مفارقات المثاقفة بسوس
هل يمكن لذاتية ثقافية أن تركن إلى الثقافة الدخيلة وتتعهدها بالعناية على حساب أركانها الوجودية والكيانية الخاصة؟ متى يمكن لذاتية ثقافية أن تجتهد في رعاية الوافد الثقافي وأن تتراخى في تعهّد أطرها الفكرية المتعيّنة؟ كيف يمكن لذاتية ثقافية أن تحيل أطرها الذهنية والمخيالية إلى مواقع ثانوية في بناء الرؤية الوجودية والنسق المعرفيّ، وأن تنخرط في الإطار المعرفيّ لثقافة دخيلة تجمع بين الاحتواء الثقافي المرن للأغيار الثقافيين وبين العنف الرمزي الممزوج بالعنف المادي، مثل كلّ الثقافات المتفرعة عن المؤدى الإيماني التوحيدي عموما؟ كيف تقبل ذاتية ثقافية الاندراج في سلك ثقافة وإظهار أقصى تعابير الرفض والممانعة تجاه ثقافة أخرى؟ ما الآليات المتحكّمة في التبعية الثقافية شبه الطوعية من جهة وفي الممانعة الثقافة من جهة أخرى؟
حين نتملّى المشهد الثقافيّ بسوس التقليدية، نفاجأ بكثافة الحضور الثقافيّ العربيّ الإسلاميّ بين صفوف النخب الثقافية. فقد حرصت كل التنظيمات السياسية والاجتماعية والاقتصادية بهذه المنطقة، على ضمان سريان الأطر الثقافية العربية الإسلامية، وعلى انتظام تداول الصور النموذجية للمخيال العربي – الإسلامي بين الكتل العامية الأمازيغية والصفوة الثقافية المستعربة. لقد عملت الزوايا والمدارس العتيقة على تقوية الحضور الفكريّ والسوسيولوجي للمنظومة الفكرية العربية – الإسلامية بسوس، وعلى تفتيت تماسك الثقافة الأمازيغية والمخيال السوسي .
نقرأ في ( أخبار سيدي إبراهيم الماسي ) ما يلي :
( …كما يبلغ عدد الكتب الموجودة في مسجده (يقصد مسجد تازروالت )130 كتاب[ا] من بينها أربعة كتبها أمازيغي بلغة الشلوح، وهي تحتوي على أحاديث الشيخ بناصر: كتبت كلها بلغة تاشلحيت فقط . )
( – سيدي إبراهيم الماسي – أخبار سيدي إبراهيم الماسي عن تاريخ سوس في القرن التاسع عشر – تعريب وتعليق :عمر أفا – منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية –الطبعة الأولى -2004-ص.49).
فالثقافة الأمازيغية محصورة في حيز الشفاهية والانفلات المنظومي، وتحصر فاعليتها، إن نقلت استثناء إلى حيز الكتابة، في خدمة النص الفقهي والصوفي العرفاني. فالأمازيغية لا تكتب إلا بحروف عربية ولا تنقل إلا مضامين دينية فقهية أو صوفية أي تحوّل إلى مجرد أداة أديولوجية في يد النخب المستعربة لتعميم الفكرية العربية الإسلامية ومنظومتها القانونية التشريعية والصوفية العرفانية. فالنظام الاجتماعي بسوس افتقر طيلة العصر الإسلامي إلى الوعي بتنظيم النسق البناء الثقافي الأمازيغي وصياغة المنتج الإبداعي المحلي صياغة نظرية ومنهجية مدققة. ولذلك، فقد شكّل تعهّد اللغة الأمازيغية وتدوين الإبداع الثقافي والسياسي الأمازيغي والذاكرة السياسية السوسية بمثابة اللامفكر فيه؛ أمّا المخزن المركزيّ والنخب السوسية العربية أو المستعربة فقد دأبت بتصميم، فكراني، على الانتظام في النظام الفكري للعروبة وللإسلام وعلى الانخراط في الانعراجات الميثولوجية للمتخيل العربي – الإسلامي. وعليه، فلا تتعاطى النخب السوسية التقليدية مع المفردات الثقافية الأمازيغية، إلا كوسائط بيداغوجية لتبليغ المضامين الفقهية أو العرفانية العربية – الإسلامية نظير ما نجد في جلّ الكتابات الأمازيغية المخصصة للقضايا الفقهية أو الصوفية ( أشير هنا إلى عقيدة المهدي بن تومرت وعقيدة الشيخ سعيد بن عبد المنعم الحاحي والى أكبيل أو أمازيغ لمحمد بن ابراهيم الهوزالي)، أو” كموادّ” ثقافية للاستئصال الثقافي. فالأمازيغي المستعرب، لا يزداد علما بالنظيمة الثقافية العربية – الإسلامية، إلا ليزداد تعاليا على ثقافته الخاصة وابتعادا عن أي جهد معرفي ومنهجي لتقنين وتأصيل وتدوين لغتها ومنجز مخيلتها. فقد اعتبرت التعابير الثقافية السوسية، تجليات دونية ومفتقرة إلى المدلول النهائي le signifié dernier والى الزخم الرمزي لثقافة كلاسيكية مثل الثقافة العربية – الإسلامية. وهكذا، انحصرت الثقافة السوسية التقليدية، في أحياز الشفاهية واللاتناسق المنظومي والافتقار إلى الوعي النظري التاريخي، وغرقت في فاعلية رمزية هجينة، يتصارع فيها الموروث الأمازيغي التراثي السابق على الإسلام والتراث العربي – الإسلامي، المستند إلى دعم سلطة مركزية شديدة الاعتراب ونخب ثقافية ميالة إما إلى الكلاميات الأشعرية المضفورة بممارسة فقهية مالكية، أو إلى تصوف جنيدي مطبوع بالسمات المائزة للمالكية وللفكر السني عموما، وبعيد عن الاهتيامات الكونية للتصوف الهرطوقي (محيي الدين بن عربي وعبد الحق بن سبعين وأبي يزيد البسطامي ……الخ ) .
لقد حرصت المؤسسات الثقافية والاجتماعية الأمازيغية على عقد تسوية بين الموروث الثقافي الأمازيغي المنغرس في الزمان الاجتماعي، وفي التفاعلات السياسية القائمة بين المجموعات القبلية أو الحلفية وفي الوجدان الفردي والجماعي وارث عقدي وثقافي، يروم استئصال الموروثات الثقافية للشعوب المفتوحة باسم قاعدة الجبّ العقدي لكل العقديات وباسم مبدإ الأفضلية التداولية للعقيدة الإسلامية وللغة والثقافة الإسلاميتين استتباعا واقتضاء. فالواقع أن المؤسسة القبلية السوسية سعت إلى الجمع بين الرمزية الأمازيغية والروحية الإسلامية، إلا أن النخب المستعربة سعت إلى تغيير قواعد تلك المصالحة بالانخراط في التراث الوافد والتعالي على الموروث الأصلي وعلى ديناميته الرمزية والفكرية والروحية .
فالواقع أن السوسيين بذلوا جهودا كبيرة في احتضان وتعهد ورعاية الثقافة العربية – الإسلامية، بدون أن يبرحوا مراتب التقليد وإعادة الإنتاج والاستنساخ. كما أن الصفوة المستعربة استنكفت عن تعهد موروثها الثقافي واللساني والأنثروبولوجي، لاعتبارات عقدية وثقافية وسياسية واقتصادية. فقد حرصت على قراءة الحوليات والواقعات الأمازيغية، من منظور فقهي أو صوفي عرفاني، وركزت جهودها الذهنية على تجسير الفجوة القائمة بين واقع يحكمه التعدد الثقافي واللساني والاضطرام السياسي والاجتماعي والتداخل المؤسسي ومثال شرعي ميال إلى التوحيد الاجتماعي والهندسة الثقافية القسرية والتناسق الفكراني الكلاني .
ولعل المفارقة تكمن هنا في سلسلة من الفجوات الموجودة بين واقع الفئات السوسيو- ثقافية بسوس والمخيال الأمثولي الفقهي / العرفاني. ومن أمثلة هذه المفارقة، مساهمة القبائل والأسر والأعيان في تمويل الزوايا والمدارس العتيقة من جهة، وتمسك القبائل والتنظيمات الأمازيغية بأعرافها وأنظمتها السوسيو- اجتماعية، رغم تسليمها النظري، بأولوية الشريعة وأحقيتها بالإتباع. ومن القرائن الدالة على المفارقة، رعاية التنظيمات القبلية، لتعليم ديني فقهي أو صوفي، رافض لموجهات الحياة الاجتماعية وللتفاعل البي- قبلي والبي-عقدي والبي- طائفي وللدورة الحياتية المحتكمة إلى ضرورات بيولوجية وتاريخية وميثولوجية. فالقبيلة تمول المدرسة العتيقة وتنتظر منها أن تستجيب لمنتظرات ميتافيزيقية واجتماعية وسياسية محددة بدقة، أمّا الفقيه المتخرج من المدرسة العتيقة فهو يروم الخروج من السقف القبلي، وأن يحكم رؤيته الفقهية على كل مفاصل المجتمع، وعلى ثنايا الثقافة المحلية رغم اضطرار الفقهاء أحيانا إلى عقد التسويات واتخاذ المواقف المهادنة للمؤسسات الاجتماعية المستعصية على الخطاطات النظرية للنظيمة العربية – الإسلامية .
فالتنظيم السياسي القبلي بسوس حريص على حفظ آلياته التنظيمية التقليدية، وعلى استمرارية النسق التشريعي المعتمد في كل إطار قبلي أو فيدرالي، وعلى حصر دور المؤسسة الفقهية أو الصوفية في أحياز مخصوصة. ومن الطبيعي أن يرفض الفقيه أو المتصوف، التصور القبلي لطبيعة العلائق بين القبيلة والزاوية أو الرباط أو المدرسة العتيقة. فالفقيه أو المتصوف يتغيا، تحكيم جزئيات وكليات الشرع ، في الكل السوسيو- سياسي، وان يتولى إدارة التنظيم الاجتماعي والسياسي، استنادا إلى مقررات السياسة الشرعية لا إلى اجتهادات المؤسسات القبلية أي” انفلاس” أو” ايت اربعين”
جاء في فتوى للقاضي محمد بن عمر ما يلي”
( إن الضوابط التي اتفق عليها الشيوخ والضمان، فهي ضلال مبين، لأن أحكام الشرع أتى بها مولانا محمد صلى الله عليه وسلم، فبينها وبين حكم السارق، وبين حكم المحارب، وبين حكم الغاصب، وبين حكم المتعدي، وبين حكم الزاني. فلم يمت صلى الله عليه وسلم حتى بين للناس ما نزل الله. ولو علم الله دينا أفضل من هذا الدين، لأتى به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشرعه لأمته. قال تعالى: ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، وقال تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ).
فترك الأحكام الشرعية، واستنباط ضوابط وقوانين أحكام الشرع المحمدي، كفر صراح، فيجب على من مكنه الله في الأرض أن يحسم مادة أولئك الفجرة ويرده إلى الشرع ولو بقتلهم . والسلام . )
(- جواب القاضي محمد بن عمر – ضمن كتاب – تاريخ المغرب أو التأويلات الممكنة – علي صدقي
أزايكو – مركز طارق بن زياد – الطبعة الأولى – 2002- ص. 191-192) .
إنّ الفقيه لا يدرك المسافة الثقافية والفجوة الحضارية والفوارق الإناسية الموجودة بين تمثّل فقهيّ نصّي مشروط بنطاقات ثقافية محدودة ومتعيّنة؛ معرفيا ومنهجيا وتاريخيا، وواقعا ثقافيّ ولسنيّ وانثروبولوجيّ ذي خاصيات غير قابلة للنسيان إلا من منظور فكرانية عقدية معدومة الحسّ التاريخي. فالفقيه محمد بن عمر، لا يقرأ المشهد السياسي السوسي المحتكم إلى آليات تدبيرية دهرانية، إلا من خلال إطار تصوّري مختزل وفاقد للتفاعلية وللاستكناه التثاقفي. فالفقيه المستعرب، لا يدرك الحاجيات الإستراتيجية لجماعته السياسية ولمجموعته الثقافية، فهو كثيرا ما يتعالى على فسيفساء واقع لا تنفرد المقررات الشرعية بصياغتها، رغم التسليم المبدئي بأولويتها منذ بداية العصر الإسلامي بالمغارب، ويدرج كلّ العلامات الثقافية المتفردة لهما في إطار البدع والهرطقات، طبقا لموجبات الخطاطة الإبراهيمية .
فالقبيلة توفّر المجال الاجتماعي والاقتصادي لازدهار العلم العربي – الإسلامي، فيما يسعى المتمكّنون من ذلك العلم إلى اجتثاث القبيلة والى حسم مادّة بدعها. وهكذا بقيت القبيلة السوسية محدودة الفاعلية، تكتفي بالتدبير التكتيكي للحقائق (الحقيقة الشرعية والحقيقة القبلية)، وللعلائق بالجماعات السياسية الأخرى (القبائل المناوئة أو الحلف المعادي لحلفها)، ولارتباطها بالمخزن والسلطة المركزية. أما المؤسسة المعرفية الفقهية أو الصوفية، فقد غاصت في النصوصية، أو الجزئيات الفقهية أو الاهتيامات الصوفية والعرفانية أو المناقبيات الكرامية .
لقد استعانت القبيلة السوسية بالمؤسسة الفقهية أو الصوفية، واستكفت عن رعاية فكرها المخصوص، وعلى مأسسة لغتها ومنظومتها الثقافية الرمزية وعلى بناء نسقها السياسي، استنادا إلى متصورات نظرية مصاغة على نحو نسقي. فبدلا من تدوين ومأسسة ثقافتها ولغتها الخاصة، اكتفت القبائل السوسية برعاية لغة وثقافة مفروضتين بعنف المخيال الديني وقوة الهندسة الرمزية للسياق الثقافي المنقول غبّ ممارسة منهجية للتصفية اللسانية والثقافية. ومأسسة اللغة وتدوين الثقافة، يعكسان على الحقيقة، مدى الوعي بحاجة الذاتية الثقافية إلى ضمان استمراريتها الثقافية، وقدرتها على سريان القيمة الأنطولوجية والميتافيزيقية والاسطيطيقية لمنتجاتها وإبداعاتها .
لقد ارتضى السوسي أن يبدع في مجالات وفنون نذكر منها ما يلي :
– القضايا الجنائية :
(وفي مدينة تييوت قضاة وفقهاء يرجع في الأمور الدينية، أما المسائل الدنيوية فإن من كان أكثر أهلا كان أكثر حظا فيها وإذا حدث أن قتل رجل منهم آخر، فإن تمكن أهل القتيل من الاقتصاص من القاتل انتهى الأمر، وإلا نفي القاتل لمدة سبع سنوات أو بقي في المدينة رغم أنف أهل القتيل. وإذا نفي القاتل فتلك عقوبته، وعندما تنتهي مدة النفي يستدعي جميع الأعيان إلى وليمة ويتصالح مع خصومه . )
(- الحسن الوزان – وصف إفريقيا – ترجمة : محمد حجي ومحمد الأخضر – دار الغرب الإسلامي – بيروت- لبنان – الطبعة الثانية -1983-ص. 117) .
فالإطار التنظيمي بتييوت ينتظم عبر الفصل بين الديني والمدني، بين مهام مدبري المقدس الإسلامي، واختصاصات مدبري الآلية التنظيمية والسياسية. فالجماعة السياسية بتييوت، تتوخى الحد من دورة العنف وذلك عبر تنويع إمكانيات التصالح، وعبر فرض النفي المؤقت (أزواك) ورمزية الوليمة التصالحية. فالمشرع الأمازيغي، يدرك أن انتظام أمر الجماعة، يفرض توسيع الإمكانيات التشريعية، وتغليب التدبير الرمزي والتهذيبي على الخيار القصاصي الآيل خصوصا في غياب سلطة مركزية قوية إلى دورات دموية مفتوحة على كل الاحتمالات .
التشريع السياسي :
(تخضع ترودانت لحكم الأعيان ويتداول أربعة منهم مجتمعين السلطة لمدة لا تزيد عن ستة أشهر. وأهل ترودانت أناس مسالمون لا يسيؤون إلى جيرانهم . )
(- الحسن الوزان – وصف إفريقيا – ترجمة : محمد حجي ومحمد الأخضر – دار الغرب الإسلامي – بيروت- لبنان – الطبعة الثانية -1983-ص. 118) .
لقد اختارت الجماعة السياسية بتارودانت آنذاك، حكما تعدديا وتداوليا؛ فالتدبير السياسي يقع من هذا المنظور في الحيز المدني الدهراني، لا في حيز المقدس السياسي كما يعتقد مروجو المتخيل السياسي العربي- الإسلامي وكما يدل على ذلك الاعتقاد والسلوك السياسي للدول الإسلامية بالمغارب .
يقول مارمول كاربخال عن تارودانت :
(كانت( يقصد تارودانت) حرة في القديم ثم حكمها بنو مرين عندما استولوا على موريطانيا الطنجية، وجعلوها عاصمة الإقليم والمناطق المجاورة، وحسنوها كثيرا. ذلك لأن العامل أو خليفة الملك كان يتخذها قاعدة من اجل الاتجار برقيق الزنوج، فشيدوا بها قلعة تحتوي على منازل جميلة. ثم استعادت المدينة حريتها بانحطاط المرينيين، وتولى حكمها أربعة من أعيان السكان الذين يستبدلون كل ستة أشهر. وكانت هذه الحالة عندما استولى عليها الشرفاء بدعوى محاربة نصارى رأس أكير . )
(- مارمول كربخال – إفريقيا – ترجمه عن الفرنسية : محمد حجي / محمد زنيبر / محمد الأخضر / احمد التوفيق / احمد بنجلون – دار نشر المعرفة – الرباط – 1989- الجزء الثاني – ص. 30-31) .
فالجماعة السياسية بتارودانت تمارس سلوكا سياسيا مناقضا للسلوك السياسي للدولة المرينية والدولة السعدية. فهما دولتان محكومتان، نظريا وعمليا، بالمتخيل السياسي السني، وبالمقررات السياسية للسياسة الشرعية، وبعقل سياسي إتباعي، ذي مقصديات غيبية صريحة. أما التدبير الجماعي للأمر السياسي بتارودانت آنذاك، فمدني يتقصد ضمان الانتظام السياسي للجماعة واستمرارية فعالية آلياتها التدبيرية، لا ضمان سريان الصور الميثولوجية لمتخيل سياسي لا تزيده صرامة الواقع إلا توغلا في التنطع الفكراني. فالعقل السياسي للدولة المرينية والوطاسية والسعدية، مبني على قدسية السياسة و قداسة المتفردين بالحكم وتحكيم المؤدى الاسكاتولوجي في الفعل السياسي. وهي اهتيامات، أبانت الممارسة التاريخية للتوحيديات على انسداد افقها الإبداعي وجفاف متخيلها السياسي .
الإبداع الشعري :
تكشف المعاينة الانثروبولوجية عن عمق تمثل السوسيين للقيمة الاسطيطيقية للشعر وللتعبير المجازي – الكنائي بصفة عامة. ورغم حضور الدينيات والعرفانيات في شعر شعراء “أسايس”، فإن هذا الشعر يبقى موصولا بنطاقات اسطيطيقية وبعوالم تخييلية، تتجاوز العالم المغلق للفقه المالكي والانغلاق الرؤيوي للسلوك الصوفي / الطرقي. فـ”أسايس” مرتبط أشد الارتباط بفورة المخيلة وبعنف البلاغة وزخم الترميز وبتأجج الرغبة، فهو استعراض لجمالية القول البشري، ولقدرة الترميز البلاغي على بناء معنى آخر، وعلى خلق كون دلالي متفرد وفضاء مجازي لاحب؛ وتكمن براعة “أمدياز” المطبوع في الربط التخييلي بين الزمان الطبيعي والزمان التاريخي على نحو جمالي يحقق اللذة الفكرية والجمالية في نفس الآن .
لقد تفرد شعراء” أسايس” بصياغة الوجدان السوسي، وبالتعبير الجمالي عن تطلعات واستشرافات المخيلة السوسية، فيما توغل النظامون الفقهاء أمثال أزناك وأوزال والحاج احمد الجشتمي والحاج علي الدرقاوي في صياغة معاني وافادات شرعية على نحو وعظي فاقد للجماليات التعبيرية نظير ما نجده في قول سيدي حمو الطالب :
زوند ايغ شان ميدن تيرمت ياكورد ايميك
آت كيت آدونيت ايكورانم آيادغ ليغ
الإبداع التنظيمي : الأعراف
تمكنت القبائل والتنظيمات الاجتماعية بسوس من إدارة شؤونها الاجتماعية والتكيف مع المستجدات الايكولوجية والاقتصادية والديمغرافية، وبرهن مديرو هذه المؤسسات التنظيمية على الحفاظ على تماسك النسق القبلي أو الفيدرالي أو اللفي بعيدا عن منطوقات النصوص الشرعية وعن إملاءات رجال العلم الشرعي. فرغم الإكراهات الايكولوجية والعلاقات الإشكالية بالمخزن المركزي والتوترات السياسية بين القبائل والأحلاف الأمازيغية، والوجود الدرامي للقبائل المعقلية والهلالية بالسهول السوسية خصوصا، استطاعت المجموعات السياسية الأمازيغية تطوير مؤسساتها التنظيمية الجماعية، ووضع اطر وقواعد ضامنة لانتظام الشأن القبلي أو الفيدرالي. ولا جدال في أن ظاهرة” اكودار” تمثل نموذجا للإبداع التنظيمي والاستقلالية التشريعية لإنفلاس بشهادة أبي زيد التمنارتي في (الفوائد الجمة في إسناد علوم الملة ) .
وقد اضطر الفقهاء وأصحاب العلم الشرعي، إلى الإدلاء بآرائهم وفتاواهم في موضوع تشريعات “انفلاس”. وفي هذا السياق، أثار سؤال أبي زكريا يحيي الحيحي في القرن السابع عشر، إشكالية الموقف الفقهي والشرعي من أحكام “انفلاس” وخروجهم الصريح عن مقتضيات قانون العقوبات والمنظومة التشريعية الإسلامية عموما .
يقول يحيي الحيحي :
(سيدي رضي الله عنكم وسنا في ذرى المجد صعودكم وارتقاؤكم. جوابكم لله تعالى فيما يفعله بعض أهل البادية، أهل الجبال منهم، من أنهم يجتمعون عن آخرهم، ويعملون منهم أهل الحل والعقد، ويقولون لهم : إنفلاس، ويسميهم بعضهم الضمان. ويصدر الاتفاق منهم على ضوابط ومصالح عندهم من أن كل من قطع طريقا على الصادر والوارد ببلادهم، يستردون منه ما سلب من الأموال إن كانت قائمة العين، وإلا غرموها له، ويعاقب بالمال أيضا، ويسمون ذلك إنصافا عندهم. ويهدمون داره، ويذبحون بقرته، يأكلونها ردعا له ولأضرابه. وإن لم يكن بيده شيء، يباع عليه ملكه بحضرته في ذلك جبرا، وإن لم يكن له ملك، اخذوا قيمة ما سلب من أقاربه . )
(-سؤال الشيخ يحيي الحيحي – ضمن كتاب – تاريخ المغرب أو التأويلات الممكنة – علي صدقي أزايكو – مركز طارق بن زياد – الطبعة الأولى – 2002- ص. 186) .
فـ”انفلاس” أو” ايت اربعين” أو” امزوارن”، منشغلون بتقدير الظروف والمستجدات السوسيو- سياسية على الصعيد الجهوي، وإقرار الآليات التنظيمية القمينة بحفظ هوية الجماعة وتماسك نظامها الاجتماعي. أما الفقيه المالكي المنشغل بالمتون الفقهية والعلم الشرعي، فلا يقارب الواقع والمستجدات بسوس إلا استنادا إلى المقولات والمعايير الفقهية واعتمادا على مقاصد السياسية الشرعية. ولما كان الفقيه المالكي عاجزا عن تدبر تاريخية الشريعة والفقه المالكي وتماسك الرمزيات اللاارثوذكسية بسوس، فإنه يعتبر تشريعات “انفلاس “افتئاتا على الشارع وإتباعا للهوى، كما نجد ذلك في جواب أحمد بابا الصنهاجي عن سؤال يحيي الحيحي أو إجراءات لا مناص من تكييفها مع الشرع باسم مراعاة أحكام الضرورات، كما نجد ذلك في أجوبة قاضي الجماعة عيسى بن عبد الرحمان السكتاني.
لقد عبرت القبائل السوسية عن ذاتيتها الثقافية في تناولها للقضايا السياسية والمدنية والجنائية، وكذلك في الإبداع الشعري والموسيقي، خصوصا في فترات تقهقر المخزن المركزي وتقلص فعالية المؤسسة الأرثوذوكسية الفقهية المالكية؛ أما البنيات الفقهية – الصوفية فقد انفردت بالأحوال الشخصية والإرث والنزاعات العقارية وبتأطير المقدس الإسلامي وأسلمة المقدس اللاأرثوذكسي على نحو تدرجي .
ولفهم السياق السوسيو- تاريخي والايكو- ثقافي لازدواجية الثقافة بسوس وانقسامها إلى جانب أمازيغي وآخر عربي – إسلامي، لا بد من التطرق إلى مواضعات تاريخية ومقتضيات سياسية فرضت على المؤسسات السياسية السوسية اختيارات تنظيمية وثقافية مخصوصة، وعلى الثقافة السوسية سمات خاصة.
العلاقة الإشكالية بالمخزن المركزي :
مما لا شك فيه أن القبائل والنخب السوسية لعبت دورا هاما في قيام بعض الدول الإسلامية بالمغرب، وتبوأت مواقع الزعامة والريادة أيام المرابطين والموحدين والسعديين. إلا أن علاقة سوس بالمخزن المركزي، حكمتها العلائق الإشكالية بين مركز ينوس بين القوة والضعف الإيديولوجيين، بين المطالب المثالية المستوحاة من الطوبى الإسلامية والواقع المنفتح على كل الاحتمالات التاريخية، وجهة لها من المقومات الفكرانية والبيئية والبشرية ما يؤهلها لتبنّي مشاريع إيديولوجية- سياسية مضادة للحكم المركزي أحيانا كما وقع أثناء قيام الإمارة السملالية وإمارة أبي زكريا الحيحي .
فقد تمتعت القبائل السوسية باستقلالية إجرائية كبرى في الغالب، خصوصا في لحظات التراجع السياسي للسلطة المخزنية وتمزق الأسر الحاكمة (بعد وفاة احمد المنصور الذهبي ومولاي إسماعيل وسيدي محمد بن عبد الله مثلا)، واستفحال الأزمات الاقتصادية والأوبئة والجوائح؛ إلا أنها تكون- أحيانا – موضوع عنف مروع حين يستجمع المخزن أدوات القوة الرمزية والعنف المادي .
يقول الضعيف الرباطي :
(وفي يوم الأحد الثامن عشر من صفر العام استولى السلطان على [هشتوكة ] وقتل منهم نحو الألف ونصف فيما قيل، وفي يوم الأحد خامس عشر العام استولى على أهل الساحل وقتل منهم أزيد من أربعة آلاف على ما قيل. وفي مهل ربيع الأول العام أخذ أهل إيليغ دار ملك السيد علي ابن حسون ومات منهم بسفح الجبل نحو الألفين على ما قيل. وفي سابع ربيع الأول من العام ورد عليه صاحب أكادير إغير بهدية طائعا . )
(-محمد بن عبد السلام الرباطي –تاريخ الضعيف الرباطي – تاريخ الدولة العلوية السعيدة من نشأتها إلى أواخر عهد مولاي سليمان – دراسة وتحقيق : محمد البوزيدي الشيخي – دار الثقافة للنشر والتوزيع – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الثانية -2007- المجلد الأول – ص . 150)
فلئن ساهم السوسيون في قيام الدولة المرابطية والموحدية والسعدية، فإنهم انخرطوا كذلك في ثورات سياسية وفكرانية، مناهضة للشرعية السياسية القائمة نذكر منها ما يلي :
ثورة ابن هود سنة (541ه/1146- 1147م )؛
ثورةعلي بن ايدر الزكندري (649-664 ه/1252-1267 م)،
ثورة بودربالة الولتيثي 1715م،
ثورة محمد الكرسيفي (1147ه/1150ه/1734-1738م)؛
ثورة الطالب صالح الأولوزي (1161-1165ه/1748-1752م)؛
ثورة محمد اوعلي بوتكولا ( 1167ه/1754م)؛
7- ثورة المكاوي ( 1169ه/1755-1756م ) ،
8-ثورة عمر الكلخ 1186ه/1772م) ،
9-ثورة بوحلاس (1207ه-1792)،
فسوس ليس إلا فضاء لتأسيس الدول باسم طوبى دينية مثالية أو مهدوية، أو للتمرد عليها ورفض شرعيتها بدعوى استنادها إلى شرعية مدخولة. وقد برع مؤسسو الدول والمتمردون والثائرون في استثمار المتخيل الباطني المشترك بين المرجعيات الفقهية والصوفية العرفانية، وحولوا تاريخ سوس في العصر الإسلامي، إلى محض مسرح لاحتضان المفاعيل العجيبة للامعقول الفكري والسياسي .
يقول الضعيف الرباطي :
( وفي هذه السنة ثار بسوس السيد محمد وعلي بتكلا الشريف الكثيري السوسي وذلك لما سمع بطبول ذي القرنين مدفونين [بماسة ] وهم من النحاس ولا يخرجهم إلا مول الساعة فمن حينه أن صنع الطبول من النحاس في بلاد تعدانت ودفنهم بماسة وكتب لقبائل سوس أنه مول الساعة أن يأتوا إليه ليخرج طبول ذي القرنين واجتمعت عليه [أقوام كثيرة واخرج الطبول التي صنع ودفن وادعى أنه مول الساعة واجتمعت عليه ] الألوف من الطلبة وبايعه الحاج علي بن العروسي والجل من أهل سوس وادعى أنه لا يحتاج للبارود ولا للرصاص ثم اتفقت على قتله هوارة وهشتوكة [ فنهضوا له وقتلوه وبعثوا رأسه لصاحب مراكش وتوفيت خلائق لا تحصى ]من الطلبة وبقيت في المعركة الألوف من الهيادير للطلبة [ وتسفرات ] والذي أغرى على قتله هو صاحب مراكش لأن هوارة أصهاره . )
(-محمد بن عبد السلام الرباطي –تاريخ الضعيف الرباطي – تاريخ الدولة العلوية السعيدة من نشأتها إلى أواخر عهد مولاي سليمان – دراسة وتحقيق : محمد البوزيدي الشيخي – دار الثقافة للنشر والتوزيع – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الثانية -2007- المجلد الأول – ص . 278 ) .
وليس استثمار اللامعقول سياسيا، بجديد في سياق ثقافي تغييب فيه العقلانية الفكرية واللاتعليل، بعد قرون من التهذيب النقلي ومن التشوف إلى عالم تقوده الخفايا والماورئيات :
( وقد كان لأول هذه المائة خرج بالسوس رجل من المتصوفة يدعى التوبذري، عمد إلى مسجد ماسة بساحل البحر هناك، وزعم أنه الفاطمي المنتظر، تلبيسا على العامة هنالك، بما ملأ قلوبهم من الحدثان بانتظاره هنالك، وأن من ذلك المسجد يكون أصل دعوته. فتهافتت عليه طوائف من عامة البربر تهافت الفراش. ثم خشي رؤساؤهم اتساع نطاق الفتنة؛ فدس إليه كبير المصامدة يومئذ عمر السكسيوي من قتله في فراشه . )
(- ابن خلدون – المقدمة – تحقيق : درويش الجويدي – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – طبعة : 2002- ص . 150).
وهكذا عاش سوس زمانا طويلا، على اهتيامات واستيهامات وطوباويات ألفية واشترافات قيامية من إبداع مخيلة نزاعة إلى اللامعقول الطبيعي والسياسي والتاريخي، والى الالتصاق الباتولوجي بأصول ميثولوجية محاطة بهالة قدسية يتسابق الفقهاء والصوفية وأطر المخزن المركزي والعوام إلى أمثلتها وأسطرتها ببذخ إتباعي بلا عديل .
والواقع أن المخزن المركزي المرابطي والموحدي والمريني والوطاسي والسعدي والعلوي، محكوم برؤيا توحيدية حصرية للعالم وللآخرين، ولا يمكن لأبنيتها النظرية أن تتمثل الفرادة الأمازيغية إلا اضطرارا أو تكيفا أو قبولا بالضرورات الوقتية لا غير. ورغم افتقار المخزن إلى الإمكانيات اللوجيستيكية والمادية والتقنية، لفرض التوحيد الفكري والثقافي والتعريب الكلي والأسلمة المطلقة لكل مفاصل الفضاء الثقافي الأمازيغي، فإنه واصل رعاية نظام رمزي مخالف كليا للنظام الرمزي الأمازيغي، وبوأ الثقافة العربية – الإسلامية صدارة المشهد الثقافي والفكري، وغيب كليا مأسسة الثقافة الأمازيغية، وكرس التراتبات العرقية – الدينية مما سمح لكثير من ذوي الرأسمال الرمزي العقدي، بالانفراد بالجاه والمكانة الاجتماعية والسياسية المرموقة. والواقع أن لا فرق، في هذا الإطار، بين الإمبراطوريات الإسلامية المستندة إلى العصبية القبلية الأمازيغية والدول المعتمدة على شرعية النسب الشريف (أي الدولة السعدية والعلوية )؛ فقد نظرت إلى الموروث الثقافي الأمازيغي، كتراث برسم التكييف والتلوين الشرعي والاستصلاح الإسلامي، ونأت عن أي مأسسة وتقعيد وتنظير لقواعده البنائية ومجالاته الدلالية والتداولية .
وهكذا عاشت الذاتية الثقافية السوسية في سياق سوسيو- تاريخي متوتر وإشكالي، ينوس بين ترفع الثقافة الفقهية المالكية وتأجج المقدس القبلي المعقلي والهلالي، ويغرق في انسدادية الزمان المغلق والفضاء المختنق بحرب الرموز وضراوة دورة العنف المستنسخ للعنف المؤسس المحمدي والبحث الصعب عن حاكمية متحررة من دوار التاريخ وترنح الزمان واندحار البداهة.
يقول مارمول كاربخال :
(كانت المدينة (يقصد تيدسي) حرة قبل أن يستولي عليها بنو مرين، ثم استرجعت حريتها عند انحطاط مملكتهم، ولم تكن تؤدي العشر إلا لأعراب البادية عن الحبوب والخضر، وكان يدير شؤونها ستة من أكابر السكان، يبدلون كل ستة أشهر. وقد خضعت طوعا لحكم الشرفاء فاشتهر أمرها بهم اشتهارا عظيما، وأقاموا بها محكمة مؤلفة من قضاة ومحامين وعدول ووكلاء للفصل في الخلافات القائمة في البلاد، كما اعتادوا أن يقيموا بها عاملا معه أربعمائة فارس . )
(- مارمول كربخال – إفريقيا – ترجمه عن الفرنسية : محمد حجي / محمد زنيبر / محمد الأخضر / احمد التوفيق / احمد بنجلون – دار نشر المعرفة – الرباط – 1989- الجزء الثاني – ص. 38) .
الاكراهات الايكولوجية :
لا جدال في أن الأطلس الصغير أو جبال جزولة، شكلت العاصم الجغرافي للقبائل السوسية من صولة المخزن المركزي والقبائل المعقلية والهلالية. كما مكن هذا الفضاء الايكولوجي، الثقافة الأمازيغية من الاحتفاظ بأجزاء من مقوماتها التعبيرية والتخييلية والجمالية، في ظرف موسوم بسلطة مركزية ذات أجندة فكرانية عربية – إسلامية أرثوذكسية، يشكل فيها الإطار الأمازيغي اللامفكر فيه الأكبر، ويتبوأ فيها توحيد المخيال المغاربي وتشكيله بمفردات وصيغ رؤيوية مستقاة من الإرث الثقافي لثقافات للشرق الأدنى الموقع الأرأس .
لقد اعتصمت القبائل الأمازيغية بالأطلس الصغير وبسفوح الأطلس الكبير، دفاعا عن الذات وعن استقلاليتها التدبيرية والسياسية، وعن مصالحها الحيوية في محيط مطبوع بهيمنة المخزن وثقل ضرائبه ومكوسه وكلفه وتجاوزات محلاته وحركاته وقواعده ( نذكر من قواد العهد العلوي : أغناج وعبد الصادق المسكيني وعبد المالك أو بيهي وسعيد الكيلولي وامبارك أنفلوس ) .
كما أن سوس عانى كسواه من المناطق المغربية من سلسلة درامية من المجاعات والأوبئة والجوائح والطواعين، كانت لها انعكاسات كارثية على الديمغرافيا السوسية، وعلى التوازنات السياسية وعلى نوعية المثاقفة والتدافع الثقافي بين المكون الأمازيغي الأصلي والمكونات الوافدة أو المستقدمة، طوعا أو كرها، إلى المنطقة .
التعدد الاثني والعرقي :
احتضن الفضاء الجغرافي والتاريخي لسوس، اثنيات وثقافات ولغات كثيرة، في سياقات تاريخية عويصة، وفي ظرفيات موسومة بمثاقفة اشكالية وتذاوت درامي في الغالب. لقد احتضن القطر السوسي، أقلية يهودية نشيطة اقتصاديا، على نحو خاص بدلالة مشاركتها الوازنة في إمارة تازروالت وتنشيط لتجارة الصويرة مثلا. كما استقبلت الآفاق السوسية، كتلا بشرية مستقدمة من السودان الغربي ومن غانا، خصوصا بعد حملة أحمد المنصور الذهبي على تلك البقاع. ولئن كان مصائر السود المستجلبين قسرا من إفريقيا السوداء تراجيدية في الغالب، بحكم اثنو- مركزية الفكرانية العربية – الإسلامية، فإن الكتلة المعقلية / الهلالية، استماتت في تثبيت مواقعها وحضورها اللغوي والثقافي والفكري بسوس، وتكريس أخيولاتها على حساب الاخيولات الأمازيغية .
فرغم كل التلاقحات الثقافية بين الثقافات والثقافات التحتية (أي الثقافة الأمازيغية واليهودية والأعرابية والزنجية والأوروبية)، والتذويب التدريجي لسماكة المتخيل والذاكرة الجماعية الخاصة بكل مجموعة ثقافية، فإن تماسك المنظومة الفقهية المدعومة بالأشعرية والتصوف الطرقي، فرض السقف الرمزي للثقافة العربية – الإسلامية باعتباره سقف كل محاورة بي- ثقافية ومدار كل تصور رمزي ذي أبعاد انطولوجية. وهكذا انحصرت الثقافة اليهودية في غيتو ثقافي محكم الإغلاق لا تكاد تتسرب منه إلا بعض الباطنيات المشتركة بين كل العرفانيين آنذاك، فيما غاب التثاقف الخصب والمساءلة الثقافية العقلية المترفعة عن النرجسيات الاصطفائية العقدية وعن القبليات الرسولية للملل التوحيدية. أما الثقافة الزنجية، فقد تمت أسلمتها وتكييف مخيالها الأرواحي مع المفردات المركزية للمعتقد الإسلامي؛ ولذلك تمكنت من التسرب إلى الموسيقى والأدب الأمازيغيين وزودت الكون الخيالي الأمازيغي بعناصر ثقافية معادة التوظيف والصياغة. أما ثقافة الأعراب المعقليين والهلاليين، فقد تماهت في الغالب مع المحورية العربية – الإسلامية، واعتبرت النسب العربي، رأسمالا رمزيا لنيل الحظوة وسط النخب المخزنية أو الفكرية وفي أوساط الأمازيغيين المفتونين بالجينيالوجيا المقدسة. أما الثقافة السوسية، فقد اكتفت بتدبر الروافد الثقافية المصاحبة للتساكن الصعب والإشكالي مع اليهود، والاستيطان الأعرابي للمحيط الحيوي للقبائل السوسية، والتوطين الاستيعابي والقسري للعناصر الزنجية المستعبدة أولا والمؤسلمة والمعربة تاليا.
الحضورالهلالي / المعقلي :
مثّل إقدام عبد المؤمن بن علي الكومي(1130-1163) وابنه أبي يعقوب يوسف وحفيده يعقوب المنصور الموحدي (1184-1199)على فتح الأراضي المغربية أمام القبائل العربية المعقلية والهلالية احد الانعطافات التاريخية في التاريخ السياسي والثقافي للمغرب ولسوس خصوصا. لقد تسربت القبائل الهلالية والمعقلية إلى البقاع السوسية، واستوطنت الأراضي عنوة وأسهمت على نحو درامي، في رسم المصائر التاريخية والتراجيدية للقبائل والثقافة الأمازيغية .
فالواقع أن الاستيطان العربي المعقلي بسوس منذ عهد الخليفة الموحدي الرشيد، شكل لحظة حاسمة في خلخلة التماسك النسقي للثقافة الأمازيغية بسوس. فلئن سعى الفاتحون العرب والأدارسة والمرابطون، إلى ترسيخ التوحيد المحمدي والثقافة الفقهية المالكية بربوع سوس، فإنهم لم يحدثوا تغيرات جوهرية في الديمغرافيا والاقتصاد واللغة بالمنطقة. وعلى العكس من ذلك، فإن الوجود المعقلي والهلالي بسوس، فقد عنى ما يلي :
تخلي القبائل السوسية على السهول الخصبة للقبائل المعقلية منذ أن استقدم علي بن إيدر الزكندري عرب بني حسان والشبانات وأولاد جرار إلى سوس؛
تحكم القبائل المعقلية والهلالية بالمسالك والطرق التجارية؛
فرض القبائل الأعراب للمغارم والمكوس؛
محاصرة القبائل الأمازيغية مجاليا ولغويا وثقافيا؛
وقد أشار الحسن الوزان إلى الوقع السلبي للحضور الأعرابي بسوس:
( وفي القسم المجاور للأطلس بهذا الإقليم كثير من القرى والمداشر، بينما يحتل الأعراب السهول الجنوبية ويرعون فيها ماشيتهم. ويؤدي سكان ترودانت لهؤلاء الأعراب خراجا كثيرا عن الأراضي الزراعية حسب العادة وكحقوق لأراضيهم ولقيامهم كذلك بتأمين الطرق. وقد ثارت ترودانت في أيامنا هذه ضد الأعراب ودخلت في طاعة السلطان الشريف ( السعدي ) عام 920.)
(- الحسن الوزان – وصف إفريقيا – ترجمة : محمد حجي ومحمد الأخضر – دار الغرب الإسلامي – بيروت- لبنان – الطبعة الثانية -1983-ص. 118) .
فقد سيطرت القبائل المعقلية على السهول الخصبة والمسالك الإستراتيجية بسوس وتحكمت في المجال الحيوي التقليدي للقبائل السوسية مما أفقدها قوتها التنظيمية والتدبيرية والتفاوضية. لقد أحكمت العشائر المعقلية ( أولاد جرار قرب تزنيت وهوارة قرب تارودانت واولاد يحيا والمنابهة المستقرتان بشرقي تارودانت والشراردة المستقرة بغربي تارودانت …الخ )، سيطرتها، تدريجيا، على الفضاء السياسي والثقافي بسوس الأدنى والأقصى خصوصا في لحظات تراجع هيمنة المخزن الفكرانية والعسكرية. والأخطر من ذلك أن هذه القبائل، شكلت أداة فاعلة ونافذة لقرض الاتساق الثقافي للفكرية الأمازيغية وتعريبه وأسلمة عمقه البنائي ولفرض التعابير والصور والمثالات العربية على الذاكرة التاريخية الأمازيغية .
التسوية في زمان الاستلحاق الثقافي
لقد تمسك السوسيون إذن بجزء من فكريتهم الخاصة، واضطروا أمام التغلغل المنهجي للثقافة العربية – الإسلامية، إلى إقرار تسوية ثقافية وتوافق فكري ومؤسسي، تنفرد فيه المنظومة العقدية والشرعية الإسلامية بالاحياز الدينية فيما تنفرد الذاتيات الأمازيغية بصياغة المصير السياسي والتاريخي للمجموعة الثقافية والاستجابة للتحديات والاكراهات السوسيو- تاريخية. إلا أن الذاتية الثقافية الأمازيغية، استنكفت عن تأصيل عقلها السياسي والتشريعي وعن الصياغة النظرية لإبداعها الشعري والموسيقى والقصصي وعن كتابة وتدوين المفاصل المركزية لتاريخها السياسي. وهكذا اكتفت بالتدبير الإجرائي لملابسات التاريخ المتحول والإشكالي والانبثاق التراجيدي للقبائل المعقلية والهلالية من سجف الأحقاد وتصفية الحسابات المذهبية بين الفاطميين الإسماعيليين والزيريين الصنهاجيين، ومن قصور الحسابات السياسية للخلفاء الموحدين ( عبد المؤمن ويعقوب المنصور تحديدا )، فيما يقتضي الإطار الثقافي العام، التدبير الثقافي الاستراتيجي، ومأسسة العمل الثقافي ووضع القواعد النظرية والمنهجية للمنجز الثقافي، سواء أكان تشريعيا أم أدبيا .
فمن الخاصيات المائزة للثقافة العربية – الإسلامية، هي الميل إلى الاجتثاث الثقافي للثقافات الطرفية، واستئصال المنجز الإبداعي للسوى الثقافي أو الفكري أو الاثني بكل الوسائل الفكرانية أو المادية الممكنة. فتحقيق الطوبى الإسلامية، وردم الهوة بين المبتغى الإيماني والمتحقق الواقعي، يستلزمان محو الفرادات الثقافية والتطلعات الأخلاقية والجمالية والسياسية للشعوب والاثنيات غير العربية، والتوحيد والتنميط الفكري والفكراني، والتعريب المنهجي والأسلمة المتدرجة أو الفورية لكل المظاهر والتجليات الثقافية القابلة للاستيعاب والتلوين والتطويع. فالأسلمة لا تنفصل، على التحقيق، عن التعريب وعن محو التواريخ الثقافية والبنيات الأنثروبولوجية للإثنيات والشعوب غير العربية. فالأسلمة لا تعني والحال هذه، إلا إحلال معنى نهائي محل معنى نهائي منافس (وأشير هنا إلى اليهودية والمسيحية والزرادشتية والهندوسية والبوذية والصابئية …) أو محلّ نظام رمزيّ متأصّل في الأرضيات الثقافية للقوميات والشعوب غير الإسلامية. ومن هذا المنظور، فالأسلمة تؤكد على منظور مخصوص للماوراء ولتنظيم المقدس ولتنضيد الرموز والدلالات ولتدبر الغير والغيرية ولاعتبار التاريخ ولفعالية العنصر البشري، وتصر على الأفضلية المطلقة للنظام القدسي الإسلامي وكونيته الناسخة لكل الأنظمة القدسية الإحيائية والتعديدية والتوحيدية اللامحمدية. فاعتناق الإسلام، يعني من هذا المنظور، تبني التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي للإسلام المحمدي، أي التخلي عن التاريخ الثقافي والاجتماعي والسياسي للذاتية الثقافية الأصلية للمسلم غير العربي. فالأسلمة لا تعني التعبد أو الانتماء إلى إيمانية أو أخلاقية أو روحية خاصة فقط ، بل الانتماء إلى تاريخ إثني مؤمثل ولتاريخ اجتماعي وثقافي مصاغ صياغة متعالية. كما أن اللغة العربية، ليست أداة وظيفية حاملة للمضامين الروحية للعقيدة وللأخلاقية الإسلامية فقط، بل هي وعاء ثقافي عربي، حافل بمحمولات ودلالات تاريخية وثيقة الارتباط بالذاكرة الثقافية للعرب. والأنكى أن الوعي الثقافي العربي يقرّ لا بالتفوّق العقديّ على المقدس الإحيائي أو التعديدي أو التوحيد اللامحمدي فقط، بل بالتفوق اللغوي والتفوق المعرفي للغة العربية والمعرفة العربية – الإسلامية .
يقول طه عبد الرحمان :
(…ذلك أن شعور العربي بهذا التفوق التداولي سابق على ظهور هذه الحركة(يقصد الحركة الشعوبية )، فشعوره بالامتياز اللغوي تمتد أصوله إلى فترة المنتديات والمحافل التي كانت تشهد أشد التباري بين الشعراء والخطباء في العصر الجاهلي؛ وشعوره بالامتياز العقدي تولد في قلبه لما خص به من نزول أفضل الشرائع الإلهية على قومه مع تكريمه بالأمر بنقلها إلى العالمين؛ وأما الشعور بالامتياز العقلي، فهو متفرع من الامتيازين السابقين، فمن تكون له أفضل شريعة وأفضل لغة، لزم أن تكون له أفضل معرفة ما دام يستمد مضامين هذه المعرفة من أحق الحقائق التي جاءت بها أصدق شريعة، ويستمد وسائل هذه المعرفة من أبلغ الأساليب التي انطوت عليها أبين لغة . )
( – طه عبد الرحمان – تجديد المنهج في تقويم التراث – المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء – المغرب – الطبعة الأولى – 1994- ص . 254).
فهذا الشاهد، يفصح عن المصادرات المركزية للإسلام وعن النرجسية العقدية المتمسكة بالكوننة انطلاقا من مخيال قبلي، لا يتعالى على عقائد ومقدسات الآخرين فقط، بل على لغاتهم ومعارفهم وثقافتهم وحضاراتهم بحمية اثنية مضفورة بحمية تداولية أكثر ضراوة.
فالفكرية الإسلامية كمثيلتها المسيحية استيعابية ومركزية؛ وهذا ما يفسر التفكك الثقافي لكثير من الجماعات الاثنية أو الثقافية بعد إسلامها وانقراض الكثير من العلامات الثقافية الفارقة لبعض الكتل البشرية في الفضاء الثقافي الإسلامي. فالاعتقاد الإيماني الإسلامي، ينسخ التوجهات الرمزية القدسية للثقافات الطرفية، ويجب آفاقها الدلالية القصوى والمرتكزات الشعورية واللاشعورية لقطاعها الإناسي. ولما انطبع الإسلام بطابع حامله البشري والثقافي الأصلي، فإن المسلم غير العربي ملزم بالاستعراب الجزئي أو بالاستعراب الكلي، تبعا لوضعه المهني أو موضعه في التراتبية الاجتماعية أو لمقتضى الظرف التاريخي. فالانخراط في الفكرية الإسلامية، يعني الانخراط الضروري في جغرافيتها الفكرية وتطلعاتها الإستراتيجية، والقطع، الجزئي أو الكلي، المتدرج أو الفوري مع الفكرية الأصلية، باعتبارها نتاجا جاهليا أو نظرا وثنيا غارقا في دياجير الشركيات أو الوثنيات أو الكفريات .
من المؤكد أن بعض الثقافات تمكنت من امتصاص صرامة النسق الاعتقادي الإسلامي، وأرثوذكسية الاكليروس المنادي بالأسلمة الفورية أو القسرية، لجموع أسلمت ووجدت في نفس الوقت صعوبات جمة في التخلي عن ذاكرتها الثقافية وعن متخيلها الألفي وعن نسقها القيمي ورؤيتها الجمالية أو الميتافيزيقية للكون وللحياة. وقد تعززت مخاوف هذه الجماعات، بعد الإخفاقات التاريخية للخلافة الإسلامية، وانبثاق مكبوتات اللاشعور السياسي أو الفكري في كثير من المنعطفات والكشف عن صعوبات استئصال الثقافات والفكريات والروحيات المتأصلة في مهج، لا تقودها الطوبى فقط، بل تحركها مكنونات مخزونها الشعوري القابع في الأعماق الينبوعية .
فالتماهي مع المثال الإسلامي، يقتضي تفكيك النسق القيمي والفكري المنجز من قبل مبدعي الثقافات غير الإسلامية، والانتماء الطوعي إلى الثقافة العربية – الإسلامية بكل ما تنطوي عليه من موروثات ومصادرات وبنيات شعورية ولا شعورية ومن نماذج مثالية وأنماط تخييلية. فرغم الميولات الكونية للفكرية الإسلامية، فإنها احتفظت بجوهريات الخطاب الثقافي العربي القديم؛ وهو خطاب ثقافي تاريخي، أضفيت عليه سمات متعالية، بالنظر إلى استحالة تحقيق طوبى من غير حامل ثقافي وتاريخي محدد المواصفات التاريخية والتركيبة النفسية والاجتماعية .
فالخطاب المثالي يركز على الطوبى دون أن ينكر الحامل الثقافي، أما الحامل الثقافي فيركز على فرادته الثقافية ويستعيد أطوارا من تاريخه الخاص في الشعر والخطابة والأمثال والاخيولات وتواريخ الحروب والصراعات القبلية، ولا يستحضر الطوبى إلا حين يطالب الغير الثقافي بتفكيك كيانه الثقافي الخاص والالتحاق بالتاريخ الفكري لقريش أو لقبائل اليمن السعيد !
فالأسلمة المثالية مقرونة بالتعريب مبدئيا؛ ولما كانت الأرثوذوكسيات الإسلامية مفتقرة إلى الأدوات اللوجيستيكية والتقنية، لتحقيق ذلك، قبلت نظريا الأسلمة المنقوصة، المرتبطة أحيانا بالجمع بين المقدس المأصول للثقافات الطرفية، والمقدس المنقول القادم من العربيا، أو نقل الشرعيات إلى اللغات أو اللهجات القومية أو الاقوامية، في انتظار تبلور نسق ثقافي أرثوذكسي، يحقق الأسلمة الكاملة، ويعيد النظر في توزيع الأدوار بين المأصولات والمنقولات على نحو يحقق هيمنة الطوبى الشرعية على العوالم الخيالية للثقافات غير العربية .
يقول ابن خلدون :
( …والدين إنما يستفاد من الشريعة، وهي بلسان العرب، بما أن النبي صلى الله عليه وسلم عربي؛ فوجب هجر ما سوى اللسان العربي من الألسن في جميع ممالكها. واعتبر ذلك في نهي عمر – رضي الله عنه – عن رطانة الأعاجم، وقال: إنها خب، أي مكر وخديعة. فلما هجر الدين اللغات الأعجمية، وكان لسان القائمين بالدولة الإسلامية عربيا، هجرت كلها في جميع ممالكها؛ لأن الناس تبع للسلطان وعلى دينه، فصار استعمال اللسان العربي من شعائر الإسلام وطاعة العرب. وهجر الأمم لغاتهم، وألسنتهم في جميع الأمصار والممالك. وصار اللسان العربي لسانهم، حتى رسخ ذلك لغة في جميع أمصارهم ومدنهم، وصارت الألسنة العجمية دخيلة فيها وغريبة. ثم فسد اللسان العربي بمخالطتها في بعض أحكامه وتغير أواخره، وإن كان بقي في الدلالات على أصله، وسمي لسانا حضريا في جميع أمصار الإسلام . )
(- ابن خلدون – المقدمة – تحقيق : درويش الجويدي – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – طبعة : 2002- ص .351).
فالأسلمة حسب الشاهد الخلدوني، تفترض الاستئصال المنهجي للغات مبدئيا، أو المحاصرة اللغوية أو المنافسة اللسانية غير المشروعة على أقل تقدير. ولما كانت اللغة، مستودعا ثقافيا زاخرا بالمكنونات والمضمرات والرموز والإشارات الخاصة بثقافة من الثقافات، فإن استئصالها يعني القضاء على المدلولات الانثروبولوجية والأبعاد الرمزية والمنظورات الفلسفية والأنطولوجية لتلك الثقافة. وتتضح فداحة هذا الاستئصال متى ارتبط بالاستئصال المادي وتقديم خطاب النجاة في حلة دموية بلا مثيل، كما وقع في التواريخ المأساوية لشمال إفريقيا .
( وبعث حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة بن نافع غازيا إلى المغرب، فبلغ السويس الأقصى وأرض السودان، ولم يقابله أحد إلا ظهر عليه، وأصاب من الذهب [والفضة] والسبي أمرا عظيما، ولم يدع في المغرب قبيلة إلا أداخها فملؤا منه رعبا وخوفا. وكان فيما أصاب من سبي البربر جاريتان ليس لكل واحدة منهن إلا ثدي واحد، وسبي من قبيل من قبائل البربر يقال لهم مسوفة، في طريق بلاد السودان، نساء لهن جمال، وكان لهن أثمان جليلة [لم ير م]ثلها ، ورجع سالما حتى قدم على ابن الحبحاب . )
(- ابراهيم بن القاسم الرقيق – تاريخ إفريقية والمغرب- تحقيق : عبد الله العلي الزيدان وعز الدين عمر موسى – دار الغرب الإسلامي – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 1990- ص. 72) .
فالأفضلية التداولية للعربي، تقوده حتما إلى نقل مبدإ التفضيل التداولي العام إلى الفضاءات البشرية للأغيار، والاستحواذ على رأسمالهم البشري والمادي، وتغذية المخيال الجنسي العربي بالغرابة الأمازيغية. فالعربي لا يكتفي بالامتياز اللغوي والعقدي والمعرفي، بل يضيف إلى خزانة نرجسيته العظامية، الامتياز الاستحواذي على أجساد وثروات وثقافات الآخرين، وامتياز إدارة واحتكار العنف باسم الجهاد القتالي وتفعيل مبدإ الإثخان القرآني.
يقول ابن خلدون :
( وانظر ما وقع من ذلك بإفريقية والمغرب من أوائل الإسلام ولهذا العهد. فإن ساكن هذه الأوطان من البربر أهل قبائل وعصبيات؛ فلم يغن فيهم الغلب الأول الذي كان لان أبي سرح عليهم وعلى الإفرنجة شيئا. وعاودوا بعد ذلك الثورة والردة مرة بعد أخرى، وعظم الإثخان من المسلمين فيهم. ولما استقر الدين عندهم عادوا الثورة والخروج والأخذ بدين الخوارج مرات عديدة . )
(- ابن خلدون – المقدمة – تحقيق : درويش الجويدي – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – طبعة : 2002- ص . 153).
فالتمسك بالذاتية الثقافية وبالذاكرة الجمعية، لا يمكن محوه بمقتضى تثاقف سلمي أو تحاور حضاري بين الغيريات الثقافية أو الحضارية، بل بيداغوجيا حربية، تجمع بين المهادنة البشرية النسقية والاستئصال الثقافي أو الاستتباع الأخلاقي والفكري حين لا تتوافر العدة اللوجيستيكية أو التناسق السياسي في المركز .
وقد نتج عن الاستلحاق السياسي والفكري لشمال أفريقيا للمشرق العربي، استنبات الفكرية العربية – الإسلامية في التربة الأمازيغية، وانبثاق نخب أمازيغية سلاليا أو اثنيا، عربية وإسلامية الفكرانية، تتكفل بتعزيز” الأرثذكسة” orthodoxisation وتفتيت نسق الدلالة الأمازيغية .
وهكذا، ارتبط التعريب والأسلمة التدريجيان للمغارب عموما ولسوس خصوصا، بالمعطيات التالية:
الأسلمة القسرية والاستحواذ على الرأسمال البشري والمادي تفعيلا لمبدإ الإثخان؛ يقول هشام جعيط :
(لقد دفعت إفريقية غاليا ثمن مقاومتها بعد أن استسلمت لغالبها. وسيعود حسان إلى المشرق بكميات من الذهب والأحجار الكريمة والخيول والعبيد وهو ما سيثير بعده طمع ابن نصير وجشع المروانيين الذين سيفرغون أكثر إفريقية من ثرواتها. ومع ذلك فما لحق إفريقية هو أقل مما لحق بقية بلاد المغرب التي ستفرض عليها شروط غاية في القسوة .)
(- هشام جعيط – تأسيس الغرب الإسلامي – القرن الأول والثاني ه/ السابع والثامن م – دار الطليعة – بيروت – لبنان – الطبعة الأولى – 2004- ص.34-35) ؛
استتباع المغارب للمشرق سياسيا وفكريا وثقافيا؛
التعريب الكلي أو الجزئي والعناية بالتراث العربي – الإسلامي على حساب الموروث الثقافي الأصلي للمجال التداولي الأمازيغي؛
إحداث تغييرات في ديمغرافيا المغارب، وتفتيت التماسك الاثني للقبائل الأمازيغية خصوصا بعد توطين الأعراب والثقافة الأعرابية في الأرضية الأمازيغية؛
إدماج الأمازيغيين في مشاريع الجهاد الدعوي( السودان الغربي مثلا) أو الجهاد القتالي (الأندلس مثلا)؛
فرض التنميط الفكري ومحاربة كل نظر عقلاني أو دهراني قمين بتقوية الفكر المغاربي وتعضيد الكينونة المتحولة للأمازيغ ضدا على الكينونة المتخثرة المفروضة من قبل الفكر الفقهي المالكي وعلم الكلام الأشعري؛
تكريس تراتبيات ميتافيزيقية في سياق تحويل الامتياز العقدي إلى امتياز فئوي؛
طمس التاريخ الآخر للمغارب ومحو التاريخ اللاارثوذكسي لسوس وصياغة ذاكرة جمعية لا تحفل إلا بمداوري الطوبى الإسلامية أو السائرين في درب الاستحواذ الكلي على كلية المخيال الجمعي الأمازيغي القادر، رغم زخم البلاغة النجاتية الإسلامية، على حفر بعض خنادق التمايز في السياج الفقهي أو الكلامي المغلق؛
وقد نتج عن الاستعراب أو التعريب و”التفقيه” و”التصويف” المنهجي للمغارب وسوس تخصيصا ما يلي :
خلق ازدواج ثقافي، في الثقافة السوسية نفسها، وخلق نوع من التجاور العضوي أو اللاعضوي بين المأصولات السوسية والمنقولات العربية؛ وقد تميز هذا التجاور، عموما بتوزع رؤيوي، تؤكد فيه اللغة الأمازيغية على تاريخها العقدي والفكري فيما تتشبث المنقولات الفقهية بحتمية تجاوز ذلك التاريخ العقدي والقبول المرحلي بحامله اللغوي المتغلغل في الشخصية الأمازيغية. والواقع أن الفاعل الأمازيغي، ارتضى هذا التوزع والازدواج الرؤيوي في غياب أطر اجتماعية للمعرفة الأمازيغية وفي غياب الوعي بتقعيد الوعي الأمازيغي؛
القرض التدريجي للسان الأمازيغي، عبر إغراق اللغة الأمازيغية بالمنقولات اللغوية العربية، وفرض منافسة لغوية غير متكافئة في سوق التداولات اللغوية بسوس بالنظر إلى تأكيد المخزن المركزي والمؤسسة الفقهية المالكية على الأفضلية التداولية للغة العربية .
نقرأ في سيرة أمازيغية لسيدي إبراهيم الماسي ما يلي :
(لا بود أداسند يازن لهاشم لهادييات نس، ئما لهادييات نس لي ياسد ئتازن غ كرايكان ئخف ؤوسوكاس أبادان، أراسد ئتازن تاوايا ديسمك، ئما مولاي عابد راحمان لابود أديازن ئ لهاشم أقنضارن ن لمال كرايكان أسكاس ئنا ياس: صاداقا لجادنك سيدي حماد ؤموسا، أداغ ئنفعا ربي س لباراكا ن زاويت نس، آمين . ) .
( – سيدي ابراهيم الماسي – أخبار سيدي إبراهيم الماسي عن تاريخ سوس في القرن التاسع عشر – تعريب وتعليق عمر أفا – منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية –الطبعة الأولى -2004-ص.56).
وقد ترجم عمر افا هذا النص إلى العربية :
( صار من الأكيد أن يبعث هاشم هدايا لمولاي عبد الرحمان على رأس كل سنة على الدوام، حيث كان يبعث له أمة وعبدا. أما مولاي عبد الرحمان فقد دأب أيضا على أن يبعث لهاشم ألف مثقال سنويا، قائلا بأنها تعتبر صدقة لجدك سيدي أحمد أوموسى – نفعنا الله ببركة زاويته، آمين . )
( – سيدي ابراهيم الماسي – أخبار سيدي إبراهيم الماسي عن تاريخ سوس في القرن التاسع عشر – تعريب وتعليق عمر أفا – منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية –الطبعة الأولى -2004-ص.57).
يحبل نص إبراهيم الماسي المكتوب في ثلاثينات القرن التاسع عشر (1834) بمعحم عربي غزير نسبيا ( لا بود : لابد / لهادييات : الهدايا / أبادان : أبدا / أقنضار : قنطار / لمال : المال / صداقا : الصدقة / لجادنك : جدك / لباراكا : البركة / زاويت : الزاوية …الخ )، ويبني عالما دلاليا يؤثثه المخيال الديني العربي – الإسلامي ويمده بالتوجيهات العرفانية الأكثر انغراسا في اللامعقول الطبيعي والسياسي . فلتقريب المدلولات الفقهية والمناقبية للنص، لا بد للكاتب الأمازيغي من الامتياح من بئر المعجمية العربية العرفانية !
والحقيقة أن قرض المعجمية العربية، الفقهية والصوفية في المقام الأرأس، للمعجمية الأمازيغية لا ينحصر في الاستعارة والاقتراض المعجمي فقط، بل يتجاوز ذلك ليطال الدلاليات والتداوليات، ويمس الإطار الميثو- تاريخي والميثو- إيديولوجي ، للثقافة الأمازيغية .
محاصرة الإبداع الثقافي الأمازيغي بعد مأسسة الفقه المالكي والتصوف الجنيدي؛ فالثقافة الفقهية المالكية / الأشعرية / الجنيدية، محكومة بالأطر النظرية للشرع، وبالأسس النظرية للفكرية السنية .
يقول محمد أديوان في قولة أحسنت التوصيف وأخطأت سبيل التعليل :
( إن الثقافة السوسية مرتبطة بالفروع المالكية بعيدة عن أجواء الجدل والتنظير. ذلك أن التحديات التي واجهت الثقافة السوسية هي تحديات عقدية وليست مذهبية، فعلماء سوس كانوا يواجهون العدو الكافر في صورة النزوع البورغواطي المارق عن الدين، إذ لا يتعلق الأمر بخلافات مذهبية بسيطة وإنما بخلاف مبدئي على مستوى العقيدة والعبادات . )
(-محمد أديوان – النسق الثقافي بين سوس والصحراء – ضمن : الصحراء وسوس من خلال الوثائق والمخطوطات : التواصل والآفاق – إعداد:عمر أفا – منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط- الطبعة الأولى – 2001-ص.154-155) .
فالتنميط المالكي للمغرب، بعد محو الفعالية النظرية للتراث الأمازيغي القديم، وتصفية التراث الشيعي والخارجي والاعتزالي والبورغواطي، قاد إلى تكريس وضع دليلي نقلي واتباعي فاقد لأي فعالية إبداعية أو قدرة تصورية أو كفاءة نظرية. ويكمن القاسم المشترك بين المالكية والأشعرية والجنيدية في اعتماد نسق دلالي مغلق، منشغل كليا بإحداثيات ميثو- معرفية، وبمبتغيات نجاتية ولاهوتية. فالمالكية تروم تحكيم القواعد الفقهية في كل مفاصل الحياة الاجتماعية، وتحويل الأفراد إلى ذرات في سديم الشرع. أما الأشعرية فتتغيى، المدافعة المنهجية شبه العقلية عن المرسخات السلفية والتصورات السنية عن الذات والصفات والأفعال الإلهية وعن حدود الفعالية التعقلية للإنسان. أما التصوف فقد سعى، في العمق، إلى استكمال الترميز الديني، وبناء نسق دلالي استنادا إلى المكنونات العرفانية الوردة في النص الشرعي. فالمالكية تلغي العقل التشريعي رمة، والأشعرية تبطل العقل المعرفي والسببية والعلية والتوليد وحرية الإنسان، والجنيدية تتوخى نقل الإنسان إلى التجوهر عبر الجمع بين علم المعاملة وعلم المكاشفة، بين الشريعة والحقيقة .
نقرأ في كتاب ( أعز ما يطلب ) ما يلي :
( سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه لا تتناوله الأوقات، سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه لا تحيط به الادراكات، سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه لا تعتريه الحاجات، سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه لا تطرأ عليه الآفات، سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه عالم بجميع المعلومات. سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه مدبر لجميع الكائنات، سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه لا يفعل بالآلات. سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه لا تلتبس عليه الأصوات، سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه لا تخفى عليه الخفيات، سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه لا يشبه المخلوقات، سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه لا تتناهى له المقدورات، سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه لا تنحصر له المعلومات، سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه جل عن التكييفات، سبحان من شهدت الدلالات والآيات بأنه إلاه من في الأرض والسماوات . )
(- محمد بن تومرت – أعز ما يطلب – تقديم وتحقيق : عبد الغني أبو العزم – مؤسسة الغني للنشر – الرباط – المغرب -1997- ص 226) .
ينهض هذا النص، دليلا على افتتان بعض الأمازيغيين واهتيامهم، بموسيقى الألفاظ، وبالمتواليات اللغوية المرصوفة رصفا، وبالتوقيع النغمي المترفع عن الاستدلال البرهاني البارد. والواقع أن اللفظية والتهوس بالتنغيم البلاغي وبالمحسنات البلاغية، كثيرا ما تبعد النظر عن التدقيق في المضامين، وعن التحقق في الملاءمة النظرية أو الصلابة المنهجية للمقررات الأشعرية أو الاجتهادات الفقهية أو التأويلات الصوفية. فهذه الفكرية الموسومة باللفظية والنصية والنقلية واللاسببية، مناقضة للعقل الإبداعي الاستدلالي المتفاعل مع المعطيات المتجددة للمعرفة بالطبيعة والإنسان والكون. فرغم افتقار التراث الأمازيغي، لجهاز نظري أو إطار فلسفي أو علمي مصاغ نسقيا، فإن الأمازيغي قادر على التعاطي الإبداعي مع الكثير من الإشكاليات التاريخية. أما المعتصمون بلذة الألفاظ وحلاوة المجازات اللاهوتية، فلا يلتمسون العزاء للاستعصاءات، إلا بالدعوة إلى نبذ البدع والتزام منطق التحليل والتحريم أو الانقطاع عن الخلق جملة !
4-تغييب أي مأسسة للغة والثقافة الأمازيغية. فالأمازيغي المتشبث بالتشريع وبالأطر الاجتماعية والسياسية لحياته، لم يستوعب مأسسة اللغة والثقافة الأمازيغية، ولم يتمكن من خلق الأطر الاجتماعية الأمازيغية. ولا عبرة في هذا المقام، بالمؤلفات المكتوبة باللغة الأمازيغية، بالنظر إلى انتظامها في سياق فكرانية عربية – اسلامية استيعابية ثقافيا، ورافضة مبدئيا، للتعددية الثقافية وللمثاقفة المتكافئة .
وهكذا غابت المأسسة اللغوية، وافتقرت الأمازيغية السوسية إلى المعاجم والقواميس وكتب اللغة المتخصصة، كما تعرضت الذاكرة الأدبية السوسية لنزيف كبير، بسبب غياب التدوين والكتابة. ولا يمكن للذاكرة في سياق متحول ومتموج مثل السياق السوسي، المعروف بتقلباته وتحولاته التراجيدية، أن تحتفظ بالمنجزات الإبداعية الشفوية .
لقد عاش السوسي وضعية فصامية في الواقع؛ فهو معتز باللغة الأمازيغية، إلا أنه عاجز عن مأسستها ومعيرتها وتقعيدها وتمتيعها بالمؤسسات والبنيات الفكرية القمينة بحفظ ديمومتها من جهة، وهو راغب في لغة يعجز في الغالب عن اتقانها أو التضلع فيها. وقد أشار ابن خلدون إلى ظاهرة الاستعراب الإشكالي للأمازيغ في المقدمة .
يقول ابن خلدون :
( فأهل إفريقية والمغرب لكما كانوا أعرق في العجمة وأبعد عن اللسان الأول، كان لهم قصور تام في تحصيل ملكته بالتعليم. ولقد نقل ابن الرقيق أن بعض كتاب القيروان كتب إلى صاحب له: ” يا أخي ومن لا عدمت فقده، أعلمني أبو سعيد كلاما أنك كنت ذكرت أنك تكون مع الذين تأتي، وعاقنا اليوم فلم يتهيأ لنا الخروج. وأما أهل المنزل الكلاب من أمر الشين فقد كذبوا هذا باطلا، ليس من هذا حرفا واحدا. وكتابي إليك وأنا مشتاق إليك إن شاء الله”. وهكذا كانت ملكتهم في اللسان المضري، وسببه ما ذكرنا.
وكذلك أشعارهم كانت بعيدة عن الملكة نازلة عن الطبقة، ولم تزل كذلك لهذا العهد. ولهذا ما كان بإفريقية من مشاهير الشعراء، إلا ابن رشيق وابن شرف. وأكثر ما يكون فيها الشعراء طارئين عليها، ولم تزل طبقتهم في البلاغة حتى الآن ماثلة إلى القصور.)
(- ابن خلدون – المقدمة – تحقيق : درويش الجويدي – المكتبة العصرية – صيدا – بيروت – طبعة : 2002- ص .563-564).
فلا الأمازيغ أتقنوا الاستعراب، ولا العرب أتقنوا التعريب، فبقي المشهد اللغوي بسوس خلاسيا أو فصاميا، تهيمن فيه أمازيغية بلا أطر معرفية ولا بنيات منهجية وتدرس فيه عربية منقطعة عن المعهود اللغوي للقوم، ومحصورة في نخب ما وجدت إلا لتستجيب لحاجيات الكتل الأمازيغية، وهي حاجيات وظيفية تقنية في الغالب.
والأنكى أن الثقافة العربية – الإسلامية، استكفت عن الاستمزاغ؛ أي البحث المنهجي في أصول وفصول اللغة والثقافة الأمازيغية، واكتفت بالدعوة إلى الاستعراب مع التمسك بالتراتبيات الميتافزيقية وبالمقامات القدسية الموضوعة من قبل مدبري المقدس الإسلامي .
ألم يحن وقت كتابة التاريخ النقدي للإمبريالية الثقافية العربية –الإسلامية؟ ألم يحن أوان كتابة تاريخ المثاقفة الصعبة بين ثقافة شديدة التمركز وثقافات غير مدعومة سياسيا ومؤسسيا؟ ألم يحن وقت تدشين مبحث “الاستعراب”، باعتباره مبحثا نقديا استشكاليا، للثقافة العربية من منظور ذاتيات غير عربية ؟
