مباراة العصر: كل دقيقة هدف!

كانت مباراة تستحق التخليد في كتاب العولمة المقدس، كتاب غينيس للأرقام القياسية، بعدد أهدافها وعديد جمهورها وكلفة أفراحها الباذخة، لولا أن الفيفا (الاتحاد العالمي لكرة القدم) لم يعترف بها. لعلكم تعرفون أن اللعب بكرة القدم منع في بلادنا بعد إحدى المباريات الدامية، واعتبرت الكرة على إثر المعارك بين أنصار الفريقين الذي اتهم كل منهما الآخر بخيانة قواعد اللعب، تجديفا وطنيا وخيانة عظمى. وصدر قانون: من لعب بالكرة فقد خان .. فالوحدة الوطنية قد تتفتت من الخلافات الرياضية بين مشجعي الفرق الرياضية المتعصبين. نقطة آخر السطر.

واقتصر اللعب بين بضعة فرق حكومية معينة لاعبوها من العجائز والعاطلين عن العمل والعرجان، الذين يستطيع فريق حارة شعبية من الأولاد تمزيق شباكهم بالأهداف. كانت هذه الفرق “الكرتونية” تلعب مع فريق “القوة” – الفائز الأبدي بالكأس- بدوري شكلي ليبدو كما لو أن ( كل شيء هادئ على الجبهة الغربية). كانوا يلعبون لعبا كسولا يشبه لعب “التصوير البطيء”، وعندما يوجه الصحافيون الأجانب لهم النقد، يردون قائلين: هذا فريق لا يبارى ولا يجارى، لاعبونا يخجلون عندما يواجهونهم لأنهم لاعبون مهرة وأبطال في استحواذ الكرة وتسديدها وتهديفها.

وعندما يلح الصحافيون على الأسئلة المحرجة مثل: لم تضطجعون في إثناء اللعب، وتلعبون النرد؟!

يقولون: عشب أرض الوطن أخضر وطري و يغري بألعاب أخرى وبالنوم الهانئ .. بلادنا لها خصوصيتها، الاسترخاء على البساط الإلهي الأخضر أفضل من إثارة العصبيات والأحقاد بين أبناء الأمة الواحدة. كما أننا لا نريد أن نغضب جمهور فريق “القوة” بإشعارهم بأننا ننوي انتزاع “الجردال” منهم، نحن لا ننافس على كأس أو بطولة، معاذ الله، فمهمتنا جعلهم يحافظون على لياقتهم.

حذفت الكرة، أكثر الأشكال الهندسية عدالة وجمالا وكمالا، من أبحاث الهندسة والفيزياء، كما حذفت أبحاث الفلك وشؤون الكواكب ومداراتها من دروس العلوم والجغرافية، وكان ضبط الكرة في أي محل أو بيت يعني “روحة بلا رجعة”، أو الإعدام الذي يخفف إلى المؤبد، ولولا ثمار البطيخ الأخضر لنسي الناس شكل الكرة الساحر. وكانت “مكرمة” كبيرة، كتبت فيها معلقات المدح، صدور قانون يسمح باللعب بريشة المضرب، في بلد تلعب به الرياح والأعاصير كالريشة!

كما قلت في البداية، إن المشكلة كانت في أمر غير المباراة التي جرت كما هو معتاد..

والمعتاد هو فوز فريق الكأس –الأبدي – ببطولة “مسرحية” الدوري، على فريقنا بتسعة وتسعين هدفا! أي بمعدل كل دقيقة هدف وعُشر الهدف، لم يكن فريقنا “فريق الحق” الذين كان كل لاعبوه من الشوارع الخلفية والحارات الضيقة، مرخصا، لذلك تم ترخيصه على عجل، لزوم الدوري، وأطلق الحكم الصافرة في الوقت المحدد. لم يكن أحد يفكر بحضور المباراة الكاذبة أو “الافتراضية” التي تجري وفق السيناريو المرسوم، وهو أن يلعب عناصر فريقنا المكبل بقيود غير مرئية، مثل قيود لقمة العيش والطرد من العمل، ومصادرة البطاقة الشخصية، أو “المراجعات الدورية”.. فمثّل دور الخصم الافتراضي: يركض وراء شبح الكرة دون أن يمسها، ويجعل لاعبيهم يعبرون الجسر في “وضح النهار ثقاة” ويسجلون الهدف تلو الهدف في مرمى حارسنا الذي يرمي نفسه على ظل الكرة لا على الكرة فترتج الشباك وتدوي معها الجماهير “المعدنية” من الهتاف والتصفيق على الهدف المعجزة! اللاعب الذي يخالف السيناريو يتهم بالخيانة العظمى، أما حكم المباراة “الحازم” فكان يصفر لأي هفوة يرتكبها لاعب من الفريق “الفائز” ويرفع البطاقة الحمراء في وجه لاعبينا، فطرد خمسة لاعبين! وتغاضى عن خمسين هدفا بالتسلل الحرام كرويا، وأغلق عينيه عن ثلاثين هدفا سجلها الكابتن بيده، إلى درجة أن أحد المشاهدين الذين اقتيدوا إلى المباراة من المدارس والشركات الحكومية للتصفيق والهتاف، قال هامسا: هذه مباراة كرة يد في ملعب كرة قدم! أما المعلق الرياضي الذي استنفذ عبارات الإعجاب والإشادة بلعب ومهارات فريق القوة الفذ والجبار والمتحلي بالروح الرياضية الحميدة، فاستعار تعبيرا من اللاعب الأرجنتيني الشهير مارادونا عندما سجل هدفا بيده في مباراة الكأس في عام 1986 فقال: إنها يد الله.

وقد تم تعديل الجملة في الصحافة المكتوبة، لاحقا، بتعبير أيدي “العناية الإلهية” بعد احتجاجات من الوعاظ والشيوخ والأئمة.. العشرون هدفا الباقية سجلها لاعبونا وحارس مرمانا بما يسمى في لغة الطباعة “بالأخطاء المطبعية” حتى الجمهور والحكم والريح سجلوا بعض الأهداف.. “النظيفة” على طبق من ذهب!

من أطرف وقائع المباراة الكوميدية ظاهرا التراجيدية باطنا، أنه في اللحظة الأخيرة من المباراة صفر الحكم على “فاول” ارتكبه أحد لاعبيهم بنطحه حارسنا أبو النور نطحة مثل نطحة زيدان الشهيرة للاعب الايطالي ماتريزي.. فوقع من ضراوتها على الأرض متلويا من الألم، ولم تفزع طواقم الإسعاف لإسعافه حرصا على وقت المباراة الثمين، واحتسب الحكم ضربة جزاء باعتبار الحارس هو “المذنب” بحشره انفه في قرون الضحية! وتصدى كابتن الفريق الذي سجل الأهداف الثمانين للكرة وطوح بالكرة في “العلالي”، فصفر الحكم وطلب إعادة الضربة مرة ثانية بزعم أن الحارس الذي كان لا يزال ينزف قد تحرك قبل التسديد! وفي المرة الثانية أعاد الحكم الضربة بالزعم نفسه، وفي المرة الثالثة تكرر الخطأ فكتف الحارس، الذي كان لا يزال ينزف، يديه. ووقف في المرمى كالنصب التذكاري فشاطها هدّاف المباراة الأوحد بين فخذي الحارس، وأصابها في خصيتيه، في موضع السلالة والخلد الدنيوي، والمعتقد أن الإصابة حدثت مصادفة، فارتدت الكرة من صدمتها بأحلام جيل المستقبل الذي كان لا يزال حوينات تمنى، لولا أن الحارس تداركها وادخلها بيده كي يرتاح من المباراة ويعتكف لمعالجة نزيفه. هنا جرت وقائع الطرفة العجيبة: فقد هجم الحكم على الكابتن، مخالفا قواعد اللعب، واحتضنه فرحا بشوطته اللولبية، وحمله على عنقه وركض به معلنا انتهاء المباراة، ثم انحنى وقبل قدمه التي لقبت في صحافتنا الرياضية غير الصفراء “بالقدم الذهبية”.

نعود إلى المشكلة، التي كانت في هستيريا الاحتفال بالنتيجة المعلومة سلفا، فقد أجبر الناس جميعا، حتى الذين لا يفرقون بين كرة القدم وكرة اليد، أو بين الملاكمة والجمباز أو بين الشطرنج والهاراكيري، على الاحتفال بالنتيجة الكبيرة. أخرج طلاب المدارس والشركات في كرنفالات ومهرجانات طوال شهر كامل، وحجزت بطاقات سائقي السيارات لإرغامهم على الاشتراك في قطارات برية يومية بالزمامير، ونصبت السرادقات في الشوارع، فتعطل السير وتعثرت أعمال الناس، وهمس هامس: يا ناس يا عالم ياهوو.. هذا كأس دوري محلي وليس كأس العالم!

ورصدت معظم صفحات الصحف الحكومية للتهنئة بفوز الفريق بالكأس والإشادة بقدم الكابتن الذهبية التي وصفت بأنها قدم ترفع الرأس وتستحق أن توضع على الرأس… المشكلة أن احتفالات كأس الدوري الماراتونية صادفت امتحانات الشهادات المتوسطة والثانوية الجامعية، والتي تضرر طلابها من ضجيج طبول وزعيق مطربي الكباريهات ليل نهار.. وسارت إشاعات تفيد أن معجبي الفريق ومشايعيه من المدرسين سيسهلون أسئلة الامتحانات أو سيسمحون للطلاب بالغش في الامتحان.

وفي الوقت الذي كان فيه حارس مرمى فريق الحق أبو النور مطروحا في المشفى من النطحة التي كسرت أنفه، زاره المدافع الشهير أبو الميش، وحنّ إلى الأيام التي كان يركض وراء الكرة في الملاعب كالجواد، ونوى نية كان فيها فقدانه حريته. فقد خرج في الشارع وهو يحمل كرة ليلعب مع أولاده، فاعتقل وحوكم بتهمة توهين روح الأمة، والخروج عن الجماعة، فوضعت في يديه القيود واقتيد إلى السجن، دون أن ينظر إلى تاريخه الرياضي وأهدافه والانتصارات التي أحرزها للبلد.. وقبل أن يلتهمه الظلام، نظر إلى القمر، وهو يفكر في أمريكا اللاتينية التي كان اللعب فيها محظورا ثم أنجبت كبار لاعبي كرة القدم في العالم، وقال قولة اللاعب الرياضي الكبير غاليليه في المحكمة الكنسية الشهيرة: ومع ذلك فإنها تدور!

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This