مشروع ميثاق الحريات الأكاديمية للجامعيين التونسيين


توطئة :

     عرفت الجامعة التونسية طيلة الخمسين سنة من إحداثها نموّا مطردًا سواء على مستوى هيكليتها أو عدد المنتسبين إليها من طلبة ومدرسين وباحثين. وهي تجد نفسها اليوم أمام تحديات جسام يتعيّن عليها رفعها حتى يتسنى لها مواصلة مسيرتها والاستمرار في مهام إنتاج المعرفة ونشرها وتوطينها في المجتمع وتكوين أجيال من الباحثين والمدرّسين والإطارات العلمية والتقنية التي تحتاجها البلاد في جميع المجالات. ورغم هذه المسيرة الطويلة والزيادة في عدد الجامعات ووفرة أعداد الخريجين منها فإنه لا يمكن التستر على أن التعليم العالي و البحث العلمي يمران في بلادنا بمرحلة عصيبة من تاريخهما وأنهما في مفترق طرق. فإما أن يسلُكا درب العصرنة والحداثة لترتقي جامعاتنا إلى مصاف الجامعات المتقدمة من حيث طرق التسيير والاستغلال الأمثل للطاقات ومن حيث الإسهام في تطور المعرفة الإنسانية وتكوين الإطارات الكفؤة التي تحتاجها البلاد لتحقيق نهضتها الاقتصادية والاجتماعية، وإما أن يظلا في وضع من الهشاشة والضعف تتهدده مخاطر النكوص والتراجع عن المكتسبات التي تحققت طيلة مسيرتهما.  فرغم طول هذه المسيرة تظل جامعات بلادنا غائبة تماما عن لائحة أفضل الجامعات في العالم، كما أنها لا تزال بعيدة عن المعايير العالمية المعتمدة لقياس كفاءة الجامعات وجودتها (جودة التعليم، جودة هيئة التدريس، جودة مخرجات البحث).

     وحرصا منا كجامعيين على أن تحتلّ الجامعات في بلدانا المكانة التي تؤهلها للاضطلاع بمهامها على أحسن وجه وأن تتمكن من الحفاظ على الكفاءات التي تتوافر بداخلها وأن تستقطب كفاءات جديدة وتوقف نزيف الأدمغة وهجرة الكفاءات منها إلى جامعات أجنبية، ووعيا منا بأن التعليم العالي لا يمكن أن ينهض دون بحث علمي يلائم حاجات البلاد ويعمل على توطين المعرفة داخل الثقافة المجتمعية، وإيمانا منا بأن تطور البحث العلمي يقتضي وجود بيئة ملائمة تساعد على البحث والتطوير وأن إنتاج معارف جديدة يتطلب توفر مرافق مهيأة بالموارد الضرورية ومزودة بالتمويل الكافي ومنظومة تكون فيها حقوق الباحث المادية والمعنوية محترمة ومصانة، فإننا نعلن عن تأسيس مرصد وطني للحريات الأكاديمية ونعلن عن إعتماد ميثاق يؤلف بيننا على أساس جملة من المبادئ العامة المستندة إلى المواثيق الدولية ومجموعة من الحقوق يحقّ للجامعي التمتع بها ومن الواجبات يتحتّم عليه الاضطلاع بها.

     واعتبارا لما تحتله الحريات الأكاديمية من أهمية بالنسبة لكلّ مجالات البحث والتدريس، وأمام تكرار مظاهر التضييق والضغط على الباحثين قصد عرقلة أعمالهم البحثية أو الحيلولة دون نشر مضامينها أو  منعهم من مواصلتها، وأمام تعدد مظاهر التدخل في سير أعمال اللجان العلمية المكلفة بالانتداب والترقية بلغت حدّ إلغاء نتائج مداولا ت بعضها وحلهاّ وتكليف أخرى محلّها، فإننا نعلن أن الحريات الأكاديمية واستقلالية المؤسسة العلمية في خطر. كما نهيب بكل الجامعيين العمل على ترويج هذا الميثاق وجعله أساس للتعامل فيما بينهم ومع سلطة الإشراف. ونناشد الهيئات العلمية احترام مقتضيات هذا الميثاق وتحمل مسؤولياتها في الدفاع عنه. كما نذكر أن احترام الحريات الأكاديمية وفق ما نصت عليها المواثيق الدولية ذات الصلة واحترام الجامعي في أدائه لمهامه دون تدخل أو ضغط أو إكراه هو الكفيل بإشاعة مناخ من الثقة المتبادلة بين كلّ الأطراف والارتقاء بمستوى المعرفة في بلادنا بحثا وتدريسا وتطوير وتحسين جودة التكوين ومخرجات التعليم العالي.

———- ● ———-

الميثاق :

وعيا منا بأن جامعة عصرية تتحمل دورها كاملا داخل المجتمع في إنتاج المعرفة ونقلها وإيصالها والإسهام في تكوين شخصية المواطن وقدرته على التحليل والنقد والتفكير المستقل وتنمية الشعور بالإنتماء والمواطنة لا بدّ أن تجعل من الحرية الأكاديمية ومن الاستقلالية الذاتية للمؤسسات الجامعية الركيزتين اللتين تقوم عليهما مكانتها داخل المجتمع ومصداقيتها لدى المجموعة العلمية وإشعاعها على الصعيد الدولي.

وحيث يمكن أن يعرّف مبدأ الحرية الأكاديمية بتلك الحرية المُعترف بها للباحثين والمدرسين في مزاولة أنشطتهم الجامعية في إطار قواعد أخلاقية ومعايير دولية أقرتها المجموعة العلمية دون أي تدخل أو ضغط خارجي، وتعني الاستقلالية الذاتية التي هي الضامن المؤسساتي للحريات الأكاديمية، إدارة الهيئات العلمية لنفسها بنفسها وتشاركية التسيير وإشراف أكاديمي حكيم ورشيد.

وبعد الإطلاع على  المصادر التي ينبثق منها هذان المبدآن مباشرة وهي :

    * البند 26 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان
    * ومن الفصلين 13 و15 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية اللذان يُعلنان على نحو خاصّ أن على التعليم أن يعمل على تنمية الشخصية البشرية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية واستتباب السلم. وتبعا لهذا " تلتزم [الدول] باحترام الحرية الضرورية للبحث العلمي والأنشطة الخلاّقة".
    * المبادئ الأساسية التي وقع التذكير بها في مناسبات عديدة من قبل الجماعة الجامعية الدولية (إعلان سيانSienne 1982 وليما Lima 1988, وبولانيو 1988Bologne دار السلام 1990 وكامبلا 1980 وسيناييا  Sinaia 1992 وآرفورت Erfurt 1996 وبمناسبة الندوة الدولية حول التعليم العالي 1998) وكذلك  من خلال التوصية المتعلقة بوضع مدرسي التعليم العالي المصادق عليها في ختام أعمال الدورة 29 من الندوة العامة لليونسكو 1997 حيث نجد إحالة على نحو خاص على هذين المبدأين.
    * الندوة العالمية حول التعليم العالي 1998 التي أوصت بضرورة أن "تُحْترم الحريات الأكاديمية على نحو صارم" وفق ما ورد في توصية اليونسكو، لأنها " شروط أوّلية أساسية لا يمكن أن تُّسلب"  تمكّن الجامعة من الاضطلاع بوظيفتها كقطب للمعرفة وتحمّل مسؤولياتها تجاه المجتمع وضمان موضوعية المعرفة وصرامة التعليم والبحث.

وإيمانا منا بأن لا الحرية الأكاديمية، ولا حرية التدريس والنقاش، ولا حرية القيام بالبحوث ونشر وإعلان نتائجها، ولا كذلك الاستقلالية الذاتية الجامعية، تمثل إمتيازات وإنما هي ما يضمن جودة التعليم والبحث وتميّز الجامعة.

وحيث تترتب عن هذه المبادئ جملة من الحقوق وكذلك جملة من الواجبات لا بدّ من التذكير بها والتأكيد عليها و كذلك نشرها بين الجامعيين بناء على أن الجامعي كمدرّس وكباحث ليس موظف كغيره من الموظفين، فهو غير ملزم بالحيادية ولا ينطبق عليه واجب التحفظ. ويمكن أن نفصل هذه الحقوق والواجبات في إطار المحاور التالية:

الباب الأول: في التمتع بالحريات الأساسية داخل الجامعة وخارجها:

ولئن كانت الحريات الأكاديمية تتميز عن الحريات الأساسية المضمونة للفرد المواطن طبقا لأحكام الدستور ومواد المواثيق الدولية، فإنها تعتبر امتدادا لها؛ وبناء عليه يتمتع الجامعي (أعضاء هيئة التدريس والطلبة الباحثين) بجملة من الحقوق:

         1. الحقّ في التمتع بكامل الحريات الأساسية ولا سيما تلك المتعلقة بالتفكير والتعبير والاجتماع  والتنقل والتنظيم دون أن يلحق بشخصه عقاب جراء ممارسة هذه الحقوق المدنية.
         2. الحقّ في النقد وفي الانخراط في الدفاع عن قضايا وأنشطة ذات صلة بممارسته لوظيفته كجامعي دون خشية إجراءات ردع أو زجر تطال شخصه من أي طرف كان ولا سيما من قبل إدارة المؤسسة التي ينتمي إليها أو من قبل الدولة.

         3. الحقّ في التعبير عن الرأي بِحُرِيَة في المؤسسة التي ينتمي إليها حول طرق تسييرها وحول المنظومة التي يمارس في نطاقها مهامه.

 

الباب الثاني: في الحريات المتصلة بممارسة الجامعي لوظيفته في التدريس والبحث.

يتمتع الجامعي في أداء مهامه في البحث والتدريس بجملة من الحقوق والحريات التي تحدد في ذات الوقت القيمة العلمية للدروس والبحوث وجودتها، وهي كالآتي:

   1. الحقّ في حرية التدريس والدراسة والنقاش لأعضاء هيئة التدريس والطلبة الباحثين في مناخ من التسامح واحترام الاختلاف في الآراء وبعيدا عن كل أشكال الرقابة والقيود المؤسساتية والتأديبية؛
   2. الحق في حرية البحث والنشر بالنسبة للباحث سواء كان عضوا في هيئة التدريس أو طالبا، ويشمل:

    * الحقّ  في إجراء البحوث  بِحُرِيَة والإعلان عن نتائجها ونشرها،

    * الحقّ في إنجاز أعمال إبداعية بكامل الحرية،
    * الحقّ في عدم الخضوع إلى الرقابة المؤسساتية وفي المشاركة الحرة في أنشطة المنظمات المهنية والأكاديمية الممثلة.
    * الحقّ والحرية طيلة حياته المهنية في المشاركة في ملتقيات دولية حول اهتماماته العلمية والبحثية والسفر إلى الخارج دون تقييد سياسي أو غيره واستخدام شبكة الإنترنت والمشاركة في محاضرات عن بعد.

هذه الحقوق لا يمكن أن يستقيم معناها دون أن يتحمل الجامعيون مسؤولياتهم تجاه مجموعة من الواجبات يتعين عليهم الالتزام بها. وهي:

    * واجب التميُز والذي يعني قبل كل شيء واجب الابتكار والبحث عن تنمية المعارف وإثراء الإنسانية بخبرات وتجارب جديدة.
    * واجب إنجاز البحوث ونشر محتوياتها لا بالتدريس فقط وإنما كذلك من خلال النشر لتوسيع حدود المعرفة الإنسانية. 
    * واجب احترام الحريات والحقوق الأساسية، ذلك أن واجب التميّز والابتكار سيظل خلوا من المعنى إن لم يُنجز في كنف إحترام الحريات والحقوق والامتثال للقواعد الأخلاقية.
    * واجب التسامح واحترام حقّ الاختلاف كضامن للإثراء والتطور،
    * واجب الغيرة والدفاع عن الجامعة وعن دورها ومكانتها داخل المجتمع.

 
 

3 – الحق في الوصول إلى المعلومة ومصادرها بما في ذلك:

    * الحقّ في التمتع بمكتبات مزوّدة بتوثيق ثريّ ومُحيّن وبعيد عن كل رقابة أو عراقيل سواء كانت فكرية أو سياسية أو أيديولوجية.
    * الحقّ في النفاد دون رقابة إلى الشبكات المعلوماتية العالمية والبرامج المرسلة عن طريق الأقمار الصناعية وإلى بنوك المعلُومات الضرورية لتكوينه الخاص و لتدريسه وبحوثه،
    * حرية النفاد إلى شبكة الأننترنيت والمشاركة في المحاضرات عن بعد.

 

    الباب الثالث: في استقلالية الجامعة والجامعيين

    تعد استقلالية الجامعات والمؤسسات الجامعية الضامن للحرية الآكادمية ولأداء الجامعيين لواجباتهم التعليمية والبحثية.

   1. في استقلالية الجامعة

تستوجب استقلالية الجامعة تمتع الجامعيين بالحقوق التالية:

    * الحقّ في المشاركة في إدارة وتسيير المؤسسة التي ينتمي إليها وفي الاضطلاع بدور حاسم في صياغة برامج التدريس ومشاريع البحث ومعايير التقييم وكذلك في كلّ المسائل ذات الطابع الأكاديمي.
    * التعبير عن الرأي بحرية حول طرق تسيير المؤسسة التي ينتمي إليها والمنظومة التي يمارس في نطاقها مهامه.

ويتحمل الجامعيون في مقابل ذلك مسؤولية ضمان الإدارة السليمة والشفافة للمؤسسة التي يتولون تسييرها عند تقلدهم وظائف إدارية بها.

          2 – في استقلالية الجامعي

تترتب عن هذه الاستقلالية جملة من الحقوق  نسوقها كالآتي:

    * الحقّ في أن لا يُقيّم أو يُحكم عليه فيما يتعلق بأعماله وأنشطته العلمية والبيداغوجية إلا من قِبَلِ لجنة من أقرانه مشكلة وفق الأصول الأكاديمية وتتوفر فيها شروط الاستقلالية والكفاءة والنزاهة العلمية والشفافية.
    * الحقّ في عدم الخضوع  أثناء أدائه لمهنته كمدرّس وكباحث في المسائل المتعلقة بالانتداب والترقية والإحالة على التقاعد إلى قرارات وتدخلات إدارية غير مسوّغة قانونا وأن لا يكون ملزما إلا بقرارات متخذة من قبل لجان تقييم مستقلة ومتطابقة مع التراتيب القانونية الجاري بها العمل وفي توافق مع مقتضيات الإنصاف والمساواة في المعاملة بين جميع الجامعيين.
    * الحقّ في شفافية الإعلان والتصريح بنتائج مناظرات الانتداب والترقية وفي الحماية من كلّ تدخل خارجي وخاصة من قبل ممثلي السلك الإداري.

ولا تكون هذه الحقوق ذات معنى دون تقيد الجامعيين بجملة من الضوابط والواجبات منها:

    * واجب قبول المساءلة : ليس على الجامعي فقط إخضاع نفسه إلى مقتضيات إعادة النظر في نتائج بحوثه وفق روح نقدية بل يتعين عليه أيضا قبول أن تُقيّم أعماله من قبل أقرانه،
    * واجب الحرص على استقلالية القرار عندما يتولى مسؤولية في لجان انتداب أو ترقية تجاه أي تدخلات أو اعتبارات غير تلك المتعلقة بالمستوى العلمي والكفاءة البيداغوجية،
    * واجب التقيد بالنزاهة العلمية وبأخلاقيات وشرف مهنة الجامعي،

إن هذه الحقوق والواجبات هي المقاييس التي يتوجب على قاعدتها أن توضع وتبلور برامج البحث ذات الأولوية. وبرامج كهذه لا بدّ أن تأخذ في الاعتبار الآثار التي يمكن أن تسببها نتائج البحوث المنجزة على حقّ البشرية في حياة كريمة وفي محيط سليم ويتعين عليها أيضا أن تسهم في حماية وصيانة الحقوق والحريات الأساسية.  

الجامعة العامة للتعليم العالي والبحث العلمي
        
 

أضف تعليق

Share This