ما هو التنوير؟
ماذا يعني أن يكون الإنسان تنويريا ومستنيرا ومتنورا؟
في البدء، يعني هذا تكريم الإنسان الذي كرّمه الله من حيث إنه خلقه على صورته، كما هو مذكور في الكتب السماوية المعروفة.
كما يعني أيضا ـ وهذا مذكور في الكتب الأرضية المعروفة قليلا أو كثيرا- أنّ الإنسان يدرك مرتبته الإلهية هذه إذا عرف — في توازن هو خاص ببني البشر- كيف يحبّ الإله الواحد الأحد ، والرحيم الرحمان، وفي نفس الوقت يعرف ويحب الإنسان الذي هو أيضا “واحد” ولا يمكن التعامل معه إلا بمنطق “الرحمة”.
فمحبّة الله باعتباره الضامن لوجود الوجود (ديكارت)، وأخلاقية الأخلاق (كانط)، هو محبة إنسان “الكوجيطو” (= أنا أفكر أنا موجود!) وإنسان الأمر الأخلاقي الترنسندنتالي الكانطي في صيغه الثلاث الشهيرة:
–« اعمل دائما بحيث يكون في استطاعتك أن تجعل من قاعدة فعلك قانونا كليا للطبيعة ».
–« اعمل دائما بحيث تعامل الإنسانية في شخصك وفي أشخاص الآخرين كغاية لا كمجرد وسيلة ».
–« اعمل دائما بحيث تكون إرادتك – باعتبارك كائنا ناطقا- هي الإرادة المشرعة الكلية ».
وهنا يطرح السؤال: من يجرؤ ويقول: هذا هو حدّ الإله وهذا هو حدّ الإنسان!
خاصم الفيلسوف إيمانويل كانط الفيلسوف رونيه ديكارت فيما يخص مسألة الأخلاق.
الأخلاق لا يمكن تركها لمجرد اعتبارات السلوك الاجتماعي التي تقع خارج دائرة الكوجيطو…قال كانط ، ثم أضاف: كل شيء ينبغي أن يخضع لشروط العقل الذي هو محكمة الفكر والفعل العليا: فلا شيء يسمو فوق العقل فكرا وفعلا.ومن هنا فالإنسان عقل، والله عقل،
وابحث يا صاحبي الإنسان عن الميزان بين عقل الله وعقل الإنسان…والميزان يكمن في أن تكون لك الجرأة لكي تستعمل عقلك. ولا شيء غير عقلك.
هذه هي مرحلة الرشد العقلي.
هذه هي مرحلة البلوغ الذي يعني أنك أصبحت متنورا ومستنيرا وتنويريا.
فهل من مقام بعد مقام البلوغ والرشد والسعد هذا؟
التنوير يعني أنك تحب الله بدون خوف ولا طمع.
التنوير يعني أنك تراهن على الإنسان بدون وهم ولا يأس.
التنوير يعني أنك تنظر فيما حولك فترى الكون الفسيح، وتنظر في نفسك فترى ما هو أفسح: ترى قدرتك على أن تتحدى وتصمد.
لا ترى فعل: كن فيكون.
ولكن تعيش فعل أكون فأكون.
الأخلاق مرآة مرآتها يقول النبي نيتشه.
الوجود نسيان الوجود يقول الرائي هيدغر.
ولكن ماذا عن الإنسان القادر على أن يقول:أنا المرآة ولا مرآة إلا مرآتي وأنا الوجود ولا وجود إلا وجودي!
هذا صوت النبي والرائي ويجبهما صوت المستنير والمتنور والتنويري الذي يهمس: النبي يتنبأ، والرائي يرى، ولكن أنا المستنير والمتنور
والتنويري أسبق النبوة وأقفز فوق حافة الرؤية لأكتشف المكتشف وأنير المنير: النبوة هي نبوة بقدر ما أنها ترحم نفسها فتترحم عليها، والرؤية هي رؤية بقدر ما أنها تستبق نور العقل ولكن لا تغطي عليه.فالعقل هو النبوة وهو الرؤية وهو الميزان.ومن يقول عكس هذا القول هو يعيش في ظلام دامس.
أنا التنوير.
أنا العقل الذي يعي غوره وحدوده.
أنا العقل الذي من جهة روحه الروحانية هو بدون حدود ومن جهة عقله العقلاني هو محدود بالكم والكيف والحال والصفة والزمان والمكان .
أفكر في الحال والمآل فيتبين لي ما لا حدود له من الآمال. وأفكر في هذه الآمال عينها فيتبين لي عين المحال.ولكن لا أيأس ولا أبتئس. فممكن القول أن الكون لم يخلق على مقاسي أنا الإنسان.وممكن القول إن الله خلقني أنا الإنسان ونسيني.ولكن أنا الإنسان أخلق العالم من حولي على مقاسي ولا أنسى فيه إنسانيتي.
وهذا هو مضمون هويتي أنني إنسان متنور ومستنير وتنويري.
