مبررات منع المرأة من قيادة المركبات
نشر الباحث العلامة والمرجع الفهامة الدكتور عدنان حسن باحارث كتابا أحسن صوغه وأجاد سبكه وأفحم فيه خصمه. وقد عنون الكتاب الجميل باسم رائع أصيل، هو “مبررات منع المرأة من قيادة المركبات من المنظور التربوي الإسلامي.” ولسوف نورد ههنا بعضا من الأفكار النيرة من هذا الكتاب:
“المبرر الأخلاقي لمنع المرأة من قيادة المركبات:
تظهر قوة هذا المبرر من حيث المفاسد الكثيرة التي يمكن أن تترتب على انطلاق النساء والفتيات بهذه المركبات الخاصة من: هجران المنزل، والسفر بغير محرم، والتعرض للمضايقات، والاختلاط بالأجانب، والتوسع في مجالات عمل المرأة المتعلقة بشؤون النساء السائقات، إضافة إلى مشكلات صيانة مركباتهن ضمن أجواء لا تناسب المرأة المسلمة، مع الاضطرار لكشف الوجوه، إلى مفاسد كثيرة يمكن أن تحدث إذا استمرأ المجتمع صورة المرأة السائقة ؛ فإن غالب التغيرات الاجتماعية التنازلية تبدأ باليسير ثم تنتهي بما لا قِبَل للمجتمع به، وكما قيل: معظم النار من مستصغر الشرر؛ ففي بريطانيا قبل خمسين سنة تقريبًا كانت المرأة لا تحصل على رخصة القيادة إلا بعد إذن زوجها ، ثم ما لبث أن فتح لهن الباب على مصراعيه. وفي إحدى البلاد المحافظة كانت المرأة لا تركب المواصلات العامة الصغيرة إلا مع محرم لها، ثم تبدل الوضع وتوسع الأمر دون نكير . وهكذا طبائع الناس تنتقل من الأهون إلى الأشد بالتدريج حتى يصبح الممنوع مرغوبًا فيه، والسيارة كمركبة متحركة داخل المجتمع ليست حصنًا للمرأة من أن تُنال بسوء، أو تتعرض للفتنة، أو تعرض غيرها للافتتان، ولاسيما عندما تتعطل مركبتها في أماكن لا تأمن فيها المرأة على نفسها.
المبرر الصحي لمنع المرأة من قيادة المركبات:
قيادة المرأة للسيارة يعرضها للتلف، فإن السيارة آلة عنيفة لا تناسب طبيعة الإناث، وقد أكدت ذلك دراسة بريطانية على مجموعة من النساء السائقات، حيث توصلت إلى “أن 58% منهن يتوفين قبل الأربعين، و 60% منهن يصبن بأمراض نفسية، وقالت الدراسة: إن قيادة المرأة للسيارة لا تليق ولا تتناسب معها”. ولا تزال هذه الآلة تتصف بالعنف حتى بعد تطورها، فإن حوادثها على المستوى العالمي في غاية القسوة، وغالبًا ما يتعرض لها العُزَّاب من الشباب، والنساء المبتدئات، وينفرد الشباب بأعنف وأشد حوادثها . وقد أشارت الإحصاءات أن نسبة ضحايا حوادث المرور في دول الخليج تفوق نسبتها في أمريكا وبريطانيا ؛ حيث يهلك في كل ساعة سبعة أشخاص في دول مجلس التعاون الخليجي ، ويهلك في المملكة العربية السعودية وحدها – التي سجلت أعلى معدل لحوادث السير في العالم – حوالي سبعة أشخاص يوميًا .
وبلغ عدد الحوادث في العالم العربي خلال عام 2000م نصف مليون حادث، نجم عنها اثنان وستون ألف قتيل . ولا شك أن توسع النساء في هذه الممارسة سوف يزيد من نسبة تعرضهن للهلاك، مما يجعل هذه المهارة خطيرة على شخص المرأة، وعلى دورها التناسلي الذي يستوجب مزيدًا من السكون والاستقرار ، إلى جانب ما يحدثه هذا التوسع من استنزاف للبيئة وتلويثها .
المبرر الفطري لمنع المرأة من قيادة المركبات:
وتظهر حجة هذا المبرر من حيث رقة جهاز الأنثى العصبي الذي لا يساعدها على حسن الأداء ، وسرعة ارتباكها في أثناء القيادة لأبسط الأسباب ، إلى جانب الخوف الذي ينتابها عادة من المسافات الطويلة ، والخوف أيضًا من المناطق المفتوحة، الذي يزيد عند الإناث كلما كبرت أعمارهن، وهو ما يُسمى برهاب الساح، وهو نوع من الخوف ينتاب بعض الناس من المناطق المزدحمة والمفتوحة، إلى جانب ضعف قدراتهن على تعلم المفاهيم الجغرافية، كالمواقع والأماكن وتقدير الحيز الفراغي المرئي والمسافات، وقلة خبرات السفر لديهن؛ ولهذا يُلاحظ أن الإناث أقل قدرة على تعلم المفاهيم الجغرافية من المذكور. ولا شك أن هذه القضايا الفطرية مهمة لإتقان مهارة القيادة.
المبرر الاقتصادي لمنع المرأة من قيادة المركبات:
ويظهر هذا المبرر من الناحية الفقهية في حالات حوادث المرور وما يقع فيها من الجنايات؛ حيث تُعفى المرأة مطلقًا من المشاركة في دية المقتول خطأ حتى وإن كانت هي الجانية، في حين يشترك الجاني البالغ من الذكور – على خلاف بين الفقهاء – مع باقي العاقلة من القرابات في دفع دية القتل الخطأ، بل وتستمتع المرأة مع الورثة في الحصول على نصيبها من دية زوجها، في الوقت الذي لا تُكلَّف فيه مع العاقلة بشيء، وهذا فيه إجحاف اقتصادي بحق رجال الأسرة من العصبات إذا مُكِّنت الفتيات من ممارسة أسباب العطب، خاصة إذا شعرن بالأمان من مغبة تحمل الغرامة المالية، ومن المعلوم أن الأصل في إلزام العاقلة دفع الدية في حال القتل الخطأ – مع ما فيه من التعاون – هو تأديبها لتقصيرها في كفِّ المستهترين والطائشين المنتمين إليها من العبث بأمن المجتمع، مما يدفعها – بصورة تضامنية جماعية – لحفظ سفهائها، ومن يُتوقع منهم الخطأ الذي يُكلفها الغرامات المالية .
المبرر التاريخي لمنع المرأة من قيادة المركبات:
يعتمد المؤيدون لقيادة المرأة للسيارة على المبرر التاريخي رغم أنه لا يُؤيد توجههم؛ فعلى الرغم من الفارق الكبير بين طبيعة وظروف قيادة السيارة وقيادة الدواب فإن النساء منذ القديم لم يكنَّ من أهل الخيل والفروسية إنما الخيل من مطايا الرجال ، وقد كان من المستغرب ركوب النساء للخيل في بلاد زنجبار في القرن التاسع عشر، والسيارات الخاصة أشبه مراكب هذا العصر بها ، فهي من هذه الجهـة متعلقة بالرجولة إلى حد كبير. ولهذا لا يجد الباحث ذكرًا للنساء عند ذكر الخيل والفروسية؛ لما اشتمل عليه ركوب الخيل من البطولة والطلب والهرب، ومواقع القتال من الكر والفر ، مما لا يناسب الطبيعة الأنثوية، بل إن بعض القبائل في القديم كانت تُحرِّم على النساء ركوب الخيل لمعتقدات وأخلاق اجتماعية كانوا يرونها.”
—————————————-
كان يمكن نشر هذا النص من دون أي تعليق، فأحسن تعليق هو أن نترك للقارئ التقدير. ولكن لا بد من الإشارة إلى نقطة أو نقطتين:
1- يحاول الباحثون الإسلاميون تغطية أوهامهم بلبوس علمي، فلا يكتفون بالقول إن قيادة المرأة للسيارة محرمة شرعا (وهو ما لا يوافق عليه معظم رجال الدين المسلمين) ولكنهم يحاولون إعطاء هذه الأوهام بعدا اجتماعيا وأخلاقيا واقتصاديا، إلخ.
2- يحب هؤلاء الباحثون الاستشهاد بأبحاث غربية، ولكنهم لا يتعبن أنفسهم بتوثيق استشهاداتهم. ونحن لا نعرف مثلا متى نشرت الدراسة البريطانية التي قالت إن قيادة المرأة للسيارة لا تليق ولا تتناسب معها. فالكاتب لا يجد حرجا في نسب قوله إلى دراسات غربية دون أن يقول لنا مصدرها وتاريخها وغايتها، إلخ.
3- أما أطرف ما في النص السابق فهو المبرر التاريخي، فلأن النساء لم يكن يركبن الخيل في الماضي، ولأن السيارة هي فرس القرون المعاصرة، فإذن لا يمكن للمرأة أن تركب السيارة. وفهم القارئ كفاية.
