مصائب قوم..

 
 

 

فيما العالم مشغول بأزمة الأسواق والبورصة يبدو العالم الإسلاميّ مشغولا بأزمة الضمير!  يمكن تلخيص عنوان هذه الأزمة في الشعار المأثور: الإسلام هو الحلّ. على أنّ ما يواجهه هذا الشعار الطوباويّ لا يخرج عن سؤال تقنيّ بسيط: وكيف يكون ذلك كذلك؟
ومنذ أفاق العالم على هذه الأزمة الاقتصاديّة التي هزّت أركان النظام الماليّ والبنكيّ في أمريكا وأوروبا والعالم، أطلّت أصوات لا تظهر إلاّ في مثل هذه النوائب الكبرى والمواعيد القياميّة لتذكّر، من جديد، بوصفتها السحريّة في حلّ مشاكل البشريّة: الإسلام هو الحلّ.  
واهتبلت هذه الأصوات شهادات ” من أهلها ” لكي تحمل على التسليم بأطاريحها في ” الاقتصاد الإسلاميّ ” والبنوك اللّاربويّة في استباق محموم للتمكين لفكرة البديل الإسلاميّ. ورغم أنّه لا يوجد حلّ واحد لمشكلات متعدّدة بالضرورة، ولا بديل أوحد لـ ” وقائع ” مختلفة، فإنّ بعض الكتابات، في هذا المنبر أو ذاك، بدت وكأنّها تحتفل بالنصر المؤزّر على جحافل الكفر والضلال من باب الاقتصاد.
موقع  ( إسلام أونلاين.نت ) أجرى حوارا  مع ” واحد من الاقتصاديّين الإسلامييّن الذين طالما دافعوا عن مبادئ الاقتصاد الإسلاميّ، وهو الدكتور محمد عبد الحليم عمر الأستاذ بجامعة الأزهر ومدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلاميّ وعضو المجامع الفقهيّ..” وسئل المحاوَر الذي عرّفه الموقع بـ ” الفقيه الاقتصاديّ ” عن ملامح الأزمة وأسبابها، والإشكالات الفقهيّة المتّصلة بها، كما تطرّق الحديث إلى اللّبّ طبعا وهو البديل الإسلاميّ لحلّ أزمة الاقتصاد العالميّ. إليكم فقرات من هذا الحوار:

 

– ماذا عن الفوائد الربويّة التي حرّمتها الشريعة الإسلاميّة؟ معلوم أنّ الاقتصاد العالميّ يقوم عليها منذ بداية تكوّنه، لكنّنا نريد تحديدا أنْ نفهم دور تلك الفوائد في هذه الأزمة، وهل القضيّة الأساس في الفوائد كنظام، أم في زيادتها عن الحدّ المعقول أو المتعارف عليه؟
– نعم.. القضيّة في الربا كنظام، لا في زيادته أو نقصانه، فهو على كلّ أحواله ربا.. وعمليات التمويل العقاريّ وتوابعها وهي التي كانت السبب الرئيسي في الأزمة المالية العالميّ تقوم على الفوائد على القروض. وبإجماع المسلمين، قديمًا وحديثًا، فإنّ فوائد القروض ربا محرّم شرعًا، والربا في الإسلام من أشد الجرائم الاقتصاديّة والاجتماعيّة لمخالفة مرتكبيه لأمر الله تعالى القائل سبحانه: وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا. والنصوص التي تتوعّد بأكثر من عقوبة كثيرة في القرآن الكريم. فمثلا، هناك وعيد بالمحق وذهاب البركة بذهاب المال أو نفعه. يقول تعالى: يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ، ويقول الرسول صلّى الله عليه وسلم: الرّبا، وإن كثر، فإن عاقبته إلى قلّ. وها نحن نرى أنّ البنوك وشركات التأمين وحملة السندات وكلّ من تعامل بالربا خسر أصل ماله والفوائد. كما أنّ هناك وعيدا بالحرب من الله ورسوله، يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِه، وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ. وها هي الحرب قامت في صورة إعصار ماليّ عالميّ على جميع المؤسّسات الربويّة والمتعاملين معها.. وغير ذلك من الوعيد بعقوبات متنوّعة ممّا يؤكّد أنّ الرّبا، كنظام أيّا كان المسمّى، مرفوض إسلاميّا.

– على ذكر الاقتصاد الإسلامي يا دكتور.. هل ترون أن المجال الآن أوسع أمام اعتماد مبادئ الشريعة الإسلامية كأسس للاقتصاد العالمي، بمعنى أن ذلك أصبح مطلبا أثبتته التجارب وستتبناه تلك الحكومات والأنظمة رغما عنها؟
– أنا لن أردّ عليك بكلام من عندي، لكنّي أؤكّد أنّ هذا المطلب أصبح نابعا من داخل المجتمع الرأسماليّ ذاته، وهذه ليست شماتة في الرأسمالية أو تعصّبًا لديننا، ولكنّها كلمة حقّ يقول بها بعض الغربيّين الآن، منهم مثلا العالم الاقتصادي الفرنسي البارز ” موريس آليه ” والحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 1988م، والذي كتب مقالا مطوّلا بعنوان ” الشروط النقديّة لاقتصاد الأسواق.. من دروس الأمس إلى إصلاحات الغد ” سطّر فيه انتقادات حادّة إلى أسلوب عمل الأسواق الماليّة والنظام الماليّ الرأسماليّ، وتنبّأ فيه بحدوث أزمات حادّة، وشبّه البورصات وما يتمّ فيها بـ ” كازينوهات للمراهقين والمقامرين “. المهمّ في هذا المقال القيّم قدّم الرجل مجموعة من الإصلاحات كلّها يتّفق مع ما جاء به الإسلام… أيضا هناك مقال لـ ” رولاند لاسكين ” رئيس تحرير صحيفة ” لوجورنال دو فينانس “في مقاله ” هل حان الوقت لاعتماد مبادئ الشريعة الإسلاميّة في وول ستريت “.  يقول فيه ” إذا كان قادتنا حقًا يسعون إلى الحدّ من المضاربة الماليّة التي تسبّبت في الأزمة فلا شيء أكثر بساطة من تطبيق مبادئ الشريعة الإسلاميّة. هناك، أيضا، ” بوفيس فانسون ”  رئيس تحرير مجلة تشالنج ( تحدّيات ) كبرى الصحف الاقتصاديّة في أوروبا، حيث كتب مقالا افتتاحيًا للجريدة في سبتمبر 2008م بعنوان ” البابا أو القرآن “. وممّا جاء فيه ” أظنّ أنّنا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنّه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من أحكام وتعاليم وطبّقوها، ما حلّ بنا ما حلّ من كوارث وأزمات، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري لأنّ النقود لا تلد نقودًا. هذه الشهادات وغيرها تثبت أنّ المجال بالفعل أصبح مفتوحا وبشدّة أمام البديل الإسلامي ليتبوّأ مكانه الصحيح في قيادة الاقتصاد العالميّ، وهذا من إعجاز الإسلام وكتابه المحكم حيث يقول تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. (التوبة: 33 ).

 

من اليسير جدّا واللّائق، أيضا، أنْ نستنتج أنّ مظاهر هذه الأزمة التي يشهدها الاقتصاد العالميّ لا تدفعنا إلى التفكير في حلول موضوعيّة بقدر ما تجعلنا نعترف بوعيد الله الحقّ ووعيد رسوله بالحرب على المرابين ويصير من الممكن، استتباعا، أنْ نستبدل شعار البداية ” الإسلام هو الحلّ ” بمأثور آخر يناسب الحال: مصائب قوم عند قوم فوائد ( لا ربويّة طبعا !).

قد يعجبك ايضا مشاركات هذا المؤلف

أضف تعليق

Share This