مرور 24 سنة على وفاة ميشال فوكو (1) – المعرفة والسّلطة في زمن الفيديو…

 
ترجمة: محمد الشيباني*

يقرن فوكو السّلطة بالمعرفة. وهذا مفتاح مهمّ لفهم التليفزيو ديمقراطيّة (Télédemocratie).  فالمعرفة – وقد غدت – الآن محاكاة ساخرة وفارغة – ليست حكرا على فئة محدودة وإنّما خاصّية موزّعة على الأغلبية.

* * *

ليس مردّ قيمة فوكو في المشهد الثقافي الفرنسيّ والدوليّ إلى مجرّد المكتسبات النّظريّة لفكره وإنّما كذلك مرجعها إلى دوره باعتباره فيلسوفا مناضلا، وقد ميّز هذا الدورُ حياتَه. وينخرط فوكو في سلك تقاليد مثقّفين لم يكن فكرهم حبيس الكتب أو النقاشات الأكاديميّة وإنّما كان مفتاحا لقراءة الواقع اليوميّ وتحليله نقديّا، كما كان ضربا من “صندوق أدوات” نستمدّ منه الوسائل التي تمكّن من فكّ رموز العالم المحيط. كان فكره أيضا مدار عناية خلال سنوات الاحتجاج. كما أنّه يحظى اليوم براهنيّة فعليّة في وقت تفرض فيه أزمةُ النماذج والقيم الأكثر انتشارا اصطناع مسالكَ جديدة في البحث.
 
وهذا لا يعني مع ذلك أنّ آثار فوكو قد لفّها النسيان. فقد عُقدت من أجلها في السّنوات الأخيرة ندواتٌ وتناولتها منشوراتٌ بالخصوص في فرنسا والولايات المتّحدة الأمريكيّة. ولكنّنا الآن نشهد بلا ريب عودةً متجدّدةً للاهتمام بها ليس من قبل المثقفين والنقّاد والباحثين فحسب إنّما كذلك نسجّل اهتمام الجمهور العريض الذي يسعى إلى أن يجد في هذه الآثار وسيلةَ لفهم الحاضر.

أمّا العنصر الذي مثّل وجه القوّة في فكره إبّان فترة الاحتجاج- قبل أن يأفل على نحو مّا إثر ذلك- فهو مفهوم السّلطة. فباعتباره فيلسوف السّلطة تصدّى فوكو إلى تحليل التاريخ والكشف- وهو يمكّننا من فهم بنية الحاضر على نحو غير مسبوق- عن جينيالوجيا المفاهيم التي نفهمها ونتمثّلها على أساس كونها طبيعيّة وخالدة.
 
وإلى حدود مؤلّفه “الرقابة والعقاب” (Surveiller et punir) بدا فوكو بالخصوص في ثوب أركيولوجيّ المعرفة إذ حاول تحليل “الابستيمات” (Les épistèmes) في نسيج التاريخ وأن يكشف للوعي الحديث خاصّية المفارقة الكامنة فيها متوسّلا بالخصوص بمثال الموسوعة الصّينيّة لبورجيس (Bourges) الذي ينفتح عليه كتاب “الكلمات والأشياء” (Les mots et les choses). ولئن كانت الابستيمات موحّدة وفارضة ضربا من الإلزام على إنتاج المعرفة في فترة زمنيّة محدّدة فإنّها مع ذلك تختلف أيّما اختلاف من حقبة إلى أخرى. وانطلاقا من كتاب “الرقابة والعقاب” سيحلّ مفهوم السلطة محلّ الابستيمات، فوراء كلّ حساسيّة أو ثقافة أو تنظيم للمعرفة ثمّة دائما سلطة قابعة. والسّلطة وهي مبثوثة  في النسيج الاجتماعي تُنتج المعرفةَ من خلال البحث في الحقيقة. أمّا الطّابع المؤقّت والمتهافت للابتسميّة فيطمسه حضورُ السلطة غير الزمانية وغير القابلة للطعن فيها فضلا عن اتّسامها بخاصيّة الكونيّة. إنّ السّلطة والمعرفة لا فكاك بينهما. وإضافة إلى هذا قلب فوكو التصوّر التقليديّ. فالسّلطة خسرت سماتها السلبيّة المتمثّلة في كونها قوّة سائدة تقمع وتُفسدُ وتمنع لتختصّ بالطابع الكوني لمعرفة مُنتجة يُدبّرها الجميعُ ويشارك فيها الكلُّ.

 
ومع ذلك فإنّ مفهوم السّلطة يوشك أن يقع إفراغه من معناه. وقد كتب “ريتشارد رورتي” (Richard Rorty) في هذا الصّدد :”كانت لي بمعيّة “فالزير” (Walzer) و”تايلور” (Taylor) و”هبرماس” (Habermas) ردودُ فعل متباينة ولكنّها متشابهة جوهريا إزاء فوكو. فمن جهة نكنّ له التقدير ونعترف بمكانته، ذلك أنّ فوكو كشف جملةً من المخاطر الجديدة التي ظهرت في صلب المجتمعات الديمقراطية، وقدّم خدمةً جليلةً لهذه المجتمعات من خلال وصفه للنَّزَعات والنماذج التي يتعيّن عليها الحذر منها. ومن جهة أخرى فإنّنا مع ذلك نرى- نحن المحافظين الليبراليين- أنّ أعمال فوكو يشقّها التباس يسبّب الشلل بسبب استخدامه كلمة “سلطة” اعتبارها تارةً ذات شحنة سالبة وتارةَ أخرى بما هي عبارة محايدة وواصفة. وبمقتضى هذه الدّلالة الواسعة والفارغة فإنّ دراسة أيّ موضوع (سواء تعلّق الأمر بالعلاقات في الكيمياء أو في الرياضيات أو في لعبة الشطرنج أو في المؤسّسات الاجتماعيّة) قد تغدو دراسة “لاستراتيجيات السّلطة” (1). إنّ مفهوما للسلطة يغطّي كلّ شيء ويشمل العالم كلّه يفقد أهميّته باعتباره موضوعا للتحليل النقدي والمقارنة.

 
وفي نهاية السّبعينات عرف مفهومُ السّلطة مرحلةَ الأزمة. فالمشهد السياسي تغيّر والمخيال الجمعي حلّت فيه أسطورة الاستهلاك فحلّ محلّ إيتوبيا الثورة. وفي هذا السّياق يندرج نقد بودريار (Baudrillard) الذي أعلن في “نسيان فوكو” (Oublier Foucault)  موتَ السّلطة، وأدمج مسألة موت السلطة في خطاب أعمّ يتناول المجتمع الحاليّ حيث أخذ الزيف يفتكّ شيئا فشيئا مكانًة ما هو حقيقيّ. وليس بإمكان مفهوم السلطة نفسه أن يفلت من هذه العملية، وما العناية الهوسيّة التي يلقاها إلاّ عرض من أعراض زواله. ولقد أصاب هذا النقد هدفه على نحو مّا بما أنّه تمّ نسيان السّلطة طوال سنوات.
ومع ذلك يُعاد اليوم طرح المشكلة بحدّة في سياق نشهد فيه تأثيرا معتبرا لوسائل الاتّصال الجماهيريّ يبدو مهدّدا للحريّة والديمقراطية. فلقد ظهر مُجدّدا شبحُ السّلطة، في حُلل جديدة. من أيّ جهة تغيّرت السّلطة؟ من الجَليّ أنّها لم تمت ولكن طرأت عليها في المجتمع الحاليّ تغيّراتٌ جذريّةٌ بسبب ما شهدته المعرفة من تعديلات.

 
عندما يتحدّث فوكو عن السّلطة تجده يقرنُها بالمعرفة. ولذا فإنّه لا وجود لقطيعة بين فوكو الأركيولوجيّ وفوكو محلّل السّلطة : فالسّلطة هي نتاج للمعرفة، وثمّة تفاعل بين السّلطة والمعرفة. فمنذ أولى كتابات فوكو- حيث كانت السّلطة تظهر بصفة ضمنيّة- كنّا نجد تنظيم المعرفة هو المجدّد لممارسات الإقصاء. ويمثّل نظام الحجز كذلك الوجه الآخر للكوجيتو، (Cogito)، فالفرد الغربي في الحقبة الكلاسيكية يتحدّد وجوده في مقابلة للمجنون. والعقل يجد سنده في نفي انعدام المعقول. 

 
 وإذا كانت السّلطة نتيجة للمعرفة فإنّ المعرفة تمثّل بدورها شكلا من أشكال السلطة. وتكمن قوّة المعرفة في الحقيقة. ولقد عبّر فوكو مرارا عن رغبته في كتابة تاريخ للحقيقة، وليس مردّ ذلك إلى أنّ الحقيقة موجودة وإلى أنّ كلّ حقبة حملت تأويلاتها للعالم الخاصّة بها محمل الحقائق الصّادقة. فالحقيقة هي التي تجعل المعرفة سلاحا ناجعا، وحقيقة الكوجيتو تقصي الجنون. وحينئذ فإنّ المعرفة هي التي تمسك بالحقيقة، بَيدَ أنّ هذه المعادلة قد فقدت في أيّامنا هذه مبرّرات وجودها. فالمعرفة غدت واعية بحدودها مكرّسة بذلك الفصل بين المعرفة والسّلطة. وفي بداية الثمانينات كان الجدال يجري بشأن موت السّلطة. وعلى أساس الإقرار بموت السّلطة  أقام بودريار نقده لفوكو. أمّا اليوم فتبدو لنا الأمور من منظور مختلف: إذا كان ثمّة من مات أو ثمّة شيء مّا قد مات فهي بلا ريب المعرفة وليست السّلطة.

والعلوم الإنسانيّة التي صادف ميلادُها ظهورَ الوعي بالإنسان، تحرّكها اليوم- حسب فوكو- وتدفعها إرادةُ المعرفة ورغبةُ الحقيقة. وكتب هابرماس في هذا الصدد : “وحينئذ تمثّل إرادةُ الحقيقة هذه مفتاحَ العلاقة الداخليّة القائمة عند فوكو بين المعرفة والسّلطة”. (…)

إلاّ أنّ الفلسفة المعاصرة تتخلّى طوعا عن كلّ سند، إذ ترفض دفعةً واحدةُ معرفةً كشف فوكو نفسُه عن صلتها الوثيقة بالسّلطة والهيمنة. فالمسافة التي جعلتها الفلسفة فاصلة بينها والحقيقة ليست إلاّ نتاجا لموقف نظريّ، كما تمثّل هذه المسافةُ اختيارا مثقلا بالمعنى. فمع “الفكر الهزيل”، تنفصل المعرفة عن الحقيقة و تتخلّى حينئذ وبصفة واعية كذلك عن السّلطة. وهكذا يفقد مفهوم العلوم دلالته حتّى في صلب ما سُمّي بالعلوم الإنسانية.
تجعلُ فترةُ ما بعد الحداثة العلمَ قبالةَ معرفة تستند إلى الرأي وإلى قياسه من خلال عمليات السّبر. وعلى هذا النحو تقوم اختصاصات جديدة، ويكون المرورُ من المكتوب إلى شاشة التلفيزيون مع جميع التبعات التي تترتّب عنه. في التلفيزيون خصائص تجعله وسيلة الإعلام المفضّلة القادرة على نشر أشكال جديدة من المعرفة وإنتاجها. وقبل كلّ شيء ومنذ أن تمّ الشّروع في قياس موقف المشاهدين أضحى الرأيُ العامّ مكوّنا من مكوّنات إنتاج معرفة تلفزيونية. وبالفعل فإنّ المشاهد هو الذي يختار البرامج التي يفضّلها الجمهور وهو الذي حينئذ يسهر على أن يكوّن طروس التلفيزيون.
وإثر ذلك، وعن طريق الصّلة التي أقامها التلفيزيون التجاريّ بين الإشهار والتلفيزيون احتلّ التسويق منزلة الصّدارة في برمجة الشاشة الصّغيرة. فالتسويق يحدّد الأهداف التي يتعيّن على الرسالة التلفزيونية بلوغها، وهو الذي عندئذ يعطي مؤشّرات مفصّلة عن المقوّمات الضروريّة للبرامج.

 
وأخيرا، منذ زمن طويل أقحمت برامج الأحداث السياسيّة وتحليل المجتمع آلية سبر الآراء للتعليق على المواضيع الواردة في جدول الأعمال. ومرّة أخرى تقع الاستعاضة عن التفسير والبحث في الأسباب بالرأي.
وعلينا أن نلاحظ أنّه في تاريخ فكر تحرّكه رغبةُ الحقيقة مثّل الرأيُ دائما حثالة الفكر وفضلاته. وسبق لليونانيين وأفلاطون أن اعتبروا الرّأي (Doxa) عنصرا حقيرا ثانويّا مقابلا للحقيقة. إلاّ أنّنا في المجتمع المعاصر أخذ سبر الآراء حجما ما انفكّ يتزايد قيمةً. وثمّة نزوع إلى أن نسند إليه قيمة الحقيقة. غير أنّنا في المجتمعات القائمة على مفهوم الحقيقة نجد المعرفةَ حكرا على فئة قليلة، أمّا فـــــي السَّبْر- ديمقراطية (Sondocratie) فتصادفُ المعرفةُ والسّلطةُ الأغلبيّةَ وتنطبق عليها.

ولأوّل مرّة يجري تناول الحقيقة والسّلطة بمعايير كميّة غير نوعيّة، فالقاعدة المعتمدة هي المعدّل الإحصائي، وبهذا تخلّت المعارف التقليديّة عن مكانها لفائدة السّبر والتسويق. وتدلّ عبارات من قبيل تلفيزوديموقراطيّة (Télédémocratie) وفيديوقراطية (Vidéocratie) – وهما في الظّاهر متناقضتان- على المفهوم نفسه. وفي عصر الفيديو أصبحت سلطة الأغلبيّة واقعا ملموسا إذ يتعلّق الأمر بديموقراطيّة أو بسلطة شعبيّة ترشّحها الشاشة. ولكنّ الأمر يتعلّق كذلك بسلطة ترفض باسم الأغلبيّة كلّ نوع من الضبط والمراقبة مُمارسةً ضربا من الديكتاتوريّة: ديمقراطية مضادّة للديمقراطي (démocratie anti démocratique).
ولأنّ السّلطة فقدت الصّلة بالمعرفة فإنّها في حاجة إلى لغة جديدة لتعيد إنتاج نفسها. وفي الوقت الذي يصبح فيه التلفيزيون لغة السّلطة فإنّه لا يمكن أن يكون إلاّ شكلا من المعرفة. إلاّ أنّه يمثّل شكلا من معرفة غدت عاجزة، إنّها معرفة فارغة من قبيل المحاكاة السّاخرة.

 
والمعرفة – أيّ نوع من المعرفة – هي جملة من القواعد التي تنظّم السّلطة وتُبنينُها في اللّحظة التي تنتجها. إلاّ أنّ معرفة فارغة، ومن خصائصها كونها محاكاة ساخرة لا يمكن أن تنتج إلاّ سلطة خرقاء. والسلطة التي تستمدّ مشروعيتها من ذاتها وليس من المعرفة هي سلطة تحدث قطيعة تفضي بنا إلى تصوّر للسّلطة بدائي وفظّ.

ويمثّل جهاز “البانوبتيكون” (Panopticon) [الذي يمكّن صاحبه – دون أن يُرصد – من مراقبة غيره] بالنسبة إلى فوكو جهازا مثاليا لقيام السّلطة التأديبيّة. وتكمن نجاعته الرمزيّة في صورة حارس وحيد يَرَى – ولا يُرَى– أجسام أولئك الخاضعين لآليات الإكراه. ويشتغل التلفيزيون باعتباره نوعا من “البانوبتيكون” المعكوس – فعوض أن تُشعّ النّظرة وهي تصدر انطلاقا من نقطة محدّدة فإنّها تتّجه مُرَكَّزَةً إلى نقطة معيّنة. وهي في هذه الحالة ليست نظرة الحارس الوحيد وإنّما هي نظرة الأغلبيّة التي تجد في التلفيزيون وعاءً للحقيقة.

 
والإنسان بما هو -عند فوكو- الأثر الباقي من الوجه على الرمل منذور إلى الزوال مع تفكّك الابستيميّة الحديثة وتبعا لهذا مع تجاوز التاريخ والعلوم الإنسانيّة. والإنسان كما نفهمه هو اكتشاف حديث. فقد وُلدَ مع كانط باعتباره ذاتا متعالية قادرة على فرض قوانينها على العالم الخارجي إذ أنّنا “مع كانط ندشّن عصر الحداثة. وبمجرّد أن يتهشّم الخاتم الميتافيزيقي الذي كان يضمن التوافق بين اللّغة والعالم تصيرُ الوظيفة التمثيليّة للغة هي نفسها مشكلا : إذ ينبغي على الذات الممثّلة (Sujet représentant) – حتّى ترى نفسها بوضوح أكبر في المسار الإشكالي للتمثيل – أن تتحوّل إلى موضوع ” (2).

وكما جرت العادة مع فوكو نجد مفهوما جديدا يفرض نفسه عندما تتوفّر الشروط التي تمكّن من ولادة خطاب يدور عليه- يولد الإنسان عندما يصبح موضوعا لنفسه، وعندما تتجاوز العلوم الإنسانيّة- وهي تختار موضوعا لها الذّاتَ العارفةَ لنفسها – القطيعةَ بين الكلمات والأشياء التي تسمُ زوال الميتافيزيقيا.
وحينئذ، إذا كان الإنسان موضوعا جزئيّا ومحدودا فإنّه كذلك ذات ناهضة بالمهمّة التي تعود إلى الله في نطاق رؤية ميتافيزيقيّة للعالم.
“تبدأ الحداثة مع هذه الفكرة الغريبة – وبصفة مجملة غير القابلة للاستثمار- بشأن ذات هي على وجه التحديد سيّدة لأنّها عبدة. وهي ذات حتّى بمقتضى محدوديتها يمكن أن تحلّ محلّ الله.” (3).
واليوم في الوقت الذي يكشف فيه العلمُ عن ضعفه فإنّ الإنسان بما هو قيمة – ذلك الإنسان بالمعنى الإنسانيّ والكلاسيكيّ – منذور إلى الزوال ليتيح المجالَ لظهور نسخة من ذاته مُفقّرَة ونيو-وَاقعيّة تسمّى : “النّاس”. ولا يقدّم “الناسُ” أنفسَهم من هنا وصاعدا باعتبارهم ذاتا/موضوعا للمعرفة-إذ لم ينهضوا بأيّة مهمّة ميتافيزيقيّة- بل إنّهم على خلاف هذا سيقيمون الدّليل على فشل الفكر مقابل انتصار الرأي. ولقد سبق لنا أن رأينا أنّه حتّى يولد مفهومٌ وترسَخَ مكانتُه بظهوره بصفة طبيعيّة في ثقافة مّا فإنّه يجب أن يتشكّل حوله خطابٌ قادرٌ على تحديده وفرضه.

تدور المعرفةُ المعاصرة – على الأقلّ تلك التي تمارس نوعا من السّلطة في مجتمعنا- حول قطب مؤسّسات جامعيّة غير حكوميّة تنتج معرفة تقنية تصوغها قياساتٌ وعملياتُ سبر للآراء، إذ من خلال استجواب النّاس تنبني المعرفة الجديدة. أمّا في الحقب التاريخيّة التي درسها فوكو فقد كان الشعب تصنّفه وتفهرسه بياناتُ الحالة المدنية وأرشيفات الرعيّة والسجّلات المدرسيّة. ويَغرفُ الأركيولوجيّ من هذه المواد لإعادة بناء اللّحمة التي وضعتها السّلطةُ في النسيج الاجتماعي.
 
و”الناس” من خلال إنتاج معرفة محليّة مجهولة يزوّدون فوكو بالمادّة التي تغذّي تفكيره : “تَستَخدمُ جينيالوجيا المعرفة الأشكالَ المقصاةَ من المعرفة. هذه “الأشكال المضطهدة” التي تقصيها العلومُ القائمةُ – وتمكّنها تبعا لذلك من فضاء بإمكانها أن تنتفض داخله. إنّ فوكو – وهو يتحدّث عن “الأشكال المضطهدة من المعرفة” -لا يقصد الترسّبات- المحجوبة والصّلبة في آن واحد- التي خلّفتها المعرفة التي تمّ تعلّمها وإنّما يريد التجارب التي لم تفز البتّة بمنزلة المعرفة الرسميّة والتي ترثها المجموعاتُ الخاضعةُ للسّلطة” (4).

 
وفي الوقت الذي تسائل عملياتُ سبر الآراء النّاسَ بشأن قناعاتهم الواعيّة فإنّ فوكو كان يسائل المعرفة غير الواعية عند النّاس ويفحص الوثائق والأرشيف ويقتفي الآثار بغية إعادة بناء المعرفة/السّلطة في فترة مّا.
وعلى هذا النحو كان فوكو يمكّن المقصيين والمهمّشين من الكلمة ولكن بصفة غير مباشرة. وما مساءلة الناس إلاّ وجهٌ من وجوه مساءلة السّلطة. وحتّى نستعمل عبارات فوكو عندما كشف عن مقاربته للبنيويّة، فإنّ الرأي- كما هو شأن المعنى كذلك- ليس إلاّ نوعا من “الزَبَد” يطفو على الأبنية الأشدّ عمقا. ولكن في الوقت الذي تسنّى فيه لعصرنا أن يبني خطابا علميّا موضوعه الرأيُ من خلال عمليات السّبر، فإنّ هذا الرأيَ أصبح الحقيقةَ الرّسميةَ: حقيقة النّاس. وليست هذه الصّورةُ- “النّاس” – التي تمثّل في المتخيّل الحالي قيمَ الصّراحة والمباشريّة والاستقامة في- مقابل انعدام الاستقامة لدى “المتنفّذين” – إلاّ آخرَ تجسيد لهذه “الجماهير” التي يحاول بودريار أن يعرّفها في كتابه “في ظلّ الأغلبيات الصّامتــــــــــة” (A l’ombre des majorités silencieuses) (5). وحسب رأي بودريار فإنّ الجماهير “تتجمّع” في مواجهة للسّلطة التي تسعى إلى استمالتهم متسبّبة بذلك في قطيعة تمنع تسرّب أيّ رسالة، إنّها مقاومة غير واعية وبليدة.

 
والسيناريو الذي تحدّث عنه بودريار هو السيناريو الذي لم تتحوّل فيه الأغلبيّة الصّامتة إلى أغلبيّة صاخبة. وقد تحقّق هذا المسار في مراحل عديدة بفضل وساطة الشاشة. إنّ تلفيزيون الحقيقة (Télévérité)  الذي تلاه في الوجود “جنس أعلى” تلفيزيوني يتمثّل في التلفيزيوديموقرايّة (Télédémocratie)قد حوّلا الجماهير العريضة من موقع المتفرّجين إلى موقع الذات الفاعلة الراغبة في المشاركة وبالخصوص تلك الذّات الراغبة في التقييم. فلقد أتاح الاستعمال المُعتَبر لعمليات سبر الآراء لهذه الجماهير المغمورة إمكان التعبير عن رأيها.

والسّلطة- وهي منفصلة عن المعرفة- تعرض نفسها مباشرة على أسئلة الباحثين من خلال عمليات سبر الآراء. وفي غياب حقيقة يُراد بلوغها- إذ هي متوارية خلف الطّابع المتغيّر لما يظهر للعيان- فإنّ قراءة السّلطة قد تبدو اليوم ممكنة بفضل توفّر موادّ جديدة. لم تعد هذه المواد اليوم متمثّلة في الأرشيفات والسجّلات والفهارس غير المباشرة وإنّما هي عمليات سبر الآراء والقياس السمعي البصريّ وجداول نيلسن (Listings Nilson) التي تسجّل مباشرة رأي الأغلبيّة.

إنّ “الناس”، وهم الجماهير الخاضعة في كلّ عصر، يطالبون اليوم بالسّلطة نظرا إلى كونهم أغلبيّة. وليست أزمة الأحزاب السياسيّة التقليديّة إلاّ عَرَضًا من الأعراض الإضافية لهذا المسار الذي تحاول فيه هذه الجماهيرُ بصفة غير واعية التخلّص من الديمقراطية التمثيليّة من أجل إدارة السّلطة بصفة مباشرة.
 
الهوامش:
1) R. Rorty,  Essays on Heidegger and others Philosophical Papers, vol. 2, Cambridge University Press 1991,  (éd. It. p. 264).
2)  Habermas, le discours philosophique de la modernité, éd, Gallimard, 1988, p. 308 .
3)  H.L. Dreyfus- P. Rainbow, Michel Foucault, in Habermas, op. Cit., p. 309           
4)  Habermas, op. cit., p. 339.      
Jean Baudrillard, A l’ombre des majorités silencieuses, Gonthier, Paris 1982 (5.       
 
 
*جامعي من تونس
الترجمة من الإيطالية إلى الفرنسية آنوشكا لازاريف (Anouchka La Zarev )
المصدر: [magazine littéraire, n° 325, octobre 1994, pp : 32-35]

 

مواضيع ذات صلة :

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This