من أجل تحالف بين الفلسفة والعلم
وهي علوم تأتّى لها بفضل الانضباط المنهجيّ المستند إلى التّرييض بشكل أو بآخرأن تحقّق نجاحات كبيرة (ولعلّه ينبغي الانتباه في هذا المقام إلى كون التفكير الرّياضي منهجا أكثر منه استعمالا للأعداد والمعادلات الكمّية على نحو ما يبيّن ذلك قرنجي في معرض ردّه على الّذين يرفضون دراسة الإنسان علميّا بتعلّة أنّه كائن نوعيّ وليس كائنا كمّيا، وهم يكتفون في ذلك باستيعاب سطحيّ لتعريف الرّياضيّات على أنّها علم الكمّ؛ إذ يصرّح قرانجي: “إنّ كثيرا من خصوم المنهج الصّارم [= منهج التّفكير الرّياضيّ] في علوم الإنسان إذ يهاجمون تحديد الكمّية دون غيره، إنّما يخبطون خبط عشواء”.) نجاحات جعلت بعضهم يعتقد أنّ العلم وحده قادر على أن يستجيب لكلّ حاجات الإنسان. والواقع أنّ هذه الاستنتاج الأخير هو الذي يدفع إلى التّساؤل التّالي: هل معنى ذلك أنّ الفلسفة تنحصر في كونها تأمّليّة خالصة ـ على نحو ما آل إليه الشّعر أيضا ـ مقابل العلم الذي يبدو أنّه ينتسب دون غيره أو أكثر من غيره إلى الفضاء العمليّ، فضاء الممارسة والقيم بالنّسبة إلى الإنسان؟
بالفعل تبدو الفلسفة على ضوء هذا التقدّم العلمي من جهة مناهجه ونتائجه على مسافة من الحياة اليوميّة وغير قادرة على الاستجابة لمتطلّبات الإنسان الملحّة. بيد أنّ مثل هذه المقارنة قد تنطوي على بعض المغالطات خاصّة إذا ما انتبهنا إلى أنّ مقولات العلم ومفاهيمه إنّما هي مستمدّة من حقل الفلسفة على نحو ما يوضّح ذلك دولوز عندما يعتبر أنّ الفلسفة هي التي يُناط بعهدتها أن تؤسّس المفاهيم وأن تزوّد بها غيرها من المعارف بما في ذلك العلم مثل مقولات “القوّة” و”الكتلة” و”الجاذبيّة” وغيرها من المقولات التي يجري استعمالها في مجال الفيزياء وحتّى في مجال الرّياضيّات مثل مقولات “الصّلاحيّة” و”الافتراض” وغيرهما.
على أنّ أهمّية الفلسفة بالنّسبة إلى العلم تخصيصا وبالنّسبة إلى الإنسان عموما إنّما تتجلّى في الدّور التّحرّري الذي يمكن أن تؤدّيه كلّما بلغت الهيمنة العلميّة درجة يصبح فيها وجود الإنسان مهدّدا بـ”الموضعة” و”التّسليع” (تحويل الإنسان إلى سلعة) والاغتراب عموما بتعلّة تحقيق النّجاعة ومضاعفة المردوديّة.
ففي وضع كهذا تنبري الفلسفة منبّهة إلى أنّ الإنسان في جوهره قيمة، بل هو قيمة القيم التي تتمثّل أساسا في الحرّية والسّعادة فتضطلع الفلسفة عندئذ بالتّشريع للقيم الإنسانيّة في بعدها الكلّي سواء أكان بعدا أخلاقيّا أم بعدا جماليّا… ولكنّ الذين يتظنّون بعد على أيّ دور فعّال يمكن أن تضطلع به الفلسفة في الرّاهن الإنسانيّ إنّما هم أولئك الذين لم يطوّروا تعريفهم للفلسفة وظلّوا ينظرون إليها على أنّها ما زالت بعد في حكم التّأمّل الميتافيزيقيّ المجرّد واهي الصّلة بالواقع المعيش.
وموقف مثل هذا من الفلسفة ينمّ على مكابرة وضعيّة أكثر ممّا يعكس تشخيصا موضوعيّا لواقع الفلسفة؛ فالدّعوات إلى عقد تحالف جديد بين الفلسفة والعلم ما انفكّت تتواتر على نحو ما نعاين ذلك في الأعمال المشتركة بين بريغوجين وستنجرس وهما ينتهيان إلى ضرورة تأسيس خطاب “بيو-إطيقيّ” يحافظ على مكاسب النّجاعة العلميّة خاصّة في مجال البحوث البيولوجيّة، أو على ما نعاين ذلك لدى هربرت ماركوز وهو يرجع بؤس الانسانيّة إلى مختلف اللّحظات التي عكست انفصالا بين بعديْ “اللّوغوس” و”الأيروس” في الوجود الانسانيّ. على أنّه ينبغي عدم التّعجّل، بالمقابل، واعتبار مثل هذا التّجديد للخطاب الفلسفيّ تسفيها للطّابع الميتافيزيقيّ بإطلاق؛ فلعلّ تأويلا كالذي يجريه هيدغر وهو يصل العلم بجذر ميتافيزيقيّ حيث يتمثّل هذا الوصل في أنّ الفيزياء النّوويّة التي تندرج ضمن مجال البحث في “حقيقة المادّة” إنّما هي استجابة للهاجس الفلسفيّ الأنطولوجيّ القديم الذي تكفّل به تقليديّا الخطاب الميتافيزيقيّ وهو يعبّر عن تعطّش الفكر البشريّ إلى معرفة ماهية الوجود، إذن لعلّ تأويلا كهذا يقتضي مراجعة المواقف السّلبيّة، التي ما انفكّت تتراكم، من مسألة الميتافيزيقا ضمن العلاقة بين الفلسفة والعلم.
وفي الجملة فإنّ مقاربة تتعلّق بمسألة الفلسفة والعلم وتنساق إلى مقارنة تفاضليّة بينهما إنّما هي مقاربة أحاديّة الاتّجاه لا تبرأ من التّوظيف الإيديولوجيّ ما دام هناك تكامل بين التطوّر العلميّ والمراقبة الفلسفيّة له على نحو يصعب إنكاره
