك الّتي ينقل إليها المشبوهون، يركبون الطّائرة، يحلّقون عاليا، ثمّ يزجّ بهم في سجن تلك القلعة، داخل أقفاصها الفرديّة الكالحة”.
فبين فنادق السّياحة وقلاع التّعذيب مسافة قد طواها طيّا اسم إبليس. ورغم أنّ اسم إبليس يذكّر بالشّيطان الّذي يدلّ اسمه على الفرقة والشّتات والقبح والفظاعة فإنّ سماته الأساسيّة هي التّخفّي والتّواري. وقد وصف باسم الشّيطان الإرهابيّون. فهم أيضا شياطين. يظهرون ويختفون فلا يخلّفون إلاّ الموت والدّمار، فـ”هؤلاء مثل «الشّياطين»، لا قيمة للأرواح عندهم، ادّعاءاتهم باطلة”. ولكنّ حضورهم لم يكن مباشرا في الرّواية وإنّما كان مجرّد أصداء أو من خلال ما ينقل عنهم من أنباء، “رغم أنّ الخوف ملأ القلوب، فلا وجود لما يبرّره. قد نسمع بأنباء تفجيرات هنا وهناك. قد يسهم ذلك في مزيد من نشر الرّعب وبثّ الخوف في النّفوس، لكنّه لا يمكن أن يثبت… أو يبرّر شيئا”. فوجودهم محفوف بالأسرار، والتّنقّل السّريع، والظّهور المباغت “يمكن أن يوجد «إرهابيّون» في هذه النّواحي. لماذا لا يكونون بين السّيّاح، أو متخفّين في ثوب أعوان الإدارة، أو سلك عملة البناء المقبلين على إنشاء مراكز اصطياف جديدة”.
وهذا كلّه من سمات الآلة الحربيّة. وهي آلة قد ابتدعها البدو (دولوز). ولكنّها على عكس ما يمكن أن يوحي به لفظ الآلة الحربيّة ليست آلة للحرب والمعارك والغزو، وإنّما هي طريقة في الوجود لا تكون إلاّ بنفي فضاء المدينة المسطّر المخطّط ونسفه وتحويله إلى فضاء ناعم ممتدّ امتداد البوادي والصّحراء. وليس من العبث ظهور هذا التّلازم بين السّياحة والإرهاب. وهو ليس مجرّد علاقة تقوم على السّجع كما يوحي بذلك اللّفظان (Tourisme/Terrorisme) في اللّسان الفرنسي وإنّما هو علاقة صراع بين جهاز الدّولة (الأمني/العسكريّ) والآلة الحربيّة. فأينما اتّسعت المدينة لاكتساح فضاء البداوة تحرّكت الآلة الحربيّة البدويّة بسماتها الثّلاث: السّرّيّة والسّرعة والتّواري لتدمير كلّ ما يعترضها. فـ «الجماعات» الإرهابيّة كانت “تنبثق من كلّ مكان، قدرتها على التّخريب لا حدود لها، الفواجع الّتي تتسبّب فيها يصعب أن نحيط بها في هذا الوصف المنقوص”. وهي بهذا الصّنيع تحوّل الفضاء المخطّط الّذي تمثّله الفنادق المنتشرة على امتداد الطّبيعة العارية إلى صورته الطّبيعيّة الأولى. كلّ هذه المعطيات الّتي وصفها بعض الفلاسفة قد كانت ماثلة في وقائع الرّواية.
فهل يعني ذلك أنّ اكتساح السّياحة فضاء البداوة بفنادقها ” مؤكّدة أنّ الخلاء يمكن أن يكون بذرة وجود جديد” قد كان وراء ظهور الإرهاب والإرهابيّين؟ كلّ ما يمكن أن نقوله في هذا السّياق هو أنّ السّياحة قد فرضت على بعض الجماعات التّقليديّة، وقد مثّلها في الرّواية البدو وسكّان الشّارع الفضفاض القدامى، ضربا من التّحديث فصلهم عن عالمهم القديم وأجبرهم على أن يعيشوا على نسق المجتمعات الحديثة ونظامها. غير أنّ الانفصال عن أزمنة العالم القديم لم يحدث، والاندماج في زمان العالم الحديث لم يكن تامّا. وقد نشأ عن هذا الانفصال وذاك الاندماج المحجوز أمران متقاربان في الرّواية: خسران المعنى وقد جسّمه الإرهابيّون في تديّنهم المفرط حدّ النّسك وعمليّاتهم الانتحاريّة، والعبث أو فقدان المعنى وقد جسّمته جمعيّة دون كيشوت. وفي كلتا الحالتين نعتبر خسران المعنى أو فقدانه صورة تراجيديّة من صور الانسحاب من العالم، أو العالم الحديث بصفة أدقّ. ويمكن أن نتساءل: ألا يكون سؤال الرّواية عن لون الرّوح سؤالا يعبّر قبل كلّ شيء عن خسران المعنى وفقدانه؟ ألا يؤثّر فقدان المعنى في مزاولة فنّ الرّواية برمّته؟
توجد في الحقيقة أسباب أنطولوجيّة ترى أنّ كتابة الرّواية من الأمور العسيرة، بله المستحيلة. ويُعزى ذلك إلى أمور كثيرة منها أنّ النّاس قد غدوا غير قادرين على أن يحكوا تجاربهم لأنّهم يفتقرون لتجارب تكون قابلة للتّبادل والتّبليغ. والمقصود من تبليغ التّجربة هو اقتراح طريقة في عرضها أو سردها حتّى يمكن تتبّعها أو متابعتها. وتقتضي متابعة التّجربة أن يكون المرء قادرا على قصّها. ويبدو أنّ ملكة القصّ قد تعطّلت، أو أصابها عطب مّا، في الأزمنة الحديثة لأنّ النّاس قد غدوا عاجزين عن تبليغ تجاربهم ومبادلتها بمجرّد أن أضحت غير قابلة للتّبادل والتّبليغ. وهي غير قابلة للتّبادل والتّبليغ لأنّ تسريد “الوقائع” أو تنظيمها في ترتيب مخصوص لم يعد ممكنا، فهي لم تبلغ عتبة “الأحداث” الجديرة بالنّقل، فغدت من قبيل “ما لا يسرد” أو “ما لا يسرّد”، وصارت بحكم ذلك مفتقرة لكلّ معقوليّة. ولعلّ ذلك الافتقار هو ما يمنع إمكان قصّها بالرّواية أو سردها بأيّ نوع من أنواع التّخييل القصصيّ.
فلكي تكون تجارب الإنسان في كلّ زمان متهيّئة لأن تسرّد فتسرد، فتكون موضوعا للتّبادل والتّبليغ، وجب أن تكون معقولة. وحتّى تكون معقولة وجب أن تنقلب الوقائع إلى أحداث. ولا تنقلب الوقائع إلى أحداث بذاتها أو من تلقاء نفسها وإنّما بترتيبها في حبكة، فتغدو بذلك جاهزة لتصنع بفنّ الميمزيس وتنتج بالحبكة. غير أنّ ما يمنع مزاولة فنّ الميمزيس اليوم هو نفسه ما يمنع قيام الحبكة ويلغي شرط وجودها، ونعني استحالة انقلاب الوقائع إلى أحداث. وما يمنع هذا الانقلاب هو أنّ وقائع اليوم قد بلغت من الفظاعة أو من الرّتابة والابتذال حدّا أصبح انقلابها إلى أحداث أمرا يهدّد الميمزيس بالزّوال، ويجعل مزاولة التّخييل القصصيّ غير ممكن. فالحقيقة سافرة بفظاعتها أو مبتذلة برتابتها يمكنها أن تقضي على التّخييل، ولكن ليس بمقدورها أن تعدم كلّ إمكان لقيام الفنّ. ولعلّ فنّ الرّواية يمكن مزاولته فقط إذا تداخل بفنّ التّحقيق، أي بفنّ “التّقصيص”، واقتفاء الأثر. وفي هذه الحالة يصبح هذا الفنّ موسوعيّا لا يقصّ علينا أحداثا أو أخبارا وإنّما يجمع معلومات ومعطيات ومعارف.
ولا عجب في ذلك. فعندما يطغى النّظر تصبح حصيلة المراقبة الطّويلة “بيانات شتّى، يمكن أن تؤدّي، إذا ما استغلّت الاستغلال السّليم إلى تجهيز موسوعة عامّة، تعنى بالحياة فوق هذا الشّاطئ البعيد”. بعض الشّخصيات في الرّواية كالمكّي “يحتفظ بالمشاهد الّتي استقاها من عمليّات التّلصّص في ذاكرته، يرتّبها كأنّها متتاليات فوق رفّ قديم”. أمّا عارف الأبكم، وهو أحد المخبرين، فقد “أعدّ كرّاسا خاصّا أدرج فيه كلّ شيء… نماذج الصّدور الفائرة، والصّدور الصّغيرة، والنّهود ذات الحلمات المتورّدة، وتلك الّتي نهاياتها مثل حبّة التّوت النّاضجة، إضافة إلى أسرار أخرى تتعلّق بالخصر والرّدفين، ووصف دقيق لرائحة العرق المخلوط بروائح روما وباريس ولوس أنجلوس.” … بل يمكن أن نقول: حين تحتدّ قوّة الإبصار تغدو الرّؤية معارضة لكلّ تمثيل، هذا إذا فهمنا من التّمثيل معنى الاستحضار أو استعادة حضور مّا، لا معنى المحاكاة. فالتّمثيل بمعنى الاستحضار هو شوق التّطابق مع هويّة مّا تكون قابلة للتّمثيل، أي للاستحضار. يحاول الرّاوي طوال الرّواية أن يتذكّر ما حدث، إلاّ أنّ فظاعة ما رأى تمنع من التّذكّر” أخذت أرتدّ إلى الوراء مثلما يحدث للنّاس في الحلم، أصطدم بجماجم بشريّة، أو بأشلاء دامية، أسمع صرخات رعب قادمة من الدّهاليز المجاورة، أشاهد أوضاعا غريبة مثل امرأة مرعوبة يدخلها ذكران مجنونان، أو طفلة في العاشرة تشاهد اغتصاب أمّها، أو فتى تقطع رأس أبيه، فظاعات أخرى لا أقوى على استحضارها”.
إذا اعتبرنا الفظاعة منتمية إلى سجلّ المرئيّ، فكان الأمر “الفظيع” l’horrible هو ” إذا هَالَكَ وغلبك فلم تثق بأن تُطيقه ” (لسان العرب) لأنّه شديد قد جاوزت بشاعتُه وشناعتُه المقدار وطاقة الاحتمال، ثمّ اعتبرنا “الرّتيب المبتذل” قوّة من جنس القوى الّتي تمنع كلّ جديد يجدّ، تطوّق كلّ طارئ خارج عن المعهود فتعيده إلى الجادّة، وتسارع إلى كلّ حادث خارق للعادة فترجعه إلى مجاري الأمور المألوفة، فإنّ الفظاعة وحدها أو الرّتابة بمفردها كفيلة بأن تفجّر أيّ شكل من أشكال السّرد رواية كان أم قصّة. أمّا إذا اجتمع “الفظيع” و”الرّتيب المبتذل” دفعة واحدة في عمل (قصصيّ أو روائيّ أو مسرحيّ) واحد أصبح ذلك العمل معطّلا “لا شيء يحدث ” فيه. وعمل يواجه قوى الرّتابة والفظاعة معا ويغامر بفنّ الرّواية في أصقاع “الفظيع” و”الرّتيب المبتذل” إنّما هو عمل يزجّ بقارئه في غمار تجربة جماليّة نسمّيها “جماليّة اللاّشخصيّ”، وهي تجربة تتفكّك فيها الأواصر القديمة المتينة الّتي كانت تشدّ الإبداع إلى الذّات المبدعة، فتجعل كتابة كالكتابة الرّوائيّة مجرّد متابعة لما يجري في الواقع الّذي جرّد من كلّ الأسرار والأوهام الّتي تحفّ به، فصار لا يعني شيئا آخر غير ما هو عليه. ولعلّ هذه الجماليّة الّتي تنقل مركز الإبداع من الذّات فتجعله يجري خارج الذّات بين المتكرّر والعابر قد جرّبها الدّدائيّون ثمّ السّرياليّون من بعدهم لمّا صار الإبداع أوتوماتيكيّا موكولا إلى الصّدفة لا شيء يوجّهه سوى هذا الانبهار باللاّشخصيّ.
إنّ هذه الجماليّة الّتي تنقلنا من “جماليّة النّفسيّ” حيث يهيمن التّقابل المتفاوت الحدّة بين الباطن والظّاهر كما في القصص النّفسيّ، أو بين المخبر والمظهر كما في القصص البوليسيّ أو التّجسّس… إلى “جماليّة اللاّشخصيّ” الميتافيزيقيّة الّتي يمكن تحديدها بكونها قبضا أو محاولة للقبض على هويّة الكائنات هي ما تقترحه علينا رواية “لون الرّوح” لمجابهة قوى الرّتابة والفظاعة الّتي أصبحت اليوم طاغية أكثر من ذي قبل، تهدّد “الإنسان الأخير” في “نهاية التّاريخ” بفقدانه لكلّ هويّة سرديّة ممكنة بزوال الميمزيس وقيام التّقصيص بعد أن أصبح تعهّد الذّات شأنا غير موكول إليه وإنّما إلى القوى اللاّشخصيّة الّتي تصنع “الفظيع” و”الرّتيب المبتذل”.
