محمد شوقي الزّين : من درّيدا إلى ابن عربيّ ودي سرتو…
نقاش بين أيوب المزيّن (معدّ الحوار وكاتب مهتمّ بالفلسفة) ومحمد شوقي الزّين (فيلسوف وباحث في الفلسفة والتّصوف)، وذلك على هامش النّدوة الدولية التي أقيمت بالكلّية متعدّدة التخصّصات بالرشيدية-المغرب تحت عنوان: "الآداب والعلوم الإنسانية: من سياق الحداثة إلى الهرمينوطيقا".
تنطوي أعمالك، منذ الإصدار الأوّل "تأويلات وتفكيكات"، وحتى آخر كتاب نشرته تحت عنوان "الإزاحة والاحتمال"، على وجود مشروع فكريّ مطّرد، ينضج بصدف بحثية قد تكون عجائبية إلى حدّ ما، خاصة وأنّ إحداثيات غوصك المُزلزِل (تأويليّ وتفكيكيّ في آنٍ) تجترحُ تقاطعات متناثرة بين الفكر العربي والفكر الغربيّ، باستحضار ابن عربي ودريدا مثلا. كيف تفسّر هذا الاهتمام المزدوج فوق صفيحة مرتعشة بالغموض ومسكونة بالتدافعات؟
في الحقيقة، لا أدّعي أنني حامل لمشروع فكريّ، وما أقوم به إنّما هو قراءات أو تأويلات للفكر العالمي الكلاسيكي منه والمعاصر، والعربي منه والغربي. لا أبدأ في قراءاتي من منطلق مذهبيّ، وإنما أعتبر الأفكار أو الفلسفات آليات فكرية ووسائل لغوية في فهم ما أنا بصدد قراءته، فلهذا السبب لا يختلف عندي الاهتمام بين الفكر الكلاسيكي والمعاصر أو الفكر العربي والغربي. إذا استعملت عبارات لفتغنشتاين وميشال دو سارتو، تصبح "الأفكار" أدوات في صناعة الواقعة الفلسفية، مثل ما تستعمل الأدوات اليدوية في صناعة الوقائع المادّية. إذا أخذت مثال ابن عربي، الذي اشتغلت عليه، فإنّ منطلقي كان هو نقل أدواته الفكرية من سياقها المذهبي والروحي إلى سياق نظريّ وفلسفيّ تصبح بمُوجبه هذه الأدوات "مفاهيم" وأطر نظرية لقراءات معاصرة. لقد مكّنني هذا النقل، الذي سمّيته "الإزاحة" (طالع كتاب: الإزاحة والاحتمال؛ إزاحات فكرية)، من قراءة دريدا والفكر المعاصر بخلفية ما فهمته عبر نص ابن عربي. والعكس عندما قمت بقراءة ابن عربي بمفاهيم مستقاة من الفكر المعاصر، على وجه التخصيص ميشال دو سارتو الذي كان، هو الآخر، متخصصا في التصوّف المسيحيّ.
يبدو حديثك عن استعارة توصيف "الأدوات" للتدّليل على "الأفكار"، بغاية انتشال الفلسفة من التّجريد إلى الواقعية، مغريا جدا. لكنّ الأمر يبتغي التحقّق من فعاليّة السّفر بالأدوات التأويلية من حيّز نصّي إلى حيّز نصّي آخر. أين تكمن تجلّيات الإزاحة، بما يبرز "لاإعتباطية" الأحكام، من خلال ما اشتغلت عليه لحدّ الآن؟
تكمن العلاقة، بين نصّ ابن عربي وأدوات دو سارتو في قراءة النّص العرفاني مثلا، في الأولويّة المُعطاة لمسألة الأصل من حيث كونه مرافقا لكل كينونة أو هوية، لا يسبقها ولا يتعالى عليها. ويتبدّى هذا الأصل في التجليات عند ابن عربي، والتي تصطحب الوجود مثلما يظهر هذا الأصل عند دو سارتو في "عودة الماضي" في صلب الحاضر أو "الذاكرة في التاريخ" أو "الهواجس الفردية والجماعية" في الأفعال البشرية بناءً على قراءته لفرويد. الأهمية الثانية مُعطاة مثلا لتواطئ الأضداد، الذي يتجلّى في نصّ ابن عربي عبر الجمع بين الشيء ونقيضه (تأويله المسترسل لعبارة أبي سعيد الخرّاز "كيف عرفت الله؟ عرفته بالجمع بين النقيضين، ثمّ تلا الآية: هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن")، ولدى دو سارتو عبر التركيز على ما يسمّى في أوجه البيان (التناقض الظاهري oxymore) في قراءته للعرفان المسيحي. تتجسّد الأهمية الثالثة في سؤال الهوية حيث تستبعد الوحدة، وتستلزم في الوقت نفسه الكثرة، كما نجد ذلك عند ابن عربي مع الإله والأسماء الحسنى عبر مقولة "هو لا هو"، ولدى دو سارتو مع وجود الغيرية في الهوية من خلال طغيان أطياف الماضي على وقائع الحاضر في الزمان والمكان أو من خلال همينة الهواجس والهموم عند الفرد في الذاكرة والأحلام.
لا تكُفّ عدد من القراءات المعاصرة عن المباغتة، كعنصر أساسي في صناعة الحدث بلغة دو سارتو، كأنْ نقرأ في عملكَ "الإزاحة والاحتمال" بابًا جديرا بالتفحّص فيما سمّيتَهُ بقراءة مفكّر معاصر، هو دريدا، بمفاهيم وسيطية، استأثرتها من ابن عربي. فما هي بعض أوجه المُضاهاة بين النّصين الرّبيبين؟
الأولويات التي ذكرتها (الأصل، الضّدية، الهوية) هي ما يميّز قراءتي لدريدا لأنها حاضرة بكثافة في نصوصه وقراءته للتفكير الغربي؛ لا ينفكّ الأصل عن العودة في شكل أشباح تنتاب الوعي أو الحاضر أو الحضور، كما تميّز الضدّية كلّ حقيقة نصية أو وجودية، كما أنّ الهوية مطبوعة بالغيرية، لا تنقطع عنها ولا تقوم بدونها. ثم إنّ نمط الكتابة عند دريدا يضاهي نظيره عند ابن عربي من حيث الأهمية القصوى التي يوليهما أحدهما والآخر لما أسمّيه "مادّية أو هيولى" الواقعة النصية (أهمية الحرف عند ابن عربي، مقولة "الحروف أمة من الأمم"؛ أهمية الكتابة عند دريدا). هناك اهتمام، وحتى همّ فلسفيّ وفينومينولوجيّ بظاهرة الكتابة، أي بظهورها وظاهريّتها. فليس غريبا أن نجد اهتماما مشتركا بالأصول اللغوية، اللغة ليس كنسق ألسنيّ وإنّما كاحتمال تأويليّ وانهمام رمزيّ، بمعنى الرؤية الخارقة والحادّة في التأمل في طبائع المفردات وجبلّة المقولات. لهذا السّبب نجد عند دريدا مفردات مركّبة بطريقة شبه جرمانية (subjectile-catasropique-exappropriation-fantômachie) للتعبير عن رؤيته المتبحّرة للوقائع التي يقرؤها على غرار مقولة الاختلاف بالحرف a في la différance الدّالة على المباينة والإرجاء. في المقابل، نجد عند ابن عربي نفس الاهتمام خصوصا مع فعل الأمر "كُنْ" (دليل التّكوين) الذي يعطيه أبعادًا أنطولوجية وتأويلية هائلة، ومع فكرة "الـو-جود" من خلال مقولته "عن الجود صدر الوجود". بمعنى أنّ الوجود يشتمل على الجود (عطايا ونفحات) ويتوقّف عليه، ليس فقط على الصعيد النظري البحت ولكن في المقولة ذاتها.
ما موقع التأويل، بالنّسبة إليك، في قراءة نصوص ابن عربي، دريدا، دو سارتو؟
للتأويل موقع محوري، ليس فقط كأداة في الكشف والتقصّي، ولكن أيضا كاستفسار واستفهام حول مبادئ الأمور (أوّل الشيء) ومقاصدها (مآل الشيء). وبين المبدأ والمعاد، أو الأوّل والمآل، يشتغل التأويل كانعطاف لغويّ وفلسفيّ ورمزيّ. تبدو أهميّة التأويل من حيث أنّه يتيح قراءة النّص كمسار أو سيرورة انطلاقا من جذوره الاشتقاقية وبذوره الرّمزية وانتهاءً بأهدافه العملّية أو أغراضه الفكروية (=الإديولوجية)، مرورًا بملابساته الآنية وتمظهراته المؤسساتية. بهذا المعنى يكون التأويل عبارة عن مواكبة حدث النّص من لحظة بروزه حتى سياقات تأثيره، أي الوقوف على مراحله وأطواره ومتابعة طريقة تشكّله واشتغاله. بحديثي عن التأويل، أمارسه بالمعنى الذي تطرّقت به إليه. وذلك بالبحث، في النّصوص التي تردّدتُ عليها، عن الأمر الذي جعلها ممكنة وأتاح تركيبها وتوسيعها. أبحث في نصوص دريدا وابن عربي ودو سارتو عن الأمر الذّي منحها القوّة النظرية والكثافة اللغوية وجعل منها مرايا بعضها لبعض. هكذا إذن أقرأ دريدا بابن عربي من خلال دو سارتو، مع الحفاظ على التّماسك في الإحالة بينها ومراعاة التّباين الذي يميّزها؛ فأقرأ بأدوات لأستخلص مفاهيم ولا أقرأ بانتسابات لأصبو إلى تطابقات.
لازمتَ نصوص دو سارتو منذ السّنوات الأولى في الجامعة، وأعدتَ اكتشافه، برؤية ناضجة، بعد اشتغالكَ على ابن عربي. ما الذّي يحفّزكَ على الاعتناء، بالترجمة والتحليل، بما أنتجه هذا الرّجل، مع أنه لم يلق اهتماما علميا واسعا في الغرب وفي فرنسا خاصة؟
ما أثار انتباهي عند ميشال دو سارتو هو تلك البراعة في التحكّم في مفاتيح المعارف الإنسانية وقراءة العرفان بالتحليل النفسي من خلال التجارب اليومية. غالبا ما كنّا، في الفكر الفرنسي المعاصر، ننعتُ ميشال دو سارتو ككاتب مُبعثَر وتائه في حقول المعرفة ودهاليز النظرية. وجاء هذا الحكم نتيجة اهتمام دو سارتو بموضوعات أثارت انتباهه كالعرفان والتاريخ والتحليلي النفسي وسوسيولوجيا الممارسات اليومية، وقام بقراءتها وبالتمعّن في ملابساتها وتشكيلاتها بإتباع بعضها لبعض؛ فقرأ العرفان من منطلق تاريخيّ تدعّمه النفسانيات وقرأ التاريخ بمعطى عرفانيّ تشهد عليه الممارسات العادية. وكأنّ هذه المعارف أضحت مرايا متقابلة تنعكس موضوعات بعضها في البعض الآخر. منطلق ميشال دو سارتو هو الأصل الذي تنبثق منه الوقائع أو الأفعال، لكن هذا الأصل ليس شيئا خفيّا أو مفارقا وإنّما محايثا ويتبدّى في "الحدث" ذي المفاعيل المُمتدّة. فالحدث يظهر كقطيعة مع نظام زمني سابق ليهيِّئ لإدراكات وتأويلات يشترطها بقدر ما تمنحه الدّيمومة والخلود. يبدو الحدث كبؤرة انطلاق وامتداد ذات تأثيرات واسعة ولاحقة، وما ينطلق من الحدث هو "الواقعة" كمحاولة تأويلية في فهم هذا الحدث. وعليه، تلعب ثنائية الحدث والواقعة ذات الدّور الذي تؤدّيه ثنائية الفهم والتفسير أو المشهد والتعبير أو الأمر والتّدبير، بمعنى كلّ ما يحدث قطيعة في نظام العالم ويقتضي وسائل فهمها أو قبولها أو نقدها أو مقاومتها.
في كتابه ابتكار الحياة اليومية، يتطرّق دو سارتو لطرحٍ بالغ الأهمية مُتعلقٍ بمفهوم "الإنسان العادي. أيتسنّى لنا فهم هذه الفكرة من منطلق الوقوف على الواقعة كامتداد للحدث؟
من هذا المنطلق، لا يصبح الحدث مجرّد موضوع لتأويل منهجي أو علمي تمارسه النخبة، وإنّما كلّ ما ينتاب الوعي ويؤثر فيه ليسلك دروبا أو مسارات أخرى. في هذا الصّدد، يكون الحدث موضوع فهم وتفاهم من قبل الرؤية النظرية التي يمثلها العالم أو الملاحِظ أو المثقف، وفي الوقت نفسه من قبل الرؤية العادية أو البسيطة التي تتجلّى في إدراكات الإنسان العادي، ففي كلا الجانبين يتعلّق الأمر بحدث يحتاج إلى فهم أو إيضاح ويختلف الجانبان فقط في الدّرجة أو العُدّة.
تتعامل الرؤية النظرية مع الحدث من خلفية معرفية تقنية ومعقّدة مثل استعمال الإجراءات المنطقية أو اللغوية أو الإبستمولوجية في مقاربة الحدث. بينما تتعامل الرؤية العادية مع الحدث من خلفية معرفية ولكنّها معرفة حسّيّة وحدسيّة تتوافق والطابع البسيط والاعتيادي للإنسان كما يُكتشف في الحياة اليومية. فهناك مقاربتان مختلفتان ولكنهما تتناسبان في طريقة إدراك الحدث والسّلوك وفق نتائجه وآثاره. ما يجمع إزاء الحدث بين الرؤية النظرية والرؤية العادية هو "الممارسة"، لأنّ الفاعل المعرفيّ يستعمل أدوات خاصة بحقله العلميّ في مقاربة هذا الحدث، والفاعل العاديّ يستعمل أدوات أخرى تخصّ مجاله اليومي. في هذا المضمار، تصبح الرؤيتان كلتاهما عبارة عن واقعة تشتغل على الحدث؛ نفهم من هذا القول أنّ الواقعة هي تفسير، أيّا كانت طبيعته (تفسير نظريّ أو تفسير عاديّ)، لحدث يشترطها ويكون سببا في إمكانها.
بالعودة من التأويل عند دو سارتو، بمعيّة جدلية الحدث والواقعة لديه، إلى قراءة دريدا بابن عربي -وقد كان دريدا نفسه، في رسالة وجّهها إليكَ سنة 1998م، قد طلب منكَ أن تلخّص له مذهب ابن عربي لما أثاره من إعجاب، عبّر عنه بابتسامة، بقراءتك المستجدّة لنصّه (وقد فعلتَ)- أيصبح التأويل نفسه حدثا؟ وإلى أيّ مدى تأثّرت هذه القراءة بالوقائع القبلية التي سبقتها؟
نعم، فحدث التأويل حاصل وهو يسمح بواقعة التفسير. لكنّ هذه الواقعة تشترط بدورها الحدث في علاقة اصطلحت عليها اسم "اللاّدونية" لأنّ أحدهما لا يقوم دون الآخر، فهو شرط إمكانه وعلّة وجوده. بناءً على هذه الفكرة تصبح القراءة التي قمت بها لحدث دريدا قراءة "لادونية" إذا لم أدرج واقعة ابن عربي ودو سارتو. فهناك تكامل بل وتعاضدٌ هيكليٌّ بين هذه الوقائع في ملامسة أحداثها مثلما يكتمل الفهم بالتفسير أو المشهد بالعرض والتعبير. كانت بعض المقولات التي أدرجها ابن عربي في مقاربة عالم الخيال أمرًا أساسيا في قراءة "الطّيفية" التي تشكّلت منها نصوص دريدا عندما جعل من الأشباح أو الأطياف صلب تصوّره للحقيقة والوجود. ما كتبه ابن عربي بشأن الوهم والخيال كان بمثابة إيماءة تأويلية في مقاربة سؤال الأطياف عند دريدا. وقد كان ما بلوره ميشال دو سارتو بشأن ما يسمّيه "الاشتغال على الحافة" كمؤشر في الوقوف على الجانب الخيالي عند ابن عربي والطّيفي عند دريدا، لأنّ فكرة "الاشتغال على الحافة" تستلزم التموضع بين مجالين: مجال الواقع ومجال الافتراض ( أو الاعتبار) مثلما يصبح الخيال في تصوّر ابن عربي جامعًا بين برزخ الوجود وبرزخ العدم، ويصبح الطّيف في فلسفة دريدا جامعا/فاصلا بين الشيء وأثره لأنّ الأثر هو الشيء و"لا هو" ويضحى الطّيف حقيقة تتوسّطهما.
هذه المرايا العاكسة بين الفلسفات أو أنظمة التفكير، كما ذُكرت معالمها عند دريدا وابن عربي ودو سارتو، لا تُبدي تناسبات هي مجرّد إسقاطات أو تلفيقات وإنّما تجعل من كلّ مفهوم استجابة أو إثارة لمفاهيم أو إشكالات أخرى لا يقوم بدونها ولا توجد بدونه، فكلّ مفهوم أو مقولة جاءت لتدُلّ على شبكة من المقولات المغايرة تثيرها بقدر ما تثريها، وتشترطها بقدر ما تشترط بها.
