ما العقلانيّـــة، أيّ عقلانيّة؟

"شعار" هذا الموقع، وهو بارز في رأس صفحته الرّئيسيّة : "من أجل ثقافة عقلانيّة علمانيّة تنويريّة".

أحيانا تثقل الشّعارات على حامليها. ما الحاجة إلى شعار ثابت؟

 الشّعار قد يكون صيحة أو كلمة تجمع النّاس وتجعلهم يعتقدون ويؤمنون ويفعلون معا : إنّه فعل لغويّ سياسيّ أوّلا وقبل كلّ شيء. ونحن رفعنا منذ سنة 2007 شعارا أردناه جمعا لشمل ما : لمن يرفض وصاية رجال الدّين، وأهل التّكفير، وبوليس الفكر الدّينيّ، وكلّ من يتكلّم باسم الإله ويتسلّط باسم الإله، ولمن يعتبر "التّنوير" خروجا من وضعيّة القصور والوصاية على العقل، ولمن يعتبر العلمانيّة مطلبا سياسيّا للخروج من دائرة العنف الدّينيّ والطّائفيّ.

 هكذا قيّدنا "العقلانيّة" بالعلمانيّة والتّنوير، وهكذا كان شعارنا مظروفا محكوما بسياق تاريخيّ، هو سياق المحاكمات والمصادرات باسم الدّين، وسياق سلسلة من مجازر الفكر ليس أقلّها حرق  ألف ليلة وليلة والفتوحات المكّيّة على ضفاف النّيل، ومصادرة حقّ سلمان رشدي في الحياة، باسم الثّورة الإيرانيّة المنتصرة، وهو سياق الانتكاسات في إقرار مبدإ المساواة بين الجنسين، والانتكاسات في الحرّيّة الفرديّة، وغير ذلك ممّا لم نحتمل، كمثقّفين منتمين إلى البشريّة، وكمثقّفين ناطقين بالعربيّة، أو مسلمين أو منحدرين من ثقافة الإسلام. منحدرين من ديانة وثقافة لا  يمكن لنا محوهما، لأنّ المحو مستحيل، ولكن لا  يمكننا قبول جميع تعبيراتها ومآلاتها. وتبعا لذلك : محكوم علينا بالتّفكير والتّأويل، وإعادة صياغة قواعد لعبة الانتماء. حاولنا فتح هذا الموقع للتّفكير المتعقّل، وللتّفكير فيما نرفض التّفكير فيه، وللتّفكير فيما نعتقد أنّه بديهيّ مفروغ منه، وتصوّرنا أنّ العقلانيّة تتطلّب الاستفادة من الأخطاء بعد الاعتراف بها. فلا ندري مدى توفيقنا في لمّ شمل ما،  رغم ضيق الموارد والإمكانيّات، ولا ندري مدى توفيقنا في فتح مجال التّفكير المتعلّق المستفيد من الأخطاء والمتّسع إلى النّقد وبالنّقد.

 الشّعار إذن أداة فعل سياسيّ، وملاذ عندما تشتدّ الحاجة إلى الكلام بدل الصّمت وبدل العنف.

لكنّ الشّعار يحتاج إلى وقفة تأمّل وإعادة تأويل وتنزيل في السّياق، حتّى لا ينقلب جزءا من لغة متخشّبة منكفئة عن واقع الحياة وواقع الفكر الحيّ.

الشّعار لغة هو اللباس الذي يلتصق بالجسد، وهو نقيض الدّثار : "والشِّعارُ ما ولي شَعَرَ جسد الإِنسان دون ما سواه من الثياب، والجمع أَشْعِرَةٌ وشُعُرٌ. وفي المثل : هم الشَّعارُ دون الدِّثارِ؛ يصفهم بالمودّة والقرب. وفي حديث الأَنصار: أَنتم الشَّعارُ والناس الدِّثارُ أَي أَنتم الخاصَّة والبِطانَةُ… والدثار: الثوب الذي فوق الشعار. (لسان العرب).

فهل للكلمة الحديثة هذا الأصل الاشتقاقيّ اللّباسيّ؟ وهل الشّعار تبعا لذلك عرضة إلى أن يكون لباسا جاهزا للفكر، كما يقال في الفرنسيّة  : prêt à porter، أي وسيلة لإنتاج فكر جاهز مقولب ؟ أو وسيلة لحجب جسد الفكر، كما يحجب الشّعار الجسد؟ الشّعار الذي به نطلق صيحة جمع الشّمل، هل يمكن أن يتحوّل إلى وسيلة دفاع -حجاب- نركن إليها حتّى نقيّد الفكر، ونحصّنه ضدّ المعيش والمختلف والملتبس والمشتبه والمكبوت بمعنى : ما نرفض التّفكير فيه؟ وماذا عن "الدّثار"، وعن كلّ غير وخارج؟

ما معنى هذا الشّعار اليوم إذا أردناه  شعارا متجدّدا حافزا على التفكير والنّقد، لا حافزا على مجرّد لمّ الشّمل؟ أيّ عقلانيّة نريد اليوم، وهل يقتصر مجالها على المسألة الدّينيّة؟ كيف نصرّفها في مجالات أخرى تهمّ معيشنا اليوم : السّياسة والسّياسيّ، والاقتصاد والتّقنية، والعالم باعتباره بيئة تقنيّة في نسيجها (écotechnie) والعلاقة بالبيئة وبما قد بقي ممّا نسمّيه "الطّبيعة"؟

عقلانيّتنا اليوم، هل يمكن أن تكون العقلانيّة الظّافرة الطّموحة التي عبّر عنها ديكارت بقولته الشّهيرة في منتصف القرن السّابع عشر : حتّى "…نكون كالأسياد للطّبيعة والمالكين لها"؟

هل يمكن أن تكون عقلانيّة هيغل المتجسّدة في قولته الشّهيرة أيضا : "كلّ الواقعيّ عقلانيّ وكلّ العقلانيّ واقعيّ"، ونحن نعي اليوم بأنّ في الواقعيّ ما  يستعصي على العقلنة؟ بل كيف نفهم الانقلاب الذي صار به "الواقعيّ"-وهو خلاف الواقع- تسمية لما يستعصي عن العقلنة والتّرميز في نتاج أحد مفكّري العصر، وأحد طارحي أسئلته، هو جاك لاكان؟

هل يمكن أن تكون عقلانيّتنا عقلانيّة تقصي الذّاتيّة وتعبيراتها اللاّعقلانيّة الصّادرة عن "القرائح" والرّغبات الشّعوريّة واللاّشعوريّة؟

هل نريد عقلانيّة التّفكير العلمويّ الذي يقصي الذّاتيّة أيضا على طريقته، ويدّعي السّيطرة على "الموضوع"؟

هل نريد العقلانيّة التّقنية البرمجيّة التي تخدم الإنسان وتحدّ من آلامه، لكنّها في الوقت ذاته تشيّء العالم والإنسان، وتريد برمجة كلّ شيء وتوقّع كلّ شيء، وفكّ حدود المنزلة البشريّة : حدود كيان الجسد، وحدود الحياة والموت؟  ولصالح من هذه العقلانيّة : لصالح الإنسان أم لصالح اقتصاد السّوق ونظامه المعولم؟

هذا الوجه من العقلانيّة التّقنيّة البرمجيّة أكتشفه كلّما سافرت إلى باريس للنهوض ببعض أعباء الدّراسة والعمل، فأجد الآلات المعقّدة في كلّ مكان وقد حلّت محلّ البشر : آلة بكماء لاقتناء التذاكر، آلة بكماء لشرب قهوة، آلة لدخول بيت، برمجة قبل شهرين لموعد لا يدوم أكثر من نصف ساعة، حياة يوميّة صعبة، أبواب يصعب فتحها، إشارات يصعب فهمها، بنوك بلا أوراق نقديّة، ونفايات بشريّة لهذا النّظام المعقلن لكلّ شيء إلاّ لمنطق السّوق : موظّفون وعملة أصبحوا بلا منازل، هاذون أخرجوا من مستشفيات الأمراض العقليّة بعد اكتشاف الأدوية المضادّة للاكتئاب.. مهاجرون حديثو العهد بالهجرة لا يستطيعون قراءة اللاّفتات المعقّدة…

 لم أكن لأشير إلى هذه التّجربة الخاصّة، لو لم أكن أعود إلى بلداننا الأقلّ أخذا بالعقلنة والتّقنية، وفي ذهني شيء من الحيرة : لا يوجد أنموذج للعيش الكريم وللعيش الهنيء متجسّد في أي مكان من العالم، وفي أوروبّا التّنوير والدّيمقراطيّة نفسها، فأيّ تقدّم نريد، وبأيّ ركب يمكن أن نلتحق؟

 النّموذج ربّما لا يكون في الشّمال بل في الأفق اللاّمنتهي. نقول هذا مع الوعي بضرورة إبقاء تساؤلنا نقديّا بحيث لا ننساق إلى فكر الهويّة والخصوصيّة، ولا ننساق إلى تفضيل بؤس على آخر.

ربّما تكون هذه الكلمة فاتحة ملفّ، إذا استجاب كتّابنا الكرام إلى هذه الدّعوة إلى التّفكير في شعار العقلانيّة. الكلمة لكم. وبلا شعارات.

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This