مقتل بن لادن.. بعد موته فعلاً!
كان هذا الخبر منتَظراً قبل سنوات، حينها كان سيثير زوبعة عظيمة، وسيطلّ علينا جورج بوش ليعلن تحقّق نبوءته بانتصار الخير على الشرّ، بينما يعمّ الغضب والحزن في نفوس أولئك الذين انتظروا من بن لادن أن يقيم لهم طوبى الخلافة في كلّ أرجاء المعمورة!. لكنّ الرئيس الأمريكيّ السابق لم يحظَ بشرف قتل بن لادن، وقد يكون من الخير أنّه لم يتمكّن من فعل ذلك، لأنّه على الأرجح كان سيستغلّ الحدث على نحو يستفزّ أعداءه الكثيرين، ولأنّ بقاء بن لادن بعد رحيل الأوّل عن منصبه لم يعد يحمل ذلك البريق الذي أجّجته النزعة الإطلاقيّة والخطاب المبتذل البائس للطرفين، دون أن يعني هذا الكلام مساواة بينهما.
لقد مات بن لادن “موتاً سريريّاً” قبل مقتله، وحتّى مقتله لن يمنحه الآن تلك البطولة التي كان ليحظى بها أمام الملايين ممّن أُعجبوا بـ”غيفارا القرن الواحد والعشرين”. فهذه الملايين، باستثناء مجموعات قليلة، تراجعت عن الحماس المبنيّ على العداء للغرب قبل أن يكون مبنيّاً على المصالح الواقعيّة لها. لم يحمل فكر القاعدة سوى السلوى بالقدرة على إيذاء الآخر القويّ، أمّا أوهام البارانويا الجماعيّة لخطاب إسلامويّ مبتذل فقد تبيّن تهافتها مع انكفاء أصحابها ومقدراتهم الفعليّة إلى حدّ محاولة البقاء وحسب. سقط بن لادن والظواهريّ منذ سنوات، ولم يعد من فائدة للتسجيلات الأخيرة التي تحتوي على خطابهما الركيك سوى تذكير العالم بوجودهما، وأظهرت هذه التسجيلات مدى الغربة التي يعيشانها عمّا يحصل في العالم؛ غربة لا ترجع فقط إلى تشردّهما في المخابئ بل ترجع أصلاً إلى غربتهما الفكريّة التي حاولا جرّ الآخرين إليها.
إنّه لمن السخرية أن نستذكر الآن ذلك الزمن الذي يتسمّر فيه ملايين الناس أمام شاشات التلفزيون لمشاهدة أولئك الذين يجلسون القرفصاء في كهوف أفغانستان، والإصغاء إليهم وهم يملون على المسلمين ما يتحتّم عليهم فعله بـ”الكفرة والملحدين، ومن ثمّ الروافضة”، حتّى بلغ الأمر ببعض الفضائيّات أن تستضيف معتوهاً آخر يتحدّث عن تلغيم الفضاء، طبعاً بعد أن أشهر يأسه من الأرض التي سيطر عليها “أعداء الإسلام”. ولعلّه من سخف التاريخ أنّ ثلّة من هذا النوع قد أرهبت العالم ما يزيد عن عقدين من الزمن، بل استطاعت إيهام المتابعين بامتلاكها احتياطيّاً هائلاً تقارع به القوى العظمى، وسيلتها في ذلك زرع الاستعداد للانتحار في نفوس أتباعها. الإنسان المفخَّخ، إنسان الـTNT، هو المثال الذي توجّب على الجميع الاحتذاء به لينعموا بفضائل الجهاد المقدّس.
قيل الكثير عن دور الغرب في صناعة الحركات الجهاديّة واستثمارها في مواجهة المنظومة الاشتراكيّة أثناء الحرب الباردة؛ كان ذلك نوعاً من “الجهاد” المنظَّم ضدّ قوّة بعينها، ولا يُقارن بالجهاديّة العدميّة التي روّجت لها القاعدة بعد انتهاء الحرب ضدّ الشيوعيّة. فالهدف “الأسمى” الذي وضعته القاعدة يستحيل تحقيقه، ومن هنا أصبح الجهاد بلا غاية واقعيّة تبرّره، صار ضرباً من الإرهاب العبثيّ المدعوم بتأويلات أيديولوجيّة لا تنتمي إلى العصر الحاليّ، أو بالأحرى لم يثبت انتماؤها إلى أيّ عصر آخر. وعلى هذا الصعيد ليس بوسعنا تجاهل الإرهاب الفكريّ الذي مارسته القاعدة تجاه المسلمين أنفسهم، فأمراء القاعدة أعلوا ممّا يُسمّى فريضة الجهاد بحيث بدت كأنّها جوهر الإسلام، أو الجوهر الوجوديّ للإسلام.
مع ذلك بوسعنا القول إنّ التأويل الإمبرياليّ للإسلام لقي رواجاً لدى أنصار القاعدة وخصومها على حدّ سواء، وربّما نأسف اليوم على الطاقات الفكريّة التي أُهدرت في سجالات استنزفت وقتاً وجهداً من أجل إثبات ماهيّةٍ مختلف عليها للإسلام. صحيح أنّ جزءاً من هذا الجهد لم يذهب سدى إلا أنّه أعاق التفكير في قضايا أكثر إلحاحاً وراهنيّة، دون إغفال أنّه على المستوى السياسيّ أدّى إلى توحيد قوى متباينة، وبالتالي أعاق فعاليّة تناقضاتها، وأخّر في سقوط قوى أخرى كان لها أن تنهار بفعل تناقضاتها الداخليّة بأسرع ممّا حصل فعلاً.
أجادت القاعدة مؤقّتاً الاستثمار في الإحباط واليأس العامّين، ورغم ما قيل عن انتماء عناصر القاعدة إلى فئات لا تعاني الفقر أو البؤس إلا أنّ هذا لا ينفي البؤس متعدّد المستويات الذي بنت عليه شعبيّتها. بالتركيز على الهزائم الخارجيّة التي تعرّضت لها “المجتمعات الإسلاميّة”، وعلى السلوك الإمبرياليّ للقوى العظمى، حرفت القاعدة انتباه كتلة واسعة من الناس عن المشاكل البنيويّة للمجتمع، وألقت باللوم أوّلاً على قوى “الكفر والإلحاد” التي يمثّلها الغرب، كما استخدمت الحجّة ذاتها ضدّ الأنظمة العربيّة التي لم تكن فاسدة، وفق هذا المنظور، بسبب الديكتاتوريّة ونهب الثروات العامّة وإنّما بسبب كفرها وتخلّيها عن واجبها المقدّس في الجهاد.
إنّ استثمار نقمة المجتمعات على أنظمتها، ونقمتها على القوى الغربيّة، قُيّض له النجاح نسبيّاً ومؤقّتاً لأسباب عديدة تضافر معها التهويل الإعلاميّ الذي وضع القاعدة بموقع الخطر الداهم الذي يهدّد الغرب على حساب إغفال تهديد هذا الخطر للمجتمعات المحليّة. وقد كان من السذاجة الظنُّ أنّ القاعدة تشكّل خطراً حقيقيّاً مباشراً على الغرب المحصّن من جوانب عديدة، بينما يتجلّى الخطر بأشكال عديدة في المجتمعات التي يرتع فيها البؤس. لكنّ الاستثمار في اليأس بطبيعته قصير الأجل إذا لم يدعّم ببرنامج ذي أفق ملموس، وهذا ما افتقده بن لادن الذي لم يمتلك إجابات مقنعة على الاستحقاقات التي تواجهها “المجتمعات الإسلاميّة”. قد تنفع صورة “الزاهد الثوريّ” التي أراد ترويجها عن نفسه في إكسابه تعاطف أو احترام البعض، أمّا اقتفاء أثره في الزهد فهو مهمّة شاقّة لا تستهوي سوى قلّة قليلة، فضلاً عن أنّ غالبيّة المسلمين العرب لا تروق لها عودة الخلافة وعلى رأسها ملا أفغانيّ.
تمكّن بن لادن من استغلال فترة التحوّل التاريخيّ التي تلت الحرب الباردة ليطرح نفسه قطباً جديداً، وقد أرضى بذلك نوازع الذين انبنت ذهنيّتهم على عالم ثنائيّ القطب. كما تمكّن أيضاً من استغلال جوانب من سيرته الذاتيّة، ليعزّز من خلالها صورة التضحية والفداء، إلا أنّ تأثير الكاريزما الشخصيّة له لم يدم طويلاً بسبب التكرار الذي ساد خطابَه. وفي الواقع إنّ ما كسبه بن لادن من عنصر المباغتة في هجمات الحادي عشر من سبتمبر قد استهلكته الإنشائيّة المملّة التي طبعت تسجيلاته فيما بعد، فظهر كقائد ذاهب إلى الاضمحلال باطّراد في الوقت الذي ظهر فيه الخطاب الحماسيّ لساعده الأيمن “الظواهري” كنكتة سمجة تعود إلى زمن انقضى.
قبل الإعلان الرسميّ عن مقتل بن لادن كانت المجتمعات العربيّة قد أطلقت رصاصة الرحمة على ما يمثّله الرجل، فانتحار البوعزيزي قدّم مثالاً مضادّاً لانتحاريي القاعدة، وأولئك الذين يواجهون رصاص الديكتاتوريّة، وحتّى دباباتها، بصدورهم العارية يقدّمون أمثلة يوميّة عن حبّ الحياة، وعن نبل الجسد الإنسانيّ الأعزل، ولكن المفخّخ بإرادة قويّة. لقد عرفت هذه المجتمعات ما تريده في الأرض لا في السماوات، وافترقت في خطاب انتفاضاتها عن مختلف أنواع الشموليّات التي تحكّمت طويلاً في العقول، ولعلّ بعض من تأثّروا سابقاً بخطاب بن لادن يسخرون الآن من أنفسهم وقد أدركوا الآن أنّ بوسعهم صناعة أقدارهم، وليسوا بحاجة إلى مخلّص أو منقذ.
قُتل بن لادن أخيراً؛ بالتأكيد هو خبر هامّ برمزيّته، لكنّه لم يعد يرقى إلى مستوى الحدث الهامّ.
