«ليتوما في جبال الأنديز» للروائيّ البيروفيّ ماريو بارغاس يوسا
تعرّف قارئ العربيّة على الروائيّ البيروفيّ ماريو بارغاس يوسا من خلال أعمال روائيّة عديدة: «قصة مايتا»، «حفلة التيس»، «من قتل بالومينو موليرو»، «امتداح الخالة»، «دفاتر دون ريغوبيرتو»، «شيطنات الطفلة الخبيثة»، «الفردوس على الناصية الأخرى». وحديثاً رواية «ليتوما في جبال الأنديز»، التي كانت قد نالت جائزة بلانيتا الإسبانيّة..
يغوص بارغاس في روايته في عمق المآسي الاجتماعيّة التي تتّخذ مناحي أسطوريّة عبر الإضافة والتراكم والخيال، حيث العنف يسود ويقود، وما تقديمه بمقولة وليام بليك المقتبسة من كتابه «شبح هابيل»: «مدينة قابيل شُيّدت بالدم البشريّ، وليس بدم الثيران والماعز». إلاّ إخطارٌ منه بأنّ القارئ على أعتاب رواية مختلفة من عوالم بارغاس الغنيّة، التي أثّرت في أجيال من الروائيّين، بسحرها وقدرتها المستمّرة على التجدّد، وبأسلوبه الأخّاذ وسرده المُتقن. والاستشهاد البدئيّ بقابيل وهابيل، يعني أنّ القتل الذي بدأ على يد القاتل قابيل/ قايين، عندما قتل أخاه هابيل، سيستمرّ فاعلاً ومتجدّداً على أيدي أبناء وأحفاد القاتل قابيل، مع سريان دم الجدّ القتيل هابيل في ذرّيّة أخيه..
يعرض بارغاس للجرائم التي ما تزال ممارسة في بلاده البيرو، التي يصفها أجمل وصف، يتناقض مع الكوارث التي تحلّ عليها، وتنتكب بها، يقول عنها: «البيرو! ها هي ذي: فسيحة، غامضة، اخضرار، فقر، ثراء، عراقة، تكتّم محكَم. إنّها هذا المشهد القمريّ وهذه الوجوه النحاسيّة الجافّة للرجال والنساء المحيطين به. إنّهم أناس مغلقون في الحقيقة. وهم مختلفون جدّاً عن أولئك الناس الذين رآهم في ليما، حيث وجوه البيض والسود والخلاسيّين الذين يتمكّن، بشيء من الجهد، التواصل معهم». «أمّا أهالي الجبال فيفصله عنهم شيء لا يمكن تجاوزه… وقد ذكّرته الصغيرة ميشيل: «ليس عامل العرق هو ما يفصل بيننا وبينهم، وإنّما حاجز الثقافة». ص16. كما أنّ البيرو توقظ في الكثير من الأجانب عاطفة غريبة تذهل أهلها الذين يظنّونهم مبالغين في عاطفتهم، يعزو بعض الأجانب ذلك إلى أنّها بلاد لا يفهمها أحد، وأنّه ليس هناك ما هو أكثر جاذبيّة ممّا لا يمكن فهمه بالنسبة لأناس من بلدان عديدة يتوهّم أبناؤها الصفاء والشفافيّة..
يتمّ اعتراض قافلة من قبل جماعة من الملثّمين، الذين يدقّقون في الوجوه والأوراق، وبين الركّاب سائحان فرنسيّان، مدفوعان برغبة الاستكشاف والفضول لمعرفة ما تختزنه المنطقة.. لكنّ الجماعة التي كانت مكوّنة من أطفال لكن بوجوه خشنة أحرقها البرد، ومآسٍ أضافت سنوات إلى أعمارهم لتبديهم أكبر ممّا هم عليه.. لا تكترث للموجودين، وما تدقيقها في الأوراق إلاّ شكليّ لأنّ معظمهم يجهل القراءة والكتابة.. كما تقع كثير من المشاكل في المنطقة، ما يستدعي من الحكومة إرسال مندوبيها للتحقيق فيما يجري، والسعي للحؤول دون وقوع مشاكل إضافيّة جديدة…
الشخصيّة المحوريّة هي شخصيّة العريف ليتوما الذي يحقّق ومساعده في حادثة اختفاء ثلاثة رجال، يقع ليتوما فريسة للتخمينات والتكهّنات والوساوس، يكاد يعلن إيمانه بالشياطين من أجل أن يفهم ما يجري، ذلك أنّ جماعة «الدرب المضيء»، وهي جماعة خارجة على القانون، تشنّ حرب عصابات على النظام، «تضرب وتهرب»، أعلنت التمرّد/ الثورة، ينعتهم البعض بالإرهابيّين، في حين ينعتهم آخرون بالثوّار، أي يُختَلف في أمرهم، بحسب الواصف، إذا كان تابعاً للنظام، أو ناقماً عليه، تتحصّن تلك الجماعة في جبال الأنديز، التي تتمتّع بمساحة واسعة، تسيطر على بعض المناطق، ثمّ تعود تخسر سيطرتها عليها، تعاقب المتعاملين مع النظام. يُؤمر ليتوما بالعمل في مناطق المناوشات، تلك التي تكون متنازعاً عليها دوماً، تتبادل فيها السيطرة بين النظام والجماعة المسلّحة، بينما يحار الأهالي بينهما، فلا يأمنون عقاب أحدهم إذا كانوا في صفّ الآخر. يكون ليتوما ومساعده المخفرَ الأهليّ المتنقّل من بلدة إلى أخرى.. يحدّث ليتوما مساعده بأنّ العمل في سلسلة الجبال هو الجحيم بعينه، ثمّ يحدّث نفسه: «لن أفهم مطلقاً أيّ براز عاهر ممّا يحدث هنا. هؤلاء المختفون الثلاثة لم يهربوا من أسرهم، ولم يفرّوا بعد سرقة إحدى آليّات المعسكر. أيكونون قد ذهبوا إلى ميليشا الإرهابيّين أم أنّ الإرهابيّين قد قتلوهم ودفنوهم في إحدى حفر هذه الجبال. ولكن إذا كان جماعة الدرب قد أصبحوا هنا ولديهم عملاء بين العمّال، فلماذا لم يهاجموا المخفر حتّى الآن؟ ولماذا لم يعدموه هو وتوماسيتو؟…». ص32.
كما أنّ ليتوما ومساعده كانا يهرعان لتقديم المساعدة إذا أمكنهما، فلم يقفا مكتوفَي الأيدي وهما يسمعان توسّلات المرأة التي كان يعذّبها رجل ساديّ يتلذّذ بتعذيبها، حيث تخيّل ليتوما عيني الساديّ المنتفختين تجحظان وتحتقنان بالشبق كلّما تأوّهت المرأة. كما أنّه لا يستثار بمثل تلك الأمور، ولا يستغرب حدوثها على عكس مساعده الذي جازف بالدفاع عنها، ذاك الدفاع الذي لم يحظَ برضاها، لأنّها كانت معتادة على ذلك، وربّما متلذّذة أيضاً.. ثمّ عزا ليتوما تصرّفه بشيء من السخرية اللاذعة فيما بعد، عندما حاول النبش في الأسباب التي دفعته إلى القتل، وأنّ دوافعه كانت الغيرة والحسد من اللذّة التي كان يجنيها ذاك الساديّ الذي كان زعيماً لعصابة من المتمرّدين..
تحاول جماعة «الدرب المضيء» تحقيق العدالة الشعبيّة، من خلال شنّها الهجمات على القرى، وتطبيق القصاص بحقّ من تلوّثت أياديهم بالدماء ممّن يخدمون الحكومة.. وتستحثّ القرويّين على التكلّم من دون خوف من العقاب، لأنّ ذراع الشعب المسلّحة تحميهم، ليبادر القرويّون إلى كسر التردّد والاضطراب، يستحثّهم خوفهم، والجوّ الحماسيّ وأسباب غامضة، أحقاد دفينة، عداوات عائليّة قديمة، لتكون المحاكمات الميدانيّة حاضرة ومنفّذة في القرى التي تستولي عليها الجماعة: «تمّت إدانة الجميع بغابة من الأيدي المرفوعة. كثيرون من ذوي المتّهمين لم يرفعوا أيديهم عند التصويت، ولكن خشيتهم من الغيظ والعداء الذي راح يختمر، منعتهم كذلك من التجرّؤ على قول أيّ شيء في مصلحتهم». ص79.
يتعرّف ليتوما أثناء مسيرة تحقيقه على كثير من الأشخاص الذين تصبح قصصهم جزءاً رئيساً من مسيرته، حتّى أنّهم يتصدّرون اهتمامه أكثر من التحقيق الذي وُكِّل به.. من أولئك الأشخاص، الأبكم الذي يتولّى خدمته، والساحرة أدريانا التي تعمل مع زوجها ديونيسيو في الحانة التي يمتلكانها.. وأدريانا امرأة لا سنّ محدَّدة لها، «ذات عينين واسعتين بارزتين وملتهبتين، وردفين فخمين يتأرجحان عندما تمشي. لقد كانت أنثى حقيقيّة فيما مضى كما يبدو، وتتردّد إشاعات خياليّة كثيرة عن ماضيها». ص36. تمتهن أدريانا السحر إضافة إلى عملها ليلاً في الحانة، تساعد زوجها في جعل الزبائن يشربون. تحضّر الطعام في النهار لبعض العمّال، وفي الليل تقرأ طالعهم في أوراق اللعب وبطاقات التنجيم، وتقرأ أكفّ أيديهم أو ترمي أوراق نبات الكوكا في الهواء وتفسّر لهم معنى الأشكال التي تتّخذها لدى سقوطها على الأرض. تقرأ مستقبل الناس ولكنّها لا تقرّره. بحسب ما يقول ديونيسيو للعريف ليتوما. أمّا ديونيسيو فقد كان فيما مضى يتنقّل من قرية إلى أخرى يقيم الحفلات الراقصة، وهو في حانته يحثّ السكارى على حركات شاذّة فيما بينهم. يعرف الكثير من الأسرار، لكنّ سكره الدائم أفقد ثقة الناس به..
يستكمل بارغاس طريقته في عرض بعض المسكوت عنه، لفضحه وتعريته، أو إلقاء الأضواء عليه، بغية تعريف القارئ بالموجود المغضوض عنه الطرف، يسرد كثيراً من القصص المؤلمة الغريبة، منها مثلاً حكاية قارع الأجراس، دون كريسوستومو؛ الذي حكمت عليه المحكمة الميدانيّة بالإعدام رجماً بالحجارة والهراوات، وبقيت جثّته مع جثث آخرين أساؤوا للشعب، حيث اتّهمته إحدى النساء بأنّها فاجأته في أحد الأيّام وقد أنزل سروال أحد الأطفال في مكان خارج القرية. واتّهمه آخرون بأنّه كان يداعب الصبيان ويحاول إدخالهم إلى بيته. كما اعترف أحد الرجال بأنّه عندما كان صغيراً استعمله دون كريسوستومو كما تُستَعمل النساء.
يميل بارغاس أحياناً إلى السرد التاريخيّ، عن تاريخ بعض الشعوب أو الشخصيّات الشهيرة التي كان لها أثرها الذي لا يُتجاهَل في التاريخ، ويجد المخارج لذلك، بتقويله شخصيّاته الروائيّة التي ينسجها طبقاً للمواصفات الروائيّة، كشخصيّة البروفيسور الأجنبيّ؛ بول ستيرمسون، الذي أدمن عشق جبال الأنديز، يتكلّم اللغات واللهجات المحلّيّة، يعرف دقائق المنطقة، يسرد تاريخها كعالم خبير، يسبر أغوار الأنفس والعقائد والشرائع المتوارثة، نجده يجيب، على سؤال العريف ليتوما، الذي تحوّل من التحقيق إلى الفضول وحبّ المعرفة، حول الآبووات، قائلاً: «إنّهم آلهة الموت، أرواح مرتفعات وجبال السلسلة، مرتفع في الأنديز، مهما كان صغيراً، له إلهه الحامي، وعندما جاء الإسبان وحطّموا الآلهة والهواكات وعمّدوا الهنود ومنعوا العبادات الوثنيّة، ظنّوا أنّهم قضوا بذلك على تلك العبادات. والحقيقة أنّها ظلّت متداولة عبر اختلاطها بالشعائر المسيحيّة. والآبووات هم الذين يحسمون شؤون الحياة والموت على هذه الأراضي». ص176. حيث تأثير الآلهة أو أشباه الآلهة، يظلّ فاعلاً حتّى في أكثر البقاع نأياً عن الأديان، ثمّ أنّ الأديان التي جيء بها، لم تلغِ ذلك التأثير بل سعت إلى تكريسه، عبر تطويعه، وتوجيهه أو ترقيته بحسب شرائعها وتعاليمها.. وبحسب مصالح القيّمين عليها، المستفيدين من نشرها والتبشير بها.. يتصاعد السرد التاريخيّ، يشعر القارئ أنّه على أعتاب محاضرة تاريخيّة شائقة وشائكة في الوقت نفسه، «منذ القرن الثامن عشر يتحدّث الجميع عنهم – الإنكا – باعتبارهم غزاة متسامحين، تبنّوا آلهة المهزومين. إنّها أسطورة كبيرة. فالإنكا، مثل جميع الإمبراطوريّات، كانوا همجيّين في معاملتهم للشعوب التي لم تخضع لسلطتهم بإذعان، فقد أخرجوا عمليّاً من التاريخ شعبي الهوانكا والتشانكا. دمّروا مدنهم، وشتّتوهم ووزّعوهم في كلّ أرجاء تاهوانتيسويو – أمبراطوريّة الإنكا – بطريقة نظام الميتيمايس الذي اتّبعوه، أي النفي الجماعيّ للأهالي». ص178. هذا المقطع المسرود من قبل البروفيسور بول، يؤرّخ لمرحلة غضّ عنها الطرف في التاريخ البيرويّ، حيث التاريخ يكتبه المنتصرون، والإنكا دوّنوا التاريخ كما أرادوه، لا كما جرت الوقائع، فأظهروا أنفسهم حضاريّين، على الرغم من أنّهم كانوا عكس ما يزعمون. أبادوا غيرهم، فرضوا عليهم تعاليمهم الخاصّة، في عملية محو شاملة.. وبذلك، يوضح بارغاس عبر عرضه الروائيّ، تاريخين معاً؛ تاريخ المهمّشين المعاصرين في جبال الأنديز، وتاريخ الشعوب المندثرة التي هُمّشت وذُوِّبت في بوتقة المنتصر الذي أملى شرائعه..
ينقل بارغاس عبر شخصيّاته، العريف ليتوما، مساعده توماس، ألبير، الطفلة ميشيل، الساحرة، ديونيسيو، الأمهق، الأبكم، البروفيسور، ميرثيدس، المهندسين، العمّال، الأهالي… وغيرهم من الشخصيّات العديدة التي تحتويهم سلسلة جبال الأنديز البيرويّة، وقائع ومجريات حياة هامشيّة، يغرقها التطرّف والعنف والاحتراب حتّى الرمق الأخير، يستنزف طاقاتها كلّها، حيث الصراع الدائر على الفتات، في حين ينهب المستعمرون الخيرات كلّها.. وحرب العصابات التي تقوم بها الجماعة المسلّحة، تغدو حرب أعصاب بالنسبة لليتوما الذي يفقد تركيزه وأعصابه وهو يجول في المناطق الأنديزيّة، حيث يكتشف معاناة أهاليها، والحياة البائسة التي يحيونها..
يحضر العنف اللغويّ جنباً إلى جنب مع العنف الفعليّ، حيث الاقتتال والتصفيات قائمة ودائرة، من القول بانتزاع قلوب الأسرى، إلى الشغف باستخراج الأحشاء البشريّة.. يخبرنا يوسا ببراعته الروائيّة، أنّ أحفاد قابيل يقتدون بجدّهم، يمارسون سلوكه، تدفعهم شهوة التملّك والنرجسيّة والسيادة، لا يبالون بحجم القتلى بل يضعون الامتيازات والمكاسب نصب أعينهم فقط.. يتعامون، تعمي الأطماع بصائرهم، فيسيلون الدماء، ويقتلون في سبيل إرواء شبقهم المرضيّ. قابيل قدوة أحفاده.. وهابيل المضحَّى به دوماً.. في البيرو وغيرها.. والبيرو نموذج ومثال هنا لا غير..
{{«رواية ليتوما في جبال الأنديز»، ترجمة صالح علماني، صدرت عن دار المدى، دمشق، ط1 ـ 2009. تقع في 319 صفحة من القطع الوسط.}}
