محاولة لتصحيح النظر

جهد الإنسان عبر العصور بالتأمّل والتفكير في سعيه الدؤوب لتطوير شروط واقعه، والعمل من أجل حياة أفضل. وحمله ذلك بمعية مخيّلته المبدعة الخلاقة، إلى استحضار ماضيه من جهة وإلى الحلم ومحاولة استشراف مستقبله من جهة ثانية. في الجهة الأولى تتمثل أمامه الأمجاد السالفة ـ إن وجدت طبعاً ـ ويقارنها بواقع بائس يعيشه. وفي الجهة الأخرى يحلم ويأمل بمستقبل أفضل له، يريده أقلَّ مشاكل وأحسن ظروفاً للحياة . وعلى سبيل الفكاهة أجد في العادات الشعبية لمجتمعاتنا إلى الآن تعبيرات عن ذلك، حيث لا تبخل علينا حكايات الجدات والأدب الشعبي في تصوير بهاء الماضي وزخرفته. كما لا بدّ من جلسات التنبؤ الصباحية من خلال فنجان القهوة والأبراج لغالبية الناس في بلادنا (رجالاً ونساء)

سأحاول في السطور الآتية أن أعرض طريقتين في النظر إلى الماضي والتعامل معه، على سبيل المقارنة . وأودّ أن أشير قبل البدء إلى أنّ الشواهد والاقتباسات الواردة أدناه غايتها فقط الإشارة إلى أسلوب النظر والتعامل مع الماضي أو المستقبل، دون التطرق لمضمونه أو مناقشته. سواء اتفقنا معه أو اختلفنا .

نبدأ بطريقة، أو نظرة إن شئت، طغت إلى حدّ كبير في مجتمعاتنا الإسلامية عموماً، والعربية منها بوجه خاص تمثلت بنزعةٍِ إلى تقديس الماضي، والحنين إلى “السلف الصالح” بشوق عارم، ذلك الذي أورث أصحابها التراث الأصيل بدءاً بالقرآن والسنة وانتهاء بما تراكم عليه من نتاج «علماء الأمة وفقهاءها الكبار» . يعمل المؤمنون بهذه النزعة على محاكاة عصر الأسلاف والقياس عليه لحل مشكلاتهم المعاصرة. فتصبح سنّة الأولين، وبالتالي تقليدهم هو البديل لدى هؤلاء المؤمنين عن العقل الذي يصبح تبعاً لذلك زائداً، لا حاجة له، أو يمكن القول أنه يمثل عبارة ماركس الشهيرة : «لقد وجد العقل لدى الإنسان دائماً لكن ليس على الدوام في صيغة عقلانية». تشكل هذه الطريقة في التعامل مع الماضي الأسّ الذي تبنى عليه أغلب التيارات الإسلامية الأصولية ـ السلفية منها وغيرها. والتي في خضمّ تراثيتها وخوفها من المستقبل تستبدل بذلك الخوف استعادة ماضٍ رحل منذ أربعة عشر قرناً، تجد هي فيه مستقبلها الزاهر المشرق! ناهيك عن كرهها للعصر، والذي ترفض الانفتاح عليه، وتتهمه بـ «الكفر والانحلال» وما إلى ذلك . . لقد «استوعبها الماضي بدلاً من أن تستوعبه» كما عبّر عن ذلك الراحل الكبير ياسين الحافظ. وهي تعرقل كل محاولة لتحديث العقل العربي وتحاصر كل دعوة، حتى من داخلها، للانفتاح على العصر وعلى منجزات الحضارة الأوروبية . سلاحها التكفير، وأدواتها الإرهاب الفكري والسياسي، وصولاً إلى سفك الدماء في «الجهاد ضد أعداء الأمة». ولنا في ما جرى لفرج فودة وصولاً إلى سيد القمني خير دليل على ذلك. حتى أنّ من يصنفون أنفسهم «معتدلين» بل وينتقدون التيارات السلفية والتكفيرية في الإسلام، ليسوا بأكثر مرونة عندما يتعلق الأمر بالتراث. منهم ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي، حيث نجد في كتابه المشترك مع أبو يعرب المرزوقي «إشكالية التجديد في أصول الفقه» ( صادر عن دار الفكر بدمشق، 2006 من ضمن سلسلة حوارات القرن) أنه (أي الشيخ البوطي) يرى «المشكلة لا تتمثل في قِدَم علم الأصول (علم قراءة النصوص)، ولا في إقفال باب الاجتهاد لأسباب تاريخية وتقنية، بل هو قصور وتقصير المسلمين في استخدام الطرائق والآليات التي وضعها الآباء والأجداد لاستنباط الأحكام من النصوص» (؟!!). وهذا غير مستغرب عندما نعلم أن أطروحته للدكتوراه في ستينات القرن الماضي كانت حول «المصلحة» وأصرّ فيها على النصّ في تأكيده على «الضوابط» حيث يرى: ” ضوابط المصلحة أن تكون بما لا يتناقض مع الكتاب والسنّة أو الإجماع”. نشير إلى أن الدكتور البوطي ـ لمن لا يعرفه جيداً ـ من المقربين والمؤيدين لنظام الحكم في سورية . سنتناول مثالاً آخر، وهذه المرة لتيّار من الإسلام السياسي وهو من أشدّ المعارضين ومحظور في سوريا ونقصد جماعة الأخوان المسلمين ـ البيانوني (والذين كان بينهم وبين النظام والمجتمع في مطلع ثمانينات القرن الماضي تاريخ دموي حافل) وهؤلاء قد أعلنوا منذ العام 2000 من خلال الفضائيات وشبكة الإنترنت نبذ العنف، وقدّموا أنفسهم كمعتدلين بعيدين عن التكفير، ويسعون لبناء دولة حديثة معاصرة بالأساليب السلمية والديمقراطية. يعلنون في الوثيقة التي نشروها بعنوان (المشروع السياسي لسورية المستقبل ـ رؤية جماعة الإخوان المسلمين في سورية) أنّ “الشريعة الإسلامية في مصدريها الخالدين: الكتاب والسنة هي مصدر رؤيتنا لصياغة مشروع حضاري، يتصدى لتحديات الواقع، وما فيه من أسن وركود أو قهر وبغي وظلم. والشريعة الإسلامية: نصوص ثابتة، ومقاصد عامة، واجتهاد متجدّد ينزل النصوص على الوقائع وفق أصول الفقه الإسلامي وقواعده وضوابطه. فكأن هذه النصوص تنزل على هذه الأمة ندية طرية، كما نزلت على الجيل الأول، فتحدد مسارها، وتضبط حركتها، وتعالج مشكلاتها، وتلبّي تطلعاتها وأشواقها. أو بعبارة المتقدمين من الفقهاء (تحقق المصالح وتدرأ المفاسد) . . . وفي أساسيات مشروعنا العام، أننا لا نتحرك في فراغ، ولا ننشئ أمة من عدم، وإنما نستند على تراث إسلاميّ اجتماعي عمره ألف وأربعمائة عام أو يزيد، صحيح أن هذا التراث قد دخل عليه القليل أو الكثير من الخلل هنا وهناك، إلا أنه مازال، في اجتهادنا، أساساً صالحاً للتقويم والتسديد ” . واسمحوا لي هنا أن أعبر عن امتناني لهم لتكرّمهم بالاعتراف أن هذا التراث قد دخل عليه خلل ما . أكتفي بهذه الأمثلة الإسلامية وأترك التعليق عليها للقراء الكرام .

وليس بعيداً عن النظرة الإسلامية تلك برزت تيارات هجينة ترفع الشعارات القومية، تصرّ على ارتباطها بـ «تاريخ الأمة المجيد» و«رسالتها الحضارية الخالدة» وتقلّد طفولياً القوميات الأوروبية . فتبقى تيارات فاقدة للتوازن بسبب «الخلع الولادي» الذي رافق ولادتها العسيرة. فهي تفشل في تمثيل التراث وتبقى قاصرة و/أو خائفة من استيعاب التجربة الأوروبية وتغترب في الوقت عينه عن فهم واقعها باتّزان وموضوعية، فتنتج عند وصولها إلى السلطة أشكالاً معدّلة وراثياً من الاستبداد الشرقي، مبتعدة بشدة عن كل ما يتطلّبه المجتمع الحديث العصري : كالعقلانية، ومنطق المصالح المتبادلة، والتعددية، والعيش بدلالة المستقبل، ناهيك عن العلمانية والعلم، وطبعاً آليات الحكم الديمقراطي ودولة القانون والمواطنة وحقوق الإنسان.

بمقابل ذلك، وبنظرة سريعة إلى جانب من تاريخ أوروبة ما بعد العصور المظلمة والوسطى، نلاحظ طريقة تعامل بعضٍ من رواد تلك المرحلة الهامة مع الماضي، خصوصاً بعد أن استطاعوا التخلص من النظرة إلى المستقبل في السماء، وأعادوا الاعتبار للحياة على الأرض . فهي ليست مجرد مرحلة اختبار تفضي إما إلى الجنة أو إلى النار، إنما استمرارية متقدمة ومتطورة تصاعدياً (ولست هنا بصدد الحديث عن حركة الإصلاح الديني والتي هي ـ برأيي ـ متداخلة من حيث كونها سبباً ونتيجة). وقد أسهمت في هذه النقلة النوعية بشكل أساسي الكشوف الجغرافية والتطور السريع في الاكتشافات العلمية والتقنية، وبالتزامن مع حركة ثقافية فتية على منابر النهضة تعاملت مع الماضي على العكس من سلفيّينا الموقّرين. حيث كان من أبرز ملامح السجالات الفكرية لحوارات النهضة الأوروبية: المزايا المقارنة بين فكر وكتابات القدماء وبين نتاج المحدثين . فكانت الغلبة للرأي الذي يرفض القول بأن الكتّاب المحدثين أدنى مستوىً من القدامى. وكان من أصحاب هذا التوجه راسين وموليير وكورني وتوماس مور وغيرهم. وقد نشر الأخير كتابه «المدينة الفاضلة» والذي سخر فيه من الحكومة والدولة التي تستلهم من جمهورية أفلاطون، من خلال محادثة مفترضة مع بحّار خيالي زار جزيرة متخيلة أسماها مور «يوتوبيا» (وأعطت اسمها فيما بعد لتيار من الأدب الخيالي). في نلك الجزيرة تكثر الخيرات وتغلب النزعة للصالح العام على الأنانية الفردية. كما نشر الأديب برنار دو فونتيني عام 1683 كتابه «حوارات الأموات» يورد فيه مناقشة خيالية بين سقراط والأديب والمربي الفرنسي الشهير ميشيل مونتيني (توفي 1592) صاحب كتاب «المقالات». يتوقع سقراط في المناقشة أن «عصر مونتيني سوف يرى تحسناً كبيراً عن عصره، لأن الناس سوف يكونوا قد أفادوا من خبرة قرون كثيرة» ويخالفه مونتيني بالقول:” إن الأمر ليس كذلك، لأن أنماطاً من الناس الأقوياء والنشطين أمثال بيركليس وأريستيدس وسقراط نفسه لم يعودوا في الوجود ” فيعترض سقراط ويقول محاججاً : «إن قوى الطبيعة الدائمة لم تنحط في أعمالها الأخرى، فلماذا تتوقف عن إنتاج الرجال الجيدين ؟! ” إلى أن يختم برنار دو فونتيني المناقشة على لسان سقراط بالقول:« إن القديم يُضخَّم ويُعلى من شأنه ويُمجّد بسبب البعد، ففي يومنا ذاك قدرنا أسلافنا وبجّلناهم أكثر مما يستحقون؛ والآن يقدرنا أخلافنا ويبجلونا أكثر مما نستحق ” ! وربما يمكن تلخيص وجهة النظر تلك بما يقوله العالم والسياسي الأمريكي بنيامين فرانكلين (توفي 1790) . حيث جاء في رسالة منه عام 1780 إلى عالم اللاهوت جوزيف بريستلي” إن العلم الصحيح سريع الارتقاء الآن يدفعني للأسف أحياناً لأنني ولدت في هذا الوقت المبكر جداً، فمن المستحيل تصور الذروة التي ربما تبلغها قوة الإنسان وسيطرته على المادة خلال ألف عام . . . ستطول أعمارنا ونتمتع فيها باليسر والسرور حتى فيما يتجاوز المستوى السابق للطوفان، . . . والبشر سوف يتعلّمون أخيراً ما ندعوه الآن بشكل خاطئ وغير ملائم بالإنسانية “! شتان بين من يبكي لأنه لم يعش منذ ألف وأربعمائة سنة وبين من يأسف لأنه لن يكون موجوداً بعد ألف سنة .

لا أدعي أننا أمام ثنائية لا تخرج عن إحدى النظرتين المعروضتين أعلاه. بل أقول إنّ كلاً منهما احتلت الجانب الأكبر في ملعبها: الماضوية العربية والمستقبلية الغربية . رغم وجود وجهات نظر نقيضة لكل منها. وأعتبرها دعوة لقراءة الحاضر بدلالة المستقبل. واستيعاب الماضي وهضمه بدلاً من أن يهضمنا. والتدخل بما يمكن أن ندعوه «صناعة المستقبل» من خلال امتلاك الحاضر. هذا الالتفات نحو المستقبل والذي يبدو طبيعياً وسهلاً ليس من باب التنبؤ أو العرافة، بل إنه يتطلب جهداً هائلاً ومتابعة حثيثة، وإنّ العمل من أجل التغيير نحو واقع أفضل يتطلب إلى جانب التحليل المتبصر الاشتغال على التطورات المستقبلية، ونشر ثقافة المستقبل بدلاً من غبار الماضي ، وبكل أسف هذا إلى الآن نادر لدينا نظراً لكونه ، على ما يبدو ، يخالف جزءاً كبيراً من ثقافة مجتمعنا وعاداته، بل قل حتى مناهج ومواضيع عمل مفكّرينا. قد يقول قائل :” إن لتعقيدات الواقع العربي دور في سطوة الماضي “. ولكن أقول له : الماضي ذاته هو ما أورثنا ما نحن فيه . لنهييء إذن تركة أقل وطأة لأجيال سنكون سبباً في وجودها تحت الشمس .

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This